كيف نجحت «مصدات» السعودية في حماية اقتصادها من نيران الحرب؟

بعد تثبيت «فيتش» تصنيف المملكة الائتماني عند «إيه +»

أعلام سعودية ترفرف على أحد شوارع العاصمة السعودية (الشرق الأوسط)
أعلام سعودية ترفرف على أحد شوارع العاصمة السعودية (الشرق الأوسط)
TT

كيف نجحت «مصدات» السعودية في حماية اقتصادها من نيران الحرب؟

أعلام سعودية ترفرف على أحد شوارع العاصمة السعودية (الشرق الأوسط)
أعلام سعودية ترفرف على أحد شوارع العاصمة السعودية (الشرق الأوسط)

في الوقت الذي دفعت فيه الحرب بين الولايات المتحدة وإيران المنطقة إلى واحدة من أكثر موجات التوتر حدة منذ سنوات، وأعادت إغلاق مضيق هرمز ورفعت أسعار النفط والشحن والتأمين، جاء تثبيت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني للمملكة عند «إيه +» مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، ليطرح سؤالاً أساسياً: كيف تمكن الاقتصاد السعودي من الحفاظ على متانته المالية في قلب الأزمة؟

الإجابة لا ترتبط بارتفاع أسعار النفط وحده؛ بل بمنظومة متكاملة من الإصلاحات التي تراكمت على مدى سنوات، شملت بناء مصدات مالية ولوجستية، وتنويع مصادر التمويل، وتطوير البنية التحتية للطاقة، وتعزيز دور القطاع الخاص، بما جعل الاقتصاد أكثر قدرة على امتصاص الصدمات الخارجية.

وبينما يترقب مجتمع المال والأعمال الدولي صدور التقرير الشامل والمفصل للمجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن مشاورات المادة الرابعة لعام 2026 مع المملكة هذا الشهر، تكشف بيانات بعثة الصندوق، وأرقام البنك المركزي السعودي، وميزان المدفوعات، عن الكيفية التي اجتاز بها الاقتصاد السعودي واحداً من أصعب الاختبارات الجيوسياسية في السنوات الأخيرة.

صورة جوية للعاصمة السعودية (رويترز)

الشرايين البديلة

حين أعلنت طهران إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، اعتقد كثيرون أن الصادرات النفطية الخليجية ستواجه شللاً واسعاً. إلا أن السعودية كانت قد استعدت لهذا السيناريو منذ عقود، عبر بناء منظومة متكاملة لتأمين صادراتها بعيداً عن المضيق.

وشملت هذه الاستراتيجية تطوير خط أنابيب «شرق-غرب» الذي ينقل النفط إلى موانئ ينبع على البحر الأحمر، وتوسيع طاقته الاستيعابية، إلى جانب إنشاء مراكز تخزين استراتيجية في أسواق رئيسية حول العالم، والحفاظ على أكبر طاقة إنتاجية فائضة عالمياً.

وعندما اندلعت الأزمة، أتاحت هذه المنظومة لـ«أرامكو السعودية» مواصلة الوفاء بالتزاماتها التصديرية؛ إذ دعمت الإمدادات عبر خط الأنابيب، واستفادت من المخزونات الخارجية، ومن قدرتها على تشغيل جزء من طاقتها الإنتاجية الفائضة، ما حدّ من تراجع الشحنات، وخفف أثر إغلاق المضيق على تدفقات النفط السعودية.

لماذا بقي التضخم منخفضاً؟

رغم أن الحرب دفعت أسعار النفط والشحن والتأمين البحري إلى الارتفاع عالمياً، فإن انتقال هذه الصدمة إلى الاقتصاد المحلي بقي محدوداً مقارنة بالعديد من الاقتصادات الأخرى.

ويعود ذلك إلى كفاءة سلاسل الإمداد، واستقرار سعر صرف الريال المرتبط بالدولار، وارتفاع المخزونات الاستراتيجية من السلع الأساسية، إلى جانب السياسات المالية والنقدية التي حافظت على استقرار الأسواق.

ولهذا، يتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ متوسط التضخم خلال عام 2026، نحو 2.3 في المائة فقط، وهو مستوى يظل منخفضاً مقارنة بمعظم الاقتصادات المتقدمة والناشئة.

فائض الحساب الجاري

قد يبدو للوهلة الأولى أن الحرب كان يفترض أن تضر بالحسابات الخارجية للمملكة، إلا أن بيانات الربع الأول أظهرت العكس. فقد سجل الحساب الجاري فائضاً بلغ 4.1 مليار دولار، وهو أول فائض يُسجل بعد نحو عامين من العجز، مقارنة بعجز قدره 8.2 مليار دولار في الربع الأخير من عام 2025.

وجاء هذا التحول نتيجة معادلة مزدوجة؛ فبينما تراجعت كميات النفط المصدرة بسبب الاضطرابات، عوضت الأسعار المرتفعة جانباً كبيراً من هذا الانخفاض، في الوقت الذي تباطأت فيه الواردات نتيجة اضطرابات الشحن، وتحسن ميزان السفر مع ارتفاع إنفاق الزوار داخل المملكة.

أدوات عززت الاستقرار

لم يكن فائض الحساب الجاري وحده ما عزز متانة الاقتصاد؛ بل دعمه أيضاً عدد من الأدوات المالية التي دخلت بها المملكة الأزمة؛ فقد أظهرت البيانات أن المملكة دخلت الأزمة بأدوات مالية قوية وعوامل ساعدتها في الحفاظ على الاستقرار، تمثلت في العوامل التالية:

  • إعادة توظيف الأصول الخارجية: سجلت العمليات الاستثمارية للجهات الحكومية وصندوق الثروة السيادي السعودي، قفزة قياسية في تصفية الأصول الأجنبية خلال الربع الأول من عام 2026، حيث بلغت قيمة الأصول المباعة والمحولة نحو 22.6 مليار دولار، مقارنة بـ4 مليارات دولار فقط في الربع الأخير من عام 2025 (بنمو 460 في المائة). ويعكس هذا النمو الحاد وتيرة متسارعة في إعادة توجيه السيولة الخارجية نحو الداخل.
  • استقرار الأصول الاحتياطية: في مقابل القفزة في تسييل الأصول الخارجية للجهات الحكومية، حافظت الأصول الاحتياطية لدى البنك المركزي السعودي على مستويات استقرار قوية ومتوازنة، بلغت 1.862 تريليون ريال (ما يعادل 496.5 مليار دولار) بنهاية الربع الأول، مسجلة قفزة سنوية بنسبة 9.32 في المائة. ويوضح هذا المشهد كفاءة توزيع الأدوار التمويلية؛ حيث فضلت الجهات الحكومية الاعتماد على تدوير محافظها الاستثمارية وتسييل جزء من أصولها الأجنبية لتمويل المشاريع المحلية، بدلاً من اللجوء إلى السحب المباشر من الاحتياطيات النقدية الرسمية للمملكة، ما عزز من مصدات الأمن المالي وسند الجدارة الائتمانية للمملكة عالمياً.
  • الجدارة الائتمانية: هذه المؤشرات المحققة في ميزان المدفوعات وحجم الأصول الاحتياطية انعكست مباشرة على الجدارة الائتمانية السيادية للمملكة؛ حيث أكدت وكالات التصنيف الائتماني العالمية الكبرى في مراجعاتها لعام 2026، القوة الهيكلية لمركز الاقتصاد السعودي ومقاومته العالية للصدمات الجيوسياسية الإقليمية؛ فقد ثبتت وكالة «فيتش» و«ستاندرد آند بورز» تقييمهما للمملكة عند «إيه +» مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، في حين حافظت وكالة «موديز» على تصنيفها المرتفع عند «إيه إيه 3». ووفقاً للتقارير الصادرة، فإن هذا التثبيت الائتماني يستند بشكل جوهري إلى ضخامة صافي الأصول الأجنبية السيادية والاحتياطيات المالية التي تغطي المدفوعات الخارجية لمدد زمنية طويلة تفوق متوسط الدول ذات التصنيف المماثل، إلى جانب المرونة الاستباقية للأنشطة غير النفطية والقدرة على توفير قنوات تمويل بديلة لتنفيذ مشاريع «رؤية 2030» دون المساس بالغطاء النقدي والاحتياطي الأساسي للدولة.
  • التمويل الاستباقي: استغلت الحكومة قوة مركزها الائتماني وانخفاض مستويات الدين العام (34.4 في المائة من الناتج المحلي) لتأمين تمويل خارجي بقيمة 13 مليار دولار خلال الربع الأول، وفق ما أعلن المركز الوطني لإدارة الدين العام في يناير (كانون الثاني) الماضي، قبل تصاعد الأزمة. كما تم تأمين ما يقارب 14 مليار دولار إضافية عبر إصدار صكوك دولية، وقروض تجارية، وسندات من قبل بنوك وشركات سعودية كبرى مستفيدة بدورها من السقف الائتماني المرتفع للدولة، ليرتفع بذلك إجمالي اقتراض المقيمين من الخارج إلى 27 مليار دولار.
  • التدفقات الاستثمارية: في قطاع الاستثمار، تأكد عمق ثقة المؤسسات العالمية عبر استمرار تدفقات الاستثمار الأجنبي؛ وعلى خلاف ما تشهده الاقتصادات عادة خلال فترات التوتر الجيوسياسي، لم تسجل السوق المالية السعودية موجة خروج لرؤوس الأموال الأجنبية؛ بل واصل المستثمرون غير المقيمين تسجيل صافي مشتريات في الأسهم السعودية بلغ 2.4 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، لتستقر ملكيتهم الإجمالية فوق حاجز 110 مليارات دولار. ترافق ذلك مع مرونة استثنائية في الاستثمار الأجنبي المباشر الذي سجل تدفقات صافية بلغت 1.8 مليار دولار خلال الربع الأول وحده، مدعوماً بثقة الأسواق المتزايدة في الإصلاحات الاقتصادية والتشريعية المستمرة لـ«رؤية 2030».
  • القطاع المصرفي: أسهمت متانة القطاع المصرفي في تعزيز قدرة الاقتصاد على تجاوز فترة التوتر؛ إذ حافظت البنوك السعودية على مستويات مرتفعة من الرسملة والسيولة، مع استمرار نمو الائتمان للقطاع الخاص، ما وفر التمويل اللازم للشركات والمشروعات رغم اضطرابات الأسواق العالمية. ويرى صندوق النقد أن سلامة القطاع المالي شكلت إحدى الركائز الرئيسية التي دعمت استقرار الاقتصاد خلال الأزمة.

ماذا غيّرت «رؤية 2030»؟

ربما يكون أفضل اختبار لنجاح الإصلاحات هو طرح سؤال افتراضي: ماذا لو وقعت الأزمة الحالية قبل إطلاق «رؤية 2030»؟ في ذلك الوقت، كان الاقتصاد يعتمد بصورة كبرى على الإيرادات النفطية، وكانت أدوات التمويل وإدارة السيولة أكثر محدودية، كما كانت مساهمة الأنشطة غير النفطية أقل بكثير مما هي عليه اليوم. أما اليوم، فقد أصبح الاقتصاد يستند إلى منظومة أكثر تنوعاً تشمل الإيرادات غير النفطية، وسوق الدين المحلية والدولية، والقطاع المصرفي، وصندوق الاستثمارات العامة، إلى جانب احتياطيات نقدية مرتفعة وبنية لوجستية متطورة، وهو ما وفر للمملكة شبكة أمان ساعدتها في امتصاص الصدمة دون اضطرابات كبيرة.

وزير المالية السعودي مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي في اجتماعات الربيع (الصندوق)

تقييم صندوق النقد

جاء البيان الختامي لبعثة صندوق النقد الدولي لعام 2026، ليوثق المؤشرات الإيجابية للاقتصاد السعودي؛ حيث أكد الصندوق أن الاقتصاد أظهر مرونة تكيّفية عالية وقدرة واضحة على الصمود في وجه المتغيرات الخارجية. وعزا البيان هذا الاستقرار إلى قوة المتانة الهيكلية للاقتصاد الوطني، وتطور البنية التحتية اللوجستية، بجانب التوسع المستمر في تنويع القاعدة الإنتاجية والأنشطة غير النفطية.

وفي المقابل، خفض الصندوق توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي خلال عام 2026، إلى 1.7 في المائة، بانخفاض قدره 0.3 نقطة مئوية عن توقعاته السابقة، لكنه رفع توقعاته لعام 2027 إلى 5.5 في المائة.

ولا يعكس هذا الخفض ضعفاً في الاقتصاد بقدر ما يعكس تأثير البيئة الإقليمية؛ فحتى مع تسجيل الاقتصاد نمواً بنحو 3 في المائة خلال الربع الأول من عام 2026، فإن استمرار التوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين قد يؤثران في وتيرة النشاط خلال بقية العام.

تحديات لا تزال قائمة

رغم قوة المصدات المالية واللوجستية، فإن استمرار التوترات الإقليمية لفترة طويلة قد يفرض تحديات إضافية، من بينها ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتباطؤ التجارة العالمية، واحتمال تأجيل بعض الاستثمارات، فضلاً عن الضغوط المحتملة على المشاريع الكبرى إذا استمرت أسعار الطاقة والخدمات اللوجستية عند مستويات مرتفعة. ولهذا، يؤكد صندوق النقد أن مواصلة الإصلاحات الهيكلية، وزيادة مساهمة القطاع الخاص، وتعزيز الإنتاجية، ستظل عوامل أساسية للحفاظ على النمو خلال السنوات المقبلة.

مشارك في مؤتمر نظمه صندوق النقد الدولي بالتعاون مع وزارة المالية في الرياض (تركي العقيلي)

المرونة أصبحت سياسة اقتصادية

تكشف تجربة الأشهر الماضية أن ما واجهته المملكة لم يكن مجرد أزمة نفط أو اختبار جيوسياسي عابر؛ بل اختبار شامل لقدرة الاقتصاد على إدارة الصدمات؛ فالتزامن بين تحقيق فائض في الحساب الجاري، وإعادة توظيف الأصول الخارجية، والحفاظ على احتياطيات قوية، وتأمين تمويل منخفض التكلفة، واستمرار تدفقات الاستثمار، يوضح أن إدارة السيولة السيادية أصبحت جزءاً من استراتيجية اقتصادية متكاملة، لا مجرد استجابة ظرفية للأزمات.

ومع انتظار التقرير النهائي لصندوق النقد الدولي، تبدو الرسالة التي تقدمها التجربة السعودية واضحة: الاستثمار في المرونة الاقتصادية أصبح أحد أهم الأصول السيادية للمملكة، وربما الأكثر قيمة في عالم تتزايد فيه الصدمات الجيوسياسية والاقتصادية.


مقالات ذات صلة

«رؤى الحرم المكي» و«رؤى المدينة» توسعان التعاون الاستثماري مع بروناي

الاقتصاد من مراسم توقيع الاتفاقيتين بحضور سعد الكرود ونايف الحمدان ووزير الشؤون الدينية في بروناي (الشرق الأوسط)

«رؤى الحرم المكي» و«رؤى المدينة» توسعان التعاون الاستثماري مع بروناي

وقّعت شركتا «رؤى الحرم المكي» و«رؤى المدينة القابضة»، التابعتان لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، اتفاقيتين للتعاون مع مؤسسة صندوق الأمانة الإسلامي لبروناي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الجدعان خلال مشاركته في الاجتماع السنوي الحادي عشر لمجلس محافظي البنك الآسيوي للاستثمار (إكس)

الجدعان: نجاح «الآسيوي للاستثمار» يقاس بأثره التنموي لا بحجم تمويله

دعا وزير المالية السعودي محمد الجدعان، البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، إلى التركيز على الأثر التنموي للمشروعات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
عالم الاعمال تواصل مجموعة «stc» تنمية المحتوى المحلي وتعزيز مساهمتها في الاقتصاد الوطني (الشرق الأوسط)

مجموعة «stc» تحقق 53 % محتوى محلياً متجاوزة معيار قطاع الاتصالات

تواصل مجموعة «stc» دعم مسيرة النمو والازدهار في المملكة، من خلال تنمية المحتوى المحلي وتعزيز مساهمتها في الاقتصاد الوطني.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الرئيس التنفيذي لشركة «هيوماين» طارق أمين يتحدث في جلسة ضمن المنتدى الاقتصادي الأول لـ«سيرفكورب» في الرياض (الشرق الأوسط)

رئيس «هيوماين»: السعودية تمتلك مقومات بناء بنية تحتية عالمية للذكاء الاصطناعي

قال الرئيس التنفيذي لشركة «هيوماين»، طارق أمين، إن السعودية تمتلك مقومات أساسية تؤهلها لبناء بنية تحتية عالمية للذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد جانب من حضور «المنتدى الاقتصادي لسيرفكورب» (الشرق الأوسط)

منتدى «سيرفكورب»: السعودية أمام تحولات اقتصادية متسارعة

تتجه السعودية إلى مرحلة اقتصادية تتداخل فيها التحولات الجيوسياسية مع التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي والطاقة وسوق العمل.

ساره بن شمران (الرياض)

ملك إسبانيا: التعامل مع عبور المهاجرين لسبتة مسؤولية الاتحاد الأوروبي

الشرطة ترافق المهاجرين لنقلهم إلى مخيم في سبتة (رويترز)
الشرطة ترافق المهاجرين لنقلهم إلى مخيم في سبتة (رويترز)
TT

ملك إسبانيا: التعامل مع عبور المهاجرين لسبتة مسؤولية الاتحاد الأوروبي

الشرطة ترافق المهاجرين لنقلهم إلى مخيم في سبتة (رويترز)
الشرطة ترافق المهاجرين لنقلهم إلى مخيم في سبتة (رويترز)

قال ملك ‌إسبانيا فيليبي السادس، الثلاثاء، إن الدول الأوروبية كان يجب أن تبدي مزيدا من التضامن مع مدريد وتقدم لها دعما أكبر عقب ​العبور الجماعي لعشرات الآلاف من المهاجرين إلى جيب سبتة.

وكان الملك يتحدث خلال حفل عشاء أقيم بمناسبة زيارة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وجاء حديثه صريحا على غير المعتاد مما يعكس حجم الأزمة التي تواجه إسبانيا في أعقاب تدفق المهاجرين عبر حدود سبتة الذي وقع قبل شهرين.

الملك فيليبي السادس

وقال الملك إن ما حدث في الجيب الواقع على ساحل ‌شمال أفريقيا «غير ‌مقبول» وأدى إلى تحد هائل ​للأمن ‌والنظام ⁠العام ​وكذلك الجانب الإنساني.

وتابع«إنه ⁠موقف وجب أن يؤدي إلى تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء في الموارد والمساندة».

وأضاف «لا يمكن للدول الأوروبية التي تتعرض لأكبر قدر من الضغوط لكونها تقع على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي أن تتحمل بمفردها مسؤولية تقع أيضا على عاتق الجميع».

وتحدث الملك خلال مأدبة عشاء أقيمت في القصر الملكي ⁠في مدريد حضرها أيضا رئيس الوزراء الاشتراكي بيدرو ‌سانتشيث، وهو أحد المؤيدين الأوروبيين ‌القلائل لفوائد الهجرة، والذي أطلق حملة ​كبيرة لتسوية أوضاع المهاجرين غير ‌النظاميين انتهت في الصيف.

غير أن سانتشيث يقترح تغييرات ‌على قواعد اللجوء لإعادة الوافدين بشكل أسرع، وهو ما تقول منظمات غير حكومية ومحامون إن من شأنه أن ينتهك اتفاقيات حقوق الإنسان.

وردا على سؤال في مؤتمر صحافي حول هذه الخطط، قال ‌وزير السياسة الإقليمية أنخيل فيكتور توريس إن الحكومة «تدرس إمكانية» إجراء تعديل تشريعي، لكنه أشار إلى ⁠أن الأمر «ليس ⁠سهلا» بسبب مسائل تتعلق بالقانون الدولي.

وفي أعقاب عبور نحو 72 ألف مهاجر إلى سبتة في 30 يوليو تموز، أشادت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بالإجراءات السريعة التي اتخذتها إسبانيا لإعادة معظم الوافدين إلى المغرب. غير أن قادة آخرين أبدوا تفهما أقل، وعلقت إيطاليا ترتيبات اتفاقية شنجن الخاصة بحرية التنقل مع إسبانيا لمدة شهر.

وكشف مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون الهجرة ماجنوس برونر اليوم الثلاثاء عن خطة لتعزيز الرقابة على الحدود الخارجية للتكتل ​في أعقاب التدفق الفوضوي للمهاجرين ​إلى سبتة.

وستعزز الخطة، التي تتطلب موافقة الدول الأعضاء، صلاحيات الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (فرونتكس) وستزودها بقوة جاهزة للانتشار الفوري.


«رؤى الحرم المكي» و«رؤى المدينة» توسعان التعاون الاستثماري مع بروناي

من مراسم توقيع الاتفاقيتين بحضور سعد الكرود ونايف الحمدان ووزير الشؤون الدينية في بروناي (الشرق الأوسط)
من مراسم توقيع الاتفاقيتين بحضور سعد الكرود ونايف الحمدان ووزير الشؤون الدينية في بروناي (الشرق الأوسط)
TT

«رؤى الحرم المكي» و«رؤى المدينة» توسعان التعاون الاستثماري مع بروناي

من مراسم توقيع الاتفاقيتين بحضور سعد الكرود ونايف الحمدان ووزير الشؤون الدينية في بروناي (الشرق الأوسط)
من مراسم توقيع الاتفاقيتين بحضور سعد الكرود ونايف الحمدان ووزير الشؤون الدينية في بروناي (الشرق الأوسط)

وقّعت شركتا «رؤى الحرم المكي» و«رؤى المدينة القابضة»، التابعتان لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، اتفاقيتين استراتيجيتين للتعاون مع مؤسسة صندوق الأمانة الإسلامي لبروناي (TAIB)، تستهدفان توسيع مجالات التعاون الاستثماري والتطويري بين السعودية وبروناي دار السلام، واستكشاف فرص جديدة في مكة المكرمة والمدينة المنورة وبروناي.

وجرى توقيع الاتفاقيتين في بندر سري بكاوان، عاصمة بروناي، من جانب الرئيس التنفيذي لشركة «رؤى الحرم المكي» بامبانغ كاجايري، والرئيس التنفيذي لشركة «رؤى المدينة القابضة» المهندس أحمد بن وصل الجهني، والأمينة الدائمة الثالثة في وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة والعضو المنتدب لصندوق (TAIB)، حسنة بنت حاج إبراهيم.

وشهد مراسم التوقيع رئيس الإدارة العامة للاستثمارات العقارية المحلية في صندوق الاستثمارات العامة سعد الكرود، ومدير إدارة المحفظة العقارية في المنطقة الغربية بالصندوق ورئيس مجلس إدارة شركة «رؤى المدينة القابضة» نايف الحمدان، إلى جانب وزير الشؤون الدينية ومستشار مؤسسة صندوق الأمانة الإسلامي لبروناي (TAIB)، بنغيران داتو سيري سيتيا الحاج محمد تاشم بن بنغيران حاج حسن.

وتستهدف الاتفاقيتان توسيع مجالات التعاون بين المؤسسات السعودية والبروناوية، وفتح مسارات جديدة للاستثمار والتطوير في مكة المكرمة والمدينة المنورة، بما يشمل مشاريع مرتبطة بالضيافة والسكن وتطوير الوجهات، إلى جانب استكشاف فرص للاستثمار المتبادل في بروناي.

وبموجب الاتفاقية الأولى، ستبحث شركة «رؤى الحرم المكي» وصندوق «TAIB» إمكانية الاستثمار في مشروع مشترك ضمن «بوابة الملك سلمان» في مكة المكرمة، يتضمن مقترحاً لتطوير عقارات مخصصة لاستخدامات الضيافة والسكن، بقيمة تطوير إجمالية تقديرية تبلغ نحو 9.7 مليار ريال (2.6 مليار دولار).

ويظل المضي في المشروع مرهوناً باستكمال الفحص النافي للجهالة، والحصول على الموافقات اللازمة، واستكمال ترتيبات التمويل، وصولاً إلى إبرام الاتفاقيات النهائية بين الأطراف.

وتتولى «رؤى الحرم المكي»، إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة، دور المطور الرئيس لمشروع «بوابة الملك سلمان»، وتسعى من خلاله إلى استقطاب المؤسسات الدولية للمشاركة في الفرص الاستثمارية المرتبطة بالمشروع، بالتوازي مع قيادة عمليات تطويره وتنفيذ رؤيته الشاملة.

وتتيح الاتفاقية لصندوق «TAIB» إمكانية الانضمام إلى «بوابة الملك سلمان» بصفته شريكاً دولياً استراتيجياً، ضمن توجه «رؤى الحرم المكي» لتوسيع تعاونها مع مؤسسات استثمارية من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

وفي مسار موازٍ، ستبحث «رؤى الحرم المكي» و«رؤى المدينة القابضة»، بموجب اتفاقية منفصلة مع صندوق «TAIB»، فرص التعاون في مجالي الاستثمار والتطوير في مكة المكرمة والمدينة المنورة وبروناي دار السلام، بما يتيح ربط الفرص الاستثمارية والتطويرية في المدينتين بالاستثمارات والخبرات القادمة من بروناي، ويفتح المجال أمام استثمارات متبادلة بين الجانبين.

وتعمل «رؤى المدينة القابضة» على عدد من مبادرات التطوير والاستثمار العقاري في المدينة المنورة، تشمل مجالات التخطيط الحضري والضيافة والتطوير التجاري والبنية التحتية.

ويُعد مشروع «رؤى المدينة» المشروع الرئيس للشركة، وقد جرى التخطيط له ليكون وجهة متكاملة للضيافة والأنشطة التجارية، تسهم في زيادة الطاقة الاستيعابية للمدينة المنورة وإثراء تجربة الزوار، ضمن مستهدفات «رؤية 2030».

وتأتي الاتفاقيتان في إطار توسيع العلاقات الاستثمارية بين السعودية وبروناي دار السلام، خصوصاً في المشاريع المرتبطة بمكة المكرمة والمدينة المنورة، مع سعي شركتي «رؤى الحرم المكي» و«رؤى المدينة القابضة» إلى استقطاب مؤسسات دولية للمشاركة في مشاريع التطوير والاستثمار في المدينتين، ودعم المشاريع الهادفة إلى رفع الطاقة الاستيعابية وتحسين تجربة ضيوف الرحمن والزوار.


الذكاء الاصطناعي يقود عملية احتيال بـ95 مليون يورو في بنك إيطالي

شعار «إنتيسا سان باولو» في صورة توضيحية ملتقطة في 3 ديسمبر 2025 (رويترز)
شعار «إنتيسا سان باولو» في صورة توضيحية ملتقطة في 3 ديسمبر 2025 (رويترز)
TT

الذكاء الاصطناعي يقود عملية احتيال بـ95 مليون يورو في بنك إيطالي

شعار «إنتيسا سان باولو» في صورة توضيحية ملتقطة في 3 ديسمبر 2025 (رويترز)
شعار «إنتيسا سان باولو» في صورة توضيحية ملتقطة في 3 ديسمبر 2025 (رويترز)

استخدم محتالون تقنية استنساخ الصوت ورسالة مزيفة عبر تطبيق «واتساب» لانتحال هوية مسؤولين كبار، وإقناع رئيس مجلس إدارة بنك «فيديرام» الإيطالي بتحويل نحو 95 مليون يورو إلى حسابات خارجية، في عملية تكشف جانباً جديداً من مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات الاحتيال المالي.

وبدأت العملية في فبراير (شباط) عندما تلقى باولو موليسيني، الذي كان حينها رئيس مجلس إدارة «فيديرام»، رسالة عبر «واتساب» بدت وكأنها واردة من كارلو ميسينا، الرئيس التنفيذي لمجموعة «إنتيسا سان باولو»، تطلب منه المساعدة بصورة عاجلة في تنفيذ معاملة مالية خارجية، وفق مصدرين مطلعين تحدثا إلى «رويترز».

وبعد الرسالة، تلقى موليسيني اتصالاً هاتفياً من شخص انتحل شخصية شريك كبير في إحدى شركات المحاماة، لتأكيد طلب التحويل. وقالت المصادر إن المحتالين استخدموا تقنية الذكاء الاصطناعي لاستنساخ صوت المحامي، ما أضفى على الطلب مظهراً إضافياً من المصداقية.

وبناءً على اعتقاده بأن الطلب حقيقي، وجّه موليسيني إدارة الشؤون المالية في «فيديرام» لترتيب سلسلة من التحويلات إلى حسابات خارجية، معظمها في الصين وهونغ كونغ، حسب المصادر.

وتبرز العملية كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يستغل واحدة من أكثر أدوات التحقق شيوعاً في بيئة الأعمال، وهي التعرف على صوت الشخص أو الثقة في هوية المرسل، بدلاً من اختراق أنظمة الدفع المصرفية مباشرة. وفي هذه الحالة، تمكن المحتالون من جعل تعليمات احتيالية تبدو وكأنها صادرة عن مصدرين موثوقين ومستقلين، أحدهما عبر رسالة مكتوبة والآخر عبر مكالمة صوتية.

وسرعان ما اكتشف «فيديرام» وجود تحويلات غير اعتيادية، وأخطر البنوك والسلطات المعنية في عدد من الدول. وأسهم تعاون السلطات في إيطاليا والصين والبرتغال في استرداد نحو 53 مليون يورو، فيما لا يزال نحو 36 مليون يورو غير متتبع، بعدما مر عبر شبكة من الحسابات الخارجية وحُوّل جزء منه إلى عملات مشفرة، وفق المصادر.

وتخضع القضية لتحقيقات في ميلانو، حيث وضعت السلطات شخصاً أجنبياً يقيم خارج أوروبا قيد التحقيق للاشتباه في ارتكابه جريمة احتيال إلكتروني. وقالت المصادر إن موليسيني ومسؤولين آخرين في «فيديرام» ليسوا قيد التحقيق.

وكان موليسيني قد استقال من رئاسة مجلس إدارة «فيديرام» في مارس (آذار)، مشيراً إلى أسباب شخصية، ولم يقدم البنك حينها تفسيراً إضافياً لاستقالته.

وتسلط الواقعة الضوء على اتساع استخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات انتحال الهوية والاحتيال المالي، مع انخفاض تكلفة إنتاج أصوات ورسائل قادرة على تقليد أشخاص حقيقيين بصورة مقنعة. كما تكشف أهمية عدم اعتبار المكالمات الهاتفية أو الرسائل الواردة عبر تطبيقات التواصل دليلاً كافياً على صحة تعليمات التحويلات المالية، خصوصاً عندما تتعلق بمبالغ كبيرة أو بطلبات عاجلة.

ولا تعد هذه أول عملية احتيال من هذا النوع في إيطاليا؛ ففي العام الماضي استخدم محتالون الذكاء الاصطناعي لتقليد صوت وزير إيطالي وإقناع رجل الأعمال ماسيمو موراتي بتحويل نحو مليون يورو إلى حساب خارجي، قبل استرداد الأموال لاحقاً، وفق «رويترز».