«هدنة غزة»: المقترحات تتوالى... وترقّب لجولة جديدة

نتنياهو ينفي تلقي أي معلومات بشأن صفقة «اليومين»

انتشال جثة فلسطيني من تحت أنقاض مبنى دمّرته غارة إسرائيلية في بيت لاهيا شمال غزة (أ.ف.ب)
انتشال جثة فلسطيني من تحت أنقاض مبنى دمّرته غارة إسرائيلية في بيت لاهيا شمال غزة (أ.ف.ب)
TT

«هدنة غزة»: المقترحات تتوالى... وترقّب لجولة جديدة

انتشال جثة فلسطيني من تحت أنقاض مبنى دمّرته غارة إسرائيلية في بيت لاهيا شمال غزة (أ.ف.ب)
انتشال جثة فلسطيني من تحت أنقاض مبنى دمّرته غارة إسرائيلية في بيت لاهيا شمال غزة (أ.ف.ب)

مقترحات تتوالى بشأن الهدنة في قطاع غزة، بين مقترح مصري وثانٍ أميركي وثالث «موحد» بحسب حديث إسرائيلي رسمي، وسط ترقب لجولة جديدة من محادثات يقودها الوسطاء، وتأكيدات من دول الوساطة (أميركا ومصر وقطر) على ضرورة وقف الحرب المستمرة منذ أكثر من عام.

تعدُّد المقترحات، وفق خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، يعكس مساعي الوسطاء المستمرة للتوصل لاتفاق، غير أن استمرار رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في «أساليب المراوغة» يشي برغبته في إطالة أمد المفاوضات لحين اتضاح نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية المقررة في 5 نوفمبر (تشرين الثاني).

وبعد جمود نحو شهرين، عادت مفاوضات الهدنة في قطاع غزة، باجتماع، الأحد، في الدوحة، أفاد بيان لمكتب نتنياهو، الاثنين، بأن «رئيس الموساد ديفيد برنياع عاد بعد أن التقى رئيس السي آي إيه (وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية) ويليام بيرنز ورئيس الوزراء القطري الشيخ محمد عبد الرحمن آل ثاني»، لافتاً إلى أن «الطرفين ناقشا إطاراً موحداً جديداً يضم المقترحات السابقة، ويأخذ في الحسبان أيضاً التحديات الرئيسية والأحداث الأخيرة في المنطقة»، دون مزيد من التفاصيل عن ذلك الإطار الموحد الجديد.

وأشار إلى أن «المناقشات ستتواصل في الأيام المقبلة بين الوسطاء و(حماس) لبحث جدوى المفاوضات والاستمرار في السعي للتوصل إلى اتفاق»، دون تحديد موعد.

رد فعل رجل مصاب أثناء جلوسه على أنقاض مبنى أصيب بغارة إسرائيلية في بيت لاهيا (أ.ف.ب)

ونقل موقع «أكسيوس» عن 3 مسؤولين إسرائيليين أن مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية ويليام بيرنز طرح، الأحد، خلال اجتماع مع رئيس «الموساد» ديفيد برنياع ورئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل الشيخ، اتفاقاً لوقف إطلاق النار في قطاع غزة لمدة 28 يوماً، وإطلاق سراح نحو 8 رهائن محتجزين لدى حركة «حماس» وعشرات السجناء الفلسطينيين لدى إسرائيل، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتزامناً مع انعقاد مفاوضات الدوحة التي لم تشارك بها مصر، اقترح الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي تُعَدّ بلاده إحدى دول الوساطة لوقف الحرب، «وقفاً لإطلاق النار لمدة يومين. يجري تبادل 4 رهائن مع بعض الأسرى الموجودين في السجون الإسرائيلية، ثم خلال 10 أيام يجري التفاوض على استكمال الإجراءات في القطاع وصولاً لإيقاف كامل لإطلاق النار، وإدخال المساعدات».

وفي أول تعليق على المقترح المصري، قال نتنياهو، الاثنين، إنه لم يتلقَّ اقتراحاً لهدنة لمدة يومين في الحرب الدائرة بين إسرائيل و«حماس» في غزة تشمل إطلاق سراح رهائن، وفقاً لمكتبه، غير أنه استدرك: «لو طُرح مثل هذا الاقتراح، لكان رئيس الوزراء قد قبله على الفور».

الخبير الاستراتيجي والعسكري، اللواء سمير فرج، يرى أن تعدد المقترحات بشأن الهدنة، «هو من باب تحريك الملف الذي كان مجمداً، ورفع سقف التوصل لاتفاق وصولاً للصفقة الشاملة»، لافتاً إلى أن نتنياهو يسعى للاستفادة من صفقة شاملة بغزة دون أن يوقف الحرب خاصة بجبهة لبنان، و«هذا لن يقبله أحد».

وكل تلك المقترحات ستكون محل نقاش في جولة مباحثات جديدة في الأيام المقبلة، وفق تقدير اللواء فرج، لافتاً إلى أن حديث نتنياهو عن عدم تلقي أي معلومات عن هدنة اليومين «يدخل ضمن مسار المماطلة والحرب النفسية بهدف إطالة أمد المفاوضات».

وباعتقاد الخبير السياسي الأردني، الدكتور صلاح العبادي، فإنه «من الطبيعي أن يقول نتنياهو إنه لم يتلقَّ أي مقترح يتعلق بمبادرة الرئيس المصري؛ لأن هذا نهج نتنياهو وهو إدارة ظهره لأي مبادرات أو جهود لاحتواء المشهد في قطاع غزة، بل العمل على إحباط أي مبادرات هادفة إلى إحلال الأمن والاستقرار»، مرجحاً استمرار المحادثات وتداول مقترحات عدة لتعزيز مسار المفاوضات والوصول لنسخة موحدة في الجولة المقبلة.

بدوره، استبعد المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، نجاح أي من المقترحات المطروحة بشأن الهدنة في غزة قبل الانتخابات الأميركية، متوقعاً ألا يمنح نتنياهو أي مرشح ديمقراطي أي هدية قبل الانتخابات، ومن ثم فإنه لن يذهب إلى حل في هذه الفترة.

وبرأي الرقب، فإن المقترح الذي جرى تسريبه، ونُسب إلى رئيس الاستخبارات الأميركية، الذي يتحدث عن هدنة 28 يوماً، «هو اختزال لمقترح الرئيس جو بايدن الذي كان ينص على هدنة لمدة 6 أسابيع... وأيضاً يشمل مزايا أكثر للجانب الإسرائيلي من حيث عدد الأسرى في السجون الإسرائيلية التي سيجري الإفراج عنهم بدعوى أن (حماس) جرى إضعافها، وستقبل تحت الضغوط، وهذا أمر مستبعَد، خصوصاً أنه مقترح غير مكتمل»، متوقعاً أن يكون المقترح المصري «الأقرب للتنفيذ من مقترح بيرنز أو الصفقة الشاملة».

ولا تزال الولايات المتحدة تتمسك بإبرام اتفاق ينهي الحرب بغزة، وقال الرئيس الأميركي بايدن، الاثنين، عقب إدلائه بصوته على نحو مبكر في الانتخابات الرئاسية: «نحن بحاجة إلى وقف لإطلاق النار بغزة (هذه الحرب) يجب أن تنتهي، يجب أن تنتهي، يجب أن تنتهي»، مشيراً إلى أنه يبذل جهوداً إضافية من أجل وقف إطلاق النار.

وستعمل الدوحة مع إدارة بايدن، وفق المتحدث باسم «الخارجية القطرية»، ماجد الأنصاري، في مؤتمر صحافي، الثلاثاء، بالدوحة «حتى اللحظة الأخيرة قبل انتخابات الرئاسة الأميركية للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة»، مؤكداً أن «اللقاءات بشأن التوصل لمقترح وقف إطلاق النار في غزة مستمرة في الدوحة والقاهرة وعواصم أوروبية».

ويتوقع اللواء فرج استمرار المحادثات في بحث المقترحات والوصول لمقترح محل توافق، مستدركاً: «سيتضح مسار الهدنة مع وضوح نتائج الانتخابات الأميركية الرئاسية يوم 5 نوفمبر المقبل».

وبتقدير العبادي، فإن «الإدارة الأميركية الحالية تسعى إلى تحقيق نصر مهم في هذا التوقيت يتمثل في التوصل إلى هدنة طويلة الأمد في قطاع غزة، خصوصاً قُبيل الخامس من نوفمبر المقبل، موعد إجراء الانتخابات الرئاسية المقبلة»، متوقعاً أن إدارة بايدن «ستفشل» في التوصل لأي هدنة في هذه المرحلة، خصوصاً أن مصلحة نتنياهو مع المرشح الجمهوري دونالد ترمب.

ويعتقد أن مستقبل الهدنة الإنسانية في قطاع غزة سيكون مرهوناً بنتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة؛ لأن نتنياهو في هذه الأيام مَعْنِيٌّ بمواصلة التصعيد، وشراء مزيد من الوقت، والاستمرار في القتال في غزة أو في جنوب لبنان؛ حتى تنتهي الانتخابات، وتظهر النتائج.


مقالات ذات صلة

مصدر لـ«الشرق الأوسط»: اجتماع مصري - إسرائيلي لتفادي تجدد حرب غزة

خاص فلسطينية تنظف طاولة على سطح مسجد تحول ملجأً لنازحين في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ب)

مصدر لـ«الشرق الأوسط»: اجتماع مصري - إسرائيلي لتفادي تجدد حرب غزة

تحدث مصدر مصري مطلع على ملف مفاوضات «اتفاق غزة» لـ«الشرق الأوسط»، عن تفاصيل اللقاء الذي انعقد خلال الساعات الماضية بين وفد مصري وآخر إسرائيلي في القاهرة.

محمد الريس (القاهرة)
خاص فلسطينيون يحملون جثمان محمد عودة القائد في الجناح العسكري لحركة «حماس» خلال جنازته بمدينة غزة يوم 27 مايو 2026 (أ.ف.ب)

خاص اغتيالات لا تتوقف في غزة... إسرائيل تلاحق كل رموز «حماس»

تحاول إسرائيل القضاء على أي رمز يظهر في «حماس» إعلامياً أو غير ذلك، في إطار محاولاتها للقضاء على جميع قيادات الحركة ونشطائها البارزين في مختلف المستويات.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا سفير مصر في رام الله خلال لقاء نائب الرئيس الفلسطيني (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

مصر تجدد رفضها للتهجير وتشدد على وحدة غزة والضفة الغربية

فيما طالبت مصر بتمكين السلطة الفلسطينية من الاضطلاع بمسؤولياتها في قطاع غزة، جددت رفضها «تهجير الفلسطينيين».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي فلسطينيون يتفقدون موقع غارة إسرائيلية استهدفت مركبة في مدينة غزة (رويترز) p-circle

غزة: مقتل 9 بينهم طفلان في قصف إسرائيلي

أفاد مسؤولون ‌في قطاع الصحة بأن غارات جوية إسرائيلية أسفرت عن مقتل تسعة فلسطينيين على الأقل، بينهم طفلان بعمر العاشرة والسادسة، اليوم الأربعاء في غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يتفقدون موقع غارة إسرائيلية استهدفت خيمة في مخيم لإيواء النازحين بمدينة غزة (رويترز) p-circle

مسؤول: «مجلس السلام» يخطط لإنشاء منطقة إنسانية تجريبية في غزة

كشف مسؤول ‌في «مجلس السلام» الذي أسسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن المجلس يخطط لإنشاء منطقة ​إنسانية تجريبية لسكان غزة كوسيلة لإعادة تنشيط خطة السلام المتعثرة

«الشرق الأوسط» (غزة)

حبس متهمين اثنين في وقائع تسريب امتحانات بـ«الثانوية» المصرية

إحدى لجان امتحانات الثانوية العامة في مصر عام 2024 (وزارة التربية والتعليم)
إحدى لجان امتحانات الثانوية العامة في مصر عام 2024 (وزارة التربية والتعليم)
TT

حبس متهمين اثنين في وقائع تسريب امتحانات بـ«الثانوية» المصرية

إحدى لجان امتحانات الثانوية العامة في مصر عام 2024 (وزارة التربية والتعليم)
إحدى لجان امتحانات الثانوية العامة في مصر عام 2024 (وزارة التربية والتعليم)

أكّدت النيابة المصرية، الجمعة، أنها سوف «تتصدى بكل حسم لأي محاولة للمساس بنزاهة امتحانات الثانوية (وهي الشهادة المؤهلة للجامعات) أو الإخلال بسير العملية التعليمية».

وأفادت بأنها تلقت عدة بلاغات ومحاضر من الجهات المختصة، تضمنت رصد وقائع لتسريب ونشر أسئلة وإجابات امتحانات «الثانوية العامة» و«الثانوية الأزهرية» عبر تطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي، ومحاولات لتسهيل الغشّ داخل لجان الامتحانات وخارجها، وذلك في وقائع ارتكبت بعدد من المحافظات.

وخلال السنوات الماضية، تمكَّنت «غروبات للغش» عبر تطبيقات عدة، من بينها «تلغرام»، من نشر أوراق امتحانات الثانوية العامة خلال خوضها أو قبلها، وأعلنت وزارة التربية والتعليم حينها إحالة عدد من الطلاب للتحقيق.

وقالت «النيابة»، في بيان لها، مساء الجمعة، إنها باشرت التحقيقات، وكان من بينها «واقعة رصد قيام أحد الطلاب بإنشاء وإدارة مجموعات عبر تطبيق (واتساب) لنشر أسئلة وإجابات امتحاني مادتين بالثانوية الأزهرية حال انعقاد لجان الامتحان».

وتابعت: «تم إصدار إذن بضبط الطالب وتفتيشه، حيث ضبط وبحوزته الهاتف المحمول المستخدم في الواقعة، وبفحصه تبين احتواؤه على المجموعات محل النشر، كما قرر المختصون بالأزهر أن الأسئلة والإجابات المضبوطة تخص امتحانات العام الدراسي الحالي».

وبحسب «النيابة»، تم استجواب المتهم، وتقرر حبسه احتياطياً على ذمة التحقيقات، والتحفظ على الهاتف المحمول وفحص محتواه الرقمي.

وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف خلال متابعة سير امتحانات الثانوية العامة (صفحة وزارة التعليم على «فيسبوك»)

ووجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بـ«تشديد العقوبات المُوقعة على من يثبت تورطهم في الغش في امتحانات الثانوية العامة».

ويخوض أكثر من 900 ألف طالب امتحانات الثانوية العامة هذا العام. كما يبلغ إجمالي أعداد الطلاب الذين تقدموا لـ«الثانوية الأزهرية» هذا العام 163 ألفاً و677 طالباً وطالبة.

كما أضافت «النيابة المصرية»، في بيانها، أنها باشرت التحقيق في واقعة ضبط أحد الأشخاص أعلى كوبري ملاصق لإحدى لجان امتحانات الثانوية العامة بمنطقة العجوزة (محافظة الجيزة) حال حيازته هاتفاً محمولاً فيه سماعة.

وذكرت أنه «بمواجهته أقرّ بحصوله على الأسئلة عبر تطبيق (تلغرام)، فتم استجوابه، وتقرر حبسه احتياطياً، والتحفظ على هاتفه المحمول لفحصه، وجارٍ استكمال التحقيقات في سائر الوقائع».

القائم بأعمال وكيل الأزهر أيمن عبد الغني خلال متابعات امتحانات الثانوية الأزهرية (المركز الإعلامي للأزهر)

وشدّد وزير التربية والتعليم، محمد عبد اللطيف خلال متابعته سير امتحانات الثانوية العامة من داخل «غرفة العمليات المركزية» بالوزارة أخيراً على «ضرورة الالتزام الكامل بإجراءات تفتيش الطلاب بدقة وحزم، ومراجعة اللجان من الداخل قبل بدء الامتحان، والتأكد من خلوها تماماً من أي وسائل أو أدوات قد تُستخدم للإخلال بأعمال الامتحانات».

وتواجه وزارة التعليم المصرية انتقادات متكررة نتيجة استمرار وقائع الغش، ولم تعلن الوزارة خلال امتحانات العام الماضي أعداد الطلاب الذين جرى ضبطهم بتهمة «التسريب»، غير أنها أعلنت في امتحانات الثانوية العامة عام 2024 «إحالة 425 طالباً إلى جهات التحقيق بسبب مخالفة قانون أعمال الامتحانات، بعد أن تم إجراء محاضر غش لهم».


عفو الرئيس عن برلمانيتين في السجن يفجر جدلاً في موريتانيا

النائبتان مريم الشيخ (يمين) وقامو عاشور (يسار) (إعلام محلي)
النائبتان مريم الشيخ (يمين) وقامو عاشور (يسار) (إعلام محلي)
TT

عفو الرئيس عن برلمانيتين في السجن يفجر جدلاً في موريتانيا

النائبتان مريم الشيخ (يمين) وقامو عاشور (يسار) (إعلام محلي)
النائبتان مريم الشيخ (يمين) وقامو عاشور (يسار) (إعلام محلي)

قرر الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، مساء الخميس، العفو عن ناشطتين حقوقيتين تقبعان في السجن منذ أبريل (نيسان) الماضي، بعد أن أدانتهما المحكمة بتهم، منها الإساءة لشخص رئيس الجمهورية.

شمل العفو الرئاسي كلاً من مريم الشيخ وقامو عاشور، وهما ناشطتان في حركة (إيرا) الحقوقية، دخلتا البرلمان الموريتاني في الانتخابات التشريعية الأخيرة (2023)، وقد اعتقلتهما الشرطة إثر ظهورهما في بث مباشر على منصة «فيسبوك» أوائل أبريل الماضي، تضمن عبارات وصفت بأنها «إساءة شخصية» للرئيس.

عفو الرئيس عن البرلمانيتين المسجونتين أثار جدلاً واسعاً في البلاد (الرئاسة)

ووجهت النيابة العامة إلى الناشطتين تهماً، من أبرزها «المساس بالرموز الوطنية عن قصد عبر وسائل التواصل الرقمي»، وحكمت الغرفة الجزائية بمحكمة ولاية نواكشوط الغربية، في مايو (أيار) الماضي، بإدانة البرلمانيتين، وسجنهما أربع سنوات نافذة، لكن محكمة الاستئناف خففت، الأربعاء، الحكم إلى عامين نافذين، وأضافت حكماً بالمنع من الحقوق السياسية والمدنية خلال خمس سنوات، وهو ما يعني فقدان المتهمتين لمقعديهما في البرلمان، والحرمان من الترشح للانتخابات المقبلة (2028).

عفو ولكن!

ونص المرسوم الذي وقعه الرئيس الموريتاني على إسقاط ما تبقى من العقوبة السالبة للحرية الصادرة بحق الناشطتين، بالإضافة إلى إعفائهما من الغرامات والمصاريف القضائية، فيما قالت الرئاسة الموريتانية إن قرار العفو «يأتي تأكيداً لحرص رئيس الجمهورية على ترسيخ قيم التسامح والعفو، وتعزيز السكينة والانسجام الوطني».

وأضافت الرئاسة أن القرار «يندرج في إطار نهج الرئيس الرامي إلى توطيد الوحدة الوطنية، وتعميق روح المسؤولية والمواطنة، في ظل احترام دولة القانون، واستقلال السلطة القضائية ومؤسسات الجمهورية».

غير أن مرسوم العفو الرئاسي، الذي حظي بترحيب واسع من طرف الموريتانيين، سكت عن الشق المتعلق بالحرمان من الحقوق السياسية والمدنية، وهو ما أكد خبراء ومحامون أنه يعني خروجه من العفو، وبالتالي تأكيد قرار المحكمة بفقدان المتهمتين لمقعديهما في البرلمان، وهو ما أثار الجدل.

مناورة سياسية

في المقابل، قوبل المرسوم الرئاسي بهجوم لاذع من قبل النائب البرلماني ورئيس حركة «إيرا» الحقوقية، بيرام الداه اعبيد، الذي وصف قرار العفو بأنه مجرد «مخادعة، ومحاولة لتغليف الظلم الممارس بحق النائبتين من طرف القضاء».

بيرام ولد الداه ولد اعبيد (أ.ف.ب)

وقال ولد اعبيد: «العفو يكون بحق من أجرم، أما البرلمانيتان فلم ترتكب أي منهما جريمة لتنال العفو»، مضيفاً أن ولد الغزواني «لم يعفُ عن النائبتين، بل عفا عن نفسه وعما لحقه من عار بسبب سجنهما»، مشيراً إلى أنه لم يسبق لأي رئيس موريتاني أن سجن النساء.

وأكد ولد اعبيد أن الهدف من كل الإجراءات والمحاكمات هو منع الناشطتين من مقعديهما في البرلمان، وعبر عن رفضه لما قال إنه «تدخل الرئاسة من أجل تبييض الجرائم ضد المنتخبين وقلب الحقائق وتزويرها». ووصف العفو الرئاسي بأنه «تثبيت لحكم قضائي مرفوض أصلاً، ولا أساس له من الناحية القانونية».

لكن موقف ولد اعبيد واجه هو الآخر انتقادات حادة من الأوساط السياسية الموالية؛ حيث اعتبر النائب البرلماني السابق والمستشار المكلف بالاتصال في ديوان الوزير الأول الموريتاني، اباب ولد بنيوك، أن رفض قرار العفو والتقليل منه يكشف عن «غياب للحصافة السياسية والمرونة في التعاطي مع المبادرات الوطنية».

وأوضح ولد بنيوك أن ولد اعبيد «اختار تحويل المبادرة الرئاسية، التي نالت إشادة واسعة، إلى محطة جديدة للتصعيد وإذكاء الاحتقان، مغلّباً الخصومة السياسية على منطق الحكمة والمسؤولية»، على حد تعبيره.

ووصف ولد بنيوك تصريحات ولد اعبيد بأنها «خطاب تفرقي لا يخدم التماسك الوطني في بلد متعدد المكونات، يستحضر مفردات الفرز والتقسيم الفئوي والشرائحي، وتغذية مشاعر المظلومية»، مشيراً إلى أن «التجاوزات المتكررة للقانون والتحريض المستمر على المؤسسات من قِبل ولد اعبيد هما اللذان يؤديان إلى هذه الأزمات».

وخلص مستشار الوزير الأول إلى التأكيد بأن ولد الغزواني «يثبت قولاً وعملاً أن الوحدة الوطنية خيار استراتيجي لا يقبل المساومة».

عفو «سياسي»

من الناحية القانونية والدستورية، أثار المرسوم تساؤلات جوهرية حول طبيعة وتجزئة العقوبات؛ حيث أدلى الخبير القانوني والمحامي، محمد سيدي عبد الرحمن إبراهيم، بقراءة تحليلية للمرسوم، مستنداً إلى المادة الـ37 من الدستور الموريتاني التي تمنح رئيس الجمهورية حق العفو.

واجهة البرلمان الموريتاني (البرلمان)

ورأى الخبير القانوني أن الطابع السياسي للمرسوم غلب على حقيقته الدستورية، مشيراً إلى ما سماه «تجزئة العقوبة»، حيث أكد أن العفو «شمل إسقاط عقوبة الحبس والغرامات والمصاريف القضائية الزهيدة، لكنه استبقى عقوبة الحرمان من الحقوق المدنية والسياسية (لمدة 5 سنوات)».

وأوضح الخبير القانوني أن «الإبقاء على عقوبة الحرمان السياسي يسوغ حمله على أنه يخدم الأغلبية الحاكمة عبر إقصاء الخصوم، ومنع البرلمانيتين من ممارسة أنشطتهما العامة».

وأضاف الخبير ذاته أن حق العفو منحه الدستور للرئيس في إطار ما يسمى «سلطة الرحمة»، مشيراً إلى أن الإشكال الدستوري الذي يثير العفو الأخير هو استخدام سلطة الرحمة بصورة انتقائية لتحقيق مآرب سياسية، وهو ما اعتبر أنه يشكل «انحرافاً في استعمال السلطة الدستورية».


تجدد الصراع الأميركي - الإيراني يقلّص فرص نمو الاقتصاد المصري

سوق شعبية في محافظة الجيزة (الشرق الأوسط)
سوق شعبية في محافظة الجيزة (الشرق الأوسط)
TT

تجدد الصراع الأميركي - الإيراني يقلّص فرص نمو الاقتصاد المصري

سوق شعبية في محافظة الجيزة (الشرق الأوسط)
سوق شعبية في محافظة الجيزة (الشرق الأوسط)

يُقلص تجدد الصراع الأميركي - الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، فرص النمو الاقتصادي لمصر، مع الارتفاعات الجديدة المتوقعة في أسعار النفط عالمياً، في حين لا تزال قطاعات اقتصادية عدّة تعاني آثار شهور الحرب الماضية، وفق مختصين.

وخفض «صندوق النقد الدولي» في تقريره قبل أيام حول «آفاق الاقتصاد العالمي»، توقعاته لمعدل نمو الاقتصاد المصري من 4.8 في المائة والتي صدرت في أبريل (نيسان) الماضي إلى 4.4 في المائة خلال العام المالي 2027 - 2026، وأرجع ذلك إلى «استمرار آثار الحرب الإيرانية، خصوصاً غلق مضيق هرمز، على الشرق الأوسط، وضعف الاستثمار، وارتفاع تكاليف التمويل، واستمرار حالة عدم اليقين».

الخبير الاقتصادي، وائل النحاس، يرى أن «خفض معدل النمو ليس مقتصراً على مصر، بل يشمل الاقتصاد العالمي بوجه عام في ظل آثار الحرب، وهو أمر طبيعي ومتوقع».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن «الفترة الحالية التي تتسم بالمناوشات بين الجانبين يمكن عدّها فترة تسويات، لتمرير النفط وتحجيم الارتفاعات الكبيرة في الغذاء وغيره من القطاعات»؛ ما ينذر - وفق النحاس - بـ«فترة أسوأ قادمة حال تجدد الحرب».

مقر البنك المركزي المصري في وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

الباحث في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، يوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن«التوترات الجيوسياسية، هي السبب الرئيسي لتراجع معدلات النمو».

ويتحدث عن التحديات أمام الاقتصاد المصري في ظل هذه الأوضاع، قائلاً إنها تتمثل في «ارتفاع تكاليف التمويل (الاقتراض)، وإحجام البعض عن تقديم تمويلات جديدة، بالإضافة إلى تراجع الاستثمار الأجنبي، وركود القطاع الخاص، وخسائر قناة السويس».

وقدَّر الرئيس عبد الفتاح السيسي في وقت سابق خسائر قناة السويس بـ10 مليارات دولار، في ظل التوترات الإقليمية وتأثيرها على حركة الملاحة في البحر الأحمر.

ويشير الباحث في أسواق المال، إلى أن «استمرار الصراع خلال الفترة المقبلة سوف يضغط أكثر على الاقتصاد المصري»، ويقول: «عندما انخفضت أسعار النفط عالمياً إلى ما دون 70 دولاراً، لم تُخفض الحكومة المصرية الأسعار، لكن بمجرد أن بدأت أسعار النفط في الارتفاع مجدداً تجدد الحديث في البلاد عن التسعير التلقائي وضرورة رفع أسعار الوقود».

توترات المنطقة أثرت على إيرادات مصر من قناة السويس (صفحة هيئة قناة السويس على فيسبوك)

وكانت الحكومة قد رفعت أسعار المحروقات بنسبة تراوحت بين 14 و30 في المائة في مارس (آذار) الماضي، عقب 10 أيام فقط من اندلاع الحرب الإيرانية، في ظل ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة.

ويخشى النحاس أن تعود أسعار النفط العالمية إلى الارتفاع لأكثر من 100 دولار للبرميل في اليوم، خصوصاً وأنه «مُحدَّد في الموازنة العامة للدولة خلال العام المالي الحالي بنحو 75 دولاراً للبرميل». ويلفت إلى أن «أي زيادة سترفع فاتورة استيراده وتفاقم عجز الموازنة»، ويتخوف من أن يؤدي ذلك أيضاً إلى رفع أسعار الوقود مجدداً في البلاد ما يفاقم أزمة الغلاء.

وسجل معدل التضخم في مصر على أساس سنوي في يونيو (حزيران) الماضي، نحو 14.3 في المائة مقابل 14.6 في المائة في مايو (أيار).

لكن الخبير الاقتصادي يرى، أن «بعض القطاعات مثل قطاع السياحة، لديه فرص جيدة للنمو رغم تجدد الصراع الأميركي - الإيراني».