المسيّرات رسائل تحذيرية من العراق باتجاه سوريا... ودمشق تدرس خيارات الرد بحذر

خبير عسكري: مسيّرات «شاهين» الأفضل في الرد... وإصابة الهدف أدق

أفراد من «الحشد الشعبي» قرب الحدود العراقية - السورية في 23 يناير 2026 (د.ب.أ)
أفراد من «الحشد الشعبي» قرب الحدود العراقية - السورية في 23 يناير 2026 (د.ب.أ)
TT

المسيّرات رسائل تحذيرية من العراق باتجاه سوريا... ودمشق تدرس خيارات الرد بحذر

أفراد من «الحشد الشعبي» قرب الحدود العراقية - السورية في 23 يناير 2026 (د.ب.أ)
أفراد من «الحشد الشعبي» قرب الحدود العراقية - السورية في 23 يناير 2026 (د.ب.أ)

قالت دمشق إنها تدرس «خياراتها» بالرد المناسب على هجوم واسع بعدد من الطائرات المسيَّرة استهدف عدة قواعد للجيش قرب الحدود العراقية، فجر الاثنين، في تصعيد لافت جاء عقب دفع تعزيزات عسكرية جديدة إلى الشريط الحدودي مع العراق خلال الساعات الماضية.

وبينما تحدث خبراء عسكريون عن خيارات الرد العسكري المتاحة، رأى سياسيون في دمشق أن هجوم المسيّرات على القواعد الأميركية التي قد تم إخلاؤها يحمل رسائل ذات دلالات مهمة؛ إذ يأتي بعد تنفيذ إسرائيل عملية توغل من جهة جبل الشيخ باتجاه الأراضي اللبنانية.

وأفادت «هيئة العمليات في الجيش العربي السوري» بوقوع هجوم واسع بعدد من الطائرات المسيَّرة استهدف عدة قواعد للجيش قرب الحدود العراقية فجر الاثنين.

ونقلت الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا) عن الهيئة قولها إن وحدات الجيش تمكنت من التصدي لأغلب المسيَّرات وأسقطتها. وأضافت: «ندرس خياراتنا، وسنقوم بالرد المناسب لتحييد أي خطر، ومنع أي اعتداء على الأراضي السورية».

وبحسب تصريحات الخبير العسكري السوري، العقيد عماد شحود، لـ«الشرق الأوسط»، هناك خياران للرد على مصدر إطلاق المسيّرات في الأراضي العراقية؛ الأول القصف المدفعي بالمدى البعيد «عيار 130»، أو بالراجمات «بي إم 21»، موضحاً أن هذا الخيار لا يحتاج إلى توغل بري.

أما الخيار الثاني، وهو الأفضل، فاستخدام مسيّرات «شاهين»؛ إذ يكون الرد بالمستوى نفسه؛ أي رد بالمسيّرات على هجوم مسيّرات، والأهم أن إصابة الهدف تكون أدق، وفق قوله.

جندي سوري (الجيش العربي السوري - إكس)

وحول الأهداف التي تضربها المسيّرات القادمة من العراق، وهي قواعد عسكرية سورية كانت سابقاً أميركية وتم إخلاؤها قبيل بدء الحرب الإقليمية، رأى شحود أن الغاية من الهجمات توجيه رسائل للحكومة السورية بـ«عدم دخول معركة برية مع (حزب الله) في لبنان، أو تقديم تسهيلات، أو غض النظر عن التوغلات الإسرائيلية من جهة جبل الشيخ باتجاه البقاع الأوسط والبقاع الشمالي»، مشيراً إلى أن إيران ليس لها أهداف في سوريا، وإنما هي رسائل تحذيرية، في حين يضغط الجانبان الأميركي والإسرائيلي على دمشق لتتدخل سوريا برياً ضد «حزب الله»، وهو ما ترفضه دمشق.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، الأحد، تنفيذ عملية عابرة للحدود انطلاقاً من الشق السوري لجبل الشيخ، وصولاً إلى منطقة جبل روس داخل الأراضي اللبنانية (مزارع شبعا). وبحسب البيان، تهدف العملية إلى تمشيط المنطقة، وجمع معلومات استخبارية، إلى جانب كشف بنى تحتية ميدانية.

ولا تزال دمشق تظهر حذراً حيال الحرب المندلعة في المنطقة «إدراكاً منها لحساسية الموقف»، بحسب تعبير الباحث في الشؤون السياسية عباس شريفة. وبحسب رأيه، فإن الدولة السورية «تأخذ بالحسبان أن تكون هذه الاعتداءات والاستفزازات هي خطة مدروسة من بعض الأذرع الإيرانية في العراق لجر سوريا نحو المواجهة، وتحويل سوريا من عقدة استقرار إلى بيئة متوترة».

وتوقع أن تتأنى دمشق في أخذ أي إجراء حيال هجوم المسيّرات، يوم الاثنين، قبل «التواصل مع الدولة العراقية والجهات الرسمية ومعرفة تقدير الموقف لديها والتعاون». وأضاف شريفة لـ«الشرق الأوسط» أن «الدولة السورية ليست في عجلة من أمرها، خصوصاً أن الموقف الرسمي العراقي رافض لهذه الاستفزازات»، مشيراً إلى أن ما تحتاجه سوريا من الحكومة العراقية «إجراءات ملموسة وذات مصداقية».

معبر اليعربية بين سوريا والعراق (أ.ف.ب)

وكان الجيش السوري أعلن السبت أنه صدَّ هجوماً بطائرة مسيَّرة انطلق من العراق على قاعدة التنف في جنوب شرقي البلاد، التي كانت تضمُّ في السابق قوات أميركية. كما أشار الجيش الأسبوع الماضي إلى استهداف قاعدة أخرى تابعة له في شمال شرقي البلاد بهجوم صاروخي من العراق. واتهم مسؤول عراقي فصيلاً مسلحاً محلياً (تابعاً لـ«الحشد الشعبي»)، بالوقوف وراء الهجوم، وأوقفت بغداد 4 أشخاص على صلة بالحادث.

وفي الأشهر الأخيرة، انسحبت القوات الأميركية المنتشرة في سوريا، في إطار التحالف لمحاربة تنظيم «داعش»، من قاعدتَي التنف والشدادي، وبدأت بالانسحاب من قاعدة قسرك.

ومع تكرار سلوك الفصائل العراقية التابعة لإيران باستهداف عابر للحدود لقواعد في سوريا تم إخلاؤها، يمكن القول إنها «هجمات غير مؤثرة عسكرياً، لكنها تحمل ثلاث دلالات مهمة».

تدريب مقاتلين سوريين (الجيش العربي السوري)

وقال الباحث السياسي نورس العبدالله لـ«الشرق الأوسط»: «الدلالة الأولى توجيه رسائل تهديد لنقل التوترات الإقليمية إلى سوريا بأساليب متعددة، منها الاستهداف ومنها الخلايا الأمنية. وقد سبق أن تم تفكيك خلية تتبع (الحشد الشعبي) العراقي في دير الزور السورية. أما الثانية، فهي في إطار المشهد الأوسع؛ أي كجزء من استراتيجية إيرانية تستهدف توسيع نطاق الحرب مع عدم نجاح التفاوض وزيادة التوترات الأمنية في الإقليم ككل، بما لها من انعكاسات اقتصادية وسياسية. وهذا يرتبط في أحد جوانبه بفكرة إدخال الحوثيين من اليمن، وترابط (الساحات) كما يتم الترويج له».

أما الدلالة الثالثة، فتدخل في تقديره ضمن الحسابات الداخلية العراقية، حيث «تسعى الفصائل التي تقف وراء الهجوم للتأكيد على أنها فاعل مستقل، وقرارها ليس في بغداد، وأن الحكومة العراقية، وإن اتبعت نهجاً حيادياً وسعت للتواصل مع سوريا، وحتى التنسيق الأمني، لن تكون قادرة على فرض رؤيتها».

أما عن رد الفعل السوري، فعملياً التركيز الأساسي كان وما يزال بطابع وقائي عبر تعزيز الحدود والتركيز الأمني، ومنع عمليات نقل السلاح والتهريب، وتعزيز التنسيق مع الجانب العراقي الرسمي، خاصة مع إظهار الحكومة العراقية الحرص على منع استهداف الأراضي السورية رغم عدم قدرتها على ذلك، ولا يُتوقع أن يتغير هذا النهج الحالي إلا بوجود شروط متعددة، منها وجود استهداف متكرر أو تحرك عربي (خليجي تحديداً)، بالانخراط في الحرب، وهذا ما يصبح عليه أيضاً الوضع في الشريط الحدودي مع لبنان.


مقالات ذات صلة

اعتداء بالرصاص و«النفي» على وجيه درزي في السويداء

المشرق العربي عاطف هنيدي وهو يشارك في مظاهرة في محافظة السويداء السورية (شبكة السويداء 24)

اعتداء بالرصاص و«النفي» على وجيه درزي في السويداء

«أخطر ما في هذا التوجّه، هو اختزال جماعة تزخر بالنخب الفكرية والثقافية في شخص رجل واحد يحتكر النطق باسم أبنائها، ويقرّر لهم اسم دولتهم المتخيّلة باشان».

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي أعلن مستشار الرئيس السوي القائد السابق لـ«قوات سوريا الديمقراطية مصطفى عبدي اكتمال حلها واندماجها في الدولة السورية في 25 أغسطس الماضي (أ.ب)

عبدي: حل «قسد» بداية جديدة ويجب إشراك الأكراد في صياغة الدستور الجديد

وصف مستشار الرئيس السوري حل «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) بأنه «نهاية، وبداية في آن واحد»، مشدداً على ضرورة مشاركة الأكراد في صياغة الدستور.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
خاص رتل قوى الأمن وقوات المهام الخاصة يدخل مقر فوج «معسكر الطلائع» في الحسكة (إعلام الحسكة)

خاص مسؤول سوري لـ«الشرق الأوسط»: عملية الدمج بعد «قسد» ماضية إلى نهايتها

عملية الدمج التي نص عليها «اتفاق 29 يناير (كانون الأول) 2026»، انتقلت من «مرحلة التفاهمات والتفاوض إلى مرحلة التنفيذ الفعلي»...

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي اعتقال عنصر تابع لخلايا «حزب الله» في منطقة السيدة زينب قرب دمشق (أرشيفية-«الداخلية السورية»)

الأجهزة اللبنانية تتوسع بتحقيقاتها مع شبكة «حزب الله» وفلول الأسد

وسعت دائرة التحقيقات مع الشبكة السورية اللبنانية التي فككتها الأجهزة الأمنية اللبنانية خلال الأيام الماضية، مع ظهور معطيات جديدة حول طبيعة نشاطها ومصادر تمويلها

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي وفد عسكري من وزارة الدفاع خلال اجتماع في محافظة الحسكة (أرشيفية - المحافظة)

آراء متباينة في الحسكة السورية بشأن التغييرات بعد حل «قسد»

أعرب البعض عن ارتياحه لتلك التطورات التي بدأت بدخول قوى الأمن الداخلي لمدينة الحسكة في حين رأى آخرون أن من المبكر الحكم على التغيير الجاري لأنه ما زال في بدايته

موفق محمد (دمشق)

«حماس» تطالب الدول العربية والإسلامية بالتحرك لمواجهة «مخططات التهجير»

فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مُدمَّرة في جباليا بشمال قطاع غزة (د.ب.أ)
فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مُدمَّرة في جباليا بشمال قطاع غزة (د.ب.أ)
TT

«حماس» تطالب الدول العربية والإسلامية بالتحرك لمواجهة «مخططات التهجير»

فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مُدمَّرة في جباليا بشمال قطاع غزة (د.ب.أ)
فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مُدمَّرة في جباليا بشمال قطاع غزة (د.ب.أ)

دعت حركة «حماس» الفلسطينية، الجمعة، الدول العربية والإسلامية لمواجهة «مخططات الاحتلال لتهجير» الفلسطينيين من قطاع غزة، وذلك عقب تصريحات بهذا الشأن أدلى بها وزيران إسرائيليان هذا الأسبوع.

وقال الناطق باسم «حماس»، حازم قاسم، في بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»: «إن تصاعد تصريحات وزراء في حكومة الاحتلال بشأن استمرار تبني مخططات تهجير الشعب الفلسطيني من قطاع غزة يمثل تطوراً بالغ الخطورة، ويكشف عن أن الاحتلال لم يتخلَّ عن هذا المخطط»، داعياً «الدول العربية والإسلامية إلى التَّحرُّك الجاد والموحَّد لمواجهة هذه المخططات، واتخاذ مواقف وإجراءات فاعلة لإفشالها».

وطرح وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير، الخميس، خطةً لإفراغ قطاع غزة من سكانه الفلسطينيين وإبعادهم إلى الخارج.

ووضع بن غفير، الذي غالباً ما تلقى مواقفه المتشددة انتقادات غربية، هدفاً يتمثل في إبعاد 250 ألف فلسطيني من غزة خلال عام واحد، ثم مغادرة مَن تبقوا، أي مَن يقدَّر عددهم بنحو مليونَي نسمة، خلال السنوات الـ6 التالية.

وقال بن غفير، وهو أحد أبرز وجوه الائتلاف الحكومي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إن ما يطرحه «أمر واقعي»، مشيراً إلى أن دولاً عدة «مستعدة» لاستقبال سكان غزة، من دون أن يحددها.

وأضاف: «يجب أن نشجِّع هجرة سكان غزة»، عادّاً أن الخطة لا تعني «إرغام» الفلسطينيين على مغادرة أرضهم.

بدوره، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الأربعاء، إن لدى إسرائيل خططاً جاهزة لإخراج الفلسطينيين من قطاع غزة، لكنها تنتظر أن تحدد الولايات المتحدة المكان الذي يمكن نقلهم إليه.

وقال كاتس: «لا يوجد في نهاية المطاف حل حقيقي لغزة من دون هذه الهجرة». وأضاف أن الحكومة الإسرائيلية «منظمة ومستعدة لإخراجهم، عن طريق البحر، والجو، وبكل وسيلة ممكنة».

ويُعدُّ التهجير القسري للمدنيين في الأراضي المحتلة جريمة حرب بموجب اتفاقات جنيف.


«المناطق التجريبية»... من جنوب لبنان إلى غزة

الجيش الإسرائيلي يدمر مباني شرق خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ب)
الجيش الإسرائيلي يدمر مباني شرق خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ب)
TT

«المناطق التجريبية»... من جنوب لبنان إلى غزة

الجيش الإسرائيلي يدمر مباني شرق خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ب)
الجيش الإسرائيلي يدمر مباني شرق خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ب)

تثير الفكرة التي طرحها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه، يسرائيل كاتس، وكلفا الجيش بإعداد تصور لتطبيقها، وتتعلق بنقل نموذج المناطق التجريبية في لبنان إلى قطاع غزة، جدلاً في تل أبيب بين من يعدُّها مقترحاً جدياً للتقدم في تطبيق خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وبين من يشكك فيها ويراها ألعوبة جديدة لمزيد من المماطلة.

وبحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت»، تقوم الفكرة على اختيار مناطق تقع خارج الخط الأصفر ولا ينتشر فيها الجيش الإسرائيلي حالياً، على أن تدخل إليها قوات دولية للعمل على تفكيك البنى التحتية المسلحة وإقامة منظومة إدارة بديلة. ولكن، في المقابل، ستحتفظ إسرائيل بقدرتها على مراقبة هذه المناطق والسيطرة عليها أمنياً من خلال الاستخبارات والمراقبة الجوية والقدرة على تنفيذ ضربات عند الحاجة، من دون انتشار بري إسرائيلي دائم داخلها.

تفجير إسرائيلي في قرية الحنية جنوب لبنان الجمعة (أ.ف.ب)

ووفقاً للصحيفة، تأتي الخطة في إطار محاولة إيجاد نموذج يسمح بإدارة مناطق من غزة بعيداً عن سيطرة «حماس» مع الاستفادة من تجربة جنوب لبنان. ولكن المشككين يؤكدون أن تطبيق النموذج في غزة يواجه تحديات أكبر، خصوصاً في ظل عدم وجود جهة فلسطينية متفق عليها لتولي الإدارة المدنية والأمنية. ولذلك فإن الحديث يدور حالياً عن تصور وخطة قيد الدراسة، وليس عن اتفاق نهائي أو بدء تنفيذ فعلي لها.

ويرى المشككون أن الحكومة الإسرائيلية تطرح هذه الفكرة لغرض المماطلة، وامتصاص الغضب الأميركي من العراقيل التي تضعها في طريق تطبيق خطة الرئيس ترمب. وبحسب صحيفة «هآرتس»، فإن جارد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي، ونيكولاي ملادينوف، الممثل السامي لمجلس السلام في غزة، ينتقدان حتى زميلهما آريه لايتستون، الذي كان البيت الأبيض قد عهد إليه حتى الآن بتنفيذ خطة ترمب المكونة من عشرين نقطة على أرض الواقع، ويعتبرونه «متساهلاً، وغير حازم، ولا يستطيع إدارة المفاوضات مع إسرائيل بالطريقة التي يريدها البيت الأبيض». وأضاف المصدر أن توني بلير، وهو عضو بارز آخر في مجلس السلام، قد أعرب في الأيام الأخيرة عن الاستياء من توجه لايتستون في هذه العملية.

الجيش الإسرائيلي رسم «الخط الأصفر» ليفصل بين المناطق التي يسيطر عليها في غزة والمناطق التي تسيطر عليها «حماس» (أرشيفية - أ.ف.ب)

وتؤكد الصحيفة أن الأميركيين يذكرون عدداً من الحوادث التي تبين عدم جدية إسرائيل واستمرارها في وضع العراقيل. ومنها:

الاتفاق بين إسرائيل وألمانيا والولايات المتحدة على تشغيل معبر بيت حانون (ايرز) ووضع جهاز فحص ألماني متطور، لضمان السرعة والنجاعة، ووضع جهاز مماثل عند ميناء أسدود، لمنع الازدحام المروري عند معبر كرم أبو سالم، وتسهيل نقل المساعدات إلى غزة بطرق مختلفة، وبالتالي، توسيع نطاقها.

وقد تغيرت الجداول الزمنية على مدار الأشهر ولكنها كانت معروفة للجميع، وربما تم الاتفاق عليها بين الأطراف. وفي 21 أغسطس (آب) الماضي، نشر السفير الألماني الجديد لدى إسرائيل ألكسندر لانديستورف تغريدة احتفالية مرفقة بصور من احتفال متواضع أقيم عند معبر إيرز، وكتب أن الجهاز الجديد الذي وضع هناك سيضمن «وصول المزيد من المساعدات إلى غزة، مع الحفاظ على أمن إسرائيل». ولكن بعد أسبوع تقريباً، أصدر نتنياهو وكاتس بياناً مشتركاً جاء فيه: «لا توجد أي توجيهات لفتح معبر إيرز للبضائع». ومنذ ذلك الحين، ينتظر الدبلوماسيون الدوليون الموجودون في مركز التنسيق في كريات غات، في حالة حيرة، الحل للغز المعبر.

دبابات إسرائيلية تتحرك في بلدة زوطر الشرقية في جنوب لبنان في 8 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

ومن الأمثلة الصارخة على جوهر هذا المأزق، منْع إسرائيل دخول قوات حفظ السلام إلى غزة. ففي نهاية شهر يوليو (تموز)، قبل زيارة نتنياهو إلى واشنطن، أصدر مكتب رئيس الحكومة بياناً من مصدر سياسي مجهول يفيد بأن مجلس الوزراء وافق على دخول 200 جندي «من أوغندا والمغرب». وفي نهاية شهر أغسطس، أصدر مكتب رئيس الحكومة بياناً ينفي ذلك، وقال: «خلافاً للتقارير، لم توافق القيادة السياسية على دخول القوات الدولية إلى قطاع غزة». في الواقع كان يجب على المكتب أن يبدأ هذا البيان بعبارة «خلافاً لتصريحاتنا السابقة».

ومن الأمثلة الأخرى على السياسة التي تتبعها حكومة نتنياهو، قيام إسرائيل بالوقوف في وجه آلاف الغزيين الذين جندتهم اللجنة الفنية لقوات الشرطة الجديدة في غزة، ومنعهم من مغادرة القطاع للتدرب في مصر. وحسب المصدر نفسه، يخشى المجلس من أنه حتى لو سمح للمجندين بالمغادرة فقد تمنعهم إسرائيل من العودة بعد انتهاء التدريب بذريعة الأمن.

وتقول الصحيفة إن المسألة ليست مسألة خلافات، بل قضية تخريب صريح، وفي أحسن الأحوال شيء محكوم بضغوط انتخابية.


لبنان: ملف المحتجزين لدى إسرائيل إلى مرحلة جديدة

جندي لبناني يؤمّن طريقاً في مدينة صور جنوب لبنان (الجمعة) بانتظار وصول موكب تابع للجنة الدولية للصليب الأحمر يحمل 4 أسرى أفرجت عنهم إسرائيل وسلّمتهم إلى السلطات اللبنانية في إطار اتفاق بين الجانبين (د.ب.أ)
جندي لبناني يؤمّن طريقاً في مدينة صور جنوب لبنان (الجمعة) بانتظار وصول موكب تابع للجنة الدولية للصليب الأحمر يحمل 4 أسرى أفرجت عنهم إسرائيل وسلّمتهم إلى السلطات اللبنانية في إطار اتفاق بين الجانبين (د.ب.أ)
TT

لبنان: ملف المحتجزين لدى إسرائيل إلى مرحلة جديدة

جندي لبناني يؤمّن طريقاً في مدينة صور جنوب لبنان (الجمعة) بانتظار وصول موكب تابع للجنة الدولية للصليب الأحمر يحمل 4 أسرى أفرجت عنهم إسرائيل وسلّمتهم إلى السلطات اللبنانية في إطار اتفاق بين الجانبين (د.ب.أ)
جندي لبناني يؤمّن طريقاً في مدينة صور جنوب لبنان (الجمعة) بانتظار وصول موكب تابع للجنة الدولية للصليب الأحمر يحمل 4 أسرى أفرجت عنهم إسرائيل وسلّمتهم إلى السلطات اللبنانية في إطار اتفاق بين الجانبين (د.ب.أ)

يفتح الإفراج عن خمسة محتجزين لدى إسرائيل، ثلاثة لبنانيين وسوريين، مرحلة جديدة في ملف الأسرى والمفقودين، مع تأكيد مصدر رسمي لبناني لـ«الشرق الأوسط» أن الخطوة تشكل بداية لمسار سيستمر في المفاوضات المقبلة، بدءاً بالمدنيين وصولاً إلى معالجة ملف جميع الأسرى.

وفي المقابل، تكشف لائحة محدثة اطلعت عليها «الشرق الأوسط» عن أن أياً من اللبنانيين الثلاثة المفرج عنهم ليس مدرجاً بين أسمائها الـ36، ما يثير سؤالاً حول الحجم الفعلي للملف ودقة حصر المحتجزين والمفقودين.

واستُكملت، الجمعة، عملية الإفراج التي بدأت، الخميس، بتسليم اللبناني مالك كمال غازي، بعدما تولت اللجنة الدولية للصليب الأحمر نقل أربعة أشخاص إضافيين أفرجت عنهم إسرائيل إلى لبنان، قبل تسليمهم إلى السلطات اللبنانية في الجنوب.

وبذلك، بلغ إجمالي المفرج عنهم خلال يومين خمسة أشخاص: غازي الذي سُلّم الخميس، واللبنانيان علي حسن شور وحسين عبد الله محمود عياش، والسوريان أسعد محمود الحسيكة ووسام إبراهيم الصماوي الذين سُلّموا الجمعة، لتكون الحصيلة ثلاثة لبنانيين وسوريين، خلافاً للإعلان الإسرائيلي الأول الذي تحدث عن خمسة «مواطنين لبنانيين».

وأكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنها سهّلت، بناء على طلب الأطراف المعنية، نقل الأشخاص الخمسة، موضحة أن شخصاً واحداً نُقل الخميس وأربعة آخرين الجمعة.

موكب تابع للجنة الدولية للصليب الأحمر يصل إلى مدينة صور جنوب لبنان (الجمعة) حاملاً أسرى لبنانيين أفرجت عنهم إسرائيل وسلّمتهم إلى السلطات اللبنانية عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر (د.ب.أ)

بداية لمسار

وأكد مصدر رسمي مطلع على ملف الأسرى لـ«الشرق الأوسط» أن القضية لن تتوقف عند الدفعة الحالية، وستبقى جزءاً من المطالب اللبنانية في الاتصالات والمسار التفاوضي.

وقال المصدر إن «الإفراج عن الأسرى الخمسة يشكل بداية لمسار يجري العمل على استكماله، ولن يقتصر الأمر على من أُفرج عنهم حتى الآن»، مؤكداً أن «المطالبة اللبنانية ستبقى مستمرة إلى حين إطلاق جميع الأسرى».

وأوضح المصدر أن «البداية في المرحلة الحالية ستكون مع المدنيين، على أن يتواصل العمل لاحقاً وصولاً إلى معالجة ملف جميع الأسرى»، مشيراً إلى أن «عدد المدنيين كان، بحسب المعلومات المتوافرة، في حدود 23 شخصاً، إلا أن العدد قد يكون ارتفع لاحقاً نتيجة توقيف أشخاص خلال الحرب أو بعد وقف إطلاق النار، وبينهم من أوقفوا في أثناء توجههم لتفقد منازلهم».

وأضاف أن «لبنان سيطرح في المفاوضات المقبلة، عند انعقادها، مطلب استكمال إطلاق الأسرى، ولن يكتفي بالإفراج عن الخمسة الذين سُلّموا، ومن بينهم سوريان».

وشدد المصدر على أن «ملف الأسرى حاضر في كل الاتصالات واللقاءات التي يجريها المسؤولون اللبنانيون مع المسؤولين والموفدين الأجانب»، لافتاً إلى أنه «أُثير على أعلى المستويات، بما في ذلك في المحادثات مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو». وأكد أن «الموقف اللبناني واضح، وهو مواصلة العمل وبذل كل الجهود الممكنة من أجل إعادة جميع الأسرى، من دون الاكتفاء بالدفعة التي أُفرج عنها».

عناصر من الجيش اللبناني يؤمّنون طريقاً في مدينة صور جنوب لبنان بانتظار وصول موكب تابع للجنة الدولية للصليب الأحمر يحمل أسرى لبنانيين أفرجت عنهم إسرائيل وسلّمتهم إلى السلطات اللبنانية (د.ب.أ)

اللبنانيون الثلاثة خارج لائحة الـ36

وتعطي اللائحة المحدثة للأسرى والمفقودين بُعداً إضافياً للعملية؛ إذ تضم 36 اسماً، لكن أسماء الذين أُفرج عنهم خلال اليومين لا ترد فيها.

ولا تمثل الأسماء الـ36، في الوقت نفسه، 36 أسيراً لبنانياً مؤكداً في السجون الإسرائيلية؛ إذ تجمع اللائحة بين محتجزين وردت معلومات عن أماكن وجودهم، ومفقودين لم يُحسم مصيرهم، وحالات يعود بعضها إلى عقود.

وتبدأ أقدم القضايا المدرجة بيحيى محمد سكاف منذ عام 1978، ثم عبد الله خليل عليان منذ عام 1981، والصياد محمد عادل الفران المفقود منذ عام 2005، إلا أن غالبية الحالات ترتبط بالحرب الأخيرة وما أعقبها.

وتظهر اللائحة مجموعة من المعتقلين خلال عام 2024، خصوصاً في عيتا الشعب وبليدا، إلى جانب عماد فاضل أمهز الذي اعتُقل في البترون. وتتسع الحالات بعد وقف إطلاق النار لتشمل مدنيين تقول البيانات إنهم اعتُقلوا من بلداتهم أو في أثناء محاولتهم العودة إليها أو خلال عملهم.

وتستمر الحالات المسجلة خلال عام 2026، وبينها اعتقالات في الخيام وحلتا وشبعا والقنطرة وبنت جبيل، إضافة إلى ثلاثة مزارعين تقول اللائحة إنهم اعتُقلوا في أثناء عملهم في حقولهم في حلتا، ما ينسجم مع حديث المصدر الرسمي عن احتمال ارتفاع عدد المدنيين المحتجزين نتيجة الاعتقالات اللاحقة.

عون: «الخطوة الأولى»

ووصف رئيس الجمهورية جوزيف عون الإفراج بأنه «الخطوة الأولى»، شاكراً المساعي والجهود التي بُذلت، ولا سيما من الولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترمب، والجهات الدولية وفي مقدمها اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

ورأى عون أن الخطوة تجدد التأكيد على ضرورة استكمال ما نص عليه إطار العمل الثلاثي، وصولاً إلى استعادة السيادة اللبنانية كاملة، «غير منتقصة شبراً من أرضنا، ولا ناقصة إنساناً من شعبنا».

وجدد عون التزام استمرار العمل لتحقيق المطالب اللبنانية، وصولاً إلى وطن «لا سلاح على أرضه إلا لقواه الشرعية وحدها، ولا سيادة على أبنائه إلا لدولته الحامية الضامنة القادرة والعادلة».

وكان رئيس الحكومة نواف سلام قد أكد بدوره أن عودة أي لبناني محرر تشكل خطوة مهمة على طريق معالجة الملف، شاكراً الإدارة الأميركية، ولا سيما السفير ميشال عيسى، على الجهود المبذولة.

وأكد سلام أن العمل سيستمر حتى الإفراج عن جميع الأسرى وكشف مصير المفقودين، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية.