قبل أن يدخل موظف المبيعات إلى اجتماع مع عميل، يمكنه اليوم خوض الاجتماع نفسه افتراضياً، وتلقي ملاحظات فورية حول أسئلته وطريقة عرضه واستجابته للاعتراضات. وفي تجربة داخلية لدى «سيرفس ناو»، تحسن أداء المشاركين بمعدل 10 نقاط بين المحاولة الأولى وأفضل محاولة، عبر 5 مهارات أساسية في البيع.
تختصر هذه التجربة التحول الذي يطول التدريب المؤسسي في عصر الذكاء الاصطناعي حيث القيمة لم تعد في عدد الدورات التي أكملها الموظف، بل في قدرته على أداء المهمة قبل مواجهتها في بيئة حقيقية. تقول جيني هوسون، نائبة الرئيس الأول لتطوير مهارات القوى العاملة العالمية وجاهزية المواهب في «سيرفس ناو»، إن مؤشرات الحضور والاختبارات تقيس النشاط التعليمي، لكنها لا تثبت بالضرورة جاهزية الموظف للعمل.
وتضيف خلال مقابلة خاصة لـ«الشرق الأوسط»، أن «المقاييس التقليدية تخبرك بأن شخصاً حضر التدريب، لكنها لا تخبرك بما إذا كان يستطيع أداء وظيفته». وفي بيئة تتغير فيها التقنيات بصورة متسارعة، يصبح معيار الجاهزية هو القدرة التي أثبت الموظف امتلاكها، لا المعلومات التي مرّ عليها في دورة تدريبية.

من المعرفة إلى الأداء
تعتمد برامج التدريب التقليدية غالباً على المحتوى النظري، ثم تقيس مدى استيعابه عبر اختبار في نهاية الدورة. لكن نجاح الموظف في الإجابة عن الأسئلة لا يكشف بالضرورة كيف سيتصرف أمام عميل، أو عند حدوث عطل، أو عندما يقدم نظام ذكاء اصطناعي توصية غير مناسبة.
وتوضح هوسون أن التدريب القائم على المحاكاة يضع الموظف أمام ظروف قريبة من العمل، ويكشف طريقة تفكيره واتخاذه القرار قبل أن يتعامل مع أنظمة تشغيلية أو بيانات فعلية. وقد أطلقت «سيرفس ناو» أداتي «AI Learning Guide» و«SimStudio» لدعم هذا الاتجاه.
وتوفر الأداة الأولى إرشاداً شخصياً يتكيف مع مستوى المتعلم واحتياجاته، بينما تتيح الثانية التدرب على مهام تقنية ومهنية داخل بيئات محاكاة. ووفق هوسون، يمكن لهذا النموذج تقليص الوقت اللازم لتطوير بعض القدرات من أسابيع إلى ساعات، لأنه ينقل الموظف مباشرة إلى التطبيق العملي بدلاً من الاكتفاء بشرح الخطوات. وتفيد بأن «التدريب التقليدي يقيّم المعرفة في بيئات مجردة، أما المحاكاة فتكشف كيف يفكر الموظفون ويتخذون القرارات في ظروف واقعية».
النتيجة وحدها لا تكفي
لا يقتصر إثبات الكفاءة على إنجاز المهمة؛ إذ قد يصل موظفان إلى النتيجة نفسها عبر مسارين مختلفين تماماً؛ فقد يلتزم الأول بالإجراءات والحوكمة، بينما يتجاوز الثاني ضوابط أساسية، أو يتحمل مخاطر غير ضرورية.
ولهذا، تنصح هوسون بأن يشمل التقييم النتيجة وطريقة الوصول إليها معاً. ويعني ذلك قياس قدرة المتعلم على طرح الأسئلة المناسبة، والتكيف عندما يتغير مسار المحادثة، والالتزام بالممارسات الموصى بها، وليس فقط التأكد من إكمال المهمة.
وتتساءل: «هل تناول الموظف النقاط الأساسية؟ وهل تحرك بمرونة عندما تغيرت المحادثة؟ وهل طرح الأسئلة الصحيحة؟». وترى أن هذه العناصر تكشف ما تصفه بالميزة البشرية، أي المهارات التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي تكرارها بالكامل؛ مثل الحكم وفهم السياق والتكيف مع المواقف غير المتوقعة. وترى أنه مع انتقال المهام الروتينية تدريجياً إلى الأنظمة الآلية، تزداد قيمة المهارات التي تظهر في طريقة التنفيذ، بما فيها الإبداع والتعاون وتحمل المسؤولية والقدرة على التعامل مع المعلومات غير المكتملة.

الملف المهني لا يتوقف
يفتح الذكاء الاصطناعي المجال لتخصيص التدريب وفق احتياجات كل موظف، لكن هذا التخصيص قد يصبح مقيداً إذا اعتمد فقط على دوره الحالي، أو أعاد اقتراح المهارات التي يمتلكها بالفعل.
وتعدّ هوسون أن التخصيص الجيد يجب أن يوسع الفرص، لا أن يحصر الفرد داخل وظيفة ضيقة. وتعتمد «سيرفس ناو» على ما تسميه «Talent Signature»، وهو ملف متجدد يضم المهارات الحالية للموظف، وما يعمل على تطويره، وطموحاته المهنية، والأسباب التي تدفعه إلى اختيار مسار معين.
ويغذي هذا الملف أداة التوجيه التعليمي لتقترح محتوى مرتبطاً بالدور الحالي، لكنها تعرض أيضاً قدرات مجاورة ووظائف ناشئة ومسارات مهنية قد لا تكون موجودة بعد. وتشدد هوسون على أن هذا الملف «لا يصبح قديماً»، بل يتغير مع تعلم الموظف وانتقال أهدافه من مرحلة إلى أخرى.
ويمكن استخدام بيانات مثل الوظيفة والمهارات والشهادات وسجل التعلم والطموحات المهنية لبناء هذه التوصيات، بشرط أن يفهم الموظف ما يجمع عنه ولماذا. أما الحد الفاصل، وفق هوسون، فهو عدم تحويل بيانات التعلم إلى وسيلة للمراقبة غير الضرورية.
وتصرح: «استخدموا البيانات السلوكية المرتبطة بما فعله الموظف وما تعلمه، لكن لا تستخدموها في مراقبة لا تخدم التطوير». وترتبط فاعلية النظام هنا بالثقة؛ فالمتعلم يتعامل بصورة أكثر صدقاً مع التوصيات عندما يعرف كيف تُستخدم بياناته ويكون على دراية بالحدود المفروضة عليها.
العربية والوصول إلى الفرص
لا يرتبط تخصيص التعلم بالمحتوى والمهارات فقط، بل باللغة التي يصل بها التدريب إلى الموظف. وتطرح هوسون أن الوصول إلى فرص تطوير المهارات في الشرق الأوسط ظل متفاوتاً، لأن المهنيين الأكثر إتقاناً للإنجليزية حصلوا تاريخياً على نصيب أكبر من المحتوى العالمي، بينما واجه المتحدثون بالعربية عوائق إضافية.
وتنوه بأن هذا الوضع لا يتناسب مع هدف تطوير المواهب على نطاق واسع، خصوصاً في دول تسعى إلى بناء قدراتها المحلية. ولهذا، استثمرت «سيرفس ناو» في واجهة عربية كاملة، إلى جانب محتوى تدريبي باللغة العربية ومصمم للسياق المهني في المنطقة.
وتشرح هوسون أن اعتماد برامج التعلم يرتفع عندما يصل المحتوى بلغة المتعلم، ويستخدم أمثلة مرتبطة بقطاعه وبيئة عمله؛ فالتوطين، وفق هذا المنظور، لا يقتصر على ترجمة المصطلحات، بل يشمل تقديم سياق يفهمه الموظف ويمكنه تطبيقه.
وتربط هوسون ذلك بالسعودية؛ حيث أدى التحول الرقمي إلى تحديث البنية التحتية وتحسين الخدمات الحكومية ونمو أعمال رقمية جديدة. لكنها تشير إلى أن استمرار هذا التقدم يعتمد على وجود قوة عاملة تستطيع تشغيل الأنظمة وتطويرها وامتلاك المعرفة المرتبطة بها، بدلاً من الاعتماد الدائم على خبرات خارجية.
وتشير إلى أن المرحلة التالية تتطلب مواطنين وموظفين وطلاباً يتمتعون بطلاقة عملية في الذكاء الاصطناعي، بما يشمل فهم ما تفعله التقنية، والقدرة على اتخاذ القرارات بمساعدتها، ومعرفة متى ينبغي عدم الاعتماد عليها، وحوكمتها بصورة مسؤولة، وبناء تطبيقات جديدة فوقها.

العائد على الاستثمار
تستند «سيرفس ناو» إلى دراسة أجرتها مؤسسة «IDC» لقياس أثر برامج التدريب والشهادات خلال 3 سنوات. ووفق الأرقام التي عرضتها «سيرفس ناو»، حققت المؤسسات المشمولة عائداً بلغ 536 في المائة على استثماراتها في التدريب.
وجاء العائد من عدة عوامل؛ بينها زيادة كفاءة الموظفين وخفض التكاليف وتحسن الإنتاجية. كما أشارت الدراسة إلى زيادة إنتاجية الموظفين الذين جرى تطوير مهاراتهم بنسبة 16 في المائة.
وأظهرت النتائج أيضاً أن فرق التنفيذ الحاصلة على شهادات ساعدت المؤسسات في نشر الحلول بسرعة أكبر، وتحسين تبني المنصات على المدى الطويل. وتقول هوسون إن الدرس الأساسي هو أن التعلم يمثل استثماراً مرتبطاً مباشرة بالتحول في الأعمال، عندما يركز على ما يستطيع الموظف تنفيذه في العمل.
وتتابع: «عندما تدرب الأشخاص على الأداء في العمل الحقيقي، فإنك تسرع التبني وتولد قيمة قابلة للقياس». لذلك، يجب ألا تكتفي المؤسسات بإحصاء المسجلين والشهادات، بل عليها متابعة الوقت اللازم لوصول الموظف إلى الإنتاجية، ومعدلات تبني التقنية، وجودة التنفيذ، وثقة العاملين، وسرعة الابتكار. وتشدد هوسون على أن الثقة نفسها مؤشر مهم، نظراً لوجود علاقة قابلة للقياس بين القيادة التي تبني الثقة وإنتاجية الفرق.
نحو مليوني متعلم
وصل عدد مستخدمي «ServiceNow University» إلى نحو مليوني متعلم حول العالم، فيما حصل مئات الآلاف على شهادات من خلال المنصة. كما ارتفع عدد المتعلمين المعتمدين بنسبة 47 في المائة على أساس سنوي. لكن هوسون تؤكد أن حجم المشاركة لا يمثل الغاية النهائية، لأن إتمام الدورة يظل خطوة واحدة ضمن عملية أوسع هدفها بناء الثقة والمهارات العملية. ولهذا، تركز الشركة على نقل المتعلمين من النظرية إلى إثبات الكفاءة داخل المحاكاة والمهام القابلة للقياس. وتكتسب هذه المسألة أهمية في التوظيف والترقية الداخلية؛ فالشهادات ستبقى، بحسب هوسون، مؤشرات معترفاً بها على المعرفة، لكنها ستعمل إلى جانب أدلة عملية توضح قدرة المرشح أو الموظف على تطبيق ما تعلمه.
وتقول: «الأمر ليس اختياراً بين الشهادات والكفاءة العملية»؛ فمع إعادة الذكاء الاصطناعي تشكيل الوظائف وأتمتة المهام المتكررة، سيبحث أصحاب العمل بصورة متزايدة عن القدرة على التكيف، والحكم السليم، والإبداع، والتعاون، إلى جانب المعرفة التقنية.

الذكاء الاصطناعي إلى جانب المدير
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم ملاحظات فورية واقتراح المحتوى ودعم الموظف في أي وقت، لكنه لا يلغي دور المدير والمدرب والخبير المتخصص. وتلفت هوسون إلى أن التعلم الأعلى قيمة يظل إنسانياً في أجزاء أساسية منه، لأن المديرين والخبراء يقدمون السياق والإرشاد والحكم وفهماً لأولويات المؤسسة لا يستطيع النظام الآلي توفيره بالكامل.
ويمكن للذكاء الاصطناعي تخفيف الأعمال الإدارية، بحيث يصبح تدخل المدير أكثر تركيزاً وتأثيراً؛ لكنه لا ينبغي أن يبعده عن المحادثات الصعبة المتعلقة بالأداء والمساءلة والثقة. وتضيف هوسون: «يتولى الذكاء الاصطناعي الجوانب اللوجستية، حتى يركز البشر على الحكم».
3 طبقات لحماية التعلم
قد يقدم نظام التعلم الآلي معلومات غير دقيقة أو قديمة أو غير مناسبة، لذلك تقترح هوسون 3 طبقات للحماية، تبدأ الأولى بمحتوى موثوق يخضع للمراجعة والتحديث عند تغير المنتجات أو الممارسات. وتتمثل الثانية في نقاط واضحة للتدخل البشري، بحيث يوصي الذكاء الاصطناعي، لكن يبقى الإنسان مشاركاً في القرارات المهمة.
أما الطبقة الثالثة فتقوم على قنوات ملاحظات نشطة وأبحاث يقودها البشر، تتيح للموظفين الإبلاغ عن التوجيه الذي يبدو خاطئاً، ثم إخضاعه للمراجعة. وتضيف هوسون أن الحوكمة تتطلب قواعد صريحة تحدد ما يمكن للنظام فعله، وما لا يمكنه فعله. وتضيف: «لا تستطيع المؤسسات تسليم التعلم إلى الذكاء الاصطناعي، وافتراض أنه يعمل. يجب أن يكون هناك أشخاص مسؤولون عما يجري تدريسه».
بيئة للفشل من دون خسائر تشغيلية
تسمح المحاكاة للموظفين بالتدرب من دون تأثير في أنظمة الإنتاج أو بيانات العملاء. وتصف هوسون هذه البيئة بأنها «ملعب تكون أرضه لينة»، حيث يستطيع المتعلم التجربة وارتكاب الخطأ من دون خوف من اللوم أو العواقب التشغيلية. لكن ذلك يتطلب أولاً توفير الأمان النفسي، حتى يشعر الموظف بأن التجربة جزء مشروع من التعلم. ويمكن لاستخدام عناصر اللعب أن يجعل التدريب منخفض المخاطر أكثر جذباً، ويشجع الموظفين على اختبار مسارات متعددة قبل تطبيق المهارة في العمل. وتزداد الحاجة إلى هذه البيئات مع انتشار الذكاء الاصطناعي في المهام اليومية؛ فالموظفون لا يحتاجون فقط إلى تعلم استخدام الأدوات الجديدة، بل إلى معرفة متى يمكن الاعتماد عليها، ومتى تجب مراجعتها أو تجاوز توصيتها باستخدام الحكم البشري.
