اقتراض بريطانيا يرتفع بأكثر من المتوقع في مايو بفعل تكلفة الدين

الطقس الدافئ يعزز مبيعات التجزئة ويدعم مرونة الاستهلاك

صورة عامة لمبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
صورة عامة لمبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
TT

اقتراض بريطانيا يرتفع بأكثر من المتوقع في مايو بفعل تكلفة الدين

صورة عامة لمبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
صورة عامة لمبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

أظهرت بيانات رسمية صدرت يوم الجمعة أن اقتراض الحكومة البريطانية ارتفع بوتيرة أسرع من المتوقع خلال مايو (أيار)، مدفوعاً بزيادة تكاليف خدمة الدين المرتبط بالتضخم، في تطور يسلّط الضوء على الضغوط المتزايدة التي تواجه المالية العامة.

وبلغ عجز الموازنة الحكومية 23.3 مليار جنيه إسترليني (30.7 مليار دولار) في مايو، بارتفاع نسبته 30 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، متجاوزاً توقعات جميع الاقتصاديين في استطلاع أجرته «رويترز»، التي أشارت إلى 18.5 مليار جنيه إسترليني.

وتعتمد بريطانيا بدرجة ملحوظة على السندات المرتبطة بالتضخم مقارنة بالعديد من الدول الأخرى، حيث ترتبط مدفوعات الفائدة وأصل الدين بمؤشر أسعار التجزئة، مع تأخير زمني يبلغ ثلاثة أشهر. وقد سجل هذا المؤشر 3.1 في المائة في مايو، بعد أن كان أعلى في وقت سابق من العام، ما ساهم في رفع تكلفة خدمة الدين.

وأظهرت البيانات أن صافي اقتراض القطاع العام خلال أول شهرين من السنة المالية ارتفع بنسبة 24 في المائة مقارنة بالعام الماضي، ليصل إلى 46.3 مليار جنيه إسترليني، مقابل توقعات مكتب مسؤولية الموازنة البالغة 38.6 مليار جنيه.

وقال مات سوانيل، كبير المستشارين الاقتصاديين في «آي تي إي إم كلوب» للتوقعات الاقتصادية، إن هناك تساؤلات مستمرة حول مدى كفاية الخطط الحالية لخفض مستويات الاقتراض العام، في ظل استمرار الضغوط على المالية العامة.

وارتفعت تكاليف فوائد الدين خلال مايو وحده بنسبة 54 في المائة على أساس سنوي، مع توقع مكتب الإحصاء الوطني مزيداً من الارتفاع في البيانات المقبلة، ما يزيد من العبء على الميزانية العامة.

وفي سياق متصل، قدمت بريطانيا مؤخراً عائدات مرتفعة للمستثمرين، وباعت سندات لأجل 15 عاماً بقيمة 9 مليارات جنيه إسترليني بعائد هو الأعلى منذ عام 1998 على الأقل، ما يعكس ارتفاع تكلفة التمويل الحكومي.

كما تواجه الحكومة ضغوطاً إضافية مرتبطة بتمويل الإنفاق الدفاعي المتزايد ضمن القيود المالية الحالية، إلى جانب التزامات الإنفاق على وزارات أخرى، ما أدى إلى توترات سياسية داخلية.

وفي هذا السياق، سجلت إيرادات الضرائب والإيرادات الحكومية الأخرى ارتفاعاً بنسبة 4.1 في المائة منذ بداية العام، بينما ارتفعت مدفوعات المزايا الاجتماعية، بما فيها المعاشات، بنسبة 7.4 في المائة، وزاد الإنفاق على الخدمات العامة بنسبة 2.9 في المائة.

يتجول أشخاص في قسم مستحضرات التجميل داخل متجر جون لويس في شارع أكسفورد في لندن (رويترز)

الطقس الدافئ يعزز مبيعات التجزئة

أظهرت بيانات رسمية صدرت يوم الجمعة أن المستهلكين في المملكة المتحدة زادوا إنفاقهم خلال شهر مايو، مدعومين بارتفاع الطلب على السلع الموسمية مع الطقس الدافئ، ما أسهم في تعزيز مبيعات التجزئة وأعطى دفعة إضافية للنشاط الاقتصادي، رغم استمرار الضغوط التضخمية.

وبحسب مكتب الإحصاء الوطني، ارتفع حجم مبيعات التجزئة بنسبة 1.2 في المائة في مايو، متجاوزاً توقعات الاقتصاديين التي أشارت إلى زيادة قدرها 0.5 في المائة في استطلاع أجرته «رويترز». كما جرى تعديل الانخفاض المسجل في أبريل (نيسان) إلى تراجع أقل حدة عند 1 في المائة، بعدما تأثرت المبيعات حينها بارتفاع أسعار الوقود المرتبطة بتداعيات الحرب في إيران.

وعلى أساس سنوي، ارتفعت مبيعات التجزئة بنسبة 3.2 في المائة في مايو، مقارنة بتوقعات عند 1.9 في المائة، ما يعكس أداءً أقوى من المتوقع في إنفاق الأسر.

وقال روب وود، كبير الاقتصاديين في «بانثيون ماكروإيكونوميكس»، إن الطقس الدافئ ساهم في دعم مبيعات مايو، لكنه في الوقت نفسه يعكس مرونة ملحوظة لدى المستهلكين في مواجهة ارتفاع تكاليف الطاقة، مشيراً إلى أن الأسر تتعامل مع صدمات الأسعار باعتبارها مؤقتة عبر ضبط أنماط الإنفاق.

وأضاف أن البيانات تشير إلى أن الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة لم تُضعف بشكل كبير سلوك الاستهلاك، رغم استمرار تأثيرها على القدرة الشرائية.

وسجّل قطاع التجزئة أكبر ارتفاع له خلال ثلاثة أشهر منذ سبتمبر (أيلول) 2024، مدفوعاً بزيادة الطلب على الملابس والمشتريات عبر الإنترنت، إضافة إلى انتعاش مبيعات المتاجر الكبرى التي استفادت من العروض الموسمية واستعدادات موسم الصيف.

وقالت ساندرا برينس، رئيسة قطاع المستهلكين في بنك «لويدز»، إن تجار التجزئة يحاولون الحفاظ على الأسعار عبر العروض الترويجية والتركيز على القيمة، رغم استمرار ضغوط التكاليف، مشيرة إلى أن موسم الصيف والفعاليات الرياضية الكبرى قد يساهمان في دعم الزخم خلال الفترة المقبلة.

في المقابل، أظهر استطلاع حديث أن ثقة المستهلكين بقيت مستقرة في يونيو (حزيران)، إلا أن فئة الشباب سجلت أدنى مستويات التفاؤل بشأن الاقتصاد والظروف المالية الشخصية منذ عامين، بينما أصبحت الأسر أقل استعداداً لشراء السلع مرتفعة القيمة منذ يناير (كانون الثاني) 2025.

وأشارت شركات التجزئة الكبرى في بريطانيا إلى أن التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط لا تزال تمثل مصدر قلق، رغم وجود بعض المؤشرات الإيجابية عقب الاتفاق المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكدة استمرار مراقبة تأثير هذه التطورات على التكاليف وسلاسل الإمداد.

وسبق أن سجل الاقتصاد البريطاني انكماشاً في أبريل، لكنه عاد ليظهر إشارات تحسن، حيث رفع بنك إنجلترا توقعاته لنمو الربع الحالي إلى 0.2 في المائة، مقارنة بـ0.1 في المائة سابقاً.

وأبقى بنك إنجلترا أسعار الفائدة دون تغيير عند 3.75 في المائة خلال اجتماعه الأخير، رغم تصويت اثنين من صناع السياسة النقدية لصالح رفعها بمقدار 25 نقطة أساس، في إشارة إلى استمرار الجدل داخل المؤسسة النقدية بشأن مسار التضخم.

وتُسعّر الأسواق المالية احتمالاً ضعيفاً لا يتجاوز 15 في المائة لرفع جديد في أسعار الفائدة خلال الشهر المقبل، مع عدم تسعير كامل لأي زيادة إضافية قبل ديسمبر (كانون الأول).


مقالات ذات صلة

مسؤول أميركي: الاقتصاد يتسم بالمتانة لكن التضخم لا يزال أعلى من اللازم

الاقتصاد امرأة تتسوق في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)

مسؤول أميركي: الاقتصاد يتسم بالمتانة لكن التضخم لا يزال أعلى من اللازم

قال رئيس بنك الاحتياطي الاتحادي (المركزي الأميركي) في نيويورك، الجمعة، إن النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة ظل يتسم بالمتانة، لكن التضخم أعلى من اللازم.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
الاقتصاد شاشة تعرض بيانات سوق الأسهم في بورصة نيويورك (رويترز)

مخاوف التضخم تتجدد... وتباطؤ النمو يثير قلق الأسواق

تُلقي حالة عدم اليقين بشأن آفاق النمو الاقتصادي، والتوقعات باستمرار ارتفاع التضخم خلال العام المقبل، بظلالها على الأسواق العالمية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سبائك ذهب بأحجام مختلفة داخل خزنة على طاولة لدى تاجر المعادن النفيسة «برو أوروم» بافاريا ميونيخ (د.ب.أ)

الذهب يخسر أكثر من 1 % مع ارتفاع النفط وترقب بيانات الوظائف الأميركية

تراجعت أسعار الذهب، الجمعة، مع انتعاش أسعار النفط، ما عزز المخاوف بشأن التضخم والتوقعات باستمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا متظاهرون يسيرون في باريس ضمن يوم تحرك وطني يجمع الإضرابات النقابية والاحتجاجات الطلابية يوم 5 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)

احتجاجاً على غلاء المعيشة... شوارع فرنسا تكتظ بمئات آلاف المتظاهرين

خرج مئات الآلاف في مختلف أنحاء فرنسا للمشاركة في مظاهرات وتحركات احتجاجية تنظمها الهيئات النقابية تحت شعار «طفح الكيل» للمطالبة بزيادة الأجور والحد من الغلاء.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد بيث هاماك خلال كلمة أمام النادي الاقتصادي في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

مسؤولة في «الفيدرالي»: خفض التضخم إلى 2 % يتطلب مزيداً من رفع الفائدة تدريجياً

قالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، الخميس، إن البنك المركزي الأميركي لا يزال أمامه مزيد من العمل لخفض التضخم إلى مستهدفه.

«الشرق الأوسط» (زيوريخ )

مسؤول أميركي: الاقتصاد يتسم بالمتانة لكن التضخم لا يزال أعلى من اللازم

امرأة تتسوق في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
امرأة تتسوق في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

مسؤول أميركي: الاقتصاد يتسم بالمتانة لكن التضخم لا يزال أعلى من اللازم

امرأة تتسوق في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
امرأة تتسوق في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)

قال جون وليامز رئيس بنك الاحتياطي الاتحادي (المركزي الأميركي) في نيويورك، الجمعة، إن النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة ظل يتسم بالمتانة بشكل ملحوظ رغم الصدمات المتتالية، لكن التضخم لا يزال أعلى من اللازم، ومن الضروري إعادته إلى المستوى المستهدف البالغ 2 في المائة.

وأضاف وليامز خلال مؤتمر للبنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت: «معدل التضخم أعلى بالقطع من اللازم. هو مرتفع للغاية منذ فترة طويلة جداً».

وتابع قائلاً: «من الضروري للغاية أن نعيد التضخم إلى هدفنا البالغ اثنين في المائة في الوقت المناسب وعلى أسس مستدامة».


«الفاو»: تراجع أسعار الغذاء العالمية في أكتوبر رغم ارتفاعها 5.9 % سنوياً

تُعرض منتجات طازجة في أحد أكشاك بيع الفاكهة والخضراوات في شارع بورتوبيلو بلندن (رويترز)
تُعرض منتجات طازجة في أحد أكشاك بيع الفاكهة والخضراوات في شارع بورتوبيلو بلندن (رويترز)
TT

«الفاو»: تراجع أسعار الغذاء العالمية في أكتوبر رغم ارتفاعها 5.9 % سنوياً

تُعرض منتجات طازجة في أحد أكشاك بيع الفاكهة والخضراوات في شارع بورتوبيلو بلندن (رويترز)
تُعرض منتجات طازجة في أحد أكشاك بيع الفاكهة والخضراوات في شارع بورتوبيلو بلندن (رويترز)

تراجعت أسعار الغذاء العالمية بشكل طفيف خلال أكتوبر (تشرين الأول)، مع مساهمة ضعف الطلب على الواردات في انخفاض الأسعار الشهرية للحبوب ومنتجات الألبان واللحوم، لكنها ظلت أعلى بنحو 6 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفقاً لما أعلنته منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، الجمعة.

وبلغ متوسط مؤشر «الفاو» لأسعار الغذاء، الذي يتتبع التغيرات الشهرية في الأسعار الدولية لسلة من السلع الغذائية، 133.9 نقطة في أكتوبر، مقارنة مع 135.6 نقطة بعد المراجعة في سبتمبر (أيلول).

وسجل المؤشر ارتفاعاً بنسبة 5.9 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، لكنه ظل أقل بنسبة 16.4 في المائة من ذروته المسجلة في مارس (آذار) 2022.

وانخفض مؤشر «الفاو» لأسعار الحبوب بنسبة 4.5 في المائة مقارنة بسبتمبر، وبنسبة 12.6 في المائة على أساس سنوي، مع تراجع أسعار القمح والذرة.

وتراجعت أسعار القمح بفعل ضعف الطلب على الواردات وتحسن آفاق الإنتاج، ولا سيما في الأرجنتين.

وقالت «الفاو» في بيان: «أسهمت التوقعات بتخفيف القيود المفروضة على تدفقات الصادرات عبر البحر الأسود في زيادة الضغوط النزولية على الأسعار، رغم أن استمرار الاضطرابات اللوجستية في المنطقة حدّ من هذا التراجع».

كما انخفضت أسعار الذرة بعد بلوغها أعلى مستوى لها في ثلاث سنوات خلال سبتمبر، متأثرة بموسم الحصاد في الولايات المتحدة، والتوقعات بوفرة الإمدادات في أميركا الجنوبية، وتجدد الآمال بتخفيف التوترات في منطقة البحر الأسود.

وفي المقابل، ارتفعت أسعار الزيوت النباتية بنسبة 0.3 في المائة؛ إذ عوّض ارتفاع أسعار زيتَي الصويا ودوّار الشمس تراجع أسعار زيت بذور اللفت.

وصعدت أسعار السكر بنسبة 6.6 في المائة، مسجلة الزيادة الشهرية الرابعة على التوالي، لتبلغ أعلى مستوياتها منذ ديسمبر (كانون الأول) 2024، بعدما أدت الأمطار إلى تعطيل عمليات الحصاد في البرازيل. وبذلك أصبحت الأسعار أعلى بنسبة 28.8 في المائة مقارنة بمستوياتها قبل عام.

وانخفض مؤشر أسعار منتجات الألبان بنسبة 1.1 في المائة، مع تجاوز أثر تراجع أسعار الزبدة والأجبان، نتيجة وفرة المعروض وضعف الطلب، مكاسب أسعار مسحوق الحليب.

كما تراجع مؤشر أسعار اللحوم بنسبة 1.2 في المائة، رغم بقائه أعلى قليلاً من مستواه قبل عام، مع انخفاض أسعار لحوم الخنازير والأغنام والأبقار.


مخاوف التضخم تتجدد... وتباطؤ النمو يثير قلق الأسواق

شاشة تعرض بيانات سوق الأسهم في بورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض بيانات سوق الأسهم في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

مخاوف التضخم تتجدد... وتباطؤ النمو يثير قلق الأسواق

شاشة تعرض بيانات سوق الأسهم في بورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض بيانات سوق الأسهم في بورصة نيويورك (رويترز)

تُلقي حالة عدم اليقين بشأن آفاق النمو الاقتصادي، والتوقعات باستمرار ارتفاع التضخم خلال العام المقبل، بظلالها على الأسواق العالمية، رغم الآمال بأن يؤدي احتمال خفض التصعيد في الحرب الإيرانية إلى تراجع أسعار النفط.

وارتفعت تكاليف الاقتراض الحكومي بشكل حاد هذا العام، في حين سجل مؤشر «ناسداك»، الذي تهيمن عليه شركات التكنولوجيا، الخميس، أكبر انخفاض يومي له منذ موجة البيع التي أعقبت إعلان «يوم التحرير» في أبريل (نيسان) 2025. كما أظهرت البيانات الاقتصادية الأوروبية مزيداً من الضعف، وفق «رويترز».

ويعزز تضافر هذه العوامل المخاوف من استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة، حتى مع تباطؤ النمو الاقتصادي. في المقابل، أثار فوز الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي الأميركية آمالاً بإمكانية التوصل في نهاية المطاف إلى إنهاء الحرب الإيرانية.

النفط لا يزال مرتفعاً

تراجعت أسعار النفط بنحو 15 في المائة خلال الأسبوع الحالي، لتستقر دون مستوى 100 دولار للبرميل بقليل. لكن محللين يحذرون من أن التوصل إلى تسوية للحرب الإيرانية لا يزال غير مؤكد؛ ما يبقي المجال مفتوحاً أمام عودة الأسعار إلى الارتفاع.

ورغم التراجع الأخير، لا تزال أسعار النفط أعلى بنسبة 64 في المائة منذ بداية العام، في حين تستقر أسعار الغاز الطبيعي عند نحو ثلاثة أمثال مستوياتها المسجلة مطلع عام 2026.

وتُبقي هذه الظروف توقعات التضخم على المدى القريب مرتفعة، وتعزز المخاوف من استمرار الضغوط السعرية بالتزامن مع تباطؤ النمو؛ الأمر الذي قد يدفع البنوك المركزية إلى مواصلة رفع أسعار الفائدة.

وارتفع مؤشر جامعة ميشيغان لقياس توقعات التضخم في الولايات المتحدة خلال عام واحد بشكل طفيف إلى 4.7 في المائة في أكتوبر (تشرين الأول)، مقارنة مع 4.6 في المائة في سبتمبر (أيلول)، و3.4 في المائة في فبراير (شباط).

ولا تزال المؤشرات السوقية لتوقعات التضخم على المدى الطويل أعلى من 2 في المائة في كل من منطقة اليورو والولايات المتحدة، وتتجاوز 3 في المائة في بريطانيا.

وتؤدي زيادة تكاليف الطاقة إلى تفاقم التضخم، في الوقت الذي تضغط فيه على النمو الاقتصادي من خلال رفع نفقات النقل والتصنيع والإنفاق الأسري.

وقال إينيغو فريزر جينكينز، كبير استراتيجيي الاستثمار في شركة «أليانس برنشتاين»، إن التوترات الجيوسياسية واضطرابات الإمدادات التي تغذي الضغوط التضخمية ستستمر حتى بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية.

وأضاف: «اليوم يتعلق الأمر بالنفط، لكن في المرة المقبلة قد يكون الكوبالت أو الليثيوم أو شيئاً آخر، وعلينا أن نعتاد على ذلك»، مشيراً إلى أن هذه التطورات ستنعكس في صورة تضخم أعلى وتقلبات أكبر.

متسوقون بأحد المتاجر الكبرى في هونغ كونغ (رويترز)

أسعار الغذاء تزيد الضغوط

لا تزال أسعار الغذاء، التي ارتفعت بفعل الظروف المناخية القاسية واضطرابات الشحن وارتفاع تكاليف الطاقة، أحد أبرز مصادر القلق بشأن التضخم.

وسجل مؤشر منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) لأسعار الغذاء أعلى مستوى له منذ نحو أربع سنوات.

وقد ترتفع التكاليف أكثر، في ظل تحذيرات أطلقتها شركات كبرى للسلع الاستهلاكية والأغذية من زيادات سعرية لتعويض ارتفاع النفقات، في حين أبدت الهيئة التجارية الرئيسية لقطاع التجزئة في بريطانيا مخاوف مماثلة.

وقال هانك كالينتي، استراتيجي الأسواق العالمية لدى بنك «إس إم بي سي»، إن تضخم أسعار الغذاء قد يؤدي أيضاً إلى اتساع الضغوط الاقتصادية.

وأوضح أن ارتفاع أسعار الغذاء يدفع المستهلكين إلى الاعتقاد بأن التضخم أصبح واقعاً مستمراً؛ ما قد يجعلهم يطالبون بوظائف أفضل أو بأجور أعلى، مضيفاً أن ذلك يؤدي إلى ظهور ما يُعرف بـ«آثار الجولة الثانية» للتضخم، عندما تنتقل الزيادات السعرية إلى الأجور وتكاليف الإنتاج.

تشديد الأوضاع التمويلية

يرى محللون أن تشديد الأوضاع المالية يمثل سبباً إضافياً للحذر بشأن آفاق النمو الاقتصادي.

فقد ارتفعت تكاليف الاقتراض الحكومي في الولايات المتحدة بمقدار 85 نقطة أساس خلال الربع الثالث، في حين زادت بأكثر من 100 نقطة أساس في كل من فرنسا وإيطاليا. ورغم تراجع عوائد السندات منذ ذلك الحين، فإنها لا تزال أعلى بكثير مما كانت عليه في بداية العام.

ومن شأن الطلب على السندات الألمانية، التي تُعدّ ملاذاً آمناً، أن يساعد في احتواء تكاليف الاقتراض في أنحاء منطقة اليورو. لكن اتساع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية قد يؤدي إلى تشديد الأوضاع التمويلية، حتى من دون أي تغيير في سياسة البنك المركزي الأوروبي.

وأظهرت تقديرات للبنك المركزي الأوروبي، جرى تداولها قبل اجتماعه الأخير للسياسة النقدية الخميس الماضي، أن الارتفاع الأخير في عوائد السندات سيؤدي إلى خفض النمو الاقتصادي التراكمي بمقدار 100 نقطة أساس خلال عامي 2027 و2028، مقارنة بتوقعات سبتمبر (أيلول).

تداعيات موجة بيع التكنولوجيا

يشكل تراجع الأصول عالية المخاطر، ولا سيما الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مؤشراً آخر على تشديد الأوضاع المالية.

ولا تزال المؤشرات الرئيسية للأسهم قريبة من مستوياتها القياسية، لكن المستثمرين بدأوا يشككون في قوة طفرة الذكاء الاصطناعي، خصوصاً بعدما عزز فوز الديمقراطيين التوقعات بفرض رقابة أكثر صرامة على هذا القطاع.

وقد أدت موجة البيع، الخميس، إلى محو تريليونات الدولارات من القيمة السوقية لمؤشر «ناسداك».

ومن شأن استمرار التراجعات أن يقلص ثروات الأسر، ويرفع تكاليف التمويل أمام الشركات، ويحدّ من استعداد المستثمرين لتحمل المخاطر، بما قد ينعكس سلباً على الاستثمارات المستقبلية.

وقالت مجموعة «سيتي» في مذكرة إن الأوضاع المالية شهدت تشديداً خلال الأسبوع الماضي، مع اتساع فروق العوائد في أسواق الائتمان وتراجع أسعار الأسهم، لكنها أشارت إلى أن مسؤولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي قد لا يكونون مستعدين بعد للاستنتاج بأن الأوضاع أصبحت مقيدة بالقدر الكافي.

أفق مدينة نيويورك ومبنى «إمباير ستيت» في مدينة ويهاوكن بولاية نيوجيرسي (رويترز)

مؤشرات اقتصادية أكثر ضعفاً

تباطأ النمو الاقتصادي في منطقة اليورو بشكل حاد خلال أكتوبر (تشرين الأول)، مع اقتراب الطلب من حالة الركود، في حين ضغط ارتفاع التكاليف على الشركات وتراجعت الثقة إلى أدنى مستوياتها في خمسة أشهر، وفقاً لبيانات صدرت الأربعاء.

كما يشير مؤشر «سيتي» للمفاجآت الاقتصادية في أوروبا، الذي يقيس مدى تجاوز البيانات للتوقعات أو تخلفها عنها، إلى مسار تنازلي.

في المقابل، لا يزال النمو الاقتصادي الأميركي متماسكاً، مدعوماً جزئياً بالاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وحذَّر آر جيه غالو، كبير مسؤولي الاستثمار في أدوات الدخل الثابت العالمية لدى «فيديريتد هيرميس»، من الإفراط في استخدام مصطلح «الركود التضخمي»، الذي يصف اجتماع التضخم المرتفع وضعف النمو وزيادة البطالة.

وأشار إلى أن الاقتصاد الأميركي يواصل النمو بوتيرة قوية، وأن معدل البطالة البالغ 4.2 في المائة لا يزال منخفضاً وفق المعايير التاريخية، مضيفاً أن «التضخم لا يزال مصدر القلق الرئيسي لمجلس الاحتياطي الفيدرالي».