النمسا تريد تحويل العلاقات مع السعودية شراكاتٍ رقمية واستثمارات مشتركة

وزير دولة لـ«الشرق الأوسط»: نركز على الذكاء الاصطناعي والحوسبة السيادية والبحوث التطبيقية والتكنولوجيا الصناعية

وزير الدولة النمساوي في المستشارية الاتحادية للشؤون الرقمية والدستور والخدمة العامة ألكسندر برول ووزير الاتصالات وتقنية المعلومات السعودية عبد الله السواحه خلال مؤتمر «ليب 2026» (الشرق الأوسط)
وزير الدولة النمساوي في المستشارية الاتحادية للشؤون الرقمية والدستور والخدمة العامة ألكسندر برول ووزير الاتصالات وتقنية المعلومات السعودية عبد الله السواحه خلال مؤتمر «ليب 2026» (الشرق الأوسط)
TT

النمسا تريد تحويل العلاقات مع السعودية شراكاتٍ رقمية واستثمارات مشتركة

وزير الدولة النمساوي في المستشارية الاتحادية للشؤون الرقمية والدستور والخدمة العامة ألكسندر برول ووزير الاتصالات وتقنية المعلومات السعودية عبد الله السواحه خلال مؤتمر «ليب 2026» (الشرق الأوسط)
وزير الدولة النمساوي في المستشارية الاتحادية للشؤون الرقمية والدستور والخدمة العامة ألكسندر برول ووزير الاتصالات وتقنية المعلومات السعودية عبد الله السواحه خلال مؤتمر «ليب 2026» (الشرق الأوسط)

تتجه العلاقات السعودية - النمساوية إلى مرحلة جديدة تتجاوز التعاون السياسي والدبلوماسي إلى شراكات تجارية وبحثية ومشاريع رقمية قابلة للتنفيذ، مع تركيز متزايد على الذكاء الاصطناعي، والحكومة الرقمية، والبنية التحتية الرقمية الآمنة والسيادية، والبحوث التطبيقية، والتكنولوجيا الصناعية.

وقال وزير الدولة النمساوي في المستشارية الاتحادية للشؤون الرقمية والدستور والخدمة العامة، ألكسندر برول، لـ«الشرق الأوسط»، إن بلاده تسعى «بكل جدية» إلى تحويل العلاقات السياسية مع السعودية شراكاتٍ تجارية وبحثية ملموسة، مؤكداً أن اللقاءات المباشرة مع المسؤولين السعوديين تتيح تحديد نقاط الالتقاء بين أجندتي البلدين الرقميتين، والانتقال منها إلى مجالات تعاون عملية.

وأضاف برول الذي يزور الرياض مشاركاً في مؤتمر «ليب 2026»: «إننا ساعون ألا تبقى العلاقات التي بُنيت هذا الأسبوع مجرّد نوايا حسنة، بل أن تتحوّل مشاريع حقيقية - في البحث العلمي، والبنية التحتية، وحوكمة الذكاء الاصطناعي - خلال الأشهر المقبلة».

وزير الدولة النمساوي في المستشارية الاتحادية للشؤون الرقمية والدستور والخدمة العامة ألكسندر برول خلال جلسة حوارية في «ليب 2026» (الشرق الأوسط)

العلاقات السعودية - النمساوية

ووصف برول العلاقات بين السعودية والنمسا بأنها «ودية راسخة»، مشيراً إلى أنه يلمس زخماً متزايداً، خصوصاً في قطاع التكنولوجيا الرقمية.

وأوضح أن البلدين ينفذان برامج طموحة للتحول الرقمي تقودها الحكومات؛ إذ تمثل «رؤية 2030» الإطار السعودي للتحول الاقتصادي والتكنولوجي، في حين تركز النمسا على تعزيز السيادة الرقمية وتطوير قدراتها في الذكاء الاصطناعي والخدمات الحكومية الرقمية.

وأشار إلى عدد من التجارب النمساوية في هذا المجال، من بينها مبادرات الذكاء الاصطناعي العامة، ونظام «GovGPT» المخصص للإدارة الفيدرالية، ونظام الهوية الرقمية النمساوي «ID Austria».

وقال إن هذه التجارب تمنح الرياض وفيينا «لغة مشتركة حقيقية»؛ لأن البلدين لا ينظران إلى التحول الرقمي بوصفه قضية تقنية فحسب، وإنما بصفته مرتبطاً بالقدرة والمرونة والسيادة الوطنية.

وتبرِز طبيعة الوفد النمساوي الموجود في الرياض حجم الرهان على توسيع التعاون. فالوفد بضم مؤسسات بحثية وطنية، وهيئات تنظيم البنية التحتية والاتصالات، إلى جانب شركات تعمل في الحوسبة السحابية ومراكز البيانات والهندسة وتكنولوجيا الاتصالات.

ويرى برول أن هذا الحضور «دليل على مدى جدية» النمسا في بناء شراكة أعمق مع السعودية، وليس مجرد مشاركة بروتوكولية في مؤتمر تقني.

وزير الدولة النمساوي في المستشارية الاتحادية للشؤون الرقمية والدستور والخدمة العامة ألكسندر برول في «ليب 2026» (الشرق الأوسط)

«ليب» منصة للانتقال من الحوار إلى المشاريع

ويضع الوزير النمساوي مشاركة بلاده في «ليب» في سياق أوسع من الحضور في أحد أكبر المؤتمرات التقنية، عادَّاً أن الحدث يوفر منصة نادرة لجمع الحكومات والباحثين والشركات الصناعية والتكنولوجية من مختلف أنحاء العالم في مكان واحد.

وقال إن بلاده تهدف من خلال المشاركة إلى عرض تجربتها في السيادة الرقمية والذكاء الاصطناعي المسؤول، بما في ذلك ما أنجزته في «GovGPT» ومبادرات الذكاء الاصطناعي العامة، إلى جانب نهجها الأوروبي في تطوير البنية التحتية الرقمية.

وفي المقابل، قال إن النمسا تريد الاستفادة من تجربة السعودية في تنفيذ مشاريع التحول الرقمي «بوتيرة ونطاق قلّما تجدهما في أي دولة أخرى».

ويحمل الوفد النمساوي، حسب برول، هدفاً عملياً يتمثل في فتح قنوات مباشرة مع نظرائهم السعوديين في الحكومة والقطاع الخاص، وتحويل العلاقات السياسية مشاريع تجارية وبحثية واستثمارية.

الذكاء الاصطناعي... نقطة الالتقاء الأكبر

كما يضع برول الذكاء الاصطناعي في مقدمة المجالات التي يرى فيها أكبر إمكانات التعاون الفوري بين السعودية والنمسا، إلى جانب الحكومة الرقمية.

وأوضح أن النمسا طوَّرت منصة «GovGPT» بهدف جعل الإدارة العامة أكثر كفاءة وسهولة في الوصول، في حين استثمرت السعودية بكثافة في رقمنة الخدمات الحكومية على نطاق واسع.

ويرى أن التجربتين تتيحان مجالاً واسعاً لتبادل الخبرات، خصوصاً في تنفيذ الحلول الرقمية، ورفع معدلات تبني المستخدمين، وتقييم ما ينجح فعلياً عند الانتقال من التجربة إلى التطبيق واسع النطاق.

ولا يقتصر مجال التعاون، وفق الوزير، على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بل يمتد إلى البنية التحتية التي تحتاج إليها هذه التقنيات.

الحوسبة السيادية والبنية التحتية للبيانات

وقال برول إن النمسا تستثمر بصورة كبيرة في توسيع قدراتها الحاسوبية السيادية، في وقت تبني فيه السعودية بعضاً من أكثر مشاريع البنية التحتية الرقمية طموحاً في العالم.

ويعتقد أن هذه المساحة يمكن أن تشكل مجالاً مهماً للتعاون، خصوصاً من خلال الاستفادة من الخبرة النمساوية في الهندسة والبنية التحتية الآمنة والموفرة للطاقة، وربطها بالتوسع السعودي في مراكز البيانات والحوسبة والبنية الرقمية.

وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر مع تسارع الطلب على قدرات الحوسبة اللازمة لتطوير الذكاء الاصطناعي، وما يصاحبه من حاجة إلى بنية تحتية موثوقة وآمنة وقادرة على استيعاب النمو المستقبلي.

حوكمة الذكاء الاصطناعي شرط للثقة

ولا يفصل برول بين التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي وبين بناء منظومة دولية لحوكمته.

وقال إنه يدافع بقوة عن مفهوم الذكاء الاصطناعي المسؤول والجدير بالثقة، بما في ذلك في إطار الحوار العالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي في الأمم المتحدة، مؤكداً ضرورة وجود إطار دولي ملزم لتنظيم هذا المجال.

ويرى أن وضع قواعد واضحة لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه عائقاً أمام الابتكار، بل بوصفه شرطاً لبناء الثقة اللازمة لتبني الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع من جانب المواطنين والشركات.

وأعرب عن رغبته في أن تشارك السعودية والنمسا في هذا الحوار، بالتوازي مع تطوير التعاون في أبحاث الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك عبر مؤسسات البحث والتطوير النمساوية.

وزير الدولة النمساوي في المستشارية الاتحادية للشؤون الرقمية والدستور والخدمة العامة ألكسندر برول خلال جلسة حوارية في «ليب 2026» (الشرق الأوسط)

فرص للشركات والاستثمارات المشتركة

ويرى الوزير النمساوي أن الفرص أمام الشركات السعودية والنمساوية لا تقتصر على تبادل الخبرات، وإنما تمتد إلى البحث والتطوير المشترك والمشاريع والاستثمارات المباشرة.

وأوضح أن المؤسسات المرافقة للوفد تمثل مجموعة واسعة من القدرات، بدءاً من البحوث التطبيقية في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية للبيانات، مروراً بالبنية التحتية العامة والتنظيم، وصولاً إلى الحوسبة السحابية ومراكز البيانات والهندسة.

وأشار إلى أن المؤسسات البحثية النمساوية يمكن أن تشكل شريكاً للجامعات ومراكز الأبحاث السعودية في مجالات الذكاء الاصطناعي التطبيقي والبحوث التقنية، في حين تمتلك المؤسسات المتخصصة في البنية التحتية خبرات يمكن توظيفها في المشاريع المرتبطة بمراكز البيانات والمنشآت الرقمية.

كما يمكن للتعاون التنظيمي أن يتوسع ليشمل ملفات مثل الطيف الترددي وحوكمة المنصات، وهي ملفات تزداد أهميتها مع نمو الاقتصاد الرقمي في البلدين.

وفي القطاع الصناعي، لفت برول إلى وجود شركات نمساوية ذات خبرة في الهندسة، وأنظمة النقل والحركة والمحاكاة، وهي مجالات تتقاطع مع طموحات السعودية في التنويع الصناعي والتصنيع المتقدم والتنقل المستقبلي.

ما بعد الذكاء الاصطناعي: الكم والأمن السيبراني

ولا يرى برول أن التعاون التكنولوجي بين البلدين يجب أن يتوقف عند الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى إمكانات كبيرة في تقنيات الكم والاتصالات الكمومية.

وقال إن النمسا تمتلك قاعدة بحثية قوية في الحوسبة الكمومية والاتصالات الكمومية، عادَّاً أن التعاون المبكر في هذا المجال يمكن أن يسهم في تشكيل ملامح التنافسية التكنولوجية خلال العقد المقبل.

ويبرز الأمن السيبراني كذلك بصفته أحد المجالات ذات الأولوية، في ظل اتساع الاعتماد على البنية الرقمية. وقال برول إن حماية البنية التحتية الرقمية أصبحت بأهمية بنائها نفسها؛ ما يجعل التعاون التقني والتنظيمي بين البلدين أكثر أهمية.

كما أشار إلى فرص التعاون في تكنولوجيا النقل والهندسة، حيث تمتلك الشركات النمساوية خبرات في تطوير أنظمة توليد الطاقة ومحاكاتها واختبارها، وهي تقنيات يرى أنها تتقاطع مع خطط السعودية لتطوير التصنيع المتقدم وقطاع النقل.

من «ليب» إلى إطار عمل مستدام

ويرى برول أن الخطوة الأهم بعد زيارة الرياض تتمثل في ضمان عدم توقف الزخم عند انتهاء المؤتمر. وقال: «أملي أن تكون هذه الزيارة بداية لمشاريع تجريبية ملموسة، وشراكات تجارية، واستثمارات مباشرة متبادلة حيثما كان ذلك مناسباً».

وأضاف أن الشركات النمساوية يمكن أن تكون «شركاء موثوقين وذوي كفاءة عالية» في تحقيق الطموحات التكنولوجية لـ«رؤية 2030»، معرباً عن أمله في أن يرى الشركاء السعوديون الإمكانات نفسها.

ويحدّد الوزير المرحلة التالية في حوار منظم ومستمر، وتواصل منتظم بين الوزارات والهيئات، ووضع إطار واضح للتعاون تستطيع الشركات والمؤسسات البناء عليه.

وفي خطوة تعكس رغبته في إبقاء المسار مفتوحاً، رحّب برول بزيارة وفد سعودي إلى النمسا؛ للاطلاع مباشرة على التجارب والمشاريع التي طوَّرتها بلاده، ومواصلة الحوار على أرض الواقع.


مقالات ذات صلة

قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

الاقتصاد مدينة الدوحة (أ.ف.ب)

قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

تتجه قطر إلى توسيع حضور «جهاز قطر للاستثمار» في السوق المحلية، عبر منصة استثمارية جديدة تتولى إدارة وتنمية أصول الجهاز داخل البلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد يرفرف العلمان الكوري الجنوبي والأميركي جنباً إلى جنب في يونغين (أرشيفية - رويترز)

سيول ترجئ كشف خططها الاستثمارية في واشنطن لحين توضيح مسائل إجرائية

قال وزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو هيون، يوم الخميس، إن الإعلان عن خطط سيول الاستثمارية في الولايات المتحدة قد تأجل إلى حين توضيح بعض المسائل الإجرائية.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد مركز الملك عبد الله المالي بالرياض (الشرق الأوسط)

المركز الوطني لإدارة الدين يقفل طرح سبتمبر بـ437 مليون دولار

أعلن المركز الوطني لإدارة الدين الانتهاء من استقبال طلبات المستثمرين على الإصدار المحلي لشهر سبتمبر حيث بلغ إجمالي حجم التخصيص 1.64 مليار ريال (437 مليون دولار)

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد هيئة السوق المالية السعودية (الشرق الأوسط)

هيئة السوق السعودية تضع سقفاً للاستثمارات الخارجية لصناديق النقد

فرضت هيئة السوق المالية السعودية سقفاً جديداً على الاستثمارات الخارجية لصناديق أسواق النقد العامة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شعار «أوبن إيه آي» وعبارة «الذكاء الاصطناعي» (رويترز)

قلق في الأسواق بعد دعوات قادة الذكاء الاصطناعي إلى إبطاء وتيرة التطوير

يبدي المستثمرون قدراً متزايداً من الحذر تجاه موجة الصعود التي قادها الذكاء الاصطناعي في أسواق الأسهم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل، ما يوفر للخزانة تمويلاً أرخص في الأجل القريب، لكنه يزيد في المقابل تعرض المالية العامة لمخاطر إعادة التمويل وتقلب أسعار الفائدة.

وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن بنوك «وول ستريت» تتوقع أن تصل إصدارات أذون الخزانة إلى نحو تريليون دولار خلال العام المقبل. ويقدّر «بنك أوف أميركا» الإصدارات بنحو 1.07 تريليون دولار خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر (أيلول) 2027، باستثناء المبالغ المستخدمة لإعادة تمويل الديون المستحقة، فيما توقع «جي بي مورغان» نحو 1.09 تريليون دولار خلال عام 2027، مقابل 961 مليار دولار وفق تقديرات «غولدمان ساكس».

وتأتي هذه التوقعات مع ارتفاع عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ 2007، وسط زيادة الدين العام، وتنامي احتياجات الشركات إلى الاقتراض لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تحسن توقعات النمو الاقتصادي.

تريليون دولار إضافية

ويؤدي الاعتماد المتزايد على أذون الخزانة، التي تستحق خلال عام أو أقل، إلى رفع حجم الدين القصير القائم إلى نحو 8 تريليونات دولار، أو ما يعادل 24.3 في المائة من إجمالي الدين القابل للتداول بحلول سبتمبر 2027 وفق تقدير «بنك أوف أميركا».

ويقترب ذلك من المستويات المرتفعة التي سُجلت خلال جائحة «كوفيد-19»، ويتجاوز المستوى الذي تستهدفه لجنة استشارية تابعة لوزارة الخزانة، والبالغ نحو 20 في المائة من إجمالي الدين على المدى الطويل، باعتباره توازناً بين كلفة الفائدة ومخاطر تقلب تكاليف التمويل وإعادة تدوير الدين.

وتشير بيانات تاريخية إلى أن نسبة أذون الخزانة تجاوزت ربع إجمالي الدين القابل للتداول خلال فترات استثنائية، أبرزها الجائحة والأزمة المالية العالمية في 2008. أما متوسطها منذ ثمانينات القرن الماضي فيبلغ نحو 22.4 في المائة.

ويرى محللون أن استراتيجية التمويل القصير تمنح وزارة الخزانة ميزة واضحة في الوقت الحالي، إذ يبلغ عائد أذون الخزانة لأجل عام نحو 4.4 في المائة، مقارنة بنحو 5 في المائة للسندات لأجل 10 سنوات ونحو 5.3 في المائة للسندات لأجل 30 عاماً.

لكن انخفاض الكلفة الحالية يأتي مقابل الحاجة إلى إعادة تمويل هذه الديون بوتيرة أسرع. وحذر محللون، وفق «فاينانشال تايمز»، من أن زيادة الاعتماد على الآجال القصيرة تجعل فاتورة خدمة الدين أكثر تقلباً إذا ارتفعت أسعار الفائدة، فيما وصف آخرون ذلك بأنه زيادة في «مخاطر تدوير الدين»، وفق «فاينانشال تايمز».

تعرض الشاشات مؤتمراً صحافياً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

استراتيجية بيسنت

وتكتسب هذه السياسة أهمية إضافية في ظل مساعي وزير الخزانة سكوت بيسنت للحد من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل. وكانت وزارة الخزانة قد فاجأت الأسواق الشهر الماضي بخطط لتوسيع مشترياتها من السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً، في خطوة تهدف إلى المساعدة في احتواء تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وفي الوقت نفسه، تواصل الوزارة زيادة إصدارات الدين القصير لتلبية احتياجات الحكومة التمويلية الكبيرة. ويأتي ذلك رغم أن بيسنت كان قد انتقد في السابق وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين بسبب زيادة الاعتماد على الدين القصير، معتبراً أن تلك السياسة ساهمت في تخفيف شروط التمويل قبل انتخابات 2024.

وتجد الخزانة الأميركية في المقابل قاعدة واسعة من المشترين لأذونها. وتبلغ أصول صناديق سوق النقد الأميركية نحو 8 تريليونات دولار، فيما اشترى الاحتياطي الفيدرالي نحو 250 مليار دولار من أذون الخزانة خلال النصف الأول من العام، وفق «فاينانشال تايمز». كما ينظر بيسنت إلى العملات المستقرة المرتبطة بالدولار باعتبارها مصدراً إضافياً للطلب على أدوات الدين القصيرة.

عجز مرتفع

وتأتي زيادة الاعتماد على الدين القصير في وقت لا تزال فيه المالية الأميركية تواجه عجزاً كبيراً. ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن يبقى العجز عند نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي طوال أفق توقعاته لعشر سنوات، وهو مستوى يزيد كثيراً على هدف بيسنت البالغ 3 في المائة بنهاية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب.

ويراهن بيسنت على احتواء الإنفاق وتعزيز النمو الاقتصادي كوسيلة لتخفيف عبء الدين، وقال في وقت سابق من الشهر إن المشكلة الرئيسية في الولايات المتحدة تتعلق بالإنفاق وليس بالإيرادات، وإن تحقيق نمو عند 3 في المائة يمكن أن يساعد البلاد على «النمو للخروج» من عبء الدين.

لكن ارتفاع أسعار الفائدة يضع هذا الرهان أمام اختبار مزدوج: فالنمو الأقوى قد يدعم الإيرادات ويخفف نسبة الدين إلى الناتج، فيما يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة كلفة خدمة الدين، خصوصاً إذا اضطرت الخزانة إلى إعادة تمويل جزء أكبر من محفظتها بوتيرة أسرع.


الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
TT

الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)

قال وزير الدولة لشؤون الطاقة والرئيس التنفيذي لـ«قطر للطاقة»، سعد الكعبي، إن الشركة تنتج حالياً «كمية ضئيلة جداً» من الغاز الطبيعي المسال، في ظل الاضطرابات التي أثرت على عملياتها، متوقعاً إمكانية استئناف عمليات الغاز بصورة طبيعية خلال «بضعة أسابيع» من إعادة فتح مضيق هرمز.

وأضاف الكعبي، خلال مشاركته في منتدى قطر الاقتصادي في نيويورك، أن عدداً من قطارات توسعة حقل الشمال الشرقي (NFE) سيبدأ الإنتاج في عام 2027، على أن تبدأ توسعة حقل الشمال الجنوبي (NFS) الإنتاج في عام 2028.

وأوضح أن القطارين الثاني والثالث من مشروع «غولدن باس» للغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة سيبدآن التشغيل خلال عام 2027، ما سيدعم إمدادات الشركة من خارج قطر في إطار توسعها العالمي في إنتاج الغاز.

وتأتي تصريحات الكعبي في وقت لا تزال فيه حركة ناقلات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز محدودة، فيما تسعى «قطر للطاقة» إلى تأمين إمدادات بديلة للوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وكانت الشركة قد بدأت محادثات للحصول على عقود طويلة الأجل للغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة حتى عام 2031، بعد الأضرار التي لحقت بمنشآت رأس لفان.

ويُعد مضيق هرمز المنفذ البحري الرئيسي لصادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية، ما يجعل إعادة فتحه عاملاً حاسماً في عودة تدفقات الغاز إلى مستوياتها الطبيعية. وكانت بيانات حديثة قد أظهرت عودة عدد محدود من ناقلات الغاز إلى المنطقة، مع بقاء حركة العبور دون متوسطها المعتاد.


قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
TT

قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)

تتجه قطر إلى توسيع حضور «جهاز قطر للاستثمار» في السوق المحلية، عبر منصة استثمارية جديدة تتولى إدارة وتنمية أصول الجهاز داخل البلاد، في خطوة تعكس إعادة صياغة لاستراتيجيته الاستثمارية، وتفتح قناة جديدة لتوظيف رأس المال السيادي في مشروعات الاقتصاد المحلي.

وكشف رئيس الوزراء القطري عن «منصة الدوحة الاستثمارية»، موضحاً أنها ستكون مخصصة للاستثمار في الصفقات المحلية، وستتولى إدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وقال إن المنصة تأتي في إطار إعادة صياغة استراتيجية الجهاز وتعزيز جهوده في الاستثمار داخل قطر، وذلك خلال مشاركته في النسخة الخاصة من «منتدى قطر الاقتصادي» التي تُعقد في نيويورك، بالتزامن مع أسبوع الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي يناقش التحولات في حركة رأس المال والاستثمار والمخاطر الجيوسياسية والمرونة الاقتصادية.

ويأتي التوجه الجديد في وقت تتوقع فيه الدوحة تدفق استثمارات كبيرة إلى قطاعات البنية التحتية والعقارات والضيافة، مع تقديرات بترسية مشاريع بنية تحتية بقيمة 38.5 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، بينما يُتوقع أن تجذب مشاريع العقارات والضيافة استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار.

وتشير هذه الأرقام، مجتمعة، إلى فرص استثمارية محتملة بنحو 61 مليار دولار في قطاعين رئيسيين خلال السنوات الخمس المقبلة، وإن كانت لا تعني بالضرورة أن هذه القيمة ستُموَّل مباشرة من جهاز قطر للاستثمار أو من المنصة الجديدة.

رأس المال السيادي في السوق المحلية

ويضع إنشاء المنصة الجديدة جهاز قطر للاستثمار أمام دور أكثر مباشرة في تطوير الأصول والفرص الاستثمارية المحلية، بدلاً من اقتصار دوره على تخصيص رأس المال في الأسواق والأصول العالمية.

ومن شأن وجود منصة متخصصة في الصفقات المحلية، أن يتيح للجهاز التعامل بصورة أكثر تركيزاً مع الفرص الناشئة من توسع البنية التحتية ونمو قطاعي العقارات والضيافة، فضلاً عن إمكانية إدارة وتنمية الأصول المحلية القائمة ضمن إطار استثماري أكثر تخصصاً.

ويأتي ذلك في وقت تتعامل فيه الاقتصادات الخليجية مع مرحلة تتطلب زيادة كفاءة رأس المال السيادي، وتوجيه جزء منه إلى القطاعات القادرة على توليد نمو محلي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تنويع المحافظ الاستثمارية خارج الأسواق المحلية.

وتشكِّل مشاريع البنية التحتية الجزء الأكبر من الفرص المعلنة؛ إذ تتوقع قطر ترسية مشاريع بقيمة 38.5 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة.

ويمتد أثر هذه المشاريع إلى قطاعات متعددة من الاقتصاد، من الإنشاءات والخدمات الهندسية إلى النقل والخدمات والمقاولات وسلاسل الإمداد، ما يخلق مجالاً أمام المستثمرين المحليين والدوليين للمشاركة في دورة إنفاق طويلة الأجل.

أما قطاعا العقارات والضيافة، فتتوقع الدوحة أن يجذبا استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار، في مؤشر إلى استمرار الرهان على هذه الأنشطة، كجزء من توسع الاقتصاد غير المرتبط بالطاقة.

من جذب رأس المال إلى إدارة الأصول

ويمنح إنشاء «منصة الدوحة الاستثمارية» التوجه القطري بعداً مختلفاً عن مجرد استقطاب الاستثمارات الأجنبية. فالمنصة -وفق ما أعلنه رئيس الوزراء- ستكون مسؤولة عن الاستثمار في الصفقات المحلية، وإدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وهذا يعني أن الهدف لا يقتصر على جذب رأس المال إلى قطر؛ بل يشمل أيضاً توظيف رأس المال السيادي داخل الاقتصاد، والمشاركة في تطوير أصول وفرص استثمارية محلية، يمكن أن تنمو قيمتها مع توسع القطاعات غير النفطية.

وتشير الخطوة القطرية إلى محاولة بناء حلقة أكثر مباشرة بين رأس المال السيادي ومشروعات الاقتصاد المحلي، بحيث لا يكون جهاز الاستثمار مجرد مالك للأصول؛ بل يكون طرفاً في إدارة وتنمية جزء من الفرص الاستثمارية داخل البلاد.