«جنرال موتورز» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يغيّر علاقة السائق بالسيارة في السعودية

من التحديثات عن بُعد إلى «جيميناي»... كيف تتحول السيارة إلى منصة رقمية؟

تتحول السيارة تدريجياً إلى منصة رقمية تتطور بعد مغادرتها الوكالة مع التحديثات عبر الأثير والاتصال بالجيل الخامس والخدمات المتصلة (أدوبي)
تتحول السيارة تدريجياً إلى منصة رقمية تتطور بعد مغادرتها الوكالة مع التحديثات عبر الأثير والاتصال بالجيل الخامس والخدمات المتصلة (أدوبي)
TT

«جنرال موتورز» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يغيّر علاقة السائق بالسيارة في السعودية

تتحول السيارة تدريجياً إلى منصة رقمية تتطور بعد مغادرتها الوكالة مع التحديثات عبر الأثير والاتصال بالجيل الخامس والخدمات المتصلة (أدوبي)
تتحول السيارة تدريجياً إلى منصة رقمية تتطور بعد مغادرتها الوكالة مع التحديثات عبر الأثير والاتصال بالجيل الخامس والخدمات المتصلة (أدوبي)

تتغير العلاقة بين السائق والسيارة مع انتقال جزء متزايد من وظائف المركبة من المكونات الميكانيكية التقليدية إلى البرمجيات والاتصال والذكاء الاصطناعي. وتقول «جنرال موتورز» إن أكثر من 10 آلاف مركبة مؤهلة في السعودية والإمارات والكويت والبحرين حصلت على تحديثات برمجية أو مرتبطة بالأمن السيبراني عن بُعد خلال النصف الأول من 2026، في مؤشر على تغير طبيعة السيارة نفسها، من منتج يخرج من الوكالة بخصائص شبه ثابتة إلى منصة رقمية يمكن أن تتطور قدراتها خلال فترة الاستخدام.

هذا التحول لا يقتصر على تحديث البرمجيات، وإنما يمتد إلى الاتصال عبر شبكات الجيل الخامس، والخدمات الرقمية داخل المركبة، والذكاء الاصطناعي التوليدي، وأنظمة مساعدة السائق المتقدمة.

وفي السوق السعودية تحديداً، تضيف هذه التطورات متطلبات أخرى تتعلق باللغة العربية، وظروف المناخ والطرق، وحماية البيانات، وفهم المستخدم للحدود الفعلية للتقنيات التي يستخدمها.

يشرح المدير الإداري للخدمات والتجارب الرقمية لدى «جنرال موتورز» في أفريقيا والشرق الأوسط، لويس دي لا كروز، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر «ليب 2026» الذي عُقد في الرياض الأسبوع الماضي، أن «المركبة لا تتوقف عن التحسن بعدما تترك الوكالة». ويوضح أن هذا النموذج يسمح للوكالات بالتركيز بدرجة أقل على الأعمال البرمجية الروتينية، وتوجيه موارد أكبر إلى الخدمات التي تتطلّب دعماً مباشراً للعملاء وبناء العلاقة معهم.

المدير الإداري للخدمات والتجارب الرقمية لدى «جنرال موتورز» في أفريقيا والشرق الأوسط لويس دي لا كروز (الشركة)

السيارة بوصفها منصة برمجية

تضع «جنرال موتورز» هذه التغييرات ضمن استراتيجيتها للمركبات المعرّفة برمجياً، التي تشمل علامات «شيفروليه» و«جي إم سي» و«كاديلاك». ويذكر دي لا كروز أن المركبة المتصلة لم تعد تُقاس فقط بقدرتها على نقل السائق من مكان إلى آخر، وإنما بما تستطيع إضافته إلى تجربة الاستخدام بمرور الوقت. وتشمل الأمثلة التي أشار إليها التحديثات عبر الأثير، والخدمات المعلوماتية والترفيهية مثل بث الفيديو، إلى جانب خدمات تعتمد على اتصال أسرع عبر شبكات الجيل الخامس.

ويتزامن هذا التوجه مع تغير في توقعات العملاء أنفسهم. فالمستخدم الذي اعتاد أن تتطور تطبيقاته وخدماته الرقمية باستمرار أصبح ينتظر قدراً مشابهاً من السيارة، سواء من حيث الوصول إلى الخدمات أو سهولة التحكم أو استمرار إضافة مزايا جديدة. ومن هنا، تتوسع وظيفة «أونستار» من مجرد الاتصال بالمركبة إلى توفير خدمات مثل الوصول إليها عن بُعد، والدعم في الوقت الفعلي، والخدمات المتصلة، بالإضافة إلى مساعد قائم على الذكاء الاصطناعي يتجاوز تنفيذ الأوامر الصوتية البسيطة. ويشير دي لا كروز إلى أن السيارة تتحول تدريجياً إلى «رفيق أكثر ذكاءً على الطريق»، مع تغير نظرة السائق إليها من آلة منفصلة إلى جزء من تجربته الرقمية اليومية.

«جيميناي» والانتقال إلى المحادثة

أحد أبرز التغييرات التي تدخل المقصورة يرتبط بتوفير «جيميناي» من «غوغل» في مجموعة من مركبات «جنرال موتورز» المؤهلة في دول مجلس التعاون الخليجي.

ويتمثل الفارق الأساسي، وفق دي لا كروز، في الانتقال من نمط يقوم على تنفيذ أوامر صوتية محددة إلى تفاعل أقرب إلى المحادثة. ففي الأنظمة التقليدية يحتاج السائق عادة إلى معرفة صيغة الأمر الصحيحة، في حين يسمح الذكاء الاصطناعي التوليدي باستخدام لغة أكثر طبيعية للاستفسار عن خصائص المركبة أو طلب المساعدة في تخطيط مسار أو تعديل بعض الإعدادات. ويضيف أن هذه المسألة تكتسب أهمية أكبر بالنسبة إلى المتحدثين بالعربية، لأن المطلوب لا يقتصر على دعم اللغة شكلياً، بل يمتد إلى فهم السياق وأنماط الحديث اليومية. ويقول: «على التقنية فهم اللغة المحلية والسياق وأنماط الحديث اليومي، بدل توقع أن يتكيف السائقون مع النظام». وبالنسبة إلى الشركة، فإن نجاح هذه الأنظمة يرتبط بقدرتها على جعل التفاعل أقل تعقيداً، لا بإضافة المزيد من الوظائف لمجرد زيادة عددها.

يتطلّب توسيع المركبات المتصلة في السعودية تكييف التقنيات مع المناخ والطرق واللغة والأنظمة المحلية إلى جانب حماية البيانات وخصوصية المستخدم (أدوبي)

عندما تصبح كثرة الوظائف مشكلة

زيادة القدرات الرقمية داخل السيارة تفتح في المقابل سؤالاً حول تشتت الانتباه، خصوصاً عندما تتنافس الشاشات والتنبيهات والتطبيقات على انتباه السائق. ويفيد دي لا كروز بأن فلسفة التصميم تبدأ من السلامة، وأن الهدف ليس إضافة المزيد من الشاشات أو «التلقين أو التعقيد الرقمي»، بل تقديم المعلومة المطلوبة بأبسط طريقة ممكنة. فالذكاء الاصطناعي الصوتي، مثلاً، يمكن أن يتيح للسائق الحصول على مساعدة في الملاحة أو معرفة حالة المركبة أو طلب الدعم دون البحث داخل قوائم متعددة، فيما يمكن للتنبيهات الاستباقية أن تعرض المعلومة في اللحظة التي تصبح فيها ذات صلة.

ويتابع: «عليها أن تكون بديهية، هادفة ومصممة لدعم السائق، وليس المنافسة لكسب انتباهه». وبذلك يصبح معيار نجاح التقنية مرتبطاً بدرجة تقليلها للحاجة إلى التفاعل اليدوي مع الأنظمة، وليس فقط بقدرتها على تقديم مزيد من المحتوى أو الوظائف.

مليار ميل دون استخدام اليدين

في مجال مساعدة السائق، تستعد «جنرال موتورز» لتوسيع حضور تقنية «سوبر كروز» في المنطقة، بعد قيامها برسم خرائط لآلاف الكيلومترات من الطرق استعداداً لاستخدام النظام. وعالمياً، قطع مستخدمو «سوبر كروز» حتى الآن أكثر من مليار ميل بالقيادة من دون استخدام اليدين، وفق دي لا كروز. لكن نقل هذه التقنية إلى السعودية لا يعتمد على جاهزية السيارة وحدها. ويقول إن الشركة تعمل مع الجهات المحلية لضمان توافق البنية التحتية والأطر التنظيمية مع متطلبات النظام قبل التوسع في استخدامه. وفي الوقت نفسه، تحرص الشركة على الفصل بين «القيادة دون استخدام اليدين» و«القيادة الذاتية».

ويشدد دي لا كروز على أن «التثقيف بذات أهمية الهندسة»، وأن «سوبر كروز» يبقى نظاماً لمساعدة السائق، وليس تقنية تعفيه من المسؤولية. ولهذا تستخدم الشركة أنظمة مراقبة مدمجة، للتأكد من بقاء السائق منتبهاً ومستعداً للتدخل. ويبرز هذا الجانب مع زيادة قدرات أنظمة المساعدة، إذ يمكن أن يؤدي تطورها إلى اعتقاد بعض المستخدمين أنها أكثر استقلالية مما هي عليه فعلياً.

قطعت مركبات تستخدم «سوبر كروز» أكثر من مليار ميل عالمياً دون استخدام اليدين مع بقاء السائق مسؤولاً ومطالباً بالانتباه (أدوبي)

سيارة تعرف أكثر عن سائقها

كلما زادت درجة اتصال المركبة، زاد حجم البيانات التي يمكن أن تنتج عنها. وتشمل هذه البيانات الموقع، والمعلومات التشخيصية، وبعض أنماط الاستخدام والسلوك، وهي عناصر تصبح أكثر أهمية مع إدخال خدمات تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتخصيص. ويلفت دي لا كروز إلى أن «الثقة عنصر أساسي في بناء المركبات التي يحبها العملاء»، موضحاً أن الشركة تعمل وفق بروتوكولات مرتبطة بخصوصية البيانات وموافقة المستخدم، إلى جانب المتطلبات التنظيمية المعمول بها في المملكة. ويضيف أن ذلك يشمل حماية بيانات العملاء وتطبيق عمليات التوطين المناسبة، مع استخدام البيانات في إطار تعزيز تجربة القيادة.

وتتداخل هذه القضية مباشرة مع التوسع في الذكاء الاصطناعي داخل المركبة، لأن الأنظمة الأكثر تخصيصاً تحتاج إلى فهم أكبر للسياق والاحتياجات والتفضيلات، ما يجعل إدارة البيانات وموافقة المستخدم جزءاً من تصميم التجربة وليس مسألة منفصلة عنها.

حدود التقنية

تعمل «جنرال موتورز» في نحو 60 دولة، لكن دي لا كروز يرى أن الاعتماد على نموذج موحّد لكل الأسواق «لا ينطبق فعلياً». وفي السعودية، تدخل مجموعة من العوامل في تكييف التقنيات، منها المناخ، واللغة، وظروف القيادة، وطبيعة الطرق، والمتطلبات التنظيمية. ولهذا تُجري الشركة، وفقاً له، اختبارات وعمليات تعديل على التقنيات التي تتراوح من أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى تقنيات مساعدة السائق قبل تكييفها في السوق المحلية. ويضع ذلك أمام صناعة السيارات معادلة مختلفة عن تلك التي حكمتها لعقود. فالتنافس لم يعد مرتبطاً فقط بالمحرك، أو التصميم، أو التجهيزات الميكانيكية، بل بمدى قدرة المركبة على الاتصال والتحديث وفهم المستخدم والتكيف مع البيئة المحلية.

ومع انتقال مزيد من وظائف السيارة إلى البرمجيات والذكاء الاصطناعي، يبقى السؤال الأكثر حساسية هو مقدار الاستقلالية التي يمكن منحها لهذه الأنظمة، ومتى يجب أن يبقى السائق الطرف الذي يحتفظ بالقرار النهائي، سواء تعلّق الأمر بالمعلومات التي تقدمها السيارة، أو البيانات التي تستخدمها، أو الوظائف التي يمكن أن تنفذها نيابة عنه.


مقالات ذات صلة

داخل مراكز قيادة تراقب شرايين الذكاء الاصطناعي حول العالم (صور)

تكنولوجيا صفوف من خزانات رفوف الخادم في مركز بيانات (ديجيتال رياليتي) في سنغافورة (أ.ف.ب)

داخل مراكز قيادة تراقب شرايين الذكاء الاصطناعي حول العالم (صور)

يطرح العمل في مراكز القيادة المسؤولة عن حماية الذكاء الاصطناعي ضغطاً شديداً على الموظفين المكلفين بمراقبة مئات مراكز البيانات حول العالم.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
تكنولوجيا داريو أمودي الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة «أنثروبيك» - أعلى اليسار - وديميس هاسابيس المؤسس المشارك لشركة «غوغل ديب مايند» أعلى اليمين وسام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» - أسفل اليسار - وإيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس» (أ.ب) p-circle

دعوى قضائية تتهم عمالقة الذكاء الاصطناعي بإبرام اتفاق غير قانوني لإبطاء وتيرة تطويره

رفعت دعوى قضائية جديدة تزعم أن شركات «أنثروبيك»، و«أوبن إيه آي»، و«سبيس إكس إيه آي»، و«غوغل»، أبرمت صفقة غير قانونية لإبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي لديها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سيدة مصابة بمرض ألزهايمر تستخدم هاتفاً للتحدث مع برنامج الدردشة «ليفانا» (أ.ف.ب)

أصوات مألوفة وحيوانات أليفة... الذكاء الاصطناعي في خدمة مرضى ألزهايمر

يُساعد الذكاء الاصطناعي على تهدئة المسنّين خلال نوبات الانفعال الشديد من دون الحاجة إلى أدوية، كما يشكل وسيلة لإبقاء المريض منشغلاً ريثما يتوفر أحد المتخصصين.

«الشرق الأوسط» (باريس)
صحتك سرطان الثدي تحت عين العلم... حتى ما بعد التعافي (معهد كارولنسكا في السويد)

الذكاء الاصطناعي يتنبأ بعودة سرطان الثدي قبل سنوات

بيّنت دراسة أميركية أنّ اختباراً يعتمد على الذكاء الاصطناعي يمكنه التنبّؤ بخطر عودة سرطان الثدي في مراحله المبكرة بدقة أكبر من اختبار جيني شائع...

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
تكنولوجيا يحذّر باحثون من أن بلوغ الذكاء الاصطناعي مستوى يفوق القدرات البشرية قد يهدد مستقبل البشرية... صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي (الشرق الأوسط) p-circle 03:08

هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقضي على البشرية؟

يحذّر باحثون من احتمال تهديد الذكاء الاصطناعي للبشرية مستقبلاً، فيما تظل سيناريوهات الأوبئة والروبوتات والأسلحة النووية افتراضات تتجاوز قدراته الحالية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

داخل مراكز قيادة تراقب شرايين الذكاء الاصطناعي حول العالم (صور)

مركز التحكم في بيانات شركة «ديجيتال ريالتي» في سنغافورة (أ.ف.ب)
مركز التحكم في بيانات شركة «ديجيتال ريالتي» في سنغافورة (أ.ف.ب)
TT

داخل مراكز قيادة تراقب شرايين الذكاء الاصطناعي حول العالم (صور)

مركز التحكم في بيانات شركة «ديجيتال ريالتي» في سنغافورة (أ.ف.ب)
مركز التحكم في بيانات شركة «ديجيتال ريالتي» في سنغافورة (أ.ف.ب)

يطرح العمل في مراكز القيادة المسؤولة عن حماية الذكاء الاصطناعي ضغطاً شديداً على الموظفين المكلفين بمراقبة مئات مراكز البيانات حول العالم، التي تعد الشريان الأساسي للتبادلات المصرفية عبر الإنترنت والتراسل وخدمات الذكاء الاصطناعي، بحيث تصبح القدرة على ضبط النفس شرطاً لا غنى عنه.

في سنغافورة، وتحديداً في مركز قيادة تابع لشركة «ديجيتال ريالتي» الأميركية، التي تشغل مراكز بيانات حول العالم، يجلس المحللون محاطين بخرائط رقمية وشاشات لمراقبة المراكز الشبيهة بمستودعات تملؤها خوادم تصدر طنيناً مستمراً.

ولا تقتصر مهمة العاملين على الاستجابة للأعطال لدى وقوعها، بل رصد أي مؤشرات مبكرة مثل الارتفاع المفاجئ في درجات الحرارة، لتجنب أي توقف في الخدمات.

ويتلقى دانيال ناينغ (37 عاماً) وزملاؤه آلاف الإنذارات أسبوعياً. وقال لوكالة الصحافة الفرنسية: «إذا ظهرت عليّ علامات الخوف، فسيتملك الذعر أعضاء فريقي أيضاً. لذا، حتى لو كنت أشعر بالتوتر، فأنا أحرص على إخفاء ذلك».

ويتولى مركز القيادة هذا، إلى جانب مركزين آخرين في أوروبا والولايات المتحدة، مراقبة أكثر من 300 مركز بيانات تتوزع على قارات العالم الست على مدار الساعة.

دانيال ناينغ رئيس مركز القيادة لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في شركة «ديجيتال ريالتي» (أ.ف.ب)

وتقدم «ديجيتال ريالتي» خدمات لنحو 6 آلاف شركة كبيرة وصغيرة، فيما يعد انقطاع التيار الكهربائي والأعطال التي تصيب المعدات من المشاكل الأكثر شيوعاً. وللشركة أيضاً بروتوكولات تفصيلية للتعامل مع الزلازل والأعاصير، إذ إن رصد عاصفة على بعد آلاف الكيلومترات كافٍ لوضع الفريق بأكمله في حالة من التأهب.

ومع ازدياد الحاجة إلى إنشاء مزيد من مراكز البيانات، يزداد الجدل السياسي المحيط بها في العديد من مناطق العالم مع احتدام السباق على تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي والذي يتطلب قدرات حوسبة هائلة.

وتقول سيرين ناه، المديرة التنفيذية والمسؤولة عن منطقة آسيا والمحيط الهادئ في «ديجيتال ريالتي» إنه من دون هذه المراكز «سيتوقف كل شيء عن العمل» في عالم أصبح يعتمد على التكنولوجيا الفائقة إلى حد كبير.

وحسب ناه، فإن مراكز البيانات أصبحت بمثابة بنية تحتية أساسية ومسألة «لا تقل أهمية ربما عن الأمن القومي»، مضيفة: «علينا أن نضمن على الدوام عدم توقف هذه المراكز عن العمل». وأشارت ناه إلى أن «هناك الكثير من سوء الفهم يحيط بعملنا» وسط معارضة من الرأي العام الذي يرى أن مراكز البيانات تتسبب في انبعاث «كميات كبيرة من الكربون والحرارة وتستهلك كثيراً من المياه».

صفوف من خزانات رفوف الخادم في مركز بيانات (ديجيتال رياليتي) في سنغافورة (أ.ف.ب)

وتابعت: «وفي نفس الوقت، الجميع يتصفح هاتفه يومياً»، ومع كل مرة يضغطون فيها على الشاشة «لا بد للبيانات أن تذهب إلى مكان ما»، مشيرة إلى أن الشركة «تعطي الأولوية للطاقة المتجددة مثل الألواح الشمسية وأنظمة تبريد الخوادم المغلقة التي تعيد تدوير المياه بشكل مستمر».

إنذارات كاذبة

وعلى الرغم من اعتماد البشرية على مراكز البيانات، اتضح أن مخاطر عدة تحدق بهذا القطاع، لاسيما بعدما تعرضت مراكز بيانات يديرها الفرع المتخصص في تقديم خدمات الحوسبة التابع لشركة «أمازون» لضربات خلال الحرب في الشرق الأوسط.

وحول العالم، تتسابق شركات التكنولوجيا العملاقة مثل «مايكروسوفت» و«علي بابا» لبناء مراكز البيانات الخاصة بها بهدف تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها، في سباق عالمي تقدر تكاليفه بترليونات الدولارات.

ويتخذ مركز القيادة العالمي التابع ل«ديجيتال ريالتي» من سنغافورة مقرا له، وهو يقع داخل واحد من ثلاثة مراكز بيانات تديرها الشركة هناك.

شعار شركة «ديجيتال ريالتي» الأميركية التي تشغل مراكز بيانات حول العالم (أ.ف.ب)

ويحظر الدخول إلى معظم أقسام مركز البيانات لأسباب أمنية. إلا أن صحافيي وكالة الصحافة الفرنسية شاهدوا خلال جولة لهم في إحدى الغرف خزائن خوادم سوداء تحيط بممرات ضيقة طويلة وحزما من الكابلات الصفراء، وسط صوت هدير خفيف قادم من المراوح فائقة السرعة المستخدمة للتبريد.

سيرين ناه المديرة التنفيذية والمسؤولة عن منطقة آسيا والمحيط الهادئ في «ديجيتال ريالتي» (أ.ف.ب)

ويسهم الذكاء الاصطناعي في تسريع نمو مراكز البيانات وإدخال تقنيات معقدة على عملها. ومع ذلك، لا يزال من غير الممكن الاستغناء عن العنصر البشري في قيادة هذه المراكز، حسب تيرنس تانغ، مسؤول منطقة آسيا والمحيط الهادئ في مركز القيادة العالمي التابع لـ«ديجيتال ريالتي»، وأوضح تانغ لوكالة الصحافة الفرنسية: «ما زلنا بحاجة إلى تدخل بشري للتحقق من وجود خلل فعلي وما إذا كانت هذه الإنذارات حقيقية، لأن الأنظمة التي تعمل أوتوماتيكياً أو تعتمد على الذكاء الاصطناعي قد تعطي أحيانا إنذارات كاذبة».


دعوى قضائية تتهم عمالقة الذكاء الاصطناعي بإبرام اتفاق غير قانوني لإبطاء وتيرة تطويره

داريو أمودي الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة «أنثروبيك» - أعلى اليسار - وديميس هاسابيس المؤسس المشارك لشركة «غوغل ديب مايند» أعلى اليمين وسام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» - أسفل اليسار - وإيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس» (أ.ب)
داريو أمودي الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة «أنثروبيك» - أعلى اليسار - وديميس هاسابيس المؤسس المشارك لشركة «غوغل ديب مايند» أعلى اليمين وسام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» - أسفل اليسار - وإيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس» (أ.ب)
TT

دعوى قضائية تتهم عمالقة الذكاء الاصطناعي بإبرام اتفاق غير قانوني لإبطاء وتيرة تطويره

داريو أمودي الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة «أنثروبيك» - أعلى اليسار - وديميس هاسابيس المؤسس المشارك لشركة «غوغل ديب مايند» أعلى اليمين وسام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» - أسفل اليسار - وإيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس» (أ.ب)
داريو أمودي الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة «أنثروبيك» - أعلى اليسار - وديميس هاسابيس المؤسس المشارك لشركة «غوغل ديب مايند» أعلى اليمين وسام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» - أسفل اليسار - وإيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس» (أ.ب)

رُفعت دعوى قضائية جديدة تزعم أن شركات «أنثروبيك»، و«أوبن إيه آي»، و«سبيس إكس إيه آي»، و«غوغل»، أبرمت صفقة غير قانونية لإبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي لديها.

وتزعم الدعوى، التي رُفعت يوم الجمعة في محكمة المقاطعة الشمالية لولاية كاليفورنيا، أن شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة انتهكت قوانين مكافحة الاحتكار عندما اتفقت على تنسيق جهود إبطاء وتيرة التطوير، وأن ذلك سيقلل من القيمة التي يحصل عليها المستهلكون مقابل اشتراكات الذكاء الاصطناعي المدفوعة، حسبما أوردت وكالة «أسوشييتد برس».

وتشير الدعوى إلى أن التنسيق جرى في معظمه في 12 سبتمبر (أيلول)، عندما نشر داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، مقالاً يحث فيه على تعاون القطاع بأكمله في إبطاء وتيرة التطوير لصالح تعزيز إجراءات السلامة. وفي اليوم نفسه، رد كل من سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، وإيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس إيه آي»، وديميس هاسابيس، المؤسس المشارك ورئيس مجلس إدارة «غوغل ديب مايند»، علناً على مقترحات أمودي مؤيدين لها.

مزاعم بأن التنسيق بدأ يتشكل منذ أشهر

غير أن الدعوى القضائية تزعم أيضاً أن هذا التنسيق بدأ يتشكل قبل ذلك بأشهر؛ إذ تشير إلى بيان صدر في يوليو (تموز) 2026 وقّعه موظفون رفيعو المستوى في العديد من مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة، أقروا فيه بوجود «ضغط تنافسي شديد يحول دون إبطاء» وتيرة التطوير بشكل أحادي الجانب. وقد دعا ذلك البيان الحكومة إلى دعم جهود عالمية لإبطاء تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي الآلية.

ويجادل المدعون بأنه من الواضح أن التوصل إلى اتفاق بين المنافسين الرئيسيين في مجال الذكاء الاصطناعي - يقضي بأن يكون تقدمهم «أبطأ مما كانت ستفرزه المنافسة الطبيعية» - ينطوي على أثر يحد من المنافسة ويضر بالمستهلكين.

ويتولى محامون يمثلون أربعة مدعين محددين - وهم مشتركون يدفعون مقابل خدمات «شات جي بي تي» أو «كلاود» أو «غروك» أو «جيميناي» - رفع هذه الدعوى نيابةً عن فئة مقترحة تشمل مشتركين آخرين في تلك الخدمات على مستوى البلاد.

ولا يعترض المدّعون على أن تقرر الشركات، كلٌّ على حدة، إبطاء وتيرة تقدمها لصالح تعزيز السلامة. لكنهم يجادلون في الدعوى بأن قوانين مكافحة الاحتكار تمنعها من اتخاذ هذا «الاختصار» المتمثل في الاتفاق على «استبدال المسؤولية الفردية بقيود جماعية». وتؤكد الدعوى أن وجود سوق تنافسية يتيح تحمّل المسؤولية وتحقيق تقدم حقيقي.

معايير مشتركة بين الشركات التقنية

وقال نيك رولي، المحامي الرئيسي للمدّعين: «سيفلت الذكاء الاصطناعي سريعاً من سيطرة البشر، وقد يقضي علينا جميعاً إذا سمحنا بأن تخضع سلامة الذكاء الاصطناعي وبروتوكولاته لاتفاقات خاصة تخدم مصالح أطرافها، تبرمها أقوى شركات التكنولوجيا الربحية في العالم».

وفي مقاله الأول الذي اقترح فيه إبطاء وتيرة التطوير، أقر أمودي بإمكانية ظهور تحديات تتعلق بقوانين مكافحة الاحتكار، وكتب أنه سيكون من المفيد أن تتوسط الحكومة الأميركية في هذه المناقشات بين مختبرات الذكاء الاصطناعي، «أو على الأقل تتيحها». وأوضح أن الحكومة لن تحتاج إلى المشاركة فيها، لكنها ستحتاج إلى «إصدار إعفاء محدود لأنواع معينة من المناقشات المتعلقة بالسلامة».

ورد ألتمان عبر وسائل التواصل الاجتماعي قائلاً إن «أوبن إيه آي ترحب بفكرة وجود إطار اتحادي يضع متطلبات موحدة للسلامة»، لكنه أضاف: «لا نعتقد أننا بحاجة إلى انتظار الحصول على إعفاء من قوانين مكافحة الاحتكار أو صدور تشريع للبدء في العمل على توفير هذه الثقة».

وفي حين جاءت المناقشات الأخيرة بشأن إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي مدفوعة بتزايد المخاوف من إفلاته من السيطرة البشرية، تحدث عدد من قادة قطاع الذكاء الاصطناعي منذ فترة طويلة عن وضع مجموعة مشتركة من المعايير، أو تنسيق الجهود بطرق أخرى، لضمان بقاء إجراءات السلامة على رأس الأولويات.

ويؤكد المدّعون في الدعوى أنهم لا يعارضون طلب شركات الذكاء الاصطناعي من الكونغرس أو البيت الأبيض أو أي جهة حكومية أخرى وضع لوائح لتنظيم الذكاء الاصطناعي، كما أنهم لا يعارضون طلب الشركات للحصول على إعفاء من قوانين مكافحة الاحتكار، لكن تحقيق هذا النوع من التعاون مع الحكومة الفيدرالية قد يكون مهمة شاقة.

رفض ترمب

ورفض الرئيس دونالد ترمب الدعوات إلى تنظيم القطاع عبر منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي، زاعماً أن أي جهود للحد من هذه التكنولوجيا تندرج ضمن «مؤامرة». وتساءل عن سبب دعوة قادة القطاع إلى فرض تنظيمات قال إنها، «إذا طُبقت بشكل صارم، ستقودهم إلى الزوال والإفلاس». وقال ترمب، (السبت)، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إنه يشكل فريق عمل للذكاء الاصطناعي وسيعيّن «قيصراً للذكاء الاصطناعي»، لكنه لم يقدم تفاصيل تُذكر.

وكانت إدارة ترمب قد عبَّرت صراحة عن رغبتها في أن تتفوق مختبرات الذكاء الاصطناعي الأميركية على نظيراتها الصينية وأن تحقق تقدماً أكبر منها. وفي حين دعا عدد من القادة والمرشحين الديمقراطيين إلى اتخاذ إجراءات واسعة لتنظيم الذكاء الاصطناعي، اتخذ الجمهوريون إلى حدٍ كبير موقفاً مماثلاً لموقف ترمب.

وفي هذا الصدد، قال السيناتور جوش هاولي، «الجمهوري» عن ولاية ميزوري، خلال جلسة استماع حديثة في مجلس الشيوخ، إنه «لا يوجد عالم» يمكن أن يوافق فيه على منح «أقوى الشركات في تاريخ العالم» إعفاءً من قوانين مكافحة الاحتكار للتعاون فيما بينها، بحجة أن ذلك قد يتيح لها التواطؤ وخنق المنافسة.


ترمب يعتزم تشكيل «قوة للذكاء الاصطناعي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب يعتزم تشكيل «قوة للذكاء الاصطناعي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

كتب الرئيس الأميركي دونالد ترمب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، يوم السبت، أنه بصدد تشكيل «قوة للذكاء الاصطناعي» للإشراف على تنظيم هذا المجال، وفقاً لوكالة «رويترز» للأنباء.

وكتب ترمب على منصة «تروث سوشيال»: «لن نعرقل أو نكبح بأي حال من الأحوال نمو هذه الصناعة المذهلة؛ بل سنحتضنها وندعمها ونرعاها في أثناء نموها ومع ذلك، سنراقب أيضاً أي ممارسات سيئة، ويمكننا القيام بذلك بسهولة تامة من خلال نظام العدالة الجنائية والمدنية القائم لدينا بالفعل».

وتابع ترمب في مواجهة تزايد الشكوك العامة بشأن الذكاء الاصطناعي والتحذيرات الخطيرة المتعلقة بالسلامة الصادرة عن قادة في المجال، إن الليبراليين يريدون «القضاء على الذكاء الاصطناعي أو تدميره».

وأوضح أنه بصدد تشكيل فريق خاص بالذكاء الاصطناعي مهمته «رصد المساوئ»، وأنه سيعلن قريبا عن تعيين منسق حكومي لشؤون الذكاء الاصطناعي.

جاءت تصريحات ترمب عن الذكاء الاصطناعي رغم إظهار استطلاعات الرأي معارضة واسعة النطاق بين الأميركيين لإنشاء مراكز البيانات التي تستهلك كميات هائلة من الطاقة وتُعد المحرك الأساسي للذكاء الاصطناعي.
يتبنى ترمب هذه التكنولوجيا بقوة، رغم التحذيرات الواسعة النطاق من أن وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي تتسارع بشكل مفرط، وأن هذه التقنية قد تهدد البشر قريبا مع تكرر حوادث خروج البرمجيات التي تزداد ذكاء عن سيطرة مصمميها.

واعتبر الرئيس الجمهوري أن الولايات المتحدة لا يمكنها تحمل خسارة السباق التكنولوجي أمام الصين، مشددا على أن الضمانات الوحيدة اللازمة هي وجود «رئيس قوي وذكي (يتمتع بمعدل ذكاء مرتفع!)، وهو ما تمتلكه الولايات المتحدة وبوفرة هائلة!».

وفي منشور آخر على وسائل التواصل الاجتماعي السبت، تساءل ترمب عما إذا كان مصطلح «الذكاء الاصطناعي» دقيقا، وطرح ثلاثة بدائل في ما وصفه بأنه استطلاع للرأي، وطلب من الناس إبداء آرائهم.
كتب ترامب أن البدائل الثلاثة هي: الذكاء المتفوق، والذكاء الفائق، والذكاء الأسمى.

وأضاف «هذا استطلاع للرأي، وسأكون ممتنا لمشاركة الجميع في التصويت! ما هو الاسم الأفضل لهذه (الثورة) التي تتنامى باستمرار؟».

لوحة مفاتيح ويدا روبوت أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» باللغة الإنجليزية (رويترز)

وصرح مسؤولون أميركيون بأنهم سيطرحون موضوع الذكاء الاصطناعي خلال المحادثات مع الصين، في الوقت الذي يستعد فيه الرئيس الأميركي للقاء نظيره الصيني شي جينبينغ، الأسبوع المقبل.

وتنظر كل من واشنطن وبكين إلى التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي بوصفها أمراً حاسماً لتنافسيتهما الاقتصادية والعسكرية، إلا أنهما لا تزالان على خلاف بشأن قضايا تشمل الوصول إلى الرقائق الإلكترونية المتقدمة، ومزاعم نسخ التكنولوجيا، وتنظيم صناعة الذكاء الاصطناعي.