الأوروبيون يرفضون إعطاء السلطات السورية «شيكاً على بياض» رغم تجميد بعض العقوبات

مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي: سنعيد فرضها «إذا اتخذت خطوات خاطئة»

مسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس متحدثة للصحافة الاثنين في بروكسل بمناسبة اجتماع المجلس الأوروبي (أ.ب)
مسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس متحدثة للصحافة الاثنين في بروكسل بمناسبة اجتماع المجلس الأوروبي (أ.ب)
TT

الأوروبيون يرفضون إعطاء السلطات السورية «شيكاً على بياض» رغم تجميد بعض العقوبات

مسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس متحدثة للصحافة الاثنين في بروكسل بمناسبة اجتماع المجلس الأوروبي (أ.ب)
مسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس متحدثة للصحافة الاثنين في بروكسل بمناسبة اجتماع المجلس الأوروبي (أ.ب)

يجد الاتحاد الأوروبي نفسه اليوم، إزاء الملف السوري الجديد، بعد شهرين من سقوط نظام الرئيس الأسبق بشار الأسد أمام خيارَيْن لا ثالث لهما: إما أن يكون لاعباً فاعلاً ويبادر ويتحرك، وإما أن يبقى على الهامش ويترك اللاعبين الآخرين يقررون ما يريدونه لسوريا.

ووفق مصدر سياسي فرنسي، فإن «استقرار سوريا مفيد للسوريين والاستقرار الإقليمي، ولكن أيضاً لأوروبا» التي ترى فائدته في تجنّب هجرات جديدة باتجاهها؛ مما سيكون له تأثير في أوضاعها السياسية الداخلية وتشجيع نسبة من السوريين للعودة إلى بلادهم، فضلاً عن أن ورشة إعادة الإعمار، عندما تنطلق، يمكن أن توفّر فرصاً استثمارية للشركات الأوروبية. والطريق إلى ذلك كله يمر عبر رفع العقوبات أو على الأقل تعليقها وربطها بـ«خريطة طريق» يتعيّن على السلطات السورية الجديدة أن تتقيّد بها.

ولأن فرنسا تريد أن تكون سباقة في هذا المجال، فقد كانت أول من أرسل بعثة دبلوماسية أوروبية إلى دمشق، ثم زارها وزير خارجيتها بصحبة نظيرته الألمانية. كذلك، فإنها على درب تنظيم مؤتمر دولي لمساعدتها تستضيفه باريس في 13 فبراير (شباط) المقبل. وعكست تصريحات جان نويل بارو، وزير خارجيتها، يوم الاثنين، هذه الرغبة، بإعلانه بشكل قاطع، أن الاتحاد الأوروبي سيعمد إلى تعليق عقوباته على سوريا في ثلاثة قطاعات «الطاقة والنقل والمؤسسات المالية». وبنظره، فإن العقوبات «تعوق اليوم الاستقرار الاقتصادي في البلاد وبداية عملية إعادة الإعمار».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في حديثه للصحافة الاثنين في مقر الاتحاد الأوروبي ببروكسل للمشاركة في اجتماع وزراء الخارجية الأوروبيين (أ.ف.ب)

بيد أن بارو سارع لطرح شروط النادي الأوروبي «التي يتوافق حولها غالبية الأوروبيين»، بقوله إن «تعليق العقوبات يجب أن يكون مشروطاً بتحقيق انتقال سياسي يشمل جميع السوريين، بالإضافة إلى اتخاذ تدابير حازمة لضمان الأمن، ومواصلة مكافحة أي شكل من أشكال عودة الإرهاب من قِبل تنظيم (داعش)، وضمان الأمن، وكذلك الكشف عن تدمير مخزون الأسلحة الكيماوية للنظام السوري السابق». وكان بإمكان بارو أن يُضيف حقوق المرأة ووضع الأكراد والتنوع المجتمعي ومشاركة كل الأطياف في بناء سوريا الجديدة.

كايا كالاس في حديث جانبي مع وزيرة الخارجية الألمانية أنجلينا بيربوك على هامش اجتماع وزراء الخارجية في العاصمة البلجيكية (د.ب.أ)

وما قاله الوزير الفرنسي جاءت عليه أيضاً مسؤولة السياسة الخارجية، كايا كالاس، ووزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، وآخرون. وقالت كالاس، الاثنين، إنه «إذا كانت خطوات (السلطات الجديدة) تسير في الاتجاه الصحيح، فنحن أيضاً مستعدون لاتخاذ خطوات (إضافية) من جانبنا». ومن الخطوات الموعودة إعادة فتح السفارة الأوروبية في دمشق. وخلاصة بارو أن «أمن الأوروبيين والفرنسيين يرتبط أيضاً بما يحدث في سوريا».

التحاق بالركب الأميركي

وما كان للأوروبيين أن يقدموا على خطوة تعليق بعض العقوبات لو لم تأتِ الإشارة من الولايات المتحدة التي أصدرت وزارة خزانتها، في السابع من الشهر الحالي، ترخيصاً مدته ستة أشهر يجيز تخفيف بعض العقوبات على سوريا؛ «بحيث لا تعوق الأنشطة التي تلبي الحاجات الإنسانية الأساسية، ومنها توفير الخدمات العامة وإيصال المساعدات». ووفق ماهر خليل الحسن، وزير التجارة السوري، فإن «العقوبات تعوق مثلاً، إبرام صفقات تتناول استيراد الوقود أو حتى القمح أو البضائع الرئيسية بسبب العقوبات الأميركية الصارمة».

الشرع ووزير الخارجية السوري يلتقيان وفداً نسائياً من الجالية السورية في أميركا (سانا)

وتكمن مشكلة الأوروبيين في عدم رغبتهم بإعطاء السلطات الجديدة «شيكاً على بياض». ولذا، فإن «التعليق» يتيح لهم التراجع إذا ما رأوا أن الأفعال لا تتوافق مع الوعود. وتأتي الأحداث الأمنية المتنقلة لتدفعهم إلى الحذر. ويلخص المصدر المشار إليه الوضع الراهن، بأن سياسة الأوروبيين تقول إنه «يتوجب على السوريين أن يستحقوا تعليق أو رفع العقوبات نهائياً، لاحقاً، وهذه مسؤوليتهم، ونحن نراقب ما سيقومون به ونتصرف على أساسه».

تصفح مطبوعات في إحدى المكتبات بدمشق بعضها كان ممنوعاً فترة نظام الأسد (أ.ف.ب)

وحسب وزير الخارجية الإيطالي فإن دعم سوريا سيكون «مضموناً؛ إذ كانت السلطات تريد توحيد البلاد من خلال منح الحقوق نفسها إلى جميع المواطنين. الرسالة التي نطلقها هي أننا نريد أن نفتح الباب، لكن مع إبقاء أعيننا مفتوحة». وأوضحت كالاس أنه في حال بدء رفع العقوبات «فسيتعيّن على السلطات أن تطلق عملية إعادة بناء البلاد».

الدعوة إلى «إجراءات حاسمة»

ويأتي الحراك الأوروبي في حين دعا مفوض الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيليبو غراندي، بعد زيارة لسوريا، المجتمع الدولي، إلى المسارعة باتخاذ ما سمّاها «إجراءات سريعة وحاسمة»؛ لمساعدة السوريين وتسهيل النازحين واللاجئين في العودة إلى بلادهم. وجاء في بيان يركّز على ملف اللاجئين صدر عنه الاثنين، ما يلي: «نحتاج إلى نهج شامل لجعل العودة مستدامة وآمنة وكريمة، ولمنع مزيد من النزوح في الأمد البعيد. وهذا يعني الاستثمار في الوظائف، واستعادة الرعاية الصحية، وإعادة بناء المدارس، وإعادة تأسيس الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه النظيفة. بالإضافة إلى ذلك، فإن رفع العقوبات سيعمل محفزاً حيوياً للتعافي، ويمهد الطريق أمام عودة مزيد من السوريين إلى ديارهم».

وجاء أيضاً في بيانه أنه «يتعيّن علينا اغتنام هذه الفرصة الحاسمة لمساعدة البلاد على الخروج من سنوات من الأزمة وسفك الدماء. يتخذ الكثير من الأسر خطوة شجاعة بالعودة إلى ديارها، راغبة في مستقبل أفضل، لكنها تواجه صعوبات هائلة: منازل مدمرة ومتضررة، وبنية تحتية محطمة، وفقر واسع النطاق».

ما شخّصه غراندي ودعا إليه، جاء مثله في تقرير صدر قبل يومين، عن منظمتين أمميتين «الأسكوا» و«الأونكتاد» تحت عنوان: «سوريا عند مفترق طرق: نحو مرحلة انتقالية مستقرة». وقالت الأمينة العامة التنفيذية لـ«الإسكوا»، رولا دشتي، إن «كل جانب من جوانب الحياة في سوريا قد تآكل. ويؤكد تقريرنا الحاجة الملحة إلى إعادة بناء البلاد، ليس على مستوى البنية التحتية فحسب، بل أيضاً من خلال تعزيز الثقة والحوكمة والتماسك الاجتماعي». وجاء في التقرير أنه «إضافة إلى الانهيار الاقتصادي، تبقى الأوضاع الإنسانية في سوريا كارثية. إذ يحتاج نحو 16.7 مليون شخص -ما يزيد على ثلثي سكان البلاد- إلى أحد أشكال المساعدة الإنسانية. وهناك سبعة ملايين نازح داخلياً، فيما تستمر معدلات سوء التغذية المزمن في الارتفاع.

لا يملك معظم العوائل المحتاجة إلى المساعدات الغذائية خصوصاً سكان المخيمات دخلاً كافياً لتأمين الخبز لأفرادها (الشرق الأوسط)

وقالت دشتي: «هذه واحدة من أطول الأزمات الإنسانية في العالم، والنتائج تشير بوضوح إلى إمكانية تفاقمها إذا لم تُتخذ خطوات عاجلة. وتعافي سوريا لا يقتصر على إعادة إعمار المدن، بل يتطلب الاستثمار في الإنسان، واستعادة الثقة بالمؤسسات، وتهيئة الظروف التي تُمكّن العائلات من استعادة حياتها الطبيعية».

قطعاً، يصعب على السوريين تحقيق جميع هذه الأهداف إذا بقيت العقوبات الصارمة مفروضة عليهم. إلا أن تجميد بعضها أو حتى رفعها، لن يكون سوى الخطوة الأولى في مسار الألف ميل، نظراً إلى الكم الهائل من التحديات التي يواجهها السوريون اليوم.


مقالات ذات صلة

بنك الاستثمار الأوروبي ينهي 40 عاماً من عدم تمويل مشروعات الطاقة النووية

الاقتصاد شعار بنك الاستثمار الأوروبي في لوكسمبورغ (رويترز)

بنك الاستثمار الأوروبي ينهي 40 عاماً من عدم تمويل مشروعات الطاقة النووية

وافق بنك الاستثمار الأوروبي على ضخ 40 مليون يورو بشركة فنلندية ناشئة لتطوير مفاعل نووي، منهياً حظراً استمر على مدار أربعة عقود على تمويل مشروعات الطاقة النووية

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا قادة أوروبيون خلال مؤتمر صحافي بختام قمة في روفانييمي (فنلندا) الاثنين (إ.ب.أ)

قمة أوروبية لتعزيز الحضور في القطب الشمالي

دعا بيان ختامي لقمة أوروبية أمس «الاتحاد الأوروبي إلى الاضطلاع بدور أكثر استراتيجية واستباقية في منطقة القطب الشمالي الأوروبية».

«الشرق الأوسط» (روفانييمي (فنلندا))
أوروبا زعيم «الحزب الوطني الاسكوتلندي» جون سويني وزعيم حزب «بلايد كامرو» رين أب يورويث ورئيسة حزب «شين فين» ماري لو ماكدونالد ونائبة رئيس حزب «شين فين» ميشيل أونيل يرفعون وثيقة موقّعة عقب اجتماع بين قادة الأحزاب القومية في كارديف ويلز ببريطانيا 14 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

أحزاب قومية في اسكوتلندا وويلز وآيرلندا الشمالية تطالب بحق الانفصال عن بريطانيا

طالبت الأحزاب القومية الرئيسية في اسكوتلندا وآيرلندا الشمالية وويلز، الاثنين، بحق تقرير المصير في شأن الانفصال عن المملكة المتحدة من عدمه.

«الشرق الأوسط» (كارديف (بريطانيا))
أوروبا غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أرشيفية - أ.ب)

قمة أوروبية تدعو لتعزيز حضور القارة في القطب الشمالي بمواجهة تهديد روسيا

اجتمع قادة أوروبيون في فنلندا، الاثنين، لتنسيق الجهود الرامية لمواجهة التطورات الجارية والتهديدات الجديدة في منطقة القطب الشمالي.

رائد جبر (موسكو)
الاقتصاد أفق بكين مع شروق الشمس وناطحات السحاب بمنطقة الأعمال المركزية (رويترز)

الشركات الألمانية تزيد استثماراتها في الصين بنحو الثلث خلال النصف الأول من 2026

زادت الشركات الألمانية استثماراتها في الصين بنحو الثلث، خلال النصف الأول من عام 2026، في حين خفضت استثماراتها بالولايات المتحدة بشكل حاد.

«الشرق الأوسط» (برلين)

الزيدي يواجه اختبارات مركبة قبيل الانسحاب الأميركي من العراق

الزيدي يواجه اختبارات مركبة قبيل الانسحاب الأميركي من العراق
TT

الزيدي يواجه اختبارات مركبة قبيل الانسحاب الأميركي من العراق

الزيدي يواجه اختبارات مركبة قبيل الانسحاب الأميركي من العراق

عاد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى بغداد، الأربعاء، بعد جولة أوروبية شملت فرنسا وألمانيا، في وقت يسعى فيه إلى توسيع الشراكات مع الغرب، بينما يواجه في الداخل ضغوطاً سياسية وأمنية مرتبطة بملف حصر السلاح بيد الدولة وبالعلاقة مع الفصائل القريبة من إيران.

ووقّع العراق خلال زيارة الزيدي إلى فرنسا 6 مذكرات تفاهم وإعلانات نوايا في مجالات؛ بينها الدفاع والطاقة والطيران المدني والتعاون الاقتصادي، قبل أن يتوجه إلى برلين لإجراء محادثات مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس حول ملفات إقليمية ودولية، إضافة إلى التعاون في قطاعات الطاقة والأمن والنقل.

وتأتي الجولة الأوروبية بعد زيارة الزيدي إلى واشنطن في يوليو (تموز)، حيث أعلن خلال لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن القوات الأميركية ستغادر العراق بحلول 30 سبتمبر (أيلول)، وأن بغداد تعمل في المقابل على شراكة اقتصادية مع الولايات المتحدة. كما أعلن الزيدي عزمه على منع أي جهة من حمل السلاح خارج مؤسسات الدولة.

لكن مساعي الحكومة العراقية لتوسيع علاقاتها مع أوروبا والولايات المتحدة تجري في بيئة سياسية وأمنية معقدة، مع اقتراب موعد انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي، واستمرار الخلاف بشأن آلية وتوقيت حصر السلاح بيد الدولة.

وزير الطاقة العراقي علي وهيب (يساراً) والرئيس التنفيذي لشركة «سيمنز» كريستيان بروخ (يميناً) يوقعان اتفاقية تعاون في برلين يوم 15 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

طموحات الزيدي

يبدو أن الزيدي يسعى إلى البناء على التحرك الذي بدأه خلال زيارته إلى واشنطن، وتوسيع هامش الحركة العراقية باتجاه أوروبا، في محاولة لجذب استثمارات وشراكات في قطاعات الطاقة والصناعة والبنية التحتية.

وقال نائب عراقي سابق، طلب عدم الكشف عن اسمه، إن قوى الإطار التنسيقي «تراجعت عن مستوى الدعم الذي كانت قد تعهدت بتقديمه إلى الزيدي عندما كلفته بتشكيل الحكومة».

وأضاف أن قوى «الإطار التنسيقي»، في الوقت الذي كانت فيه «مجبرة على القبول بالزيدي بسبب خلافها الحاد على من يتولى منصب رئيس الوزراء، بدأت تتخوف من تبعات تعهداته الأمنية والسياسية».

وبحسب النائب السابق، تراقب قوى الإطار التنسيقي «ما يصدر عن الإدارة الأميركية من إشارات، تلميحاً أو تصريحاً، على صعيد حصر السلاح بيد الدولة بعد الثلاثين من هذا الشهر».

وقال إن تلك القوى «لا تستطيع في النهاية التصادم مع الإرادة الأميركية»، لكنها «تماطل الآن على صعيد اللجنة المُشكَّلة للتفاهم مع الفصائل الرافضة لتسليم سلاحها»، بهدف معرفة مدى الضغط السياسي الذي يمكن أن تمارسه واشنطن.

وأضاف أن السؤال بالنسبة إلى هذه القوى هو ما إذا كان الضغط سيبقى «عند حدود التراجع عن دعم الزيدي» أم قد يصل إلى «اتخاذ قرارات صارمة، ومنها إيقاف شحنات الدولار وغير ذلك من وسائل الضغط التي من شأنها أن تجعل تلك القوى أمام مواجهة مع الشارع تتعدى حدود خلافها الصامت مع الزيدي».

الرئيس ماكرون في استقبال رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في قصر الإليزيه (أ.ب)

واشنطن داعمة

وفي أحدث مؤشر على موقف واشنطن، قالت وزارة الخارجية الأميركية إن الولايات المتحدة تدعم جهود الزيدي لتعزيز سيادة الدولة ومنع الهجمات داخل العراق أو انطلاقاً من أراضيه، كما أكدت التزامها ببناء «شراكة قوية ومتبادلة المنفعة» مع بغداد.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية إن واشنطن تدعم جهود الزيدي «لتطبيق وممارسة السيادة العراقية»، مضيفاً أن العراق «بدأ اتجاهاً جديداً تحت قيادة رئيس الوزراء الزيدي، بالشراكة الكاملة مع الولايات المتحدة».

وكانت «الخارجية» الأميركية قد ربطت هذا الموقف باللقاء الذي جمع ترمب والزيدي في البيت الأبيض في 14 يوليو، وقالت إن واشنطن تدعم رؤية رئيس الوزراء العراقي لـ«مستقبل أكثر إشراقاً لجميع العراقيين خالٍ من الإرهاب»، إلى جانب منع الهجمات داخل العراق أو انطلاقاً منه وبناء شراكة أميركية-عراقية قوية ومتبادلة المنفعة.

ويرى الكاتب والإعلامي فلاح المشعل أن «اتجاه الزيدي غرباً حالة إيجابية، نظراً لتاريخ العلاقة التجارية والاستثمارية والصناعية التي جمعت العراق مع فرنسا وألمانيا، وتنويع المصادر ما بين أميركا وأوروبا».

وقال المشعل لـ«الشرق الأوسط» إن هذا التوجه «سيفتح أسواق هذين البلدين للبترول العراقي وإعادة تصنيعه في تشارك للمصالح وتطويرها، خاصة في الصناعات النفطية».

لكنه أضاف أن «جميع تلك الطموحات التي يسعى إلى تحقيقها رئيس الوزراء الزيدي تصطدم بواقع عراقي يفتقد البيئة المشجعة، من ناحية الاستقرار الأمني والكفاءة المصرفية وقوانين الاستثمار العراقي، ناهيك بظروف الحرب الإقليمية المتقطعة ما بين أميركا وإيران».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض يوم 14 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

استراتيجية جديدة

وفي السياق ذاته، قال الأكاديمي والباحث السياسي الدكتور هاني عاشور إن الزيدي «انتهج سياسة جديدة في الجانب السياسي والاقتصادي معاً، وذلك بالانفتاح على القوى العربية والإقليمية والدولية»، معتبراً أن هذه السياسة يمكن أن تمهد للتوجه الاقتصادي الذي يتبناه رئيس الوزراء.

وأضاف عاشور أن طبيعة الظروف الإقليمية، إلى جانب خبرة الزيدي السابقة في مجال الأعمال، دفعت الحكومة إلى تبني «سياسة جديدة، خاصة في الجانب الاقتصادي»، مشيراً إلى تأثير التطورات الإقليمية على صادرات النفط العراقية.

وقال إن الاتفاقيات التي وقعها الزيدي في أوروبا، إلى جانب مواقف حكومته من تركيا وسوريا والعمل على زيادة تصدير النفط عبر خط أنابيب إلى البحر المتوسط، تمثل، من وجهة نظره، جزءاً من «استراتيجية جديدة تقوم على نهج اقتصادي جديد من أجل النهوض بالعراق من جديد».


تأجيل الموسم الدراسي الجديد يثير جدلاً في العراق

طلاب عراقيون ينشدون النشيد الوطني بمدرسة غرب بغداد في أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)
طلاب عراقيون ينشدون النشيد الوطني بمدرسة غرب بغداد في أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)
TT

تأجيل الموسم الدراسي الجديد يثير جدلاً في العراق

طلاب عراقيون ينشدون النشيد الوطني بمدرسة غرب بغداد في أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)
طلاب عراقيون ينشدون النشيد الوطني بمدرسة غرب بغداد في أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)

أثار قرار «التربية» العراقية تأجيل الموسم الدراسي 2026 - 2027 جدلاً واسعاً بشأن الأسباب الحقيقية التي دعت الوزارة إلى هذا الإجراء، بالتزامن مع موعد انسحاب القوات الأميركية من البلاد وبدء عملية من المفترض أن تحصر سلاح الفصائل في البلاد.

وكانت وزارة التربية أعلنت، الثلاثاء، تأجيل انطلاق الموسم، الذي كان مقرراً في 20 سبتمبر (أيلول) الحالي، إلى 11 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

ومن المحتمل أن يؤدي التأجيل إلى خسارة نحو شهر كامل من الموسم الدراسي، فضلاً عن عدم استكمال المناهج المقررة، خصوصاً بالنسبة إلى طلبة الصفوف المنتهية في المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية.

ومع كثرة العطل الرسمية والإجازات المرتبطة بالمناسبات الدينية، تكون الأشهر الـ9 للعام الدراسي معرضة للهدر والتقليص بشكل متصاعد، وفق مهتمين بالشؤون التربوية.

وربطت تكهناتٌ التأجيلَ بموعد 30 سبتمبر الحالي؛ المحدد لانسحاب قوات التحالف الدولي من العراق ومهلة «حصر السلاح» وما قد ينجم عنهما من صدام، وفق ما يشاع على نطاق واسع بين ناشطين ومدونين.

إلا إن وزارة التربية تحدثت عن 4 أسباب رئيسية وراء التأجيل؛ ليس من بينها الانسحاب الأجنبي ونزع الأسلحة.

نسخة رقمية من قرار وزارة التربية العراقية تأجيل الموسم الدراسي لعام 2026

وقالت الوزارة في بيان صحافي إن وزيرها عبد الكريم عبطان الجبوري قال إن «تأجيل الموسم الدراسي يأتي لإتاحة الوقت لاستكمال إجراءات امتحانات الدور الثاني للصفوف غير المنتهية، وتهيئة المدارس للعام الجديد».

وأضافت أن «القرار شمل مراعاة ارتفاع درجات الحرارة خلال هذه المدة، مع استكمال المتطلبات المدرسية والفنية والإدارية، قبل مباشرة الطلبة والتلاميذ دوامهم في عموم العراق».

ومع الانتقادات الشعبية التي أثارها قرار التأجيل، خرج المتحدث باسم وزارة التربية، كريم السيد، ليزيد على بيان الوزارة ويذكر أسباباً أخرى وراء القرار، منها أن «موعد بدء العام الدراسي الذي حُدد في وقت سابق بتاريخ 20 سبتمبر 2026 كان مبكراً، وجاء بناءً على معطيات لم تتحقق لاحقاً، من بينها استحداث الدخول الشامل والدور الخاص، المقرر أن ينطلق في 26 سبتمبر وينتهي في 10 أكتوبر، فضلاً عن امتحانات الدور الثاني التي بدأت في 15 سبتمبر وتستمر حتى 24 من الشهر نفسه».

وأضاف أن «القرار جاء بعد مناشدات من الهيئات التعليمية؛ بسبب عدم توفر الكهرباء في بعض المدارس وارتفاع درجات الحرارة، إلى جانب مقترح لجنة التربية النيابية تأجيل الدوام».

وسبق أن طالبت لجنة التربية والتعليم النيابية بتأجيل العام الدراسي، لكن المطالبة كانت تركز على تاريخ 1 أكتوبر (تشرين الأول) وليس تاريخ 11 من الشهر نفسه.

من إحدى المدارس العراقية (أرشيفية - متداولة)

قلق «30 سبتمبر»

ويعتقد مصدر مسؤول في وزارة التربية أن تزامن قرار التأجيل مع موعد 30 سبتمبر الحالي الذي حددته الحكومة لحصر أسلحة الفصائل، وهو الموعد المحدد أيضاً لانسحاب قوات التحالف الدولي، وراء التكهنات بوجود صلة بينهما، وهو أمر تنفيه الوزارة.

وقال المصدر؛ الذي فضل عدم الإشارة إلى نفسه، لـ«الشرق الأوسط»، إن «التذبذب في مواعيد انطلاق العام الدراسي ليس جديداً، ومعروف أن الدراسة تأجلت خلال جائحة (كورونا) نحو شهر كامل، إلى جانب الأسباب المرتبطة بامتحانات الدور الخاص».

من جانبه، رأى الأستاذ التربوي مصطفى عبادة أن الأسباب التي أعلنتها وزارة التربية بشأن تأجيل انطلاق العام الدراسي الجديد، في «حاجة إلى مزيد من التوضيح، خصوصاً أن هناك ملفات تربوية أخرى ما زالت قائمة، من بينها تأخر وصول بعض الكتب المدرسية، وتغيير عدد من المناهج، ومشكلات الأبنية والبنى التحتية، فضلاً عن استمرار امتحانات الدور الخاص».

وبشأن التكهنات التي تربط التأجيل بظروف سياسية وأمنية، قال العبادي لـ«الشرق الأوسط» إن «المصادفة الزمنية تطرح تساؤلات بشأن ما إذا كانت هناك مخاوف من انعكاسات محتملة للتطورات الأمنية على انتظام الدوام في المدارس. لكن ليس بالضرورة أن تكون هناك صلة بينهما».


فرنسا: اللبنانيون وحدهم مسؤولون عن نزع سلاح «حزب الله»

الرئيسان ماكرون وعون في مؤتمر صحافي مشترك خلال زيارة الرئيس اللبناني إلى باريس في شهر مارس الماضي (أ.ب)
الرئيسان ماكرون وعون في مؤتمر صحافي مشترك خلال زيارة الرئيس اللبناني إلى باريس في شهر مارس الماضي (أ.ب)
TT

فرنسا: اللبنانيون وحدهم مسؤولون عن نزع سلاح «حزب الله»

الرئيسان ماكرون وعون في مؤتمر صحافي مشترك خلال زيارة الرئيس اللبناني إلى باريس في شهر مارس الماضي (أ.ب)
الرئيسان ماكرون وعون في مؤتمر صحافي مشترك خلال زيارة الرئيس اللبناني إلى باريس في شهر مارس الماضي (أ.ب)

دأبت باريس على اعتبار اجتماع الخميس، الذي تستضيفه، «تقنياً وانتقالياً»، وغرضه التحضير للمؤتمر «الرسمي» الموعود الذي أُجل إلى وقت غير محدد. لكن ما جاء على لسان مصادر رئاسية يرسم له صورة طموحة وأهدافاً مختلفة؛ فالاجتماع الذي أدرج في إطار «مسار العقبة» والذي يخصص حصراً للبنان له شقان: دبلوماسي - سياسي يتمثل في الاجتماعات الثلاثة التي ستجرى في قصر الإليزيه وقصر الأنفاليد بين الرئيس إيمانويل ماكرون ونظيره اللبناني جوزيف عون ومع الملك عبد الله الثاني، واجتماعاً يضم القادة الثلاثة في الأنفاليد حيث يفتتحون معاً الاجتماع التقني العسكري يليه الشق الثاني التقني. وجديده أنه سيضم، إلى جانب البعثات العسكرية الـ17 «خبراء عسكريين رفيعي المستوى» لم تتوافر أي لائحة بشأنهم.

وأفاد الإليزيه بأن قادة أركان الجيوش الفرنسية والأردنية والبريطانية وقيادة الجيش اللبناني ستشارك في الاجتماع إلى جانب البعثات الأخرى، فيما ستمثل الولايات المتحدة بالجنرال جوزيف كليرفيلد، رئيس مجموعة التنسيق العسكرية للبنان وبمستشارين لوزير الخارجية ماركو روبيو وبسفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى.

كذلك، أكد أن السعودية ستكون حاضرة، وأن مبعوثها إلى الملف اللبناني الأمير يزيد بن فرحان موجود في باريس. وجاء في مذكرة موجهة للصحافة أن القادة الثلاثة «سيعملون على تعزيز سيادة لبنان وأمنه، وهما أمران أساسيان لاستقرار المنطقة بأسرها، وسيفتتحون معاً اجتماعاً لخبراء عسكريين رفيعي المستوى في إطار (مسار العقبة)، لغرض دعم القوات المسلحة اللبنانية، التي تُعدّ ركيزةً لسيادة البلاد، ولا غنى عنها لتمكين الدولة من ضمان أمن أراضيها بشكل كامل، وممارسة احتكارها للسلاح». كذلك جاء في المذكرة أن ماكرون سيؤكد لعون «مجدداً التزام فرنسا الدائم بالوقوف إلى جانب الشعب اللبناني».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا الاثنين في قصر الإليزيه (أ.ف.ب)

وتقول باريس إن هدف الاجتماع الأول هو ضمان «أمن واستقرار لبنان»، ما يعني عملياً النظر في المهمة الموكلة للجيش اللبناني «لفرض سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية بدءاً من الجنوب». لذا، فإن الاجتماع سيكون ذا طابع «عملياتي»، وسيتناول خطط الجيش اللبناني للانتشار الميداني بحيث يمكن لاحقاً توفير دعم قوي له سيكون مالياً وتجهيزياً ومخابراتياً ومواكبته إذا دعت الحاجة».

وتؤكد باريس أنه يتعين أن يتمكن الجيش من الانتشار، وأن يتم نزع سلاح «حزب الله»، وأن توفر الأسرة الدولية الدعم له.

وتشدد باريس على أهمية أن يعرض لبنان «خطة انتشار واضحة، دقيقة وواقعية» للتمكن من دعمه على أساسها. وتضع فرنسا ما سيحصل الخميس، وأبعد من خطط انتشار الجيش، في سياق دعم السيادة اللبنانية بالطبع، ولكن أيضاً ترميم المؤسسات وإنجاز الإصلاحات البنيوية والمالية ومسار سياسي يقود إلى الانتخابات العامة والخروج من الأزمات المتعددة.

وترى باريس أن ذلك يمكن أن يترافق مع «خطة لتوفير دعم دولي مكثف للبنان» ما يذكّر بمساعٍ فرنسية لعقد مؤتمر خاص بإنقاذ الوضع اللبناني الاقتصادي والمالي الذي ربط أصلاً بتحقيق الإصلاحات.

ويحتل ملف نزع سلاح «حزب الله» مكاناً بارزاً في المقاربة الفرنسية. لكن باريس تسارع للقول إن ذلك سيكون من مسؤولية القوات المسلحة اللبنانية وحدها، وأنه «من غير الوارد إطلاقاً أن نحل محل الجيش اللبناني والقوى الأمنية الأخرى» في تنفيذ هذه المهمة، في إشارة إلى الدور الذي يمكن أن تقوم به القوة الدولية المفترض أن تحل محل قوة «اليونيفيل»؛ أكانت «يونيفيل 2»، أو قوة متعددة الجنسيات.

من هنا، تحرص باريس على الحصول على انتداب محدد من مجلس الأمن في حال «يونيفيل 2»، ووضوح المهمات في حال قيام قوة متعددة الجنسيات. وتوحي باريس بأن الظروف المستجدة التي آلت إلى خسارة «حزب الله» العمق الاستراتيجي السوري والقضاء على عدد كبير من قادته والعمليات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة، أفضت إلى إضعاف قوة «حزب الله»، ما من شأنه أن «يسهل» مهمة حصرية السلاح، الأمر الذي يرفضه الحزب إطلاقاً.

وتدعو باريس اللبنانيين إلى بلورة «تفاهمات الحد الأدنى» حول هذه المسألة». إلا أنها تعي صعوبات الوضع اللبناني، والتبعات المترتبة على ما تقوم به إسرائيل.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً خلال زيارته للقاعدة الجوية القريبة من مدينة «أورانج» جنوب البلاد الاثنين (أ.ب)

وتريد باريس توجيه رسالة إلى اللبنانيين ومفادها، أن فرنسا «جاهزة دوماً، ومهما تكن الصعوبات للوقوف إلى جانب لبنان». إلا أنها لا تريد إعفاء اللبنانيين من مسؤولياتهم؛ إذ «عليهم جماعياً، مهما كانت انقساماتهم السياسية، أن يلتفوا حول الأمور الأساسية حيث من الضروري الخروج من الأزمة المتواصلة منذ 2020».

ولا يريد الإليزيه اجتماعاً يضاف إلى سلسلة الاجتماعات السابقة لدعم الجيش، بل يريده «طموحاً يفضي إلى خطة عملياتية واضحة بهدف ترميم سلطة الدولة، والتوصل إلى إصلاحات ذات صدقية تمكن أصدقاء لبنان والمؤسسات الدولية القيام بما يلزم لإنهاض البلاد». ويفهم من أن الاجتماع «ليس لتقديم التزامات وأرقام بل للتحضير لاستحقاقات مقبلة» عبر التعرف على الحاجات الحقيقية وتقديم «عروض عملياتية» وكيفية الاستجابة لها عملياً. وخلاصة اجتماع باريس أن الغرض هو «وضع لبنان على السكة الصحيحة» ولكن «ثمة حاجة لأن تتخذ السلطات اللبنانية قرارات نعرف أنها صعبة». فهل من يسمع؟