التعاون النووي السعودي - الأميركي... ركيزة للتحول الاقتصادي والصناعي في المملكة

محطة جديدة في مسار الشراكة الاستراتيجية بين الرياض وواشنطن

TT

التعاون النووي السعودي - الأميركي... ركيزة للتحول الاقتصادي والصناعي في المملكة

خلال اللقاء بين الأمير عبد العزيز بن سلمان ورايت في الرياض (الوزارة)
خلال اللقاء بين الأمير عبد العزيز بن سلمان ورايت في الرياض (الوزارة)

دخلت العلاقات السعودية الأميركية مرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي، بعد توقيع اتفاق للتعاون في مجال الطاقة النووية السلمية (اتفاقية 123) إلى جانب اتفاق ضمانات ثنائية، بما يرسخ الإطار القانوني لشراكة تمتد لعقود. ويأتي الاتفاق في وقت تمضي فيه المملكة نحو تنويع مزيج الطاقة وتعزيز أمنها الطاقي وفق أعلى معايير السلامة والأمن النووي.

ووقّع الاتفاق الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، ووزير الطاقة الأميركي كريس رايت، استكمالاً لما أُعلن عنه خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، إلى الولايات المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بشأن اكتمال المفاوضات المتعلقة بالتعاون النووي السلمي.

عبد العزيز بن سلمان ورايت في مركز «كابسارك» (وزارة الطاقة)

وقالت وزارة الطاقة السعودية إن الاتفاق يهدف إلى تعزيز التعاون الثنائي، ودعم تبادل الخبرات والمعرفة والتقنيات، بما يسهم في تطوير الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وفق أعلى المعايير الدولية المتعلقة بالأمن والأمان النوويين وعدم الانتشار. ويمثل الاتفاق امتداداً للتعاون القائم بين البلدين في قطاع الطاقة، ويعكس رؤيتهما المشتركة لتوسيع الشراكة في مجالات الطاقة والتقنيات المستقبلية ودعم التنمية المستدامة.

من جهتها، قالت وزارة الطاقة الأميركية إن الاتفاق يضع الإطار القانوني لشراكة تمتد لعقود وتقدر بمليارات الدولارات، بما يدعم تلبية احتياجات المملكة من الطاقة. وأضافت أن الاتفاق يعزز المصالح المشتركة للبلدين عبر توسيع التعاون في التكنولوجيا النووية المدنية، وترسيخ الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

وفي تعليق له، أشاد رايت بالأمير عبد العزيز بن سلمان، واصفاً إياه بأنه أحد أبرز المفكرين في أسواق الطاقة العالمية، وصاحب رؤية مستقلة ومواقف تستند إلى ما يراه صواباً بعيداً عن الضغوط السياسية. وقال إن علاقتهما تطورت من الإعجاب المهني إلى صداقة وثقة متبادلة، مؤكداً أن الأمير عبد العزيز يتمتع بقيادة مبدئية أسهمت في بناء منظومة طاقة سعودية تتميز بالكفاءة والابتكار. كما أثنى على دوره في تمكين المرأة داخل قطاع الطاقة، معتبراً أن ما حققته وزارة الطاقة السعودية يعكس قيادة قوية تجمع بين الحزم والكرم وروح العمل الجماعي.

ولم يكن الاتفاق وليد المفاوضات الأخيرة، إذ تعود محادثات التعاون النووي المدني بين السعودية والولايات المتحدة إلى عام 2008، عندما وقع الجانبان مذكرة تفاهم للتعاون في مجال الطاقة النووية السلمية. وتواصلت المشاورات خلال السنوات اللاحقة، وشهدت بين عامي 2017 و2019 محادثات مع شركات أميركية مهتمة بالمشاركة في البرنامج النووي السعودي، قبل أن يوقع البلدان في نوفمبر 2025 إعلاناً مشتركاً لاستكمال إطار التعاون، وصولاً إلى توقيع اتفاقية «123» واتفاقية الضمانات الثنائية التي تؤسس للإطار القانوني للتعاون النووي المدني بين البلدين.

وكان وزير الطاقة الأميركي قد كشف في مقابلة خاصة مع«الشرق الأوسط» عن هذا الموضوع، وذلك خلال زيارته المملكة في 2025، فيما كان قد أعلن الأمير عبد العزيز بن سلمان أن المملكة تتجه نحو الاستفادة من الطاقة النووية، وتطبيقاتها الإشعاعية للأغراض السلمية، وتواصل تنفيذ مشروعها الوطني للطاقة النووية بجميع مكوناته، ومن ذلك مشروع بناء أول محطة للطاقة النووية في المملكة.

وتؤكد هذه الخطوة المسار الذي أعلنته المملكة خلال السنوات الماضية لتطوير برنامجها النووي السلمي؛ إذ كان الأمير عبد العزيز بن سلمان قد شدد خلال كلمته أمام المؤتمر العام التاسع والستين للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا عام 2025، على أن مشروع المملكة لبناء أول محطة للطاقة النووية، بالتعاون مع الوكالة، يستهدف تنويع مزيج الطاقة، وتعزيز الإمدادات النظيفة، وتحقيق التنمية المستدامة، مؤكداً تطلع السعودية إلى أن تكون نموذجاً يحتذى به في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية وفق أعلى معايير السلامة والأمن النووي.

ما هي اتفاقية 123؟

تحمل الاتفاقية اسم المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأميركي، الذي ينظم التعاون النووي المدني بين الولايات المتحدة والدول الأخرى. ولا تتيح واشنطن تصدير المفاعلات أو الوقود أو التكنولوجيا النووية إلا للدول التي تبرم هذا النوع من الاتفاقيات، التي تحدد الإطار القانوني للتعاون، وآليات الرقابة، ومتطلبات الاستخدام السلمي للمواد والتقنيات النووية.

وبموجب الاتفاقية، تستطيع الشركات الأميركية المشاركة في تصميم وبناء وتشغيل المفاعلات النووية السعودية، وتوريد المعدات والوقود والخدمات الفنية، مع خضوع جميع الأنشطة لالتزامات عدم الانتشار النووي وضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إضافة إلى اتفاقية الضمانات الثنائية الموقعة بين البلدين.

أهمية الاتفاق... أبعاد اقتصادية واستراتيجية

يمثل الاتفاق النووي خطوة استراتيجية في مسار تحول قطاع الطاقة السعودي، إذ يدعم تنويع مزيج الطاقة وتعزيز أمن الإمدادات عبر إدخال الطاقة النووية السلمية إلى جانب الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة. ويتيح ذلك إنتاج الكهرباء وتحلية المياه بكفاءة أعلى، وتقليص الاعتماد المحلي على النفط والغاز، وتحرير كميات أكبر من الهيدروكربونات للتصدير، بما يعزز الإيرادات، ويرفع كفاءة استغلال الموارد الطبيعية، ويدعم استدامة النمو الاقتصادي على المدى الطويل.

كما يدعم الاتفاق مستهدفات «رؤية 2030» الرامية إلى تنويع مصادر الطاقة وخفض الانبعاثات الكربونية، في ظل النمو المتواصل في الطلب على الكهرباء والمياه، ويعزز أمن الإمدادات عبر توفير مصدر مستقر للكهرباء لا يعتمد على تقلبات أسواق الوقود.

وعلى الصعيد الصناعي، يفتح الاتفاق الباب أمام مشاركة الشركات الأميركية في تطوير البنية التحتية النووية السعودية، بما يشمل تصميم المفاعلات وبنائها وتشغيلها وتطوير سلاسل الإمداد، إلى جانب نقل المعرفة والتقنيات المتقدمة، ورفع المحتوى المحلي، وتأهيل الكفاءات الوطنية، وتعزيز البحث والتطوير، بما يرسخ قيام صناعة نووية سعودية مستدامة.

محادثات بين الجانبين الأميركي والسعودي في الرياض ترأسها كل من رايت والأمير عبد العزيز بن سلمان (الشرق الأوسط)

ويكتسب الاتفاق أهمية إضافية لارتباطه بمستقبل دورة الوقود النووي في المملكة، في ظل توجه السعودية إلى استثمار مواردها المحلية من اليورانيوم وتطوير سلسلة القيمة النووية. وكانت المملكة قد أعلنت عزمها إنتاج «الكعكة الصفراء» بوصفها المرحلة الأولى في دورة الوقود النووي، ضمن خططها للاستفادة الاقتصادية من موارد اليورانيوم وبناء قطاع نووي سلمي متكامل. كما أكد الأمير عبد العزيز بن سلمان أن المملكة تستهدف تطوير دورة الوقود النووي كاملة للأغراض السلمية، بما يشمل استغلال خامات اليورانيوم الوطنية وفق الضمانات والالتزامات الدولية.

مسيرة بدأت قبل أكثر من عقدين

لا يمثل الاتفاق مع الولايات المتحدة نقطة انطلاق للبرنامج النووي السعودي، بل يأتي تتويجاً لمسار طويل من التخطيط وبناء الأطر التنظيمية والمؤسسية لتطوير برنامج نووي سلمي.

ويعود اهتمام المملكة بالطاقة النووية إلى عام 2006، عندما كلفت دول مجلس التعاون الخليجي بإجراء دراسة مشتركة حول الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، قبل أن تتولى السعودية في عام 2007، بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، قيادة دراسات الجدوى الخاصة بالمشروع الإقليمي.

وفي عام 2010، أُنشئت مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة لتقود تطوير البرنامج النووي ووضع الأطر التنظيمية والإشراف على الاتفاقيات الدولية، تلا ذلك تنفيذ الدراسات الفنية لاختيار مواقع إنشاء المفاعلات في الجبيل وتبوك وجيزان.

ومع إطلاق المشروع الوطني للطاقة الذرية بين عامي 2017 و2023، انتقلت المملكة إلى مرحلة أكثر تقدماً، عبر برنامج يرتكز على المفاعلات الكبيرة، والمفاعلات الصغيرة المدمجة، ودورة الوقود النووي، ومنظومة الرقابة والتنظيم.

كما أقر مجلس الوزراء في عام 2018 السياسة الوطنية لبرنامج الطاقة الذرية، التي تؤكد أن جميع الأنشطة النووية في المملكة مخصصة للأغراض السلمية، مع الالتزام بالشفافية، والأمان النووي، والرقابة المستقلة، وتطوير المحتوى المحلي وبناء القدرات الوطنية.

وفي إطار تعزيز الالتزام بالمعايير الدولية، أعلنت المملكة عام 2023 الانتقال إلى تطبيق اتفاقية الضمانات الشاملة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بعد إنهاء العمل ببروتوكول الكميات الصغيرة، ودخل القرار حيز التنفيذ بنهاية عام 2024.

وزير الطاقة الأميركي خلال المؤتمر الصحافي المنعقد في العاصمة السعودية الرياض (تصوير: تركي العقيلي)

ماذا يعني الاتفاق للمستقبل؟

يمثل الاتفاق أكثر من مجرد تعاون في بناء محطات نووية؛ فهو يضع الأساس لشراكة طويلة الأجل في التكنولوجيا المتقدمة، ويمنح المملكة أدوات جديدة لتعزيز أمن الطاقة، وتنويع اقتصادها، وتطوير صناعات عالية التقنية، وبناء كوادر وطنية متخصصة، بما يعزز مكانتها بوصفها أحد أبرز مراكز الطاقة والصناعة المتقدمة في المنطقة، ويجعل البرنامج النووي السلمي جزءاً من التحول الاقتصادي الذي تقوده «رؤية 2030».


مقالات ذات صلة

«توريد» تفتح بوابة السيولة لسلاسل الإمداد السعودية

الاقتصاد مبنى صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي (الصندوق)

«توريد» تفتح بوابة السيولة لسلاسل الإمداد السعودية

يتجه صندوق الاستثمارات العامة إلى توسيع أدوات تمكين القطاع الخاص في السعودية، من الاستثمار المباشر إلى معالجة إحدى الحلقات الأكثر حساسية في دورة الأعمال.

ساره بن شمران (الرياض)
الاقتصاد المركز المالي في الرياض (كافد)

مبادرة «استرداد» تتيح للمنشآت الصغيرة والمتوسطة استعادة 10 رسوم حكومية

دعت وزارة الصناعة المنشآت الصغيرة والمتوسطة للتحقق من أهليتها لمبادرة «استرداد»، التي تتيح استعادة 10 رسوم حكومية لتخفيف الأعباء ودعم النمو.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد نائب وزير الصناعة ورئيس قطاع الأغذية في «بيبسيكو» خلال افتتاح المركز الإقليمي للبحث والتطوير في الرياض (تركي العقيلي)

«بيبسيكو» توسع أعمالها في السعودية من بوابة الرياض

تتجه صناعة الأغذية في السعودية إلى تعزيز التوطين، مع اعتماد «بيبسيكو» على الإنتاج المحلي لـ95 % من منتجاتها، و100 في المائة من البطاطس المستخدمة في منتجاتها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد صورة جوية للعاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

إيرادات الأنشطة التشغيلية السعودية ترتفع 4.9 % في يوليو

ارتفع الرقم القياسي للإيرادات التشغيلية في السعودية بنسبة 4.9 % خلال يوليو 2026، مقارنة بالشهر المماثل من العام السابق.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد برج صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي بالعاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

صندوق الاستثمارات العامة يطلق «توريد» لتمويل سلاسل الإمداد

أطلق صندوق الاستثمارات العامة شركة «توريد للحلول التمويلية»، لتقديم منتجات متخصصة في تمويل سلاسل الإمداد للشركات في السوق السعودية عبر منصة رقمية مبتكرة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل، ما يوفر للخزانة تمويلاً أرخص في الأجل القريب، لكنه يزيد في المقابل تعرض المالية العامة لمخاطر إعادة التمويل وتقلب أسعار الفائدة.

وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن بنوك «وول ستريت» تتوقع أن تصل إصدارات أذون الخزانة إلى نحو تريليون دولار خلال العام المقبل. ويقدّر «بنك أوف أميركا» الإصدارات بنحو 1.07 تريليون دولار خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر (أيلول) 2027، باستثناء المبالغ المستخدمة لإعادة تمويل الديون المستحقة، فيما توقع «جي بي مورغان» نحو 1.09 تريليون دولار خلال عام 2027، مقابل 961 مليار دولار وفق تقديرات «غولدمان ساكس».

وتأتي هذه التوقعات مع ارتفاع عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ 2007، وسط زيادة الدين العام، وتنامي احتياجات الشركات إلى الاقتراض لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تحسن توقعات النمو الاقتصادي.

تريليون دولار إضافية

ويؤدي الاعتماد المتزايد على أذون الخزانة، التي تستحق خلال عام أو أقل، إلى رفع حجم الدين القصير القائم إلى نحو 8 تريليونات دولار، أو ما يعادل 24.3 في المائة من إجمالي الدين القابل للتداول بحلول سبتمبر 2027 وفق تقدير «بنك أوف أميركا».

ويقترب ذلك من المستويات المرتفعة التي سُجلت خلال جائحة «كوفيد-19»، ويتجاوز المستوى الذي تستهدفه لجنة استشارية تابعة لوزارة الخزانة، والبالغ نحو 20 في المائة من إجمالي الدين على المدى الطويل، باعتباره توازناً بين كلفة الفائدة ومخاطر تقلب تكاليف التمويل وإعادة تدوير الدين.

وتشير بيانات تاريخية إلى أن نسبة أذون الخزانة تجاوزت ربع إجمالي الدين القابل للتداول خلال فترات استثنائية، أبرزها الجائحة والأزمة المالية العالمية في 2008. أما متوسطها منذ ثمانينات القرن الماضي فيبلغ نحو 22.4 في المائة.

ويرى محللون أن استراتيجية التمويل القصير تمنح وزارة الخزانة ميزة واضحة في الوقت الحالي، إذ يبلغ عائد أذون الخزانة لأجل عام نحو 4.4 في المائة، مقارنة بنحو 5 في المائة للسندات لأجل 10 سنوات ونحو 5.3 في المائة للسندات لأجل 30 عاماً.

لكن انخفاض الكلفة الحالية يأتي مقابل الحاجة إلى إعادة تمويل هذه الديون بوتيرة أسرع. وحذر محللون، وفق «فاينانشال تايمز»، من أن زيادة الاعتماد على الآجال القصيرة تجعل فاتورة خدمة الدين أكثر تقلباً إذا ارتفعت أسعار الفائدة، فيما وصف آخرون ذلك بأنه زيادة في «مخاطر تدوير الدين»، وفق «فاينانشال تايمز».

تعرض الشاشات مؤتمراً صحافياً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

استراتيجية بيسنت

وتكتسب هذه السياسة أهمية إضافية في ظل مساعي وزير الخزانة سكوت بيسنت للحد من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل. وكانت وزارة الخزانة قد فاجأت الأسواق الشهر الماضي بخطط لتوسيع مشترياتها من السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً، في خطوة تهدف إلى المساعدة في احتواء تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وفي الوقت نفسه، تواصل الوزارة زيادة إصدارات الدين القصير لتلبية احتياجات الحكومة التمويلية الكبيرة. ويأتي ذلك رغم أن بيسنت كان قد انتقد في السابق وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين بسبب زيادة الاعتماد على الدين القصير، معتبراً أن تلك السياسة ساهمت في تخفيف شروط التمويل قبل انتخابات 2024.

وتجد الخزانة الأميركية في المقابل قاعدة واسعة من المشترين لأذونها. وتبلغ أصول صناديق سوق النقد الأميركية نحو 8 تريليونات دولار، فيما اشترى الاحتياطي الفيدرالي نحو 250 مليار دولار من أذون الخزانة خلال النصف الأول من العام، وفق «فاينانشال تايمز». كما ينظر بيسنت إلى العملات المستقرة المرتبطة بالدولار باعتبارها مصدراً إضافياً للطلب على أدوات الدين القصيرة.

عجز مرتفع

وتأتي زيادة الاعتماد على الدين القصير في وقت لا تزال فيه المالية الأميركية تواجه عجزاً كبيراً. ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن يبقى العجز عند نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي طوال أفق توقعاته لعشر سنوات، وهو مستوى يزيد كثيراً على هدف بيسنت البالغ 3 في المائة بنهاية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب.

ويراهن بيسنت على احتواء الإنفاق وتعزيز النمو الاقتصادي كوسيلة لتخفيف عبء الدين، وقال في وقت سابق من الشهر إن المشكلة الرئيسية في الولايات المتحدة تتعلق بالإنفاق وليس بالإيرادات، وإن تحقيق نمو عند 3 في المائة يمكن أن يساعد البلاد على «النمو للخروج» من عبء الدين.

لكن ارتفاع أسعار الفائدة يضع هذا الرهان أمام اختبار مزدوج: فالنمو الأقوى قد يدعم الإيرادات ويخفف نسبة الدين إلى الناتج، فيما يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة كلفة خدمة الدين، خصوصاً إذا اضطرت الخزانة إلى إعادة تمويل جزء أكبر من محفظتها بوتيرة أسرع.


الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
TT

الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)

قال وزير الدولة لشؤون الطاقة والرئيس التنفيذي لـ«قطر للطاقة»، سعد الكعبي، إن الشركة تنتج حالياً «كمية ضئيلة جداً» من الغاز الطبيعي المسال، في ظل الاضطرابات التي أثرت على عملياتها، متوقعاً إمكانية استئناف عمليات الغاز بصورة طبيعية خلال «بضعة أسابيع» من إعادة فتح مضيق هرمز.

وأضاف الكعبي، خلال مشاركته في منتدى قطر الاقتصادي في نيويورك، أن عدداً من قطارات توسعة حقل الشمال الشرقي (NFE) سيبدأ الإنتاج في عام 2027، على أن تبدأ توسعة حقل الشمال الجنوبي (NFS) الإنتاج في عام 2028.

وأوضح أن القطارين الثاني والثالث من مشروع «غولدن باس» للغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة سيبدآن التشغيل خلال عام 2027، ما سيدعم إمدادات الشركة من خارج قطر في إطار توسعها العالمي في إنتاج الغاز.

وتأتي تصريحات الكعبي في وقت لا تزال فيه حركة ناقلات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز محدودة، فيما تسعى «قطر للطاقة» إلى تأمين إمدادات بديلة للوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وكانت الشركة قد بدأت محادثات للحصول على عقود طويلة الأجل للغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة حتى عام 2031، بعد الأضرار التي لحقت بمنشآت رأس لفان.

ويُعد مضيق هرمز المنفذ البحري الرئيسي لصادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية، ما يجعل إعادة فتحه عاملاً حاسماً في عودة تدفقات الغاز إلى مستوياتها الطبيعية. وكانت بيانات حديثة قد أظهرت عودة عدد محدود من ناقلات الغاز إلى المنطقة، مع بقاء حركة العبور دون متوسطها المعتاد.


قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
TT

قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)

تتجه قطر إلى توسيع حضور «جهاز قطر للاستثمار» في السوق المحلية، عبر منصة استثمارية جديدة تتولى إدارة وتنمية أصول الجهاز داخل البلاد، في خطوة تعكس إعادة صياغة لاستراتيجيته الاستثمارية، وتفتح قناة جديدة لتوظيف رأس المال السيادي في مشروعات الاقتصاد المحلي.

وكشف رئيس الوزراء القطري عن «منصة الدوحة الاستثمارية»، موضحاً أنها ستكون مخصصة للاستثمار في الصفقات المحلية، وستتولى إدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وقال إن المنصة تأتي في إطار إعادة صياغة استراتيجية الجهاز وتعزيز جهوده في الاستثمار داخل قطر، وذلك خلال مشاركته في النسخة الخاصة من «منتدى قطر الاقتصادي» التي تُعقد في نيويورك، بالتزامن مع أسبوع الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي يناقش التحولات في حركة رأس المال والاستثمار والمخاطر الجيوسياسية والمرونة الاقتصادية.

ويأتي التوجه الجديد في وقت تتوقع فيه الدوحة تدفق استثمارات كبيرة إلى قطاعات البنية التحتية والعقارات والضيافة، مع تقديرات بترسية مشاريع بنية تحتية بقيمة 38.5 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، بينما يُتوقع أن تجذب مشاريع العقارات والضيافة استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار.

وتشير هذه الأرقام، مجتمعة، إلى فرص استثمارية محتملة بنحو 61 مليار دولار في قطاعين رئيسيين خلال السنوات الخمس المقبلة، وإن كانت لا تعني بالضرورة أن هذه القيمة ستُموَّل مباشرة من جهاز قطر للاستثمار أو من المنصة الجديدة.

رأس المال السيادي في السوق المحلية

ويضع إنشاء المنصة الجديدة جهاز قطر للاستثمار أمام دور أكثر مباشرة في تطوير الأصول والفرص الاستثمارية المحلية، بدلاً من اقتصار دوره على تخصيص رأس المال في الأسواق والأصول العالمية.

ومن شأن وجود منصة متخصصة في الصفقات المحلية، أن يتيح للجهاز التعامل بصورة أكثر تركيزاً مع الفرص الناشئة من توسع البنية التحتية ونمو قطاعي العقارات والضيافة، فضلاً عن إمكانية إدارة وتنمية الأصول المحلية القائمة ضمن إطار استثماري أكثر تخصصاً.

ويأتي ذلك في وقت تتعامل فيه الاقتصادات الخليجية مع مرحلة تتطلب زيادة كفاءة رأس المال السيادي، وتوجيه جزء منه إلى القطاعات القادرة على توليد نمو محلي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تنويع المحافظ الاستثمارية خارج الأسواق المحلية.

وتشكِّل مشاريع البنية التحتية الجزء الأكبر من الفرص المعلنة؛ إذ تتوقع قطر ترسية مشاريع بقيمة 38.5 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة.

ويمتد أثر هذه المشاريع إلى قطاعات متعددة من الاقتصاد، من الإنشاءات والخدمات الهندسية إلى النقل والخدمات والمقاولات وسلاسل الإمداد، ما يخلق مجالاً أمام المستثمرين المحليين والدوليين للمشاركة في دورة إنفاق طويلة الأجل.

أما قطاعا العقارات والضيافة، فتتوقع الدوحة أن يجذبا استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار، في مؤشر إلى استمرار الرهان على هذه الأنشطة، كجزء من توسع الاقتصاد غير المرتبط بالطاقة.

من جذب رأس المال إلى إدارة الأصول

ويمنح إنشاء «منصة الدوحة الاستثمارية» التوجه القطري بعداً مختلفاً عن مجرد استقطاب الاستثمارات الأجنبية. فالمنصة -وفق ما أعلنه رئيس الوزراء- ستكون مسؤولة عن الاستثمار في الصفقات المحلية، وإدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وهذا يعني أن الهدف لا يقتصر على جذب رأس المال إلى قطر؛ بل يشمل أيضاً توظيف رأس المال السيادي داخل الاقتصاد، والمشاركة في تطوير أصول وفرص استثمارية محلية، يمكن أن تنمو قيمتها مع توسع القطاعات غير النفطية.

وتشير الخطوة القطرية إلى محاولة بناء حلقة أكثر مباشرة بين رأس المال السيادي ومشروعات الاقتصاد المحلي، بحيث لا يكون جهاز الاستثمار مجرد مالك للأصول؛ بل يكون طرفاً في إدارة وتنمية جزء من الفرص الاستثمارية داخل البلاد.