«كاسبرسكي» لـ«الشرق الأوسط»: المؤسسات المتوسطة أكثر انكشافاً أمام مخاطر وكلاء الذكاء الاصطناعي الأمنية

سلاسل مهارات خفية وحقن للتعليمات قد تمنح المهاجمين مساراً إلى البيانات والأنظمة الداخلية

خبراء: يجب مراقبة سير عمل الوكيل كاملاً بما يشمل البيانات وحركة الشبكة والأوامر والملفات التي يصل إليها والمكونات التي ينزّلها (أدوبي)
خبراء: يجب مراقبة سير عمل الوكيل كاملاً بما يشمل البيانات وحركة الشبكة والأوامر والملفات التي يصل إليها والمكونات التي ينزّلها (أدوبي)
TT

«كاسبرسكي» لـ«الشرق الأوسط»: المؤسسات المتوسطة أكثر انكشافاً أمام مخاطر وكلاء الذكاء الاصطناعي الأمنية

خبراء: يجب مراقبة سير عمل الوكيل كاملاً بما يشمل البيانات وحركة الشبكة والأوامر والملفات التي يصل إليها والمكونات التي ينزّلها (أدوبي)
خبراء: يجب مراقبة سير عمل الوكيل كاملاً بما يشمل البيانات وحركة الشبكة والأوامر والملفات التي يصل إليها والمكونات التي ينزّلها (أدوبي)

لم يعد الخطر المرتبط بوكلاء الذكاء الاصطناعي يقتصر على نموذج ينتج إجابة خاطئة أو ينفذ أمراً غير دقيق، بل يمتد إلى منظومة من المهارات والملحقات والخوادم الخارجية والأوامر المتسلسلة التي قد تمنح المهاجم طريقاً إلى البيانات والأنظمة الداخلية. ومع انتقال الشركات من استخدام الذكاء الاصطناعي في مهام محدودة إلى وكلاء قادرين على الوصول إلى البريد الإلكتروني وقواعد البيانات وبيئات التطوير، تصبح مراقبة ما يفعله الوكيل أهم من الاكتفاء بفحص التعليمات التي تلقاها.

يقول سيرجي لوزكين، رئيس فريق البحث والتحليل العالمي في منطقتي آسيا والمحيط الهادئ والشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا لدى «كاسبرسكي» إن التمييز بين السلوك الطبيعي للوكيل والسلوك الناتج عن التلاعب أصبح أكثر تعقيداً. ففي المراحل الأولى، كانت المهارات الخبيثة تتضمن أوامر مباشرة تطلب من الوكيل تجاوز تعليماته السابقة أو تنفيذ أمر ضار، وهو ما جعل اكتشافها أسهل. أما اليوم، فقد انتقلت الهجمات إلى سلاسل متعددة المراحل تبدو فيها كل خطوة منفردة مشروعة، بينما لا يظهر الجزء الخبيث إلا في مرحلة لاحقة.

سيرجي لوزكين رئيس فريق البحث والتحليل العالمي في آسيا والمحيط الهادئ والشرق الأوسط وتركيا وإفريقيا- «كاسبرسكي» (الشرق الأوسط)

مهارة سليمة تقود إلى أخرى خبيثة

يشرح لوزكين خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر «كاسبرسكي للأمن السيبراني» لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا، الذي عُقد في تبليسي عاصمة جورجيا أن الموظف أو مسؤول الأمن قد يفتح مهارة جرى تنزيلها لوكيل ذكي ويفحصها من دون أن يجد فيها ما يثير الشك. وقد تكون وظيفتها الظاهرة الاتصال بخدمة سحابية مشروعة لتنزيل مهارة ثانية، ثم تطلب المهارة التالية الانتظار لفترة أو الاتصال بموقع آخر في توقيت محدد، قبل أن تصل السلسلة أخيراً إلى المكون الخبيث.

وتكمن صعوبة هذا النوع من الهجمات في أن المكونات الأولى لا تحتاج إلى احتواء تعليمات ضارة واضحة. فقد تعمل كل واحدة منها بوصفها حلقة في سلسلة، بينما توزّع الوظيفة الخبيثة بين عدة مهارات أو مصادر. ويعد لوزكين أن المخططات أصبحت «أكثر تطوراً»، وإن فحص مهارة واحدة بمعزل عن سياقها لا يكفي للحكم على سلامة العملية بأكملها.

وقد لا يبقى المكون الخبيث متاحاً لفترة طويلة حيث يمكن في بعض السيناريوهات إدخاله إلى السلسلة لبضع ساعات فقط، ثم إزالته أو استبداله قبل أن يبدأ التحقيق. ويصعّب ذلك الاعتماد على الفحص اللاحق للمستودع أو الرابط، لأن النسخة التي يراجعها المحقق قد لا تكون هي نفسها التي تعامل معها الوكيل وقت وقوع الحادث.

ولهذا يضع لوزكين الثقة في مصدر المهارات ضمن أول خطوط الدفاع. فالشركات التي تعتمد مستودعات موثوقة وخوادم «MCP» معروفة، ويفضل أن تكون مقدمة من الشركة المطورة للنظام أو من جهة خضعت للمراجعة، تقلل احتمال إدخال مكونات ضارة إلى بيئتها.

ويقارن لوزكين بين المهارات البرمجية الخاصة بالوكلاء والبرامج التقليدية التي يجري تنزيلها من الإنترنت. ويقول إن الموقف الأمني يجب أن يكون متشابهاً: «إذا كنت تنزل برنامجاً من موقع غير موثوق وتقوم بتشغيله، فقد يحتوي على برمجيات خبيثة. وينبغي التعامل مع مهارات الوكلاء بالطريقة نفسها».

قد تقود مهارة تبدو سليمة إلى مكونات خبيثة مؤقتة ما يجعل فحص كل مهارة منفردة غير كافٍ لاكتشاف الهجوم (شاترستوك)

مراقبة سير العمل كاملاً

لا يرى لوزكين أن حماية الوكلاء يمكن أن تعتمد فقط على تحليل التعليمات النصية أو البحث عن توقيعات معروفة، لأن الهجوم قد يُبنى من خطوات تبدو طبيعية عند النظر إليها منفردة. وبدلاً من ذلك، يدعو إلى مراقبة دورة عمل الوكيل بالكامل من خلال أدوات خارجية تتابع البيانات التي يرسلها ويستقبلها، والمصادر التي يتصل بها، والأوامر التي ينفذها، والملفات التي يحاول الوصول إليها.

ويذكر أن «كل خطوة، وكل جزء من البيانات، وكل حركة مرور، وكل أمر يُنفذ يجب أن يخضع للمراقبة». ويشبّه هذه الآلية بعمل برامج مكافحة الفيروسات التي تراقب تدفق تنفيذ البرنامج، لكنها تطبق هنا على كامل مسار عمل الوكيل الذكي.

وتستطيع أدوات أمن الشبكات والنقاط الطرفية والذاكرة الموجودة حالياً رصد جانب من السلوك الخبيث، بحسب لوزكين، حتى لو لم تكن مصممة في الأصل للوكلاء. لكنها تحتاج إلى تعديل إعداداتها ونطاق رؤيتها حتى تفهم العلاقات بين الأدوات التي يستخدمها الوكيل، والمهارات التي يستدعيها، والبيانات التي يتبادلها مع وكلاء آخرين.

ويرى أن تكييف الأدوات الحالية لمراقبة الوكلاء ليس تحولاً تقنياً مستحيلاً أو إعادة بناء كاملة للبنية الأمنية، بل تطوير لنطاق الرؤية والقواعد المستخدمة. فالسلوك الخبيث يظل قابلاً للرصد عندما يحاول الوكيل الوصول إلى ملفات غير معتادة، أو قراءة بيانات اعتماد، أو إرسال معلومات إلى وجهة خارجية.

ومع ذلك، يصبح الحل الأكثر فاعلية هو تخصيص طبقة المراقبة لتتبع السلوك الوكيلي بوصفه سلسلة مترابطة، لا مجموعة عمليات منفصلة. كما يتطلب التعامل مع المكونات قصيرة العمر الاحتفاظ بسجلات دقيقة للنسخ التي جرى تنزيلها، ومصدرها، وتوقيت تشغيلها، والتغيرات التي طرأت عليها.

تطورت هجمات وكلاء الذكاء الاصطناعي من تعليمات خبيثة مباشرة إلى سلاسل متعددة المراحل لا يظهر ضررها إلا في مرحلة متأخرة (أدوبي)

العزل بدلاً من الموافقة

يثير انتشار الوكلاء المستقلين سؤالاً عملياً: هل يجب أن يوافق الموظف على كل مهارة أو أمر قبل تشغيله؟ يشرح لوزكين أن هذا النموذج يصعب تطبيقه عندما تعمل عشرات الوكلاء في وقت واحد، وتتبادل البيانات وتكتب الشيفرات وتنفذ المهام بسرعة تفوق قدرة الإنسان على مراجعة كل خطوة.

وفي بيئات التطوير الآلية، قد يعمل عدد كبير من الوكلاء بصورة متزامنة، فيبني أحدهم الشيفرة، ويختبرها آخر، ويتولى ثالث الوصول إلى أدوات أو بيانات إضافية. ويقول لوزكين إن إجبار الموظف على مراجعة كل أمر والضغط المتكرر على زر الموافقة سيبطئ العملية إلى درجة تلغي جانباً كبيراً من الفائدة التي توفرها الأتمتة.

ولهذا تصبح بيئة التشغيل المعزولة أكثر واقعية من الرقابة اليدوية المستمرة. ويقترح تشغيل الوكلاء، خصوصاً في مجالات مثل تطوير البرمجيات، داخل بيئات معزولة أو صناديق رملية لا تمنحهم إلا وصولاً محدوداً إلى الذاكرة والملفات والأنظمة.

وحتى إذا تعرض الوكيل للاختراق، يبقى محصوراً داخل ما وصفه لوزكين بـ«فقاعة معزولة»، فلا يستطيع الانتقال إلى بقية الشبكة أو جمع كامل البيانات الموجودة على الجهاز. ولا يحل العزل محل المراقبة، لكنه يقلل حجم الضرر المحتمل، لأن البيئة تُبنى على احتمال تعرض الوكيل للتلاعب، لا على افتراض بقائه آمناً دائماً.

صلاحيات أقل

تبدأ حماية الوكيل، وفق لوزكين، من سياسة واضحة للبيانات، وليس فقط من أداة تقنية. ويتعين على كل مؤسسة تحديد المعلومات التي يمكن للوكيل الوصول إليها، والبيانات التي لا ينبغي مشاركتها معه تحت أي ظرف. ويقدم مثالاً من بيئات تطوير البرمجيات، حيث قد تسمح الشركة للوكيل بالوصول إلى أجزاء محددة من الشيفرة، لكنها تمنعه من الاطلاع على المكونات الأكثر حساسية أو على المستودع بالكامل. ويقول إن المؤسسة يجب أن تسأل نفسها مسبقاً: ما المعلومات التي تستطيع تحمل تسربها، وما المعلومات التي يجب ألا تتسرب مطلقاً؟

ويضيف: «إذا كنت لا أريد لهذه المعلومات أن تتسرب أبداً، فلا ينبغي أن أسمح للوكيل بالوصول إليها». ويعني ذلك أن تطبيق مبدأ أقل قدر من الصلاحيات يصبح أكثر تشدداً عند التعامل مع الوكلاء، لأن الوكيل قد يجمع بين مصادر متعددة ويعيد تركيبها أو يرسلها إلى خدمة خارجية.

ويشير لوزكين إلى أن «كاسبرسكي» تطبق هذا الأسلوب عند استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير الأدوات الداخلية. فالوكيل الذي يمتلك اتصالاً خارجياً لا يُمنح وصولاً عاماً إلى جميع الرسائل أو المواعيد أو الشيفرات، بل إلى نطاق محدد من البيانات اللازمة للمهمة.

تواجه المؤسسات المتوسطة مخاطر أكبر لأنها تجمع بين امتلاك بيانات وأنظمة مهمة وسرعة تبني الوكلاء وموارد أمنية أقل من الشركات الكبرى (الشركة)

التسميم عبر البريد والوثائق

لا يحتاج المهاجم دائماً إلى اختراق النموذج الأساسي أو جهاز المستخدم مباشرة. فقد يستطيع التأثير في الوكيل من خلال بريد إلكتروني أو مستند أو محتوى يحتوي على تعليمات خفية أو مضللة.

ويفيد لوزكين بأن هجمات حقن التعليمات نجحت بالفعل في بعض الحالات، لكن النماذج السحابية الكبيرة المقدمة من الشركات الرئيسية أصبحت أكثر قدرة على التعرف على محاولات التلاعب. ومع ذلك، يبقى الخطر أكبر عند استخدام وكلاء محليين أو نماذج أقل تقييداً، حيث قد تستمر أساليب حقن التعليمات في العمل بفاعلية أعلى.

ولا يقتصر الخطر على المحتوى المباشر. فإذا كان الوكيل يقرأ بريداً أو مستنداً ثم يرسل خلاصته إلى وكيل آخر يمتلك صلاحيات تنفيذية، فقد تنتقل التعليمات الخبيثة عبر عدة طبقات قبل أن تظهر النتيجة. ولهذا لا تكفي حماية النموذج وحده، بل يجب مراقبة مصدر البيانات ومسار انتقالها والجهة التي سمحت للوكيل بتنفيذ الأمر.

هجمات سلسلة التوريد

يُعد اختراق سلسلة التوريد من أكثر السيناريوهات تعقيداً، لأن المهاجم لا يحتاج إلى إقناع المؤسسة بتنزيل مهارة مجهولة. وبدلاً من ذلك، قد يستهدف مستودعاً أو مكوناً كانت الشركة تثق به سابقاً، ثم يستبدل المهارة الأصلية بنسخة خبيثة.

وفي هذه الحالة، سيستمر النظام الداخلي في التعامل مع المهارة باعتبارها موثوقة، رغم أن سلوكها تغير. ويلفت لوزكين إلى أن مراقبة تدفق التنفيذ تستطيع كشف هذا التحول عندما يبدأ المكون في تنفيذ إجراءات لم يكن ينفذها من قبل، مثل الوصول إلى ملفات مفاتيح التشفير أو كلمات المرور أو مناطق حساسة في النظام.

ولا تعتمد الحماية هنا على السمعة السابقة للمكون فقط. فالثقة التاريخية لا تضمن سلامة النسخة الحالية، ولذلك يجب أن تخضع المهارات الموثوقة نفسها للمراقبة المستمرة، مع إطلاق تنبيه عند ظهور تغير في نمط عملها. وتزداد صعوبة التحقيق عندما يُفعّل المهاجم النسخة الخبيثة لفترة محدودة، ثم يعيد المستودع إلى حالته السابقة. وهنا تصبح سجلات التنفيذ وحفظ النسخ والتوقيتات أكثر أهمية من فحص المصدر بعد انتهاء الهجوم.

يعد تشغيل الوكلاء داخل بيئات معزولة وتقييد صلاحياتهم أكثر واقعية من مطالبة البشر بالموافقة على كل خطوة ينفذونها (غيتي)

استجابة لا تبدأ من الصفر

لا يعتقد لوزكين أن ظهور الوكلاء يتطلب التخلص من منهجيات الاستجابة للحوادث التي طورتها المؤسسات على مدى سنوات. فالتحقيق الجنائي الرقمي، وتحليل الشبكات، ومراجعة حركة البيانات، وعزل الأنظمة المتأثرة، تظل عناصر أساسية. لكن هذه المنهجيات تحتاج إلى التكيف مع طبيعة سير العمل الوكيلي، بما يشمل تتبع التواصل بين عدة وكلاء، ومعرفة البيانات التي تبادلوها، وتحديد المهارة أو الخادم الخارجي الذي بدأ منه السلوك غير الطبيعي. ويقول إن التغيير المطلوب يتعلق في جانب كبير منه بالسياسات: ما الذي يجب مراقبته؟ وأي أجزاء من سير العمل تحتاج إلى تسجيل؟ ومتى يتحول السلوك إلى حادث يستوجب العزل؟ ومن يملك صلاحية إيقاف الوكيل؟ وفي بيئات التطوير، قد يتطلب التحقيق مراجعة الأوامر التي أنشأها الوكيل، والمصادر التي جلب منها الشيفرة، والمكونات التي أضافها إلى المشروع، وليس فقط فحص الملف التنفيذي النهائي.

الأمن يأتي بعد التوسع

يرى لوزكين أن المؤسسات في السعودية والخليج تتوسع بسرعة في الانتقال من التجارب المحدودة إلى وكلاء متصلين بالأنظمة الداخلية والسحابية، لكن القدرات الأمنية لا تتطور دائماً بالوتيرة نفسها.

ويعتبر أن الشركات تلاحظ الزيادة السريعة في الإنتاجية، فتندفع إلى نشر الوكلاء أولاً، على أن تضيف الحماية في مرحلة لاحقة. ويصف هذا الترتيب بأنه خطر، مؤكداً أن النهج الصحيح يجب أن يبدأ بوضع الضوابط الأمنية قبل الانتقال إلى الاستخدام الواسع.

ويصرح بأن النمط الذي يراه في عدد من المؤسسات هو: «لنبدأ باستخدام الوكلاء، ثم نعود لاحقاً إلى الأمن». ويشير إلى أن هذه الأولوية المعكوسة قد تترك الوكلاء متصلين ببيانات وأنظمة حساسة قبل وضع حدود واضحة لصلاحياتهم أو مراقبة نشاطهم.

وبرأي لوزكين، لا ينطبق مستوى المخاطر بالطريقة نفسها على جميع المؤسسات. فالشركات الكبرى غالباً ما تضع الأمن ضمن المراحل الأولى بسبب طبيعة عملياتها وحجم المخاطر التنظيمية والمالية، بينما قد تكون المؤسسات المتوسطة أكثر تعرضاً.

تظل أدوات أمن الشبكات والنقاط الطرفية قادرة على رصد السلوك الخبيث لكنها تحتاج إلى التكيف مع طبيعة عمل الوكلاء المترابطة (رويترز)

المؤسسات المتوسطة

يفصل لوزكين بين أوضاع الشركات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة. فالشركات الصغيرة قد تمتلك عدداً أقل من الأنظمة والبيانات والبنى المعقدة، بينما تملك الشركات الكبرى فرقاً أمنية وإجراءات أكثر صرامة ومراحل موافقة أبطأ قبل نشر التقنيات الجديدة.

أما المؤسسات المتوسطة، فتقع بين الطرفين. فهي تملك أنظمة وبيانات وأصولاً رقمية مهمة، وتستخدم أدوات حماية متعددة، لكنها قد لا تمتلك الحجم نفسه من فرق الأمن والحوكمة الموجودة لدى الشركات الكبرى. وفي الوقت ذاته، تواجه ضغطاً أكبر لتسريع الأعمال وتحقيق نتائج سريعة.

ويقول لوزكين إن هذه المؤسسات تميل إلى وضع «الأعمال أولاً»، ثم معالجة الأمن في مرحلة لاحقة، ما يجعلها أكثر عرضة لاستغلال الوكلاء والمهارات الخبيثة. ولا يعني ذلك أن المؤسسات الكبيرة محصنة أو أن الشركات الصغيرة غير مستهدفة، بل إن الجمع بين حجم الأصول وسرعة التبني ونقص الموارد المتخصصة يرفع مستوى المخاطر لدى الفئة المتوسطة.

وعندما سؤاله عن القطاعات الأكثر تعرضاً، يشير إلى تطوير البرمجيات بوصفه مجالاً بارزاً، لأن الوكلاء فيه قد يحصلون على صلاحيات لكتابة الشيفرات وتشغيل الأوامر والاتصال بالمستودعات والأدوات الخارجية.

السعودية وحماية البيانات الحساسة

يبدي لوزكين ثقة في مستوى الاهتمام الأمني داخل القطاعات السعودية المنظمة، لكنه يؤكد أنه لا يملك تفاصيل عن الضوابط الداخلية، نظراً إلى طبيعتها السرية. ويقول إن السعودية «جيدة جداً في حماية البيانات»، وإن الجهات المسؤولة عن إدخال وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى الأنظمة الحكومية يرجح أنها تدرس الجوانب الأمنية بالتوازي مع الاستخدام. لكنه لا يقدم حكماً تفصيلياً على إجراءات بعينها، مشيراً إلى أن تلك المعلومات لا تكون متاحة علناً. وتبقى القضية الأساسية بالنسبة إلى الجهات الحكومية والشركات المنظمة هي تحديد الحدود قبل منح الوكيل صلاحية الوصول إلى السجلات المالية أو البيانات الحكومية أو الأنظمة الحساسة. ويشمل ذلك العزل، وتقييد الصلاحيات، ومراقبة السلوك، واعتماد مصادر موثوقة للمهارات، ووضع خطة للاستجابة عند ظهور تغير في نشاط الوكيل.

من الاستطلاع إلى التصيد والاختراق

يصف لوزكين سيناريو يمكن فيه لوكيل هجومي تنفيذ مراحل متعددة كانت تحتاج سابقاً إلى فرق مختلفة. فقد يبدأ بجمع معلومات عن الشركة من المصادر المفتوحة، وتحليل حسابات الموظفين على «لينكدإن»، وتحديد الأشخاص المؤثرين في أقسام الموارد البشرية والهندسة والإدارة العليا.

بعد ذلك، يستطيع الوكيل بناء رسائل تصيد مخصصة لكل شخص، أو إنشاء حساب مزيف ينتحل شخصية الرئيس التنفيذي ويوجه تعليمات إلى الموظفين، ثم استخدام البيانات التي يحصل عليها لإطلاق محاولة اختراق أكثر تقدماً. وقد تنتقل النتائج تلقائياً إلى وكيل آخر مخصص لاختبار الاختراق، لينفذ المرحلة التقنية من الهجوم. وهكذا يستطيع المهاجم ربط جمع المعلومات والهندسة الاجتماعية وسرقة بيانات الاعتماد ومحاولة الاختراق داخل سير عمل آلي واحد.

وفي سيناريو آخر، قد يركز المهاجم على المستودعات التي تعتمد عليها الشركة، ثم يستبدل مهارة موثوقة بمهارة ضارة ضمن هجوم على سلسلة التوريد. وهنا لا تبدو نقطة الدخول غريبة للنظام، لأن المكون يأتي من المصدر نفسه الذي اعتاد استخدامه. وتكشف هذه السيناريوهات أن الخطر لا يرتبط بذكاء الوكيل وحده، بل بسرعة جمعه للمعلومات، وقدرته على تنسيق عدة خطوات، والعمل بصورة مستمرة من دون انتظار تدخل بشري. ولهذا تنتقل الحماية من فحص ملف أو رسالة منفردة إلى متابعة سلسلة كاملة من القرارات والاتصالات والصلاحيات.

وفي بيئة ينتشر فيها الوكلاء بصورة متزايدة، يصبح السؤال الأمني الأساسي ليس فقط ما إذا كان الوكيل موثوقاً عند تشغيله، بل ما إذا كانت المؤسسة تستطيع معرفة كل ما فعله، والبيانات التي لمسها، والمكونات التي استدعاها، والحد الذي لا يستطيع تجاوزه حتى إذا تعرض للاختراق.


مقالات ذات صلة

داخل مراكز قيادة تراقب شرايين الذكاء الاصطناعي حول العالم (صور)

تكنولوجيا صفوف من خزانات رفوف الخادم في مركز بيانات (ديجيتال رياليتي) في سنغافورة (أ.ف.ب)

داخل مراكز قيادة تراقب شرايين الذكاء الاصطناعي حول العالم (صور)

يطرح العمل في مراكز القيادة المسؤولة عن حماية الذكاء الاصطناعي ضغطاً شديداً على الموظفين المكلفين بمراقبة مئات مراكز البيانات حول العالم.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
تكنولوجيا داريو أمودي الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة «أنثروبيك» - أعلى اليسار - وديميس هاسابيس المؤسس المشارك لشركة «غوغل ديب مايند» أعلى اليمين وسام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» - أسفل اليسار - وإيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس» (أ.ب) p-circle

دعوى قضائية تتهم عمالقة الذكاء الاصطناعي بإبرام اتفاق غير قانوني لإبطاء وتيرة تطويره

رفعت دعوى قضائية جديدة تزعم أن شركات «أنثروبيك»، و«أوبن إيه آي»، و«سبيس إكس إيه آي»، و«غوغل»، أبرمت صفقة غير قانونية لإبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي لديها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سيدة مصابة بمرض ألزهايمر تستخدم هاتفاً للتحدث مع برنامج الدردشة «ليفانا» (أ.ف.ب)

أصوات مألوفة وحيوانات أليفة... الذكاء الاصطناعي في خدمة مرضى ألزهايمر

يُساعد الذكاء الاصطناعي على تهدئة المسنّين خلال نوبات الانفعال الشديد من دون الحاجة إلى أدوية، كما يشكل وسيلة لإبقاء المريض منشغلاً ريثما يتوفر أحد المتخصصين.

«الشرق الأوسط» (باريس)
صحتك سرطان الثدي تحت عين العلم... حتى ما بعد التعافي (معهد كارولنسكا في السويد)

الذكاء الاصطناعي يتنبأ بعودة سرطان الثدي قبل سنوات

بيّنت دراسة أميركية أنّ اختباراً يعتمد على الذكاء الاصطناعي يمكنه التنبّؤ بخطر عودة سرطان الثدي في مراحله المبكرة بدقة أكبر من اختبار جيني شائع...

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
تكنولوجيا يحذّر باحثون من أن بلوغ الذكاء الاصطناعي مستوى يفوق القدرات البشرية قد يهدد مستقبل البشرية... صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي (الشرق الأوسط) p-circle 03:08

هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقضي على البشرية؟

يحذّر باحثون من احتمال تهديد الذكاء الاصطناعي للبشرية مستقبلاً، فيما تظل سيناريوهات الأوبئة والروبوتات والأسلحة النووية افتراضات تتجاوز قدراته الحالية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

داخل مراكز قيادة تراقب شرايين الذكاء الاصطناعي حول العالم (صور)

مركز التحكم في بيانات شركة «ديجيتال ريالتي» في سنغافورة (أ.ف.ب)
مركز التحكم في بيانات شركة «ديجيتال ريالتي» في سنغافورة (أ.ف.ب)
TT

داخل مراكز قيادة تراقب شرايين الذكاء الاصطناعي حول العالم (صور)

مركز التحكم في بيانات شركة «ديجيتال ريالتي» في سنغافورة (أ.ف.ب)
مركز التحكم في بيانات شركة «ديجيتال ريالتي» في سنغافورة (أ.ف.ب)

يطرح العمل في مراكز القيادة المسؤولة عن حماية الذكاء الاصطناعي ضغطاً شديداً على الموظفين المكلفين بمراقبة مئات مراكز البيانات حول العالم، التي تعد الشريان الأساسي للتبادلات المصرفية عبر الإنترنت والتراسل وخدمات الذكاء الاصطناعي، بحيث تصبح القدرة على ضبط النفس شرطاً لا غنى عنه.

في سنغافورة، وتحديداً في مركز قيادة تابع لشركة «ديجيتال ريالتي» الأميركية، التي تشغل مراكز بيانات حول العالم، يجلس المحللون محاطين بخرائط رقمية وشاشات لمراقبة المراكز الشبيهة بمستودعات تملؤها خوادم تصدر طنيناً مستمراً.

ولا تقتصر مهمة العاملين على الاستجابة للأعطال لدى وقوعها، بل رصد أي مؤشرات مبكرة مثل الارتفاع المفاجئ في درجات الحرارة، لتجنب أي توقف في الخدمات.

ويتلقى دانيال ناينغ (37 عاماً) وزملاؤه آلاف الإنذارات أسبوعياً. وقال لوكالة الصحافة الفرنسية: «إذا ظهرت عليّ علامات الخوف، فسيتملك الذعر أعضاء فريقي أيضاً. لذا، حتى لو كنت أشعر بالتوتر، فأنا أحرص على إخفاء ذلك».

ويتولى مركز القيادة هذا، إلى جانب مركزين آخرين في أوروبا والولايات المتحدة، مراقبة أكثر من 300 مركز بيانات تتوزع على قارات العالم الست على مدار الساعة.

دانيال ناينغ رئيس مركز القيادة لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في شركة «ديجيتال ريالتي» (أ.ف.ب)

وتقدم «ديجيتال ريالتي» خدمات لنحو 6 آلاف شركة كبيرة وصغيرة، فيما يعد انقطاع التيار الكهربائي والأعطال التي تصيب المعدات من المشاكل الأكثر شيوعاً. وللشركة أيضاً بروتوكولات تفصيلية للتعامل مع الزلازل والأعاصير، إذ إن رصد عاصفة على بعد آلاف الكيلومترات كافٍ لوضع الفريق بأكمله في حالة من التأهب.

ومع ازدياد الحاجة إلى إنشاء مزيد من مراكز البيانات، يزداد الجدل السياسي المحيط بها في العديد من مناطق العالم مع احتدام السباق على تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي والذي يتطلب قدرات حوسبة هائلة.

وتقول سيرين ناه، المديرة التنفيذية والمسؤولة عن منطقة آسيا والمحيط الهادئ في «ديجيتال ريالتي» إنه من دون هذه المراكز «سيتوقف كل شيء عن العمل» في عالم أصبح يعتمد على التكنولوجيا الفائقة إلى حد كبير.

وحسب ناه، فإن مراكز البيانات أصبحت بمثابة بنية تحتية أساسية ومسألة «لا تقل أهمية ربما عن الأمن القومي»، مضيفة: «علينا أن نضمن على الدوام عدم توقف هذه المراكز عن العمل». وأشارت ناه إلى أن «هناك الكثير من سوء الفهم يحيط بعملنا» وسط معارضة من الرأي العام الذي يرى أن مراكز البيانات تتسبب في انبعاث «كميات كبيرة من الكربون والحرارة وتستهلك كثيراً من المياه».

صفوف من خزانات رفوف الخادم في مركز بيانات (ديجيتال رياليتي) في سنغافورة (أ.ف.ب)

وتابعت: «وفي نفس الوقت، الجميع يتصفح هاتفه يومياً»، ومع كل مرة يضغطون فيها على الشاشة «لا بد للبيانات أن تذهب إلى مكان ما»، مشيرة إلى أن الشركة «تعطي الأولوية للطاقة المتجددة مثل الألواح الشمسية وأنظمة تبريد الخوادم المغلقة التي تعيد تدوير المياه بشكل مستمر».

إنذارات كاذبة

وعلى الرغم من اعتماد البشرية على مراكز البيانات، اتضح أن مخاطر عدة تحدق بهذا القطاع، لاسيما بعدما تعرضت مراكز بيانات يديرها الفرع المتخصص في تقديم خدمات الحوسبة التابع لشركة «أمازون» لضربات خلال الحرب في الشرق الأوسط.

وحول العالم، تتسابق شركات التكنولوجيا العملاقة مثل «مايكروسوفت» و«علي بابا» لبناء مراكز البيانات الخاصة بها بهدف تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها، في سباق عالمي تقدر تكاليفه بترليونات الدولارات.

ويتخذ مركز القيادة العالمي التابع ل«ديجيتال ريالتي» من سنغافورة مقرا له، وهو يقع داخل واحد من ثلاثة مراكز بيانات تديرها الشركة هناك.

شعار شركة «ديجيتال ريالتي» الأميركية التي تشغل مراكز بيانات حول العالم (أ.ف.ب)

ويحظر الدخول إلى معظم أقسام مركز البيانات لأسباب أمنية. إلا أن صحافيي وكالة الصحافة الفرنسية شاهدوا خلال جولة لهم في إحدى الغرف خزائن خوادم سوداء تحيط بممرات ضيقة طويلة وحزما من الكابلات الصفراء، وسط صوت هدير خفيف قادم من المراوح فائقة السرعة المستخدمة للتبريد.

سيرين ناه المديرة التنفيذية والمسؤولة عن منطقة آسيا والمحيط الهادئ في «ديجيتال ريالتي» (أ.ف.ب)

ويسهم الذكاء الاصطناعي في تسريع نمو مراكز البيانات وإدخال تقنيات معقدة على عملها. ومع ذلك، لا يزال من غير الممكن الاستغناء عن العنصر البشري في قيادة هذه المراكز، حسب تيرنس تانغ، مسؤول منطقة آسيا والمحيط الهادئ في مركز القيادة العالمي التابع لـ«ديجيتال ريالتي»، وأوضح تانغ لوكالة الصحافة الفرنسية: «ما زلنا بحاجة إلى تدخل بشري للتحقق من وجود خلل فعلي وما إذا كانت هذه الإنذارات حقيقية، لأن الأنظمة التي تعمل أوتوماتيكياً أو تعتمد على الذكاء الاصطناعي قد تعطي أحيانا إنذارات كاذبة».


دعوى قضائية تتهم عمالقة الذكاء الاصطناعي بإبرام اتفاق غير قانوني لإبطاء وتيرة تطويره

داريو أمودي الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة «أنثروبيك» - أعلى اليسار - وديميس هاسابيس المؤسس المشارك لشركة «غوغل ديب مايند» أعلى اليمين وسام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» - أسفل اليسار - وإيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس» (أ.ب)
داريو أمودي الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة «أنثروبيك» - أعلى اليسار - وديميس هاسابيس المؤسس المشارك لشركة «غوغل ديب مايند» أعلى اليمين وسام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» - أسفل اليسار - وإيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس» (أ.ب)
TT

دعوى قضائية تتهم عمالقة الذكاء الاصطناعي بإبرام اتفاق غير قانوني لإبطاء وتيرة تطويره

داريو أمودي الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة «أنثروبيك» - أعلى اليسار - وديميس هاسابيس المؤسس المشارك لشركة «غوغل ديب مايند» أعلى اليمين وسام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» - أسفل اليسار - وإيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس» (أ.ب)
داريو أمودي الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة «أنثروبيك» - أعلى اليسار - وديميس هاسابيس المؤسس المشارك لشركة «غوغل ديب مايند» أعلى اليمين وسام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» - أسفل اليسار - وإيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس» (أ.ب)

رُفعت دعوى قضائية جديدة تزعم أن شركات «أنثروبيك»، و«أوبن إيه آي»، و«سبيس إكس إيه آي»، و«غوغل»، أبرمت صفقة غير قانونية لإبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي لديها.

وتزعم الدعوى، التي رُفعت يوم الجمعة في محكمة المقاطعة الشمالية لولاية كاليفورنيا، أن شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة انتهكت قوانين مكافحة الاحتكار عندما اتفقت على تنسيق جهود إبطاء وتيرة التطوير، وأن ذلك سيقلل من القيمة التي يحصل عليها المستهلكون مقابل اشتراكات الذكاء الاصطناعي المدفوعة، حسبما أوردت وكالة «أسوشييتد برس».

وتشير الدعوى إلى أن التنسيق جرى في معظمه في 12 سبتمبر (أيلول)، عندما نشر داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، مقالاً يحث فيه على تعاون القطاع بأكمله في إبطاء وتيرة التطوير لصالح تعزيز إجراءات السلامة. وفي اليوم نفسه، رد كل من سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، وإيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس إيه آي»، وديميس هاسابيس، المؤسس المشارك ورئيس مجلس إدارة «غوغل ديب مايند»، علناً على مقترحات أمودي مؤيدين لها.

مزاعم بأن التنسيق بدأ يتشكل منذ أشهر

غير أن الدعوى القضائية تزعم أيضاً أن هذا التنسيق بدأ يتشكل قبل ذلك بأشهر؛ إذ تشير إلى بيان صدر في يوليو (تموز) 2026 وقّعه موظفون رفيعو المستوى في العديد من مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة، أقروا فيه بوجود «ضغط تنافسي شديد يحول دون إبطاء» وتيرة التطوير بشكل أحادي الجانب. وقد دعا ذلك البيان الحكومة إلى دعم جهود عالمية لإبطاء تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي الآلية.

ويجادل المدعون بأنه من الواضح أن التوصل إلى اتفاق بين المنافسين الرئيسيين في مجال الذكاء الاصطناعي - يقضي بأن يكون تقدمهم «أبطأ مما كانت ستفرزه المنافسة الطبيعية» - ينطوي على أثر يحد من المنافسة ويضر بالمستهلكين.

ويتولى محامون يمثلون أربعة مدعين محددين - وهم مشتركون يدفعون مقابل خدمات «شات جي بي تي» أو «كلاود» أو «غروك» أو «جيميناي» - رفع هذه الدعوى نيابةً عن فئة مقترحة تشمل مشتركين آخرين في تلك الخدمات على مستوى البلاد.

ولا يعترض المدّعون على أن تقرر الشركات، كلٌّ على حدة، إبطاء وتيرة تقدمها لصالح تعزيز السلامة. لكنهم يجادلون في الدعوى بأن قوانين مكافحة الاحتكار تمنعها من اتخاذ هذا «الاختصار» المتمثل في الاتفاق على «استبدال المسؤولية الفردية بقيود جماعية». وتؤكد الدعوى أن وجود سوق تنافسية يتيح تحمّل المسؤولية وتحقيق تقدم حقيقي.

معايير مشتركة بين الشركات التقنية

وقال نيك رولي، المحامي الرئيسي للمدّعين: «سيفلت الذكاء الاصطناعي سريعاً من سيطرة البشر، وقد يقضي علينا جميعاً إذا سمحنا بأن تخضع سلامة الذكاء الاصطناعي وبروتوكولاته لاتفاقات خاصة تخدم مصالح أطرافها، تبرمها أقوى شركات التكنولوجيا الربحية في العالم».

وفي مقاله الأول الذي اقترح فيه إبطاء وتيرة التطوير، أقر أمودي بإمكانية ظهور تحديات تتعلق بقوانين مكافحة الاحتكار، وكتب أنه سيكون من المفيد أن تتوسط الحكومة الأميركية في هذه المناقشات بين مختبرات الذكاء الاصطناعي، «أو على الأقل تتيحها». وأوضح أن الحكومة لن تحتاج إلى المشاركة فيها، لكنها ستحتاج إلى «إصدار إعفاء محدود لأنواع معينة من المناقشات المتعلقة بالسلامة».

ورد ألتمان عبر وسائل التواصل الاجتماعي قائلاً إن «أوبن إيه آي ترحب بفكرة وجود إطار اتحادي يضع متطلبات موحدة للسلامة»، لكنه أضاف: «لا نعتقد أننا بحاجة إلى انتظار الحصول على إعفاء من قوانين مكافحة الاحتكار أو صدور تشريع للبدء في العمل على توفير هذه الثقة».

وفي حين جاءت المناقشات الأخيرة بشأن إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي مدفوعة بتزايد المخاوف من إفلاته من السيطرة البشرية، تحدث عدد من قادة قطاع الذكاء الاصطناعي منذ فترة طويلة عن وضع مجموعة مشتركة من المعايير، أو تنسيق الجهود بطرق أخرى، لضمان بقاء إجراءات السلامة على رأس الأولويات.

ويؤكد المدّعون في الدعوى أنهم لا يعارضون طلب شركات الذكاء الاصطناعي من الكونغرس أو البيت الأبيض أو أي جهة حكومية أخرى وضع لوائح لتنظيم الذكاء الاصطناعي، كما أنهم لا يعارضون طلب الشركات للحصول على إعفاء من قوانين مكافحة الاحتكار، لكن تحقيق هذا النوع من التعاون مع الحكومة الفيدرالية قد يكون مهمة شاقة.

رفض ترمب

ورفض الرئيس دونالد ترمب الدعوات إلى تنظيم القطاع عبر منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي، زاعماً أن أي جهود للحد من هذه التكنولوجيا تندرج ضمن «مؤامرة». وتساءل عن سبب دعوة قادة القطاع إلى فرض تنظيمات قال إنها، «إذا طُبقت بشكل صارم، ستقودهم إلى الزوال والإفلاس». وقال ترمب، (السبت)، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إنه يشكل فريق عمل للذكاء الاصطناعي وسيعيّن «قيصراً للذكاء الاصطناعي»، لكنه لم يقدم تفاصيل تُذكر.

وكانت إدارة ترمب قد عبَّرت صراحة عن رغبتها في أن تتفوق مختبرات الذكاء الاصطناعي الأميركية على نظيراتها الصينية وأن تحقق تقدماً أكبر منها. وفي حين دعا عدد من القادة والمرشحين الديمقراطيين إلى اتخاذ إجراءات واسعة لتنظيم الذكاء الاصطناعي، اتخذ الجمهوريون إلى حدٍ كبير موقفاً مماثلاً لموقف ترمب.

وفي هذا الصدد، قال السيناتور جوش هاولي، «الجمهوري» عن ولاية ميزوري، خلال جلسة استماع حديثة في مجلس الشيوخ، إنه «لا يوجد عالم» يمكن أن يوافق فيه على منح «أقوى الشركات في تاريخ العالم» إعفاءً من قوانين مكافحة الاحتكار للتعاون فيما بينها، بحجة أن ذلك قد يتيح لها التواطؤ وخنق المنافسة.


ترمب يعتزم تشكيل «قوة للذكاء الاصطناعي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب يعتزم تشكيل «قوة للذكاء الاصطناعي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

كتب الرئيس الأميركي دونالد ترمب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، يوم السبت، أنه بصدد تشكيل «قوة للذكاء الاصطناعي» للإشراف على تنظيم هذا المجال، وفقاً لوكالة «رويترز» للأنباء.

وكتب ترمب على منصة «تروث سوشيال»: «لن نعرقل أو نكبح بأي حال من الأحوال نمو هذه الصناعة المذهلة؛ بل سنحتضنها وندعمها ونرعاها في أثناء نموها ومع ذلك، سنراقب أيضاً أي ممارسات سيئة، ويمكننا القيام بذلك بسهولة تامة من خلال نظام العدالة الجنائية والمدنية القائم لدينا بالفعل».

وتابع ترمب في مواجهة تزايد الشكوك العامة بشأن الذكاء الاصطناعي والتحذيرات الخطيرة المتعلقة بالسلامة الصادرة عن قادة في المجال، إن الليبراليين يريدون «القضاء على الذكاء الاصطناعي أو تدميره».

وأوضح أنه بصدد تشكيل فريق خاص بالذكاء الاصطناعي مهمته «رصد المساوئ»، وأنه سيعلن قريبا عن تعيين منسق حكومي لشؤون الذكاء الاصطناعي.

جاءت تصريحات ترمب عن الذكاء الاصطناعي رغم إظهار استطلاعات الرأي معارضة واسعة النطاق بين الأميركيين لإنشاء مراكز البيانات التي تستهلك كميات هائلة من الطاقة وتُعد المحرك الأساسي للذكاء الاصطناعي.
يتبنى ترمب هذه التكنولوجيا بقوة، رغم التحذيرات الواسعة النطاق من أن وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي تتسارع بشكل مفرط، وأن هذه التقنية قد تهدد البشر قريبا مع تكرر حوادث خروج البرمجيات التي تزداد ذكاء عن سيطرة مصمميها.

واعتبر الرئيس الجمهوري أن الولايات المتحدة لا يمكنها تحمل خسارة السباق التكنولوجي أمام الصين، مشددا على أن الضمانات الوحيدة اللازمة هي وجود «رئيس قوي وذكي (يتمتع بمعدل ذكاء مرتفع!)، وهو ما تمتلكه الولايات المتحدة وبوفرة هائلة!».

وفي منشور آخر على وسائل التواصل الاجتماعي السبت، تساءل ترمب عما إذا كان مصطلح «الذكاء الاصطناعي» دقيقا، وطرح ثلاثة بدائل في ما وصفه بأنه استطلاع للرأي، وطلب من الناس إبداء آرائهم.
كتب ترامب أن البدائل الثلاثة هي: الذكاء المتفوق، والذكاء الفائق، والذكاء الأسمى.

وأضاف «هذا استطلاع للرأي، وسأكون ممتنا لمشاركة الجميع في التصويت! ما هو الاسم الأفضل لهذه (الثورة) التي تتنامى باستمرار؟».

لوحة مفاتيح ويدا روبوت أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» باللغة الإنجليزية (رويترز)

وصرح مسؤولون أميركيون بأنهم سيطرحون موضوع الذكاء الاصطناعي خلال المحادثات مع الصين، في الوقت الذي يستعد فيه الرئيس الأميركي للقاء نظيره الصيني شي جينبينغ، الأسبوع المقبل.

وتنظر كل من واشنطن وبكين إلى التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي بوصفها أمراً حاسماً لتنافسيتهما الاقتصادية والعسكرية، إلا أنهما لا تزالان على خلاف بشأن قضايا تشمل الوصول إلى الرقائق الإلكترونية المتقدمة، ومزاعم نسخ التكنولوجيا، وتنظيم صناعة الذكاء الاصطناعي.