سبتمبر يضع وارش أمام اختبار الاستقلالية... والفائدة في مواجهة ترمب والانتخابات

الأسواق ترجّح رفعها وربع نقطة على الطاولة... وتثبيتها قد يفتح باب التشكيك في رسالته المتشددة

دونالد ترمب يتحدث مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش خلال مراسم أداء اليمين في البيت الأبيض 22 مايو 2026 (رويترز)
دونالد ترمب يتحدث مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش خلال مراسم أداء اليمين في البيت الأبيض 22 مايو 2026 (رويترز)
TT

سبتمبر يضع وارش أمام اختبار الاستقلالية... والفائدة في مواجهة ترمب والانتخابات

دونالد ترمب يتحدث مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش خلال مراسم أداء اليمين في البيت الأبيض 22 مايو 2026 (رويترز)
دونالد ترمب يتحدث مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش خلال مراسم أداء اليمين في البيت الأبيض 22 مايو 2026 (رويترز)

بعد أن فتح رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفين وارش الأسبوع الماضي الباب أمام رفع أسعار الفائدة، يتعين عليه الآن أن يقرر كيفية ترجمة ذلك إلى خطوات عملية يراها الجمهور والمستثمرون متسقة مع تصريحاته، ومستقلة عن رغبات الرئيس دونالد ترمب.

وقد يؤدي الإخفاق في تحقيق هذين الشرطين إلى الإضرار بمصداقية رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد. أما الوفاء بهما فقد يعني رفع أسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا الشهر، في إشارة قوية من لجنة السياسة النقدية في البنك المركزي الأميركي، قبل أقل من شهرين من انتخابات الكونغرس الرئيسية، إلى أن ترمب أخفق في احتواء التضخم، وأنه لن يحصل على مساعدة الاحتياطي الفيدرالي لخفض تكاليف الاقتراض على الدين الوطني المتنامي، وفق «رويترز».

وفي كلمة ألقاها يوم الجمعة خلال المؤتمر السنوي لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي في جاكسون هول بولاية وايومنغ، ذهب وارش إلى أبعد مما توقعه كثير من المراقبين، موافقاً على أن رفع أسعار الفائدة قد يكون ضرورياً لكبح التضخم العالق فوق هدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة.

غير أنه سيواجه مشكلات «إذا لم تتوافق بيانات أغسطس (آب) مع القرار الذي ستتخذه اللجنة في سبتمبر (أيلول)»، وفقاً لروبرت تيتلو، مستشار السياسات السابق في الاحتياطي الفيدرالي. وأضاف أن «خوضه حملة شفافة للغاية للحصول على المنصب جعل التدقيق الذي يواجهه أكثر حدة بكثير».

مبنى البنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

وقال ترمب إن وارش، الذي عيّنه الرئيس لقيادة البنك المركزي، يريد خفض أسعار الفائدة، لكنه ممنوع من ذلك من جانب آخرين في الاحتياطي الفيدرالي، يرى الرئيس أنهم «معادون» و«سياسيون». وكرر ترمب يوم الاثنين أن الولايات المتحدة ينبغي أن تكون لديها «أدنى أسعار فائدة في أي مكان بالعالم»، رغم بلوغ الدين الحكومي القائم 40 تريليون دولار والعجز السنوي المرتفع، لكنه قال إن وارش «سيفعل ما يتعين عليه فعله»، وإنه لا يزال يحظى باحترامه.

والآن، بعد أن وضع رئيس الاحتياطي الفيدرالي بنفسه علامة على احتمال رفع الفائدة، «تقع المسؤولية على عاتق وارش لتنفيذ ذلك... وإلا فإنه يخاطر بتقويض بعض المصداقية التي اكتسبها»، وفقاً لما كتبه أديتيا بهاف وشروتي ميشرا، الخبيران الاقتصاديان الأميركيان لدى بنك أوف أميركا، عقب خطاب جاكسون هول.

ومن المقرر أن يجتمع مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي يومي 15 و16 سبتمبر. ويرى المستثمرون الآن احتمالاً يبلغ نحو اثنين إلى واحد لقيام البنك المركزي برفع سعر الفائدة الأساسي بمقدار ربع نقطة مئوية، بعدما أبقاه في نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة منذ ديسمبر (كانون الأول). وقفزت احتمالات رفع الفائدة في وقت لاحق من هذا الشهر بعد تصريحات وارش في جاكسون هول، ومرة أخرى يوم الاثنين عقب تجدد الضربات الأميركية على إيران، وارتفاع آخر في سعر الفائدة الذي يطلبه المستثمرون للاحتفاظ بالدين الحكومي الأميركي طويل الأجل.

وكان ثلاثة من أصل 12 مسؤولاً يتمتعون بحق التصويت في الاحتياطي الفيدرالي مستعدين لرفع أسعار الفائدة خلال اجتماع 28 و29 يوليو (تموز)، وصوتوا ضد قرار الإبقاء عليها دون تغيير.

وقبل اجتماعه المقبل، سيحصل الاحتياطي الفيدرالي على بيانات تحظى بمتابعة وثيقة بشأن الوظائف وتضخم المستهلكين في أغسطس، وهي معلومات مهمة، لكنها قد تشكل أساساً ضعيفاً نسبياً لوارش لتبرير العدول عن رفع الفائدة، بعدما حثّ على عدم التركيز على نقاط بيانات منفردة، وقال الأسبوع الماضي إن الاحتياطي الفيدرالي «لا يزال أمامه عمل يتعين إنجازه» إذا لم يكن واثقاً من تحرك التضخم الأساسي نحو هدف 2 في المائة.

وأشاد محللون عموماً بالخطاب لتوضيحه أن الاحتياطي الفيدرالي سيستخدم أسعار الفائدة سلاحه الرئيسي في مواجهة ارتفاع الأسعار.

وكتبت سيما شاه، كبيرة الاستراتيجيين العالميين لدى «برينسيبال لإدارة الأصول»، بعد خطاب جاكسون هول بأن تصريحات وارش «فككت كثيراً من الغموض الذي خلفه مؤتمره الصحافي في يوليو». وكانت شاه قد وصفت مؤتمره الصحافي في 29 يوليو، عقب اجتماع الاحتياطي الفيدرالي، بأنه «من أكثر المؤتمرات الصحافية إرباكاً... في الذاكرة الحديثة»، وقالت إنه «أثار تساؤلات حول اتساق رسالة السياسة النقدية»، إذ تحدث رئيس الاحتياطي الفيدرالي بلهجة متشددة بشأن التضخم من دون أن يوضح ما الذي سيفعله حياله.

في ظل انتخابات التجديد النصفي

مع طرح رفع أسعار الفائدة الآن على الطاولة، سيتعين على وارش إما المضي قُدماً هذا الشهر ورفع الفائدة قبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفي الأميركية، أو المخاطرة بوصفه بأنه غير متسق. كما يعقد الاحتياطي الفيدرالي اجتماعاً في أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، أي قرب موعد الانتخابات، ويختتم العام باجتماع في ديسمبر.

ويصر مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي على أن جداول الانتخابات لا تدخل في عملية صنع السياسة النقدية. لكن رفع الفائدة هذا الشهر أو الشهر المقبل قد يظل خطوة صعبة، في ظل توقعات ترمب وعدائه للبنك المركزي.

وعندما خفض البنك المركزي أسعار الفائدة في سبتمبر 2024، انتقد أفراد حملة ترمب بشدة الخطوة، وعدّوها تحركاً سياسياً من جانب صانعي السياسات، بمن فيهم رئيس الاحتياطي الفيدرالي آنذاك جيروم باول، لتعزيز فرص الحزب الديمقراطي في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) الرئاسية.

وتواجه حظوظ الجمهوريين، زملاء ترمب في الحزب، رياحاً معاكسة كبيرة قبل التصويت المرتقب في 3 نوفمبر، إذ لا تزال شعبية الرئيس عند أدنى مستوى في مسيرته، فيما يذكّر الناخبون باستمرار بإخفاقه في الوفاء بتعهده بخفض تكاليف المعيشة.

ولا يزال متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة يتجاوز 4 دولارات للغالون، أي أعلى بنحو 40 في المائة مما كان عليه قبل بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران في أواخر فبراير (شباط)، كما ارتفع متوسط سعر الفائدة على الرهن العقاري الثابت لمدة 30 عاماً بأكثر من نصف نقطة مئوية خلال الأشهر الستة الماضية. وفي الوقت نفسه، واصلت عوائد الدين الحكومي ارتفاعها لتبلغ أعلى مستوياتها في 20 عاماً خلال فترة ترمب.

وتخشى الإدارة الأميركية وحلفاؤها الجمهوريون الآن أن يؤدي تحرك الاحتياطي الفيدرالي بقيادة وارش لرفع تكاليف الاقتراض إلى منح الديمقراطيين سلاحاً إضافياً في معركتهم لاستعادة السيطرة على الكونغرس والحد من نفوذ ترمب خلال العامين الأخيرين من ولايته الثانية في البيت الأبيض.

طيور تحلق فوق قبة مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن (رويترز)

قليل من تراجع الطلب

لكن قرار إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير مجدداً ينطوي بدوره على خطر خرق أحد المحظورات الراسخة لدى البنك المركزي، والمتمثل في عدم ترجمة التصريحات إلى إجراءات مناسبة.

ويتمثل أحد أسباب تجنب «التوجيه المستقبلي» في تحدي الحفاظ على الاتساق بمرور الوقت، إذ يرى وارش أن هذا التوجيه يقيد أيدي صانعي السياسة ويحدد توقعات عامة قد يتعين تغييرها. لكن تجاهل التوجيهات بالكامل ينطوي أيضاً على مخاطر، إذ يرى باحثون اقتصاديون أن النهج الأمثل يتمثل في تجنب الوعود الملزمة، مع توفير معلومات وإجراءات متابعة كافية بحيث يرى الجمهور أن البنك المركزي ملتزم بهدفه المتعلق بالتضخم.

ولدى وارش حجج تدفع باتجاه تأجيل رفع الفائدة.

وقالت دانا بيترسون، كبيرة الاقتصاديين في «كونفرنس بورد»، وهي مجموعة تجارية تمثل الشركات الكبرى، إنه لا يزال هناك ما يدعو للاعتقاد بأن التضخم سيتباطأ من دون رفع الفائدة، وينبغي لوارش ألا يتجاهل خطر تباطؤ إنفاق المستهلكين في وقت ترتفع فيه الأسعار.

وأضافت بيترسون: «نعتقد أن الاحتياطي الفيدرالي يمكنه الإبقاء على الفائدة دون تغيير. بدأنا نرى قليلاً من تراجع الطلب».

إضافة إلى ذلك، ركزت القراءة التفصيلية للتضخم التي قدمها وارش في جاكسون هول على مقياس معين لن يتم تحديثه إلا بعد اجتماع هذا الشهر، وهو حصة السلع والخدمات في مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي التي ترتفع أسعارها بأكثر من 3 في المائة سنوياً. وقد يعزز انخفاض هذا المؤشر الحجج القائلة إن «تراجع التضخم» لا يزال مستمراً رغم استمرار صدمات أسعار النفط والتوترات الجيوسياسية. ومن المتوقع أيضاً أن يؤدي تحديث طريقة احتساب مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي في وقت لاحق من هذا الشهر إلى خفض تقديرات التضخم.

لكن ما لم يحدث انهيار حاد في بيانات التوظيف ومؤشر أسعار المستهلكين المرتقبة، فإن الأسواق تستعد لرفع أسعار الفائدة، حتى مع وجود أسباب مقنعة للانتظار، وفقاً لمايك ساندرز، مدير المحافظ ورئيس قسم الدخل الثابت لدى «ماديسون إنفستمنتس».

وقال ساندرز إن القرار «ليس أمراً محسوماً. إنه أشبه بقرعة». وأضاف أنه رغم أن التأجيل «قد يكون صائباً بنسبة 100 في المائة»، فإن إبقاء الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير سيجعل المستثمرين يشككون لاحقاً في تصريحاته المتشددة بشأن السياسة النقدية.

وقال ساندرز: «سيكون رد فعلي الأول هو أنه يحاول إيجاد كل عذر ممكن لعدم رفع أسعار الفائدة».


مقالات ذات صلة

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

الاقتصاد يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد كاشكاري وإلى جانبه رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو أوستن د. غولسبي (الاحتياطي)

رئيس «فيدرالي» مينيابوليس: التضخم لا يزال مرتفعاً... والاقتصاد متماسك

قال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، إن التضخم في الولايات المتحدة لا يزال مرتفعاً أكثر مما ينبغي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد بيسنت وهي يتصافحان خلال محادثات تجارية بمقر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في باريس في مارس (رويترز)

بيسنت وهي يبحثان الذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة قبل قمة ترمب - شي في واشنطن

يلتقي وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ، في نيويورك، الأحد، في محادثات تسبق بأيام القمة المرتقبة بين الرئيسين الأميركي والصيني.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد لوحة مفاتيح ويدا روبوت أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» باللغة الإنجليزية (رويترز)

واشنطن تعيد ترتيب أوراق الذكاء الاصطناعي... وترمب يعلن «قوة» جديدة

أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عزمه إنشاء «قوة للذكاء الاصطناعي» وتعيين مسؤول رفيع يتولى ملف التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد رجل يمر أمام بنك إنجلترا في الحي المالي بمدينة لندن (إ.ب.أ)

صناديق الأسهم العالمية تسجل أكبر نزوح أسبوعي في 2026

تزايد حذر المستثمرين تجاه الأسهم العالمية مع ارتفاع أسعار النفط وتصاعد مخاوف التضخم وأسعار الفائدة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك، لندن)

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل، ما يوفر للخزانة تمويلاً أرخص في الأجل القريب، لكنه يزيد في المقابل تعرض المالية العامة لمخاطر إعادة التمويل وتقلب أسعار الفائدة.

وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن بنوك «وول ستريت» تتوقع أن تصل إصدارات أذون الخزانة إلى نحو تريليون دولار خلال العام المقبل. ويقدّر «بنك أوف أميركا» الإصدارات بنحو 1.07 تريليون دولار خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر (أيلول) 2027، باستثناء المبالغ المستخدمة لإعادة تمويل الديون المستحقة، فيما توقع «جي بي مورغان» نحو 1.09 تريليون دولار خلال عام 2027، مقابل 961 مليار دولار وفق تقديرات «غولدمان ساكس».

وتأتي هذه التوقعات مع ارتفاع عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ 2007، وسط زيادة الدين العام، وتنامي احتياجات الشركات إلى الاقتراض لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تحسن توقعات النمو الاقتصادي.

تريليون دولار إضافية

ويؤدي الاعتماد المتزايد على أذون الخزانة، التي تستحق خلال عام أو أقل، إلى رفع حجم الدين القصير القائم إلى نحو 8 تريليونات دولار، أو ما يعادل 24.3 في المائة من إجمالي الدين القابل للتداول بحلول سبتمبر 2027 وفق تقدير «بنك أوف أميركا».

ويقترب ذلك من المستويات المرتفعة التي سُجلت خلال جائحة «كوفيد-19»، ويتجاوز المستوى الذي تستهدفه لجنة استشارية تابعة لوزارة الخزانة، والبالغ نحو 20 في المائة من إجمالي الدين على المدى الطويل، باعتباره توازناً بين كلفة الفائدة ومخاطر تقلب تكاليف التمويل وإعادة تدوير الدين.

وتشير بيانات تاريخية إلى أن نسبة أذون الخزانة تجاوزت ربع إجمالي الدين القابل للتداول خلال فترات استثنائية، أبرزها الجائحة والأزمة المالية العالمية في 2008. أما متوسطها منذ ثمانينات القرن الماضي فيبلغ نحو 22.4 في المائة.

ويرى محللون أن استراتيجية التمويل القصير تمنح وزارة الخزانة ميزة واضحة في الوقت الحالي، إذ يبلغ عائد أذون الخزانة لأجل عام نحو 4.4 في المائة، مقارنة بنحو 5 في المائة للسندات لأجل 10 سنوات ونحو 5.3 في المائة للسندات لأجل 30 عاماً.

لكن انخفاض الكلفة الحالية يأتي مقابل الحاجة إلى إعادة تمويل هذه الديون بوتيرة أسرع. وحذر محللون، وفق «فاينانشال تايمز»، من أن زيادة الاعتماد على الآجال القصيرة تجعل فاتورة خدمة الدين أكثر تقلباً إذا ارتفعت أسعار الفائدة، فيما وصف آخرون ذلك بأنه زيادة في «مخاطر تدوير الدين»، وفق «فاينانشال تايمز».

تعرض الشاشات مؤتمراً صحافياً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

استراتيجية بيسنت

وتكتسب هذه السياسة أهمية إضافية في ظل مساعي وزير الخزانة سكوت بيسنت للحد من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل. وكانت وزارة الخزانة قد فاجأت الأسواق الشهر الماضي بخطط لتوسيع مشترياتها من السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً، في خطوة تهدف إلى المساعدة في احتواء تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وفي الوقت نفسه، تواصل الوزارة زيادة إصدارات الدين القصير لتلبية احتياجات الحكومة التمويلية الكبيرة. ويأتي ذلك رغم أن بيسنت كان قد انتقد في السابق وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين بسبب زيادة الاعتماد على الدين القصير، معتبراً أن تلك السياسة ساهمت في تخفيف شروط التمويل قبل انتخابات 2024.

وتجد الخزانة الأميركية في المقابل قاعدة واسعة من المشترين لأذونها. وتبلغ أصول صناديق سوق النقد الأميركية نحو 8 تريليونات دولار، فيما اشترى الاحتياطي الفيدرالي نحو 250 مليار دولار من أذون الخزانة خلال النصف الأول من العام، وفق «فاينانشال تايمز». كما ينظر بيسنت إلى العملات المستقرة المرتبطة بالدولار باعتبارها مصدراً إضافياً للطلب على أدوات الدين القصيرة.

عجز مرتفع

وتأتي زيادة الاعتماد على الدين القصير في وقت لا تزال فيه المالية الأميركية تواجه عجزاً كبيراً. ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن يبقى العجز عند نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي طوال أفق توقعاته لعشر سنوات، وهو مستوى يزيد كثيراً على هدف بيسنت البالغ 3 في المائة بنهاية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب.

ويراهن بيسنت على احتواء الإنفاق وتعزيز النمو الاقتصادي كوسيلة لتخفيف عبء الدين، وقال في وقت سابق من الشهر إن المشكلة الرئيسية في الولايات المتحدة تتعلق بالإنفاق وليس بالإيرادات، وإن تحقيق نمو عند 3 في المائة يمكن أن يساعد البلاد على «النمو للخروج» من عبء الدين.

لكن ارتفاع أسعار الفائدة يضع هذا الرهان أمام اختبار مزدوج: فالنمو الأقوى قد يدعم الإيرادات ويخفف نسبة الدين إلى الناتج، فيما يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة كلفة خدمة الدين، خصوصاً إذا اضطرت الخزانة إلى إعادة تمويل جزء أكبر من محفظتها بوتيرة أسرع.


الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
TT

الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)

قال وزير الدولة لشؤون الطاقة والرئيس التنفيذي لـ«قطر للطاقة»، سعد الكعبي، إن الشركة تنتج حالياً «كمية ضئيلة جداً» من الغاز الطبيعي المسال، في ظل الاضطرابات التي أثرت على عملياتها، متوقعاً إمكانية استئناف عمليات الغاز بصورة طبيعية خلال «بضعة أسابيع» من إعادة فتح مضيق هرمز.

وأضاف الكعبي، خلال مشاركته في منتدى قطر الاقتصادي في نيويورك، أن عدداً من قطارات توسعة حقل الشمال الشرقي (NFE) سيبدأ الإنتاج في عام 2027، على أن تبدأ توسعة حقل الشمال الجنوبي (NFS) الإنتاج في عام 2028.

وأوضح أن القطارين الثاني والثالث من مشروع «غولدن باس» للغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة سيبدآن التشغيل خلال عام 2027، ما سيدعم إمدادات الشركة من خارج قطر في إطار توسعها العالمي في إنتاج الغاز.

وتأتي تصريحات الكعبي في وقت لا تزال فيه حركة ناقلات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز محدودة، فيما تسعى «قطر للطاقة» إلى تأمين إمدادات بديلة للوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وكانت الشركة قد بدأت محادثات للحصول على عقود طويلة الأجل للغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة حتى عام 2031، بعد الأضرار التي لحقت بمنشآت رأس لفان.

ويُعد مضيق هرمز المنفذ البحري الرئيسي لصادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية، ما يجعل إعادة فتحه عاملاً حاسماً في عودة تدفقات الغاز إلى مستوياتها الطبيعية. وكانت بيانات حديثة قد أظهرت عودة عدد محدود من ناقلات الغاز إلى المنطقة، مع بقاء حركة العبور دون متوسطها المعتاد.


قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
TT

قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)

تتجه قطر إلى توسيع حضور «جهاز قطر للاستثمار» في السوق المحلية، عبر منصة استثمارية جديدة تتولى إدارة وتنمية أصول الجهاز داخل البلاد، في خطوة تعكس إعادة صياغة لاستراتيجيته الاستثمارية، وتفتح قناة جديدة لتوظيف رأس المال السيادي في مشروعات الاقتصاد المحلي.

وكشف رئيس الوزراء القطري عن «منصة الدوحة الاستثمارية»، موضحاً أنها ستكون مخصصة للاستثمار في الصفقات المحلية، وستتولى إدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وقال إن المنصة تأتي في إطار إعادة صياغة استراتيجية الجهاز وتعزيز جهوده في الاستثمار داخل قطر، وذلك خلال مشاركته في النسخة الخاصة من «منتدى قطر الاقتصادي» التي تُعقد في نيويورك، بالتزامن مع أسبوع الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي يناقش التحولات في حركة رأس المال والاستثمار والمخاطر الجيوسياسية والمرونة الاقتصادية.

ويأتي التوجه الجديد في وقت تتوقع فيه الدوحة تدفق استثمارات كبيرة إلى قطاعات البنية التحتية والعقارات والضيافة، مع تقديرات بترسية مشاريع بنية تحتية بقيمة 38.5 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، بينما يُتوقع أن تجذب مشاريع العقارات والضيافة استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار.

وتشير هذه الأرقام، مجتمعة، إلى فرص استثمارية محتملة بنحو 61 مليار دولار في قطاعين رئيسيين خلال السنوات الخمس المقبلة، وإن كانت لا تعني بالضرورة أن هذه القيمة ستُموَّل مباشرة من جهاز قطر للاستثمار أو من المنصة الجديدة.

رأس المال السيادي في السوق المحلية

ويضع إنشاء المنصة الجديدة جهاز قطر للاستثمار أمام دور أكثر مباشرة في تطوير الأصول والفرص الاستثمارية المحلية، بدلاً من اقتصار دوره على تخصيص رأس المال في الأسواق والأصول العالمية.

ومن شأن وجود منصة متخصصة في الصفقات المحلية، أن يتيح للجهاز التعامل بصورة أكثر تركيزاً مع الفرص الناشئة من توسع البنية التحتية ونمو قطاعي العقارات والضيافة، فضلاً عن إمكانية إدارة وتنمية الأصول المحلية القائمة ضمن إطار استثماري أكثر تخصصاً.

ويأتي ذلك في وقت تتعامل فيه الاقتصادات الخليجية مع مرحلة تتطلب زيادة كفاءة رأس المال السيادي، وتوجيه جزء منه إلى القطاعات القادرة على توليد نمو محلي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تنويع المحافظ الاستثمارية خارج الأسواق المحلية.

وتشكِّل مشاريع البنية التحتية الجزء الأكبر من الفرص المعلنة؛ إذ تتوقع قطر ترسية مشاريع بقيمة 38.5 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة.

ويمتد أثر هذه المشاريع إلى قطاعات متعددة من الاقتصاد، من الإنشاءات والخدمات الهندسية إلى النقل والخدمات والمقاولات وسلاسل الإمداد، ما يخلق مجالاً أمام المستثمرين المحليين والدوليين للمشاركة في دورة إنفاق طويلة الأجل.

أما قطاعا العقارات والضيافة، فتتوقع الدوحة أن يجذبا استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار، في مؤشر إلى استمرار الرهان على هذه الأنشطة، كجزء من توسع الاقتصاد غير المرتبط بالطاقة.

من جذب رأس المال إلى إدارة الأصول

ويمنح إنشاء «منصة الدوحة الاستثمارية» التوجه القطري بعداً مختلفاً عن مجرد استقطاب الاستثمارات الأجنبية. فالمنصة -وفق ما أعلنه رئيس الوزراء- ستكون مسؤولة عن الاستثمار في الصفقات المحلية، وإدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وهذا يعني أن الهدف لا يقتصر على جذب رأس المال إلى قطر؛ بل يشمل أيضاً توظيف رأس المال السيادي داخل الاقتصاد، والمشاركة في تطوير أصول وفرص استثمارية محلية، يمكن أن تنمو قيمتها مع توسع القطاعات غير النفطية.

وتشير الخطوة القطرية إلى محاولة بناء حلقة أكثر مباشرة بين رأس المال السيادي ومشروعات الاقتصاد المحلي، بحيث لا يكون جهاز الاستثمار مجرد مالك للأصول؛ بل يكون طرفاً في إدارة وتنمية جزء من الفرص الاستثمارية داخل البلاد.