مصريون يترقبون مصير أبنائهم ضمن ضحايا إعصار ليبيا

تقديرات رسمية بوصول عدد المتوفين إلى 300

مجلس الوزراء المصري يقف دقيقة حداداً على أرواح ضحايا الإعصار في ليبيا خلال اجتماعه الخميس (مجلس الوزراء المصري)
مجلس الوزراء المصري يقف دقيقة حداداً على أرواح ضحايا الإعصار في ليبيا خلال اجتماعه الخميس (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصريون يترقبون مصير أبنائهم ضمن ضحايا إعصار ليبيا

مجلس الوزراء المصري يقف دقيقة حداداً على أرواح ضحايا الإعصار في ليبيا خلال اجتماعه الخميس (مجلس الوزراء المصري)
مجلس الوزراء المصري يقف دقيقة حداداً على أرواح ضحايا الإعصار في ليبيا خلال اجتماعه الخميس (مجلس الوزراء المصري)

«نريد فقط أن نعرف مصير باقي أولادنا»... عبارة نطقها بغصة ومرارة الحاج سمير عبد اللطيف، أحد شيوخ قرية الشريف، التابعة لمركز ببا بمحافظة بني سويف في صعيد مصر، بعد أن شارك أهالي القرية في موكب جنائزي مهيب لدفن 68 جثماناً من ذويهم، راحوا ضحية إعصار «دانيال» الذي ضرب الشرق الليبي، لكن رغم هول الفاجعة، فإن سمير قال: «دفن الجثامين ربما يكون أقل ألماً من انتظار المفقودين من بقية أبناء القرية».

ومنذ وقوع الكارثة، توافد إلى مصر 88 جثماناً لمصريين من ضحايا إعصار «دانيال»، لكن إفادات رسمية ذكرت أن عدد المتوفين ربما يصل إلى 300 مصري. وقالت وزيرة الهجرة وشؤون المصريين بالخارج، السفيرة سها الجندي، إن «السلطات الليبية في طبرق تعرّفت على نحو 150 جثماناً لمصريين بالفعل»، موضحة أن الوزارة «تتابع باهتمام العثور على بقية الضحايا... والقوات المسلحة المصرية أرسلت طائرات لإحضار الجثامين».

وأشارت الجندي خلال تصريحات تلفزيونية، مساء الأربعاء، إلى أن «تقديرات مبدئية لمنظمات دولية والسلطات الليبية تفيد بأن أعداد المتوفين قد تصل إلى 300 شخص»، وطالبت أسر المفقودين بالتواصل مع غرفة الطوارئ والحسابات الرسمية لـ«الهجرة» على مواقع التواصل الاجتماعي، مبرزة أن أعداد الضحايا المتداولة لم يتم تحديدها على وجه الدقة، وذلك بسبب زيادة أعداد المصريين المسافرين إلى ليبيا بشكل غير شرعي، ما يتطلب جهوداً مضاعفة للحصر الدقيق.

يقول الحاج سمير، الذي فقد شقيقه أحد أحفاده، بينما الآخر في عداد المفقودين، إن «الاتصالات لم تنقطع مع أبناء القرية الموجودين في ليبيا منذ فجر الثلاثاء، بحثاً عن ذويهم»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «القرية جميعها تربطها صلة قرابة، ومنذ وقوع الكارثة وأبناء عمومتنا في درنة لا يألون جهداً في البحث عن المفقودين».

ووسط حالة الحزن، تدخّل في الحديث شاب من أبناء القرية، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «فقدت 8 من أبناء عمومتي، لكني أشكر الله أننا تمكّنا من إكرامهم بالدفن في مسقط رأسهم، لكن البقية أيضاً أقاربي وأصدقائي، وكل ما نتمناه الآن هو العثور على المفقودين»، مضيفاً أن شركات الاتصالات الثلاث «فتحت الاتصال المجاني بليبيا، وحتى الساعات الأولى من ليلة أمس وأبناء القرية في شرق ليبيا يبحثون عن ذويهم. وأسرنا هناك يشاركون في عمليات الإنقاذ، ويقومون بتصوير الجثامين، ويرسلون الصور عبر صفحاتهم على (فيسبوك) ليتم التعرف عليهم من قبل ذويهم».

أقارب الضحايا المصريين الذين لقوا حتفهم في العاصفة التي ضربت ليبيا (إ.ب.أ)

وحسب روايات أهالي القرية المنكوبة، هناك 222 من أبنائهم سافروا إلى درنة. لكن تبقى فاجعة قرية الشريف الأكثر قسوة بين ضحايا الإعصار، غير أن الألم ومشاهد الحسرة امتدت لأسر عدة في محافظات مصر. ففي قرية شباس عمير، الواقعة في محافظة كفر الشيخ، تعالت أصوات العويل داخل منزل فقد 4 أشخاص من أسرة واحدة، هم الأب والأم و2 من أبنائهما، بينما فُقد أصغر الأبناء، ولم يتسنَ لهم التعرف على ما إذا كان حياً أم فقد حياته.

روي لطفي مرسال، ابن عم الأم، تفاصيل الوفاة قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «ابنة عمي سافرت مع زوجها وأبنائها الثلاثة منذ 4 سنوات، وكانت على تواصل مستمر مع الأسرة، حتى فجعنا شقيق زوجها بخبر وفاتها وأسرتها، بينما الابن الأصغر البالغ 7 أعوام ما زال مفقوداً»، مضيفاً أن المفقودين «أكثر ممن عادوا. أقاربي في عزبة جودة بمركز قلين فقدوا 11 شاباً لم يصل منهم أي جثمان، ولا نعرف مصيرهم حتى الآن».

ورغم الحزن الذي يخيم على الأهالي، فإنهم لم يفقدوا الأمل. يقول الشاب شريف محمد، ابن قرية الشريف: «ظننت أن أصدقائي في قرية واصف غالي ببني سويف لقوا مصرعهم لأنهم كانوا ضمن المفقودين، لكن وصلتنا اتصالاتهم وأبلغونا بأنهم احتموا بمرتفع في درنة لمدة 48 ساعة حتى هدأت العاصفة، فكُتب لهم عمر جديد... لقد كانت لحظات مروعة عاشوها، لكنهم ما زالوا على قيد الحياة».

أفراد من الجيش المصري يتفقدون الأضرار في درنة (رويترز)

بمجرد أن تترجل داخل أي قرية لها أبناء في ليبيا لا تسمع سوى الصراخ والعويل وربما الهدوء الحذر، والأحاديث جميعها تدور حول جهود الدولة، والقوات المسلحة في استعادة المصريين العالقين في ليبيا أحياءً كانوا أو أمواتاً.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد وجه بتوفير إعانات عاجلة لأسر الضحايا المصريين لإعصار «دانيال». كما دخلت قوات الجيش المصري إلى الأراضي الليبية عبر منفذ السلوم الحدودي، على رأس قوافل مساعدات إنسانية وطبية، بينما تدخلت القوات المصرية لإنقاذ المناطق المنكوبة سواء تضم مصريين أو ليبيين.

ومن جانبه، قرر رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، فتح جميع قنوات الاتصال، من خلال منظومة الشكاوى الحكومية الموحدة لتلقي شكاوى وطلبات وبلاغات المواطنين وأسر المتضررين من الإعصار في ليبيا، بالإضافة إلى متابعة وتوثيق جهود الجهات المختصة في التعامل مع هذه الشكاوى والبلاغات والطلبات، سواء في مرحلة أعمال الإغاثة وحصر الضحايا والمصابين، ونقل مَن يمكن إعادتهم لأرض الوطن، أو في مرحلة تقديم خدمات الرعاية الطبية والاجتماعية لهم وما يتعلق باستخراج الوثائق الرسمية من شهادات وفاة وقرارات علاج للمصابين وغيرها.

في سياق ذلك، أعلنت وزارة التضامن الاجتماعي المصرية، توفير إعانات عاجلة لأسر الضحايا من المواطنين المصريين المتوفين في ليبيا جراء الإعصار والفيضانات، وصرف مساعدات عاجلة لأسر الضحايا، تقدر قيمتها بـ100 ألف جنيه (3200 دولار) لأسرة كل متوفى. كما وجهت وزيرة التضامن الاجتماعي بصرف 25 ألف جنيه لكل مصاب من المواطنين المصريين جراء الإعصار والفيضانات، التي ضربت ليبيا مؤخراً.


مقالات ذات صلة

الحكومة المصرية تستنفر لرمضان بـ«مخزون سلع استراتيجية»

شمال افريقيا الرئيس عبد الفتاح السيسي وجَّه الثلاثاء بضرورة المتابعة اليومية والمستمرة لتوافر السلع (الرئاسة المصرية)

الحكومة المصرية تستنفر لرمضان بـ«مخزون سلع استراتيجية»

شدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على «ضرورة استخدام كل آليات ضبط السوق والأسعار لتفادي غلاء الأسعار أو المضاربات».

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس الكيني ويليام روتو يلتقي وزير الخارجية المصري ويتسلم رسالة خطية من السيسي (وزارة الخارجية المصرية)

مصر تتمسك بـ«توافق» دول حوض النيل ورفض الأحادية

تتمسك مصر بضرورة تحقيق التوافق بين دول حوض النيل، ورفض الإجراءات الأحادية، بما يضمن تحقيق المنفعة المشتركة لجميع الأطراف.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد إقبال جماهيري كبير على معرض «أهلاً رمضان» في محافظة الدقهلية (وزارة التموين المصرية)

«منحة رمضان» تُسعد المصريين... ولا تبدد مخاوفهم من الغلاء

استقبلت ملايين الأسر المصرية بارتياح وسعادة الإعلان الحكومي عن منحة نقدية لمعاونتها على المعيشة خلال شهر رمضان، والتي خُصصت لـ15 مليون أسرة، من الأكثر احتياجاً.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا مكتب النائب العام المصري (الصفحة الرسمية)

حكم دستوري يُربك بعض قضايا المخدرات في مصر

قضت المحكمة الدستورية العليا في مصر، الاثنين، بعدم دستورية قرار صادر عن رئيس هيئة الدواء المصرية بتعديل جداول المخدرات.

محمد عجم (القاهرة)
شمال افريقيا مجندون في الجيش المصري خلال إحدى المناورات العسكرية (المتحدث العسكري المصري)

«النواب المصري» يغلّظ عقوبة التهرب من التجنيد

وافق مجلس النواب المصري نهائياً، الاثنين، على مشروع قانون مقدم من الحكومة المصرية لتعديل بعض مواد تشريع «الخدمة العسكرية والوطنية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

وزير داخلية فرنسا يؤكد من الجزائر الاتفاق على إعادة تفعيل «تعاون أمني رفيع المستوى»

وزير الداخلية الفرنسي والوفد المرافق له خلال لقائه نظيره الجزائري (أ.ف.ب)
وزير الداخلية الفرنسي والوفد المرافق له خلال لقائه نظيره الجزائري (أ.ف.ب)
TT

وزير داخلية فرنسا يؤكد من الجزائر الاتفاق على إعادة تفعيل «تعاون أمني رفيع المستوى»

وزير الداخلية الفرنسي والوفد المرافق له خلال لقائه نظيره الجزائري (أ.ف.ب)
وزير الداخلية الفرنسي والوفد المرافق له خلال لقائه نظيره الجزائري (أ.ف.ب)

أكّد وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونييز، الثلاثاء، أنه اتفق مع نظيره الجزائري، سعيد سعيود، على إعادة تفعيل «تعاون أمني رفيع المستوى»، كما قال عقب لقائه الرئيس عبد المجيد تبون في ثاني أيام زيارته إلى الجزائر. وأضاف نونييز، في تصريحات نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية، أنه عمل مع نظيره والمسؤولين الجزائريين على «إعادة تفعيل آلية تعاون أمني رفيع المستوى»، بهدف استئناف علاقات أمنية طبيعية... وتعزيزها على صعيد التعاون القضائي والشرطي والاستخباراتي. وبطبيعة الحال، وكوزير للداخلية، أعبّر عن ارتياحي لذلك». وبدأ نونييز الاثنين زيارة بالغة الحساسية إلى الجزائر، أتت في وقت تشهد فيه العلاقات بين البلدين توترات دبلوماسية مستمرة منذ عام 2024. وعقد نونييز الاثنين جلسة عمل موسعة مع وزير الداخلية الجزائري ومسؤولين في الأمن والاستخبارات، قبل أن يلتقي الرئيس عبد المجيد تبون، الثلاثاء. وبعدما شكر الرئيس تبون على استقباله، ذكر نونييز أن الرئيس الجزائري «طلب من أجهزته العمل مع الأجهزة الفرنسية لتحسين تعاوننا بشكل ملموس» في المجالين الشرطي والقضائي، «وكذلك في مجال إعادة القبول»، أي قبول الجزائريين المرحلين من فرنسا. وأكّد أن «كل هذا سيبدأ تنفيذه في أقرب الآجال»، مبدياً ارتياحه لـ«عودة التعاون الأمني وفي مجال الهجرة». وحضر لقاء الرئيس الجزائري مع وزير الداخلية الفرنسي، عن الجانب الجزائري، بوعلام بوعلام مدير ديوان رئاسة الجمهورية، وسعيد سعيود وزير الداخلية، وعمار عبة، المستشار لدى رئيس الجمهورية المكلف بالشؤون الدبلوماسية، واللواء عبد القادر آيت وعرابي، المدير العام للأمن الداخلي (المخابرات الداخلية). أما عن الجانب الفرنسي، فحضر مدير الشرطة لويس لوجييه، ومديرة المخابرات الداخلية، سيلين بيرثون. وعلى الأرجح، فإن وزير الداخلية الفرنسي قد بحث بمعية الوفد المرافق له، الملفات الشائكة، كالهجرة وأوامر الترحيل الصادرة عن العدالة الفرنسية بحق رعايا جزائريين، والتأشيرات. يشار إلى أن التوتر الشديد يسيطر على العلاقات الجزائرية - الفرنسية، منذ قرار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في يوليو (تموز) 2024، دعم خطة الحكم الذاتي المغربية لتسوية نزاع الصحراء.


بعد 15 عاماً على «ثورة» 2011... وجوه من «جماهيرية» القذافي ما زالت متحكمة بمفاصل الدولة

وجوه من نظام القذافي ما زالت متحكمة بمفاصل الدولة بعد 15 عاماً على «ثورة» 2011 (رويترز)
وجوه من نظام القذافي ما زالت متحكمة بمفاصل الدولة بعد 15 عاماً على «ثورة» 2011 (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على «ثورة» 2011... وجوه من «جماهيرية» القذافي ما زالت متحكمة بمفاصل الدولة

وجوه من نظام القذافي ما زالت متحكمة بمفاصل الدولة بعد 15 عاماً على «ثورة» 2011 (رويترز)
وجوه من نظام القذافي ما زالت متحكمة بمفاصل الدولة بعد 15 عاماً على «ثورة» 2011 (رويترز)

بعد مرور 15 عاماً على «ثورة» 17 فبراير (شباط) التي أطاحت بنظام الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، لا يزال حضور شخصيات ارتبطت بعهد «الجماهيرية» ملموساً في مفاصل السلطة الليبية، سواء داخل المؤسسات التنفيذية والسيادية، أو في الأجهزة الأمنية والعسكرية. وهذا الوجود لم يعد مفاجئاً لدى دوائر سياسية وبحثية، بل يُقرأ بوصفه ترجمة لتعقيدات مرحلة انتقالية طويلة، وتداخل شبكات الدولة القديمة مع بنية نظام سياسي جديد لم يستقر بعد.

في هذا السياق، تقول الباحثة كلوديا غازيني، كبيرة المحللين في مجموعة «الأزمات الدولية» لـ«الشرق الأوسط»، إن بعض الشخصيات المرتبطة بالعهد السابق «نأت بنفسها عام 2011، ثم غابت قبل أن تعود تدريجياً، خصوصاً بعد 2017»، في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي بين سلطات متنافسة شرقاً وغرباً.

عبد الحميد الدبيبة شغل سابقاً رئاسة جهاز تنمية وتطوير المراكز الإدارية خلال عهد القذافي (مكتب الدبيبة)

في غرب ليبيا، يرسخ عبد الحميد الدبيبة حضوره كرئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة منذ 2021، وهو الذي شغل سابقاً رئاسة جهاز تنمية وتطوير المراكز الإدارية خلال عهد القذافي. كما يُشار إلى محمد الحويج، وزير الاقتصاد والتجارة في الحكومة المكلفة من البرلمان، الذي تقلد مناصب اقتصادية بارزة في مرحلة النظام السابق، أبرزها وزير لحقيبتي الاقتصاد والتخطيط. أما ناجي عيسى، محافظ مصرف ليبيا المركزي الحالي، فقد شغل منصب نائب للمحافظ قبل 2011، ثم عمل مستشاراً لمؤسسات مالية دولية، قبل أن يعود لعمله بالمصرف مديراً لإحدى إداراته، بحسب سيرة ذاتية نشرتها صحيفة «ليبيا أوبزرفر»، الناطقة بالإنجليزية.

وفي شرق البلاد، يبرز اسم وزير الخارجية في الحكومة المكلفة من مجلس النواب، عبد الهادي الحويج، الذي شغل مناصب قيادية في عهد القذافي، أبرزها أمين الهيئة العامة للشباب والرياضة (بمثابة وزير الشباب والرياضة).

وبالنسبة لمحمد بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام الحالي، فقد تقلد مهام إعلامية وسياسية خلال عهد القذافي، منها عمله ناطقاً حكومياً. بينما عمل عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، قاضياً في العهد السابق، ولم يكن له دور سياسي أو تنفيذي، لكن نشطاء تداولوا تسجيلاً مصوراً له يتضمن مبايعة للقذافي في لقاء جماهيري.

عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الحالي عمل قاضياً في العهد السابق (رويترز)

وعلى مستوى قمة الهرم السيادي، فإن موسى الكوني، نائب رئيس المجلس الرئاسي الحالي، كان دبلوماسياً بارزاً في عصر القذافي، وعمل قنصلاً عاماً في مالي قبل أن ينشق عنه ويلتحق بـ«الثورة»، فيما يُعد محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي، من الشخصيات التي برزت في سياق نشاط طلابي سابق له في الخارج، موالٍ للنظام في باريس.

محمد المنفي كان من الشخصيات التي برزت في سياق نشاط طلابي سابق له في الخارج موالٍ للنظام السابق في باريس (إ.ب.أ)

وترى غازيني أن معظم العائدين إلى واجهة السلطة «ينتمون إلى فئة التكنوقراط، أكثر من الشخصيات الآيديولوجية». وتستشهد بالسياسي الراحل محمود جبريل، الذي شغل منصباً اقتصادياً رفيعاً في عهد القذافي، قبل أن يصبح أول رئيس للمكتب التنفيذي للمجلس الوطني الانتقالي، كنموذج لشخصية تكنوقراطية «حملت تصوراً مختلفاً للدولة». وتضيف موضحة أن شريحة التكنوقراط «لم تكن بالضرورة جزءاً من البنية الآيديولوجية للنظام السابق، بل من جهازه الإداري»، معتبرة أن «انهيار الدولة وقع فعلياً مع سقوط النظام»، وأن الانقسامات السياسية وصعود التيارات المتنافسة «فاقما حالة التجزؤ وانعدام الاستقرار».

بعد عام ونيف من «ثورة 17 فبراير»، راهن كثيرون على «المؤتمر الوطني العام»، بوصفه أول هيئة تشريعية منتخبة بعد الثورة، ليقود المرحلة الانتقالية ويشرف على صياغة الدستور، واضعاً البلاد على طريق الاستقرار.

غير أن عضو المؤتمر سابقاً، عبد المنعم اليسير، يرى أن المشهد الحالي «لا تمكن قراءته، باعتباره مجرد عودة لخبرات الدولة»، بل هو «إعادة تموضع لشبكات مصالح قديمة كانت جزءاً من أسباب الانهيار قبل (17 فبراير)».

ويفرق اليسير، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، بين «خبرة تبني مؤسسات» و«خبرة الالتفاف على الدولة»، معتبراً أن البيئة الانتقالية «منحت الأفضلية لمن يمتلك شبكات علاقات وتمويل، وقدرة على المناورة والمرونة في تبديل الاصطفافات»، ما أفرز «عودة منطق الحكم القديم القائم على الولاء بدل الكفاءة».

في محاولة لإعادة رسم المشهد السياسي، صدر «قانون العزل السياسي» عام 2013 عن «المؤتمر الوطني العام»، بهدف إقصاء المرتبطين بالنظام السابق من المناصب العامة، لكنه أثار جدلاً واسعاً، قبل أن يعلن مجلس النواب عام 2015 إلغاءه وسط بيئة منقسمة. وفي هذا السياق، ترى غازيني أن القانون «استهدف أساساً كبار المسؤولين، ذوي الولاء الآيديولوجي الصريح، ولم يشمل بصورة كاملة شريحة التكنوقراط».

اللواء عبد السلام الحاسي معاون رئيس أركان القوات البرية في «الجيش الوطني» (إعلام القيادة العامة)

المشهد العسكري المنقسم منذ انهيار قوات الجيش السابق عام 2011 كان جزءاً أساسياً من هذه التفاعلات. ففي غرب ليبيا يبرز صلاح النمروش، الذي بدأ مسيرته المهنية ضابطاً مهندساً في المؤسسة العسكرية عام 2000. وفي الشرق، اللواء عبد السلام الحاسي، معاون رئيس أركان القوات البرية في «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر، من بين القادة الذين تقلدوا مناصب خلال عهد القذافي قبل انشقاقهم عام 2011، وكان من بينهم حفتر.

كما تظهر مفارقة توزيع قيادات وكوادر «اللواء 32 المعزز»، الذي كان يقوده خميس نجل القذافي، بين التشكيلات المتنافسة شرقاً وغرباً، ففي الشرق كان صفوان بوطيغان القبائلي، رئيس أركان الوحدات الأمنية في «الجيش الوطني»، من المنتسبين سابقاً للواء، بينما توجد عناصر سابقة له ضمن التشكيل «444» في الغرب، وفقاً لما رصده رئيس المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية شريف بوفردة لـ«الشرق الأوسط».

حسين العايب رئيس الاستخبارات في غرب ليبيا (وكالة الأنباء الليبية)

وعلى المستوى الاستخبارات الأمنية، يُذكر حسين العايب، رئيس جهاز المخابرات في غرب ليبيا، الذي عمل سابقاً في جهاز الأمن الخارجي في عهد القذافي، وأدار مكتب رئيس الاستخبارات عبد الله السنوسي، ما أثار جدلاً بين منتقدين اعتبروا تعيينه إشكالياً، وآخرين رأوه توظيفاً للخبرة.

كما عاد عناصر من أنصار النظام السابق إلى أعمالهم في الأجهزة الأمنية، بشرط عدم وجود ملاحقة قضائية، وفق وزير الداخلية المكلف من البرلمان عصام أبو زريبة.

وتخلص غازيني إلى أن استمرار حضور شخصيات من العهد السابق «يعكس عجز القيادات الأولى بعد 2011 عن إحداث تغيير بنيوي في مسار الدولة».

غير أن اليسير يرى أن التعقيدات الراهنة ساهمت في بقاء، أو إعادة إنتاج أنماط النفوذ القديمة، التي من بينها «غياب قواعد صارمة ونهائية لإغلاق المرحلة الانتقالية»، و«عدم توحيد المؤسسات السيادية»، و«ضعف منظومات الرقابة واستقلال القضاء». وحذّر من أن هذا النمط «يخدم مصالح منظومة السلاح والريع، ويعرقل بناء دولة قوية ذات قضاء مستقل ورقابة فعالة»، مؤكداً أن الحل يتمثل في «توحيد المؤسسات السيادية، وإصلاح أمني حقيقي، ورقابة مالية مستقلة، وقضاء نافذ، وقاعدة شرعية واحدة، تنتهي بصندوق الاقتراع ضمن إطار دستوري».

اقرأ أيضاً


الحكومة المصرية تستنفر لرمضان بـ«مخزون سلع استراتيجية»

الرئيس عبد الفتاح السيسي وجَّه الثلاثاء بضرورة المتابعة اليومية والمستمرة لتوافر السلع (الرئاسة المصرية)
الرئيس عبد الفتاح السيسي وجَّه الثلاثاء بضرورة المتابعة اليومية والمستمرة لتوافر السلع (الرئاسة المصرية)
TT

الحكومة المصرية تستنفر لرمضان بـ«مخزون سلع استراتيجية»

الرئيس عبد الفتاح السيسي وجَّه الثلاثاء بضرورة المتابعة اليومية والمستمرة لتوافر السلع (الرئاسة المصرية)
الرئيس عبد الفتاح السيسي وجَّه الثلاثاء بضرورة المتابعة اليومية والمستمرة لتوافر السلع (الرئاسة المصرية)

في وقت تستنفر الحكومة المصرية لشهر رمضان عبر «توفير مخزون سلع استراتيجية آمن»، شدد الرئيس عبد الفتاح السيسي على «ضرورة استخدام كل آليات ضبط السوق والأسعار لتفادي غلاء الأسعار أو المضاربات، بما يحقق استقرار الأسواق، ويخفف الأعباء عن المواطنين».

وتحدث مجلس الوزراء المصري، الثلاثاء، عن «استعدادات الحكومة لاستقبال شهر رمضان عبر حزمة من المبادرات والإجراءات الهادفة إلى إتاحة السلع الأساسية بأسعار مخفضة، والتوسع في المنافذ والمعارض لتلبية احتياجات مختلف الفئات».

وتحدث المجلس عن «خطة متكاملة تستهدف تعزيز استقرار الأسواق، وضبط الأسعار، وزيادة المعروض من السلع الغذائية».

ووجه السيسي خلال اجتماع، الثلاثاء، مع رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، وعدد من المسؤولين، بضرورة المتابعة اليومية والمستمرة لتوافر السلع في مختلف المنافذ والمعارض على مستوى الجمهورية، مع ضمان الالتزام بالأسعار المعلنة، ونسب التخفيضات، وجودة المنتجات المطروحة؛ ومحاسبة من سوف يغالي في الأسعار.

منظومة الأمن الغذائي

ووفق متحدث الرئاسة المصرية، محمد الشناوي، فإن الاجتماع تناول تطورات منظومة الأمن الغذائي، حيث اطّلع السيسي على موقف المخزون الاستراتيجي من السلع الغذائية الأساسية، وذلك في إطار التخطيط المسبق للحفاظ على أرصدة الدولة منها، وسبل مواجهة التحديات التي تواجه الأمن الغذائي على إثر الأحداث الإقليمية.

وشدد السيسي على ضرورة المحافظة على استمرارية المخزون الاستراتيجي وتعزيزه، ومواصلة العمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع الزراعية والثروة الحيوانية والداجنة، وتحديث السلالات الزراعية بالتعاون والتنسيق بين الوزارات المعنية وجهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة.

البورصة السلعية

وذكر المتحدث الرئاسي أن الاجتماع تناول كذلك تطور آليات تفعيل البورصة السلعية ودورها في تعزيز الأمن الغذائي، وضمان استدامة توفير السلع الأساسية بأسعار مناسبة، مع تحقيق أسعار عادلة للسلع الاستراتيجية بما يحمي المنتجين والمستهلكين على حد سواء.

وزيرا التموين والتنمية المحلية خلال جولة داخل معرض للسلع الأسبوع الماضي (مجلس الوزراء المصري)

خبير الإدارة المحلية، نائب رئيس حزب «المؤتمر»، اللواء رضا فرحات، يشير إلى أن «اجتماع الرئيس السيسي مع رئيس الوزراء يهدف إلى ضبط الأسواق، ونقل الإحساس للمواطن بأن الدولة عازمة على مواجهة أي ارتفاع في الأسعار».

إحكام الرقابة

ويضيف فرحات لـ«الشرق الأوسط» أن «تشديد الحملات اليومية على الأسواق، بهدف إحكام الرقابة، خصوصاً مع الإقبال المتزايد من الأسر على عمليات الشراء مع دخول شهر رمضان»، داعياً وسائل الإعلام إلى «ضرورة إبراز المخزون من السلع الاستراتيجية»، مناشداً الأسر بـ«تقليل عمليات شراء السلع لأنها متوفرة طول الوقت».

ويرى فرحات أن «مخزون السلع آمن، والدولة تدخلت في أزمة أسعار الدواجن الأخيرة؛ ما أدى إلى استقرار السوق».

كميات كافية

ونقلت وكالة أنباء «الشرق الأوسط» الرسمية، الثلاثاء، عن مسؤولين بـ«اتحاد الصناعات» تأكيدهم «توافر السلع الأساسية بكميات كافية في الأسواق خلال رمضان». وقال رئيس شعبة الأرز، رجب شحاتة، إن «المخزون الاستراتيجي من الأرز يكفي 9 أشهر»، بينما أشار نائب رئيس غرفة صناعة الحبوب، حسين بودي إلى أن «مخزون القمح يكفي 4 أشهر». وأكد رئيس الاتحاد العام لمنتجي الدواجن، محمود العناني أن «أسعار الدجاج وبيض المائدة مستقر، ولا توجد أي زيادات متوقعة خلال شهر رمضان».

وتشكو قطاعات من المصريين من ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية. وشهدت مصر خلال السنوات الماضية، خصوصاً منذ عام 2016، حزمة إجراءات اقتصادية قاسية كجزء من برنامج إصلاح مدعوم من «صندوق النقد الدولي»، أبرزها تحرير سعر صرف الجنيه عدة مرات، وخفض الدعم عن الوقود والكهرباء والسلع الأساسية.

وسجّل التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن ‌المصرية تراجعاً إلى ‍11.9 في المائة في يناير (كانون الثاني) من 12.3 في المائة في ديسمبر (كانون الأول)، وفق إحصاءات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، الثلاثاء الماضي.

اجتماع مصطفى مدبولي مع نائب رئيس الوزراء ووزراء المجموعة الاقتصادية الاثنين (مجلس الوزراء)

الخبير الاقتصادي، وليد جاب الله، يرى أنه «لا توجد أزمة حالياً في السوق المصرية متعلقة بتوافر أي سلعة أساسية».

قضية التسعير

ويضيف جاب الله لـ«الشرق الأوسط» أن «الحكومة تستعد لشهر رمضان منذ عدة أشهر، وجميع متطلبات الشهر للمواطن المصري متوافرة»، لكنه يوضح أن الأزمة في «قضية التسعير». ويفسر أن هناك آليات تقوم بها الحكومة في هذا الشأن، والرئيس السيسي يشدد دائماً على تفعيل هذه الآليات، والتي من ضمنها معارض «أهلاً رمضان» التي يتم خلالها ليس فقط توفير السلع والمنتجات بأسعار عادلة؛ لكن تضع سقفاً للأسعار، يجب على التجار الالتزام بها بصورة تلقائية.

وتحدث جاب الله عن الآليات التي تتبعها الحكومة من أجل شهر رمضان، بقوله: «هي آليات طبيعية تقوم بها كل عام خلال هذا الشهر، والتوجيهات الرئاسية تعمل على إضفاء مزيد من الجدية على تنفيذ آليات الرقابة وضبط الأسواق».

حول قدرة الحكومة على ضبط الأسواق. يوضح الخبير الاقتصادي أن «حالة السوق بصفة عامة في شهر رمضان الحالي أفضل من سنوات مضت، لكن هذا لا يمنع من وجود مخالفات، والمخالفات يتم التعامل معها بتحرير المحاضر وإحالتها للجهات المختصة لمعاقبة المخالف».

«جهاز حماية المستهلك» كثّف وجوده الميداني الاثنين لضمان توافر السلع بالأسواق (الجهاز)

ويتابع مصطفى مدبولي بصفة يومية ومستمرة توافر السلع الغذائية الأساسية في مختلف المنافذ والمعارض على مستوى ربوع البلاد، مع تشديده على الالتزام بالأسعار المعلنة ونسب التخفيضات المقررة، فضلاً عن ضمان جودة السلع المطروحة للمواطنين، وفق ما أوردت «وكالة أنباء الشرق الأوسط»، الثلاثاء.

أسواق اليوم الواحد

وتكثف وزارة التنمية المحلية المصرية على المتابعة اليومية لتوافر السلع الغذائية، وتضع وزارة التموين خطة شاملة لضمان استقرار الأسواق، كما تشدد وزارة الداخلية الرقابة على الأسواق للحيلولة دون التلاعب بالأسعار.

ووفق «مجلس الوزراء المصري»، الثلاثاء، فإنه تم افتتاح 360 معرضاً لـ«أهلاً رمضان» لتوفير مختلف السلع الغذائية بأسعار مخفضة تتراوح بين 15 و25 في المائة، وكذا التوسع في إقامة المعارض والشوادر، فضلاً عن مبادرة «أسواق اليوم الواحد» التي يصل عددها إلى 600 سوق.

وقال رئيس جهاز حماية المستهلك، إبراهيم السجيني، الاثنين، إن «الرقابة الميدانية تمثل ركيزة أساسية لحماية حقوق المواطنين وإحكام السيطرة على الأسواق».