مشاعر متناقضة تجاه نظارة «ميتا» المدعومة بالذكاء الاصطناعي

بين اللمحة الثورية للمستقبل والتصميم السيئ

نظارات "ميتا" -أوكلي فانغارد
نظارات "ميتا" -أوكلي فانغارد
TT

مشاعر متناقضة تجاه نظارة «ميتا» المدعومة بالذكاء الاصطناعي

نظارات "ميتا" -أوكلي فانغارد
نظارات "ميتا" -أوكلي فانغارد

كثير من الناس يمقتون نظارات مارك زوكربيرغ فائقة الذكاء والقدرات. وقد كنتُ مستعداً لمشاركتهم هذا الشعور.

تخاطبني نظارتي الشمسية بصوت الممثلة كريستين بيل... لماذا؟ لست أدري. لقد كان هذا الصوت واحداً من باقة مبهمة من أصوات المشاهير (مثل جون سينا، وكيغان مايكل كي، وأوكوافينا) التي أتاحها الجهاز للمحادثة.

نظارات «ميتا» الذكية

وبصراحة، ثمة أمور كثيرة لا أفهمها بشأن نظارات «ميتا» الذكية؛ فما الداعي لوجودها أصلاً؟ ومن هو الزبون المثالي لها؟ وهل هي لمحة ثورية لمستقبل البشرية، أم أنها مجرد تعبير مثير للاشمئزاز عن أسوأ نزوات مارك زوكربيرغ؟

إن أدوات «ميتا» الجديدة هذه هي في الأصل نظارات «راي بان (Ray – Bans)» و«أوكلي (Oakleys)» عادية المظهر، لكنها شُحنت حتى الثمالة بتقنيات خفية؛ فهي تضم شبكة «واي فاي»، وبلوتوث، ومكبرَي صوت صغيرين، وخمسة ميكروفونات، وكاميرا ذات زاوية واسعة... إنها ببساطة عملية «سرية» كاملة تستقر فوق أنفك.

وهنا في عام 2026، تكمن الميزة التسويقية الحقيقية بطبيعة الحال في الذكاء الاصطناعي؛ إذ تمنحك فرصة للدردشة مع ذكاء فائق «غير متجسد» يمكنه رؤية وسماع كل ما تفعله. وبعبارة أخرى، تَعِدُ هذه النظارات بتحقيق واحد من أقدم الأحلام البشرية: توسيع منظورنا المحدود للوصول إلى استنارة شاملة تحاكي قدرات فائقة البراعة.

إذن، ما الذي تخبرني به نظارتي المعجزة؟ الكثير من الأمور؛ فهي تخبرني (بصوت «الأميرة آنا» من فيلم «فروزن» ) أن كلبي هجين من فصيلة «غولدن ريتريفر» (وهو ليس كذلك)، وأن الشجرة التي أنظر إليها هي على الأرجح شجرة بلوط (وهي ليست كذلك). وتأمرني بالسير شمالاً، بينما أعلم يقيناً أن وجهتي تقع في الجنوب.

وفي ظهيرة يوم ما، وأثناء نزهة مشمسة، توقفتُ لتأمل طائر «كاردينال» بلون أحمر داكن يغرد بملء فيه فوق شجرة، فقلتُ: «يا (ميتا)، ما نوع ذلك الطائر الذي يغرد فوق الشجرة؟». أصدرت نظارتي نغمة إلكترونية مميزة لها، وهي تحلل العالم من حولي. وأخيراً، نطقت: «أنا لا أرى طائراً فوق الشجرة، ولا أسمع أي تغريد».

أشرتُ بإصبعي مباشرة نحو الطائر، الذي لم ينقطع عن التغريد. فقالت نظارتي بنبرة مبتهجة: «لا أرى أي طائر فوق الشجرة حيث تشير، لا أرى سوى أغصان مجرّدة وسماء». وعلى هذا المنوال استمر الأمر لعدة أسابيع؛ شعور مربك وكأنك تدردش مع طفل صغير يُغالبه النعاس قبل القيلولة.

من السهل للغاية السخرية من نظارتي الباهظة الثمن والمثيرة للشفقة في عجزها؛ فانتقاد الذكاء الاصطناعي هذه الأيام بات أمراً غاية في السهولة.

نقائص عديدة ومزايا أقل

تستثمر «ميتا» مبالغ طائلة للترويج لمنتجها الجديد، مما أثار فضولي لإلقاء نظرة خاطفة عبر «عيون المستقبل». ومع ذلك، تبدو نظارات الذكاء الاصطناعي بوضوح غير ضرورية، ومن السهل تطويعها لأغراض خبيثة؛ لذا كنتُ مستعداً تماماً لكراهيتها.

ولكن، وبسرعة كبيرة، بدأ ينتابني شعور بالأسى تجاه نظارتي؛ فقد كانت تشبه تلميذاً لم يقرأ كلمة واحدة من المنهج، ومع ذلك يسترمر المعلم في استدعائه للإجابة في الفصل، وهو تلميذ يعجز أيضاً عن تكوين صداقات، لأن جميع زملائه يظنونه جاسوساً.

ثمة بعض المتع الصغيرة التي تخللت هذه التجربة. فمن حيث الأناقة، كانت هذه أرقى نظارات شمسية اقتنيتها على الإطلاق. كما كانت مكبرات الصوت الصغيرة مفيدة للاستماع إلى الكتب الصوتية، والتقطت الكاميرا الضئيلة شتى أنواع الصور: مبنى «إمباير ستيت»، وعاصفة ثلجية، وصورة ابني وهو يلتهم قطعة كبيرة من الطعام، وزوجين مسنين يتشابكان الأيدي على الرصيف. وذات مرة، اندفعت شاحنة «سايبر تراك (Cybertruck)» نحوي، وبينما كنت أرفع يدي لالتقاط صورة لها بنظارتي، شعرتُ أن شيئاً جللاً على وشك الحدوث - أن هذا الاصطدام بين تقنيتين معروفتين بسمعتهما «المزعجة» قد يمزق نسيج «الزمان والمكان». ولكن بدلاً من ذلك، مضت الشاحنة في طريقها... وظلت نظارتي مستقرة فوق وجهي.

غالباً ما كانت نظارتي تثير في نفسي الشجن؛ ففي بعض الأحيان، كان الناس يلمحون الكاميرا فيرتدّون برعب، مُخفين وجوههم. ومرة قلتُ: «يا (ميتا)، أخبريني نكتة». فأجابت: «لماذا ذهبت كرة البيسبول إلى الطبيب؟»، وتهيأتُ لضحكة خفيفة، ثم جاءت «المزحة»: «لأنها كانت تعاني من انخفاض في معدل ضرباتها!»، وقفتُ مكاني، لفترة أطول مما ينبغي، محاولاً استيعاب وجه الفكاهة في ذلك، وأصارع لقبول ما كنتُ أدركه يقيناً في قرارة نفسي.

من الواضح أن هذه التقنية لم تصل بعد إلى صورتها النهائية؛ إذ تشير تقارير «ميتا» إلى أن سبعة ملايين شخص اشتروا نظاراتها المدعومة بالذكاء الاصطناعي، العام الماضي. ومع تكالب المنافسين، سيستمر المنتج في التطور. ولكن أياً كانت وجهته التالية (سواء كانت عدسات لاصقة ذكية، أو غرسات عصبية، أو روبوتات نانوية تُحقن مباشرة في القرنيات البشرية)، فإن الاتجاه يبدو جلياً؛ وادي السيليكون يصب جهده في صناعة «الوساطة»، إذ يرغب في إقحام منتجاته بشكل مباشر قدر الإمكان بيننا وبين العالم الخارجي، بل يود لو تجري الهواتف الذكية في عروقنا مجرى الدم. ولكن، ماذا يعني للعقل البشري أن يُدرب باستمرار على الاستعانة بكيان خارجي لطلب المساعدة؟

في نهاية المطاف، قررت أن الشيء الوحيد الذي أريده حقاً من نظارات «ميتا» الذكية هو أن تكون مجرد نظارات شمسية؛ أي أن تحمي عيني من أشعة الشمس. وهذا هو السبيل الذي أعتزم سلوكه لاستخدامها مستقبلاً؛ سأترك بطاريتها تنفد تماماً، وبشكل دائم، ثم سألقي بها في حقيبتي لأخرجها فقط في الأيام شديدة السطوع. وعندما أنساها حتماً في قطار أو تسقط مني في بحيرة، سيكون الأمر على ما يرام تماما؛ فآنذاك ستنتهي المعاناة.. معاناتها ومعاناتي.* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

نموذجا ذكاء اصطناعي صينيان يحلّان مسائل أولمبياد الرياضيات بلا خطأ

تكنولوجيا خضع النموذجان لتقييم منفصل بعد انتهاء مسابقة الطلاب ولم يشاركا ضمن الترتيب الرسمي للأولمبياد (أدوبي)

نموذجا ذكاء اصطناعي صينيان يحلّان مسائل أولمبياد الرياضيات بلا خطأ

حقق نموذجان صينيان للذكاء الاصطناعي العلامة الكاملة في مسائل أولمبياد الرياضيات، ضمن تقييم منفصل عن منافسات الطلاب الرسمية هذا العام.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يطلب النظام من المستخدم تسجيل فيديو للوجه وتنفيذ حركات محددة للتحقق من أن التسجيل مباشر وليس صورة ثابتة (أدوبي)

«غوغل» تختبر فيديو «سيلفي» لاستعادة الوصول إلى الحسابات

تضيف «غوغل» فيديو «سيلفي» لاستعادة الحساب عند فقدان الهاتف مع التحقق من الهوية والتشفير ومواجهة الانتحال والتزييف العميق بصورة آمنة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تجمع النماذج الهجينة بين المبادئ الهندسية وبيانات التشغيل لتقريب خطط مصافي النفط من الأداء الفعلي للوحدات (أدوبي)

خاص كيف يضيّق الذكاء الاصطناعي فجوة التخطيط والتشغيل في مصافي النفط؟

تساعد النماذج الهجينة مصافي النفط على تحسين دقة التخطيط وتقليص فجوة الأداء ودعم القرارات التشغيلية، مع إبقاء الرقابة البشرية المباشرة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تشير «سناب» إلى أن النضج الإعلاني يعتمد على ترابط الاستراتيجية والإبداع والتنشيط والبيانات والقياس ضمن منظومة واحدة (شاترستوك)

خاص «سناب» لـ «الشرق الأوسط»: الإنفاق الرقمي في السعودية يدخل مرحلة التركيز على العائد

ينتقل الإعلان الرقمي السعودي نحو الفاعلية عبر ربط الاستراتيجية والإبداع والقياس بالنتائج، وتعزيز الملاءمة الثقافية، وتكامل القنوات، لتحقيق نمو مستدام.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا معالج "آبل إم5 ماكس" الأحدث

كيف تعيد «الذاكرة الموحدة» صياغة الحوسبة والذكاء الاصطناعي؟

هل فكرت يوماً لماذا تشتري ذاكرة RAM لجهازك وذاكرة VRAM منفصلة لبطاقة الرسومات، في حين تظل سعة كل منهما حبيسة مهام معينة؟

خلدون غسان سعيد (جدة)