المشاريع الكبرى تفتح أبواب النمو أمام المصانع الصغيرة والمتوسطة في السعودية

مختصون لـ«الشرق الأوسط»: تمكين المنشآت من تنفيذ الطلبيات الكبيرة يتطلب حلولاً تمويلية وفرصاً تدريجية

المدينة الصناعية في الرياض (مدن)
المدينة الصناعية في الرياض (مدن)
TT

المشاريع الكبرى تفتح أبواب النمو أمام المصانع الصغيرة والمتوسطة في السعودية

المدينة الصناعية في الرياض (مدن)
المدينة الصناعية في الرياض (مدن)

تتيح المشاريع الكبرى في السعودية فرصاً متزايدة أمام المصانع الصغيرة والمتوسطة لتوسيع أعمالها والدخول في سلاسل الإمداد المحلية، مع ما يرافق ذلك من طلب على منتجات صناعية وخدمات مساندة تشمل النقل والتخزين والصيانة والخدمات الهندسية. ويمكن لهذا الطلب أن يوسع قاعدة الإنتاج المحلي، ويتيح للمصانع زيادة طاقاتها وتطوير منتجاتها، بدلاً من اقتصار دورها على تلبية احتياجات السوق الحالية.

لكن الاستفادة من هذه الفرص لا تزال مرتبطة بقدرة المصانع على تجاوز تحديات التمويل والسيولة، والتأهيل لدى الشركات الكبرى، والوفاء بمتطلبات الكميات والمواصفات ومواعيد التسليم. ويرى مختصون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن دخول المنشآت الصناعية الصغيرة والمتوسطة في سلاسل الإمداد يتطلب تهيئة فرص تتناسب مع قدراتها، وتطوير حلول تمويلية تساعدها على تنفيذ العقود، إلى جانب إتاحة المجال أمامها لبناء سجل من الأعمال يؤهلها للمنافسة على طلبيات أكبر.

لقطة من معرض المصانع السعودية لعام 2025 (صنع في السعودية)

المشاريع الكبرى توسِّع قاعدة الطلب المحلي

وفي هذا السياق، قال الدكتور عبد الله السلوم، أستاذ المالية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، إن المنشآت الصغيرة والمتوسطة تمثل نحو 90 في المائة من الشركات حول العالم، وتوفر ما بين 60 و70 في المائة من الوظائف، وتسهم بنحو 50 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مما يعكس أهمية تعزيز دورها في النشاط الصناعي بوصفه أحد الأهداف التنموية الرئيسية.

وأوضح أن السعودية تعمل على توسيع مساهمة هذه المنشآت من خلال تطوير البيئة التنظيمية والاستراتيجيات الصناعية الوطنية، وتحسين الخدمات اللوجستية، والحد من مخاطر الاستثمار، فضلاً عن تحفيز الطلب على المنتجات المحلية عبر المشروعات الكبرى وسلاسل القيمة والمشتريات وبرامج المحتوى المحلي.

وأضاف السلوم أن المنظومة الصناعية توفر حلولاً تمويلية وضمانات للطلب على المنتجات الوطنية، إلى جانب برامج التأهيل والدعم التشغيلي. واستشهد في هذا الإطار بمسرعة الأعمال الصناعية التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، التي تلقت 350 طلباً خلال العام الماضي، حسب قوله. ولفت إلى أن هذه المبادرات تفتح أمام الصناعة الوطنية مجالاً لتعزيز حضورها في السوق المحلية، والانطلاق منها نحو الأسواق الإقليمية والدولية.

وأشار إلى أن مشاركة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في سلاسل إمداد المشروعات الكبرى لا تقتصر آثارها على المصانع المنتجة للسلع، بل تمتد إلى الأنشطة والخدمات المساندة، مثل النقل والتخزين والصيانة والخدمات الهندسية، بما يوسع نطاق المستفيدين من الإنفاق الاستثماري. وكلما ارتفعت قدرة الصناعة المحلية على تلبية احتياجات هذه المشروعات، زادت حصة الإنفاق التي تبقى داخل الاقتصاد الوطني.

وضرب مثالاً بإنفاق صندوق الاستثمارات العامة وشركاته التابعة على المحتوى المحلي، الذي بلغ 207 مليارات ريال (55.2 مليار دولار) خلال عام 2024، وفق ما أعلنه محافظ الصندوق ياسر الرميان. وأوضح أن هذا الرقم لا يقتصر على المنشآت الصغيرة والمتوسطة أو المصانع الصناعية، لكنه يعكس حجم الطلب الذي يمكن للمصانع المحلية الاستفادة منه لتوسيع أعمالها وتطوير منتجاتها.

وبيّن السلوم أن تكرار الطلبات يساعد المصانع على رفع معدلات تشغيل طاقاتها الإنتاجية، وتوزيع التكاليف الثابتة على عدد أكبر من الوحدات، بما يحسن كفاءتها ويتيح لها الاستثمار في المعدات والتقنيات وتدريب القوى العاملة. كما يمنحها سجل توريد وخبرة عملية يمكن الاستناد إليهما في استقطاب عملاء جدد داخل السعودية وخارجها.

ولفت إلى أن تقليل الاعتماد على الواردات يرتبط بقدرة الصناعة المحلية على إنتاج مجموعة أوسع من السلع والمكونات والخدمات التي كانت تُستورد سابقاً، بما يزيد القيمة المضافة محلياً، مع الإقرار باستمرار الحاجة إلى بعض الواردات في المراحل الأولى من تطوير الصناعات.

وأضاف السلوم أن توسع الإنتاج المحلي يخلق وظائف في مجالات متعددة، تشمل الفنيين والمهندسين والعاملين في الجودة والتشغيل والصيانة، مشيراً إلى أن استدامة هذه الوظائف ترتبط بقدرة المصانع على تنويع عملائها وعدم الاعتماد على مشروع أو جهة واحدة.

أحد المصانع السعودية (الموقع الرسمي لـ«رؤية 2030»)

السيولة واستمرارية الطلب تحديان أمام المصانع

من جهته، قال المستشار المهندس عبد العزيز أبا الروس، الرئيس التنفيذي لشركة «A&BC» لصناعة أدوات ومواد السلامة، إن القطاع الصناعي السعودي حظي بدعم وحوافز حكومية أسهمت في تعزيز الثقة بالاستثمار والتوسع، إلا أن المصانع لا تزال تواجه تحديات يومية تتعلق بالسيولة واستمرارية الطلب.

وأوضح أن تنفيذ طلبية كبيرة يتطلب من المصنع شراء المواد الخام وسداد الأجور وتكاليف الإنتاج قبل تحصيل مستحقاته، مما يضعه أمام فجوة تمويلية بين بدء التنفيذ واستلام قيمة التوريد. كما أن زيادة الطاقة الإنتاجية تستلزم الاستثمار في المعدات واستقطاب العمالة الفنية المؤهلة، إلى جانب تحمل التزامات تشغيلية مستمرة.

ولفت المستشار إلى أن وضوح الطلب المستقبلي وتوافر عقود طويلة الأجل وانتظام سداد المستحقات، عوامل تساعد المنشآت على التخطيط والتوسع، والاستفادة من الدعم والحوافز المتاحة، بدلاً من العمل وفق طلبات متقطعة يصعب معها تحديد احتياجات الإنتاج والاستثمار.

وأشار أبا الروس إلى أن فرص دخول المصانع الصغيرة والمتوسطة في سلاسل إمداد المشروعات الكبرى موجودة، لكنها تختلف حسب طبيعة المنتج وحجم الطلب وقدرة المصنع على الالتزام بالمواصفات والكميات ومواعيد التسليم.

وأضاف أن منصة «اعتماد» تتيح للمنشآت الاطلاع على المنافسات الحكومية، كما يسهم تفضيل المنتج الوطني، وفق الضوابط المعمول بها، في تعزيز تنافسية المصانع المحلية. لكن التحدي مع الشركات الكبرى يبدأ في كثير من الأحيان من مرحلة التسجيل والتأهيل كمورد معتمد، قبل الوصول إلى فرصة توريد فعلية.

وأوضح أبا الروس أن المصنع قد يمتلك منتجاً جيداً وطاقة إنتاجية مناسبة، لكنه يواجه إجراءات تأهيل طويلة، أو طلبات بكميات وشروط سداد تتجاوز قدرته المالية. ولذلك، يرى أهمية منح المنشآت الصغيرة والمتوسطة طلبيات أولية تتناسب مع إمكاناتها، ثم زيادة حجم الأعمال بناءً على جودة التنفيذ والالتزام بالتسليم، بما يسمح للمصنع بإثبات قدرته ويتيح للمشتري تقييم أدائه الفعلي.

أحد مصانع المدينة الصناعية في المدينة المنورة (واس)

متطلبات التأهيل والتمويل تحدد فرص التوسع

وفيما يتعلق بالعقبات التي تَحول دون دخول المصانع إلى عقود التوريد، قال السلوم إن تحديات التمويل والطاقة الإنتاجية ومتطلبات التأهيل وإمكانية الدخول في عقود التوريد يرتبط بعضها ببعض؛ فقد يمتلك المصنع منتجاً جيداً لكنه يفتقر إلى الخبرة اللازمة للتأهل كمورد، أو يحصل على عقد لكنه لا يمتلك السيولة الكافية لتنفيذه.

وأشار إلى إعلان صندوق الاستثمارات العامة في سبتمبر (أيلول) 2026 إطلاق شركة «توريد»، لتقديم منتجات تمويلية لسلاسل الإمداد، من بينها الدفع المبكر مقابل الفواتير المعتمدة. وأوضح أن هذه الحلول يمكن أن تحسن التدفقات النقدية للمصانع، لكنها لا تغني عن الحاجة إلى تمويل يسبق إصدار الفاتورة، حتى تتمكن المنشأة من شراء المواد الخام وبدء الإنتاج.

وشدد السلوم على أن متطلبات الجودة والسلامة والامتثال ضرورية، لكن ينبغي أن تتناسب متطلبات الخبرة والملاءة المالية والضمانات مع حجم العقد وطبيعة مخاطره، حتى لا تتحول شروط التأهيل إلى عائق أمام المصانع الأصغر. كما دعا إلى إتاحة الفرصة أمام هذه المنشآت لإثبات قدراتها من خلال طلبيات أصغر قبل الانتقال إلى عقود أكبر.

من جانبه، أوضح أبا الروس أن المصانع الصغيرة والمتوسطة قادرة على توفير منتجات متعددة للمشاريع الكبرى، تشمل المنتجات المعدنية والمكونات الكهربائية ومواد التعبئة والتغليف ومستلزمات السلامة، إضافةً إلى خدمات الصيانة والتصنيع حسب الطلب.

وأشار إلى أن شركته تعمل في مجال مستلزمات السلامة الصناعية، ومن بين منتجاتها معدات الوقاية الشخصية للعاملين في القطاعات الصناعية، مثل الملابس المقاومة للهب والحرارة والقفازات المقاومة للقطع، التي تُحدد مواصفاتها وفق طبيعة المخاطر ومتطلبات الاستخدام.

وأضاف أن قرب المصانع المحلية من العملاء يمنحها ميزة في متابعة احتياجاتهم، والتعامل مع التغير في الكميات والمقاسات، والاستجابة للتعديلات المطلوبة، مقارنةً بالاستيراد المباشر الذي قد يستغرق وقتاً أطول في بعض الحالات. ويساعد هذا القرب على تطوير المنتجات وبناء علاقات توريد مستمرة مع العملاء.

تنويع العملاء يضمن استدامة النمو

وأكد السلوم أن الاعتماد المفرط على المشاريع الكبرى أو المبادرات الحكومية قد يُعرِّض المنشآت لمخاطر التركّز في عميل واحد، مما يجعل تحسين الإنتاجية وضبط التكاليف وتنويع قاعدة العملاء أموراً ضرورية لاستدامة أعمالها، وعدم ربط مستقبل المصنع بعقود محددة أو بجهة واحدة.

وأضاف أن الأثر التنموي الأهم لمشاركة المصانع الصغيرة والمتوسطة في هذه المشاريع يمتد إلى بناء منشآت أكثر إنتاجية، وتطوير مهارات العاملين، وتكوين قاعدة من المنتجات الوطنية القادرة على المنافسة، بما يتيح للصناعة المحلية الاستمرار والنمو بعد انتهاء المشاريع.


مقالات ذات صلة

الصناعة تقود إيرادات الأعمال السعودية... والتشييد والتجارة يتصدران التوظيف

الاقتصاد عامل يقوم بمهامه في أحد المصانع السعودية (وزارة الصناعة والثروة المعدنية)

الصناعة تقود إيرادات الأعمال السعودية... والتشييد والتجارة يتصدران التوظيف

كشفت نتائج إحصاءات الأعمال الهيكلية في السعودية لعام 2025 عن تصدّر أنشطة الصناعة التحويلية إيرادات قطاع الأعمال، مستحوذة على 30.5 في المائة من إجمالي الإيرادات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد وزارة الصناعة والثروة المعدنية في أحد المجمعات التعدينية في المملكة (واس)

السعودية ترصد 5680 موقعاً للتمعدن... ونمو الرخص التعدينية 22 % في 2025

أظهرت بيانات الهيئة العامة للإحصاء ارتفاع عدد مواقع التمعدن المكتشفة في السعودية إلى 5680 موقعاً بنهاية عام 2025، مقارنة بـ5651 موقعاً في العام السابق.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص سيارة «سير» السعودية (رويترز)

خاص مجمع الملك سلمان للسيارات يستهدف توطين الصناعة ورفع مساهمة القطاع

يستهدف مجمع الملك سلمان لصناعة السيارات جذب الاستثمارات العالمية وتوطين التصنيع وتطوير الموردين بما يعزز مساهمة القطاع في الاقتصاد السعودي بحلول 2035

عبير حمدي (الرياض)
خاص العميد المتقاعد جوزيف «جو» رانك رئيس «لوكهيد مارتن السعودية» خلال مشاركته في «ملتقى الصناعات العسكرية السعودية» بالرياض (الشرق الأوسط) p-circle

خاص «لوكهيد مارتن» لـ«الشرق الأوسط»: ندعم المنظومة الدفاعية السعودية لمواجهة التهديدات الصاروخية

العميد المتقاعد جوزيف «جو» رانك رئيس شركة «لوكهيد مارتن السعودية» يكشف عن تضاعف مشاركة المملكة بسلاسل الإمداد التابعة للشركة الأميركية 4 مرات خلال العام الماضي

مساعد الزياني (الرياض)
الخليج بندر الخريف وزير الدولة عضو مجلس الوزراء محافظ «الهيئة العامة للصناعات العسكرية» المكلف خلال «ملتقى الصناعات العسكرية» (الشرق الأوسط)

توطين الإنفاق العسكري السعودي يتجاوز المستهدف ويبلغ 27.3 %

أظهرت مؤشرات «الهيئة العامة للصناعات العسكرية» ارتفاع نسبة توطين الإنفاق العسكري في السعودية إلى 27.3 في المائة خلال عام 2025.

مساعد الزياني (الرياض)

«قطار الخليج»... شبكة عابرة للحدود تربط الدول الـ6 وتعيد رسم خريطة النقل والتجارة

أعلام دول «مجلس التعاون الخليجي» (وكالة الأبناء القطرية)
أعلام دول «مجلس التعاون الخليجي» (وكالة الأبناء القطرية)
TT

«قطار الخليج»... شبكة عابرة للحدود تربط الدول الـ6 وتعيد رسم خريطة النقل والتجارة

أعلام دول «مجلس التعاون الخليجي» (وكالة الأبناء القطرية)
أعلام دول «مجلس التعاون الخليجي» (وكالة الأبناء القطرية)

يمثل مشروع سكة حديد دول «مجلس التعاون الخليجي» أحد أكبر مشروعات الربط الإقليمي في المنطقة؛ إذ يستهدف إنشاء شبكة سكك حديدية تمتد عبر الدول الخليجية الـ6، لتسهيل انتقال الركاب والبضائع، وتعزيز التجارة البينية، وربط المراكز الاقتصادية والصناعية والموانئ الخليجية ضمن منظومة نقل واحدة.

وبعد سنوات من التخطيط والدراسات والإجراءات التنظيمية، يتقدم المشروع خطوة جديدة مع توقيع دول «المجلس»، الأحد، الاتفاقية العامة للربط السككي في العاصمة البحرينية المنامة، بما يوفر إطاراً مشتركاً لتنفيذ الشبكة وتشغيلها وتنسيق مواصفاتها الفنية والتشغيلية.

وتشهد المنامة، الأحد، مراسم توقيع «الاتفاقية العامة لربط دول مجلس التعاون بمشروع السكة الحديد»، برعاية وحضور الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء البحريني، وبمشاركة وزراء النقل والمواصلات في دول «المجلس» والأمين العام لـ«مجلس التعاون» جاسم البديوي.

وتأتي الاتفاقية لتضع إطاراً عاماً للتنسيق بين الدول الأعضاء، وتحدد مسؤولياتها في تنفيذ المشروع وتشغيله، إلى جانب توحيد المعايير الفنية والتشغيلية ومتطلبات السلامة، بما يمهد لربط الشبكات الوطنية ضمن منظومة خليجية متكاملة.

وتعود فكرة المشروع إلى ديسمبر (كانون الأول) 2009، عندما أقر «المجلس الأعلى لمجلس التعاون» إنشاء سكة حديد تربط الدول الأعضاء بعضها ببعض، انطلاقاً من «أهمية تطوير وسائل النقل الإقليمية وتيسير حركة التجارة والتنقل، ودعم الاستثمارات المشتركة، وتعزيز التكامل الاقتصادي الخليجي».

ويشمل المشروع الدول الـ6: السعودية، والإمارات، والكويت، والبحرين، وقطر، وسلطنة عُمان، ضمن شبكة يبلغ طول مسارها الإجمالي نحو 2117 كيلومتراً، وتتراوح التكلفة التقديرية للبنية التحتية الأساسية بين 15.4 و16 مليار دولار.

خريطة مشروع «سكة حديد دول مجلس التعاون» (الهيئة الخليجية للسكك الحديدية)

شبكة واحدة في 6 دول

يقوم المشروع على ربط شبكات السكك الحديدية الوطنية في دول «مجلس التعاون» ضمن منظومة إقليمية متكاملة، بما يسمح بانتقال القطارات بين الدول من دون أن تشكل الحدود الوطنية عائقاً أمام حركة النقل، مع توحيد المواصفات الفنية والتشغيلية ومتطلبات السلامة، وضمان ما يُعرف بالتشغيل البيني بين الشبكات.

ولا يقتصر المشروع على نقل الركاب، بل يستهدف أيضاً تطوير حركة الشحن ونقل البضائع، بما يتيح ربط المراكز الصناعية والتجارية والموانئ والمناطق اللوجيستية الخليجية، ويفتح المجال أمام انتقال أعلى كفاءة للسلع بين الأسواق الخليجية.

ووفق المواصفات المعلنة للمشروع، فقد صُممت شبكة الركاب لاستيعاب قطارات تصل سرعتها إلى 200 كيلومتر في الساعة، فيما تتراوح السرعة المستهدفة لقطارات الشحن بين 80 و120 كيلومتراً في الساعة. ومن شأن هذا التنوع أن يجعل الشبكة وسيلة للنقل بين المدن، وفي الوقت نفسه ممراً لوجيستياً يخدم حركة التجارة وسلاسل الإمداد.

كيف سينفَّذ المشروع؟

يتطلب تنفيذ شبكة عابرة لـ6 دول تنسيقاً يتجاوز إنشاء خطوط السكك الحديدية، ليشمل الجوانب التنظيمية والتشغيلية والفنية، فضلاً عن تحديد مسؤوليات كل دولة وآليات الربط بين شبكاتها الوطنية.

وفي هذا الإطار، قرر «المجلس الأعلى لمجلس التعاون» في ديسمبر 2021 إنشاء «الهيئة الخليجية للسكك الحديدية»، لتتولى تنظيم صناعة النقل السككي في دول المجلس، والتنسيق بين الدول الأعضاء لمتابعة تنفيذ المشروع وتشغيله بوصفه خطاً إقليمياً واحداً متكاملاً، إلى جانب العمل على ضمان توافق الشبكات الوطنية وتكاملها.

وفي ديسمبر 2023، وافق المجلس الوزاري الخليجي على أن يكون ديسمبر 2030 الموعد المستهدف للتشغيل الكامل للمشروع بين الدول الأعضاء، مع إتاحة تشغيل خطوط الربط بين أي دولتين متجاورتين فور الانتهاء من تنفيذ الجزء الرابط بينهما، من دون انتظار اكتمال الشبكة الخليجية بأكملها.

ويعني ذلك أن تنفيذ المشروع وتشغيله يمكن أن يتقدما على مراحل، بحيث تبدأ الاستفادة من المقاطع المكتملة قبل اكتمال جميع الخطوط، مما يتيح للدول الأعضاء تحقيق مكاسب تدريجية من الاستثمار في الشبكة.

وتأتي «الاتفاقية العامة»، التي ستوقعها الدول الأحد، في هذا السياق؛ إذ تضع إطاراً للتنسيق بشأن التنفيذ والتشغيل، وتوحيد المواصفات الفنية والتشغيلية، وتحديد مسؤوليات الدول، وتعزيز دور «الهيئة الخليجية للسكك الحديدية» في متابعة مراحل المشروع ومعالجة العقبات التي قد تواجهه.

وكان «المجلس الأعلى» قد أقر «الاتفاقية العامة» للمشروع في ديسمبر 2025، تمهيداً لاستكمال الإجراءات اللازمة بين الدول الأعضاء، وصولاً إلى مراسم التوقيع الحالية.

جانب من العاصمة البحرينية المنامة (أ.ف.ب)

البحرين والربط مع السعودية

يمثل الربط بين البحرين والسعودية أحد المسارات المهمة في الشبكة الخليجية؛ إذ تخطط البحرين للاتصال بشبكة السكك الحديدية عبر «جسر الملك حمد» المقترح، الذي يتضمن مسارات مخصصة لحركة القطارات إلى جانب حركة المركبات.

ويكتسب هذا الربط أهمية تتجاوز تسهيل انتقال الركاب بين البلدين؛ إذ يتيح للبحرين الاتصال بالشبكة الإقليمية الأوسع، والاستفادة من خطوط النقل التي تربط السعودية ببقية دول «المجلس»، بما يدعم حركة البضائع والتجارة والوصول إلى الموانئ والمراكز اللوجيستية.

لماذا تزداد أهمية المشروع الآن؟

تأتي الخطوة الجديدة في وقت أظهرت فيه الاضطرابات الإقليمية، وما رافقها من تحديات لحركة الملاحة، مدى تأثر التجارة وسلاسل الإمداد بالاعتماد على مسارات نقل محددة، خصوصاً في منطقة الخليج ومضيق هرمز.

وقد دفعت هذه التطورات دول المنطقة إلى البحث عن خيارات أوسع تنوعاً ومرونة لنقل البضائع، وتعزيز الربط بين الموانئ والمراكز التجارية عبر وسائل النقل البرية والسكك الحديدية.

وفي هذا السياق، أشار الشيخ عبد الله بن أحمد آل خليفة، وزير المواصلات والاتصالات البحريني، إلى أن صعوبات عبور السفن مضيق هرمز أبرزت أهمية تسريع تنفيذ مشروع الربط السككي وتعزيز التكامل بين شبكات النقل الخليجية.

وأوضح أن البحرين لجأت، في ظل التحديات التي واجهت حركة الملاحة وانخفاض حركة السفن في «ميناء خليفة بن سلمان»، إلى زيادة الاعتماد على النقل البري وموانئ بديلة في دول خليجية مجاورة، من بينها ميناء جدة الإسلامي في السعودية، وميناءي صحار والدقم في سلطنة عُمان، والفجيرة في الإمارات، لنقل البضائع منها براً إلى البحرين.

وتكشف هذه التجربة عن أهمية وجود منظومة نقل إقليمية مترابطة، تتيح تنويع مسارات وصول البضائع وتخفيف الاعتماد على وسيلة نقل واحدة أو ممر بحري محدد، وإن كانت شبكة السكك الحديدية لا تمثل بديلاً مباشراً عن النقل البحري، بل مكملاً له ضمن منظومة أوسع لسلاسل الإمداد.

مكاسب اقتصادية تتجاوز النقل

إلى جانب دورها في تسهيل حركة الركاب والشحن، يُنتظر أن تسهم الشبكة الخليجية في خفض تكاليف نقل بعض البضائع، وتحسين كفاءة انتقالها بين الأسواق، وتعزيز الترابط بين المناطق الصناعية والموانئ والمراكز التجارية.

كما يمكن أن تدعم حركة السياحة والتنقل بين «دول المجلس»، وتفتح فرصاً استثمارية في الخدمات اللوجيستية والمستودعات ومراكز الشحن والخدمات المرتبطة بالسكك الحديدية، فضلاً عن تعزيز جاذبية المناطق التي تمر بها الخطوط للاستثمارات والأنشطة الاقتصادية.

وتوفر السكك الحديدية، بصفتها وسيلة نقل جماعي، خياراً أعلى كفاءة في استهلاك الطاقة وفي تقليل الانبعاثات مقارنة ببعض وسائل النقل الأخرى، لا سيما في نقل كميات كبيرة من البضائع والركاب، بما يدعم توجه دول الخليج إلى تطوير منظومات نقل أفضل استدامة.

ومع توقيع «الاتفاقية العامة»، ينتقل المشروع إلى «مرحلة أكبر تقدماً من التنسيق بين الدول الأعضاء، لكن التحدي الرئيسي سيظل في استكمال البنية التحتية الوطنية، وضمان التوافق الفني والتشغيلي بين الشبكات، والالتزام بالجداول الزمنية المحددة، وصولاً إلى الهدف المعلن بتشغيل الشبكة الخليجية بالكامل بحلول ديسمبر 2030».


أرباح «مبكو» تنخفض 9.9 % إلى 3.4 مليون دولار في الربع الثالث

جانب من معامل شركة مبكو السعودية (الشرق الأوسط)
جانب من معامل شركة مبكو السعودية (الشرق الأوسط)
TT

أرباح «مبكو» تنخفض 9.9 % إلى 3.4 مليون دولار في الربع الثالث

جانب من معامل شركة مبكو السعودية (الشرق الأوسط)
جانب من معامل شركة مبكو السعودية (الشرق الأوسط)

تراجع صافي ربح شركة الشرق الأوسط لصناعة وإنتاج الورق «مبكو» بنسبة 9.9 في المائة خلال الربع الثالث من عام 2026، ليبلغ 12.9 مليون ريال (3.4 مليون دولار)، مقارنة بنحو 14.3 مليون ريال (3.8 مليون دولار) في الربع المماثل من العام السابق.

وعلى أساس فصلي، انخفض صافي ربح الشركة بنسبة 15.6 في المائة، مقارنةً بنحو 15.3 مليون ريال (4.1 مليون دولار) في الربع الثاني من العام الحالي.

وقالت الشركة، في بيان نشر على موقع السوق المالية السعودية «تداول»، إن تراجع الأرباح يعود بشكل رئيسي إلى ارتفاع المصاريف العمومية والإدارية، وتسجيل خسائر انخفاض في قيمة الأصول المالية، مقابل عكس خسائر انخفاض في القيمة خلال الفترة المقارنة، إضافة إلى انخفاض الإيرادات التشغيلية الأخرى وإيرادات التمويل. وقابل ذلك جزئياً ارتفاع إجمالي الربح والأثر الإيجابي للزكاة.

في المقابل، ارتفعت إيرادات الشركة خلال الربع الثالث بنسبة 2 في المائة إلى 284.7 مليون ريال (75.7 مليون دولار)، مقارنة بنحو 279 مليون ريال (74.2 مليون دولار) في الربع المماثل من عام 2025.

وأرجعت الشركة نمو الإيرادات إلى تحسن مزيج المبيعات، مما أسهم في ارتفاع متوسط أسعار البيع، وعوّض أثر انخفاض الكميات المباعة.

وخلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، ارتفعت الإيرادات بنسبة 1.7 في المائة إلى 827 مليون ريال (220 مليون دولار)، مقارنة بنحو 813.2 مليون ريال (216.3 مليون دولار) في الفترة نفسها من العام السابق، مدعومة بتحسن مزيج المبيعات وارتفاع متوسط أسعار البيع، إلى جانب زيادة كميات المبيعات في قطاع التصنيع.

كما ارتفع صافي الربح خلال الفترة بنسبة 5.3 في المائة إلى 26.2 مليون ريال (7 ملايين دولار)، مقارنة بنحو 24.9 مليون ريال (6.6 مليون دولار) في الفترة المماثلة من العام الماضي.


«أديس» السعودية تفوز بعقود لتشغيل منصتين بحريتين بـ117 مليون دولار في الهند

منصة بحرية تابعة لـ«أديس» (الشركة)
منصة بحرية تابعة لـ«أديس» (الشركة)
TT

«أديس» السعودية تفوز بعقود لتشغيل منصتين بحريتين بـ117 مليون دولار في الهند

منصة بحرية تابعة لـ«أديس» (الشركة)
منصة بحرية تابعة لـ«أديس» (الشركة)

فازت شركة «أديس القابضة» بعقود من مؤسسة النفط والغاز الطبيعي المحدودة (ONGC) في الهند، لتشغيل منصتين بحريتين مرفوعتين تقليديتين، هما «كي سنغابور» و«أدمارين 10»، بقيمة إجمالية تبلغ نحو 439.6 مليون ريال (117.2 مليون دولار).

وقالت الشركة في بيان نشر على موقع السوق المالية السعودية «تداول» اليوم الأحد، إن مدة العقد المؤكدة تبلغ ثلاث سنوات لكل منصة، بينما تشمل القيمة الإجمالية للعقود رسوم بدء الأعمال.

وأوضحت أن العقود الجديدة تعزز حضورها في السوق الهندية، وتمثل إضافة إيجابية لأعمال المجموعة، بما يعكس استمرار الطلب على منصات الحفر البحرية المرفوعة، ويدعم وضوح الرؤية بشأن الأعمال المتراكمة ضمن محفظة أعمالها الدولية.

وأشارت إلى أن العقود تأتي في ظل تحسن ظروف السوق في قطاع منصات الحفر البحرية المرفوعة بالمنطقة، مع إسهام ارتفاع معدلات الاستخدام في دعم بيئة تعاقدية أكثر إيجابية.

ومن المتوقع أن تبدأ العمليات بحلول نهاية الربع الأول من عام 2027، عقب انتهاء حملات التشغيل الحالية للمنصتين بنهاية الربع الرابع من عام 2026.