«جي بي مورغان» يلوّح بمغادرة لندن: هل تعود بريطانيا لسياسات «استهداف البنوك»؟

ديمون أثناء حضوره حفل قص الشريط في المقر الرئيسي الجديد للشركة بمدينة نيويورك في 2025 (رويترز)
ديمون أثناء حضوره حفل قص الشريط في المقر الرئيسي الجديد للشركة بمدينة نيويورك في 2025 (رويترز)
TT

«جي بي مورغان» يلوّح بمغادرة لندن: هل تعود بريطانيا لسياسات «استهداف البنوك»؟

ديمون أثناء حضوره حفل قص الشريط في المقر الرئيسي الجديد للشركة بمدينة نيويورك في 2025 (رويترز)
ديمون أثناء حضوره حفل قص الشريط في المقر الرئيسي الجديد للشركة بمدينة نيويورك في 2025 (رويترز)

يواجه حي المال في لندن موجة من القلق عقب التحذيرات التي أطلقها الرئيس التنفيذي لبنك «جي بي مورغان» والتي لوّح فيها بإلغاء مشروع بناء المقر الرئيسي الجديد للبنك.

يواجه حي المال في لندن موجة من القلق والارتباك عقب التحذيرات الصريحة التي أطلقها جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك «جي بي مورغان»، والتي لوّح فيها بإمكانية إلغاء مشروع بناء المقر الرئيسي الجديد للبنك في «كاناري وارف» والبالغة قيمته 3 مليارات جنيه إسترليني. وربط استمرار هذا المشروع الضخم ببقاء «بيئة أعمال إيجابية»، محذراً من أن أي تغيير في القيادة البريطانية يسفر عن مجيء رئيس وزراء «معادٍ للبنوك» قد يدفع المصرف الأميركي لإعادة النظر في استثماراته بالكامل.

هذه التهديدات لم تكن مجرد موقف لمصرف أميركي عملاق، بل جاءت لتعبر عن مخاوف دفينة تشترك فيها كافة البنوك البريطانية المحلية التي بدأت تشعر باهتزاز الأرض تحت أقدامها نتيجة الاضطراب السياسي في «داونينغ ستريت».

خوف من «الاستهداف الضريبي»

أوضح ديمون أن المشكلة لا تكمن في «عدم الاستقرار السياسي» بحد ذاته، بل في احتمالية عودة الحكومة لاستهداف القطاع المصرفي ضريبياً. وأشار صراحةً إلى اعتراضه التاريخي على دفع البنك ما يقرب من 10 مليارات دولار كضرائب إضافية، مستهدفاً بذلك نوعين من الرسوم التي فُرضت عقب أزمة 2008:

* الرسوم المصرفية الإضافية: وهي ضريبة تقتطع نسبة إضافية من أرباح البنوك فوق الضريبة العامة للشركات، مما يضعف قدرتها على إعادة الاستثمار. وهناك اقتراح بزياتها من 3 في المائة إلى 5 في المائة.

* الرسم المصرفي (Bank Levy): وهو رسم يُفرض على حجم الميزانية العمومية للبنوك، مما يمثل عبئاً مستمراً بغض النظر عن حالة الربحية، وهو إجراء وُرث من تبعات أزمة 2008 ولم يُلغَ حتى الآن.

سوق السندات... وقود الأزمة السياسية

لم تكن تحذيرات ديمون معزولة عن الواقع، إذ أدت الاضطرابات السياسية المحيطة بمستقبل كير ستارمر في «داونينغ ستريت» إلى حالة من الارتباك في أسواق السندات وهبوط حاد في أسهم البنوك المحلية. ويرى الخبراء في «سيتي أوف لندن» أن هذا المناخ السياسي المتوتر قد يؤدي إلى:

* عرقلة الطروحات الأولية: إذ تتطلب عمليات الإدراج في البورصة استقراراً سوقياً يفتقده المشهد الحالي.

* خطر «السباق الفوضوي» على القيادة: يخشى المستثمرون تكرار تجربة تغيير رؤساء الوزراء المستمر، مما قد يجهض إشارات النمو الإيجابية التي أرسلتها وزيرة الخزانة راشيل ريفز.

مفارقة الأرباح والرسوم

في مقابل هذه التهديدات، هناك مفارقة مثيرة للجدل؛ فبينما يهدد البنك بإلغاء المقر الذي يفترض أن يضم أكثر من 11 ألف موظف، يسعى في الوقت ذاته للحصول على «حوافز مالية» من الحكومة البريطانية، تشمل خصومات على «رسوم الأعمال» للعقار، وذلك رغم تحقيق البنك صافي دخل ضخم بلغ 57 مليار دولار في عام 2025.

وفي ظل الانقسام الداخلي في حزب العمال، يخشى المستثمرون من أن يؤدي رحيل القيادة الحالية إلى صعود تيار يرى في البنوك «هدفاً سهلاً» لتمويل عجز الموازنة المتفاقم بسبب تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.

يرى مراقبون أن تهديد «جي بي مورغان» ليس مجرد مناورة عقارية، بل هو إنذار مبكر من أن لندن قد تخسر مكانتها كمركز مالي عالمي إذا ما انزلقت السياسة البريطانية مجدداً نحو «الاستهداف القطاعي»، مما قد يدفع برؤوس الأموال والمقرات الدولية نحو مراكز مالية أخرى في أوروبا أو الولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

الخليج وبريطانيا لإتمام اتفاقية التجارة الحرة

الاقتصاد من مراسم توقيع البيان المشترك لختام مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة (مجلس التعاون الخليجي)

الخليج وبريطانيا لإتمام اتفاقية التجارة الحرة

وقع أمين عام مجلس التعاون الخليجي، جاسم البديوي، مع وزير الدولة البريطاني لشؤون التجارة، كريس براينت، على البيان المشترك لختام مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد قارب يبحر أمام «جسر البرج» في لندن (أ.ب)

بريطانيا تمدد خفض ضريبة الوقود حتى نهاية العام في مواجهةٍ لتداعيات الحرب

أعلنت الحكومة البريطانية، الأربعاء، عن تمديد خفض ضريبة وقود السيارات بمقدار 5 بنسات للتر الواحد حتى نهاية العام الحالي...

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد لافتة «للبيع» معلقة أمام عقار في لوس أنجليس (أ.ف.ب)

شلل يهدد أسواق العقارات الغربية... وفوضى «الرهن» تضرب بريطانيا

امتدت الهزات الارتدادية العنيفة للصراع في الشرق الأوسط لتضرب أسواق العقارات السكنية في أوروبا وأميركا الشمالية؛ حيث قفزت تكاليف القروض العقارية بشكل حاد...

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد ستارمر يتابع مناقشة خطاب الملك في مجلس العموم بلندن وإلى جانبه وزيرة الخزانة (رويترز)

نمو «قسري» يمنح ستارمر استراحة محارب وسط عواصف «هرمز»

فجَّر الاقتصاد البريطاني مفاجأة مدوية مع بداية عام 2026، محققاً نمواً بنسبة 0.6 في المائة خلال الربع الأول متجاوزاً كافة التوقعات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد صورة للوحة إرشادية لـ«داونينغ ستريت» مقر إقامة رئيس الوزراء البريطاني في وسط لندن (أ.ف.ب)

«أزمة المصداقية» في «داونينغ ستريت» تفتح أبواب الفوضى المالية

بدأت ملامح الأزمة البريطانية من قلب «داونينغ ستريت»، حيث لم يعد الاضطراب السياسي مجرد صراع على السلطة، بل تحول شرارةً أشعلت فتيلَ «أزمةِ مصداقيةٍ» حادة...

«الشرق الأوسط» (لندن)

اتفاق تجارة تاريخي بين الخليج وبريطانيا

من مراسم توقيع البيان المشترك لختام مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة (مجلس التعاون الخليجي)
من مراسم توقيع البيان المشترك لختام مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة (مجلس التعاون الخليجي)
TT

اتفاق تجارة تاريخي بين الخليج وبريطانيا

من مراسم توقيع البيان المشترك لختام مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة (مجلس التعاون الخليجي)
من مراسم توقيع البيان المشترك لختام مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة (مجلس التعاون الخليجي)

أعلنت دول مجلس التعاون الخليجي وبريطانيا، أمس، إبرام اتفاق تجارة حرة تاريخياً وضخماً بينهما بقيمة نحو 5 مليارات دولار، لتصبح بريطانيا بذلك أول دولة من «مجموعة السبع» توقع اتفاقاً من هذا النوع مع التكتل الخليجي.

وكان هذا الاتفاق قد نوقش للمرة الأولى عام 2017 عقب تصويت بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي، لتبدأ المفاوضات الرسمية في يونيو (حزيران) 2022.

وأعلنت ‌الحكومة البريطانية ​أن قيمة الاتفاق ستبلغ 3.7 مليار جنيه إسترليني (4.96 مليار دولار) سنوياً على المدى الطويل.

وسيزيل الاتفاق 93 في المائة من الرسوم الجمركية لدول مجلس التعاون على السلع البريطانية، أي ما يعادل إلغاء رسوم قيمتها 580 مليون جنيه إسترليني بحلول ‌السنة العاشرة من سريان الاتفاق. وفي المقابل، تُخفّض بريطانيا الرسوم الجمركية على دول مجلس التعاون.

كما يضع الاتفاق أطراً للاعتراف بالمؤهلات المهنية، فيما يخص السفر من دولة أحد الجانبين للعمل في دولة الجانب الآخر.


الخليج وبريطانيا لإتمام اتفاقية التجارة الحرة

من مراسم توقيع البيان المشترك لختام مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة (مجلس التعاون الخليجي)
من مراسم توقيع البيان المشترك لختام مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة (مجلس التعاون الخليجي)
TT

الخليج وبريطانيا لإتمام اتفاقية التجارة الحرة

من مراسم توقيع البيان المشترك لختام مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة (مجلس التعاون الخليجي)
من مراسم توقيع البيان المشترك لختام مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة (مجلس التعاون الخليجي)

وقّع أمين عام مجلس التعاون الخليجي، جاسم البديوي، مع وزير الدولة البريطاني لشؤون التجارة، كريس براينت، في لندن، الأربعاء، على البيان المشترك لختام مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين الجانبين.

وعدّ البديوي هذه الخطوة نقلة نوعية في العلاقات بين مجلس التعاون وبريطانيا، مؤكداً أنها ستسهم في تعزيز المسارات الاقتصادية لمنطقتينا لأجيال قادمة.

وقال أمين عام المجلس إن «هذه اللحظة لم تكن وليدة الصدفة، بل ثمرة سنوات من الجهد الدؤوب، والإرادة السياسية الراسخة، والإيمان الثابت الذي تتشاركه دول الخليج الست والمملكة المتحدة على حدّ سواء؛ بأن تعميق التكامل الاقتصادي بين شعوبنا واقتصاداتنا هو أمر لا غنى عنه».

جانب من توقيع البيان المشترك لختام مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة (مجلس التعاون الخليجي)

وأشار إلى أن هذه الاتفاقية تحتوي على مضمون صُمم لتحقيق منافع اقتصادية ملموسة ومستدامة وقابلة للقياس، لصالح الشركات والمستثمرين والمواطنين في الاقتصادات السبعة الموقّعة كافة، موضحاً أنها اتفاقية تجارية شاملة وحديثة، تمتد لتشمل التجارة في السلع والخدمات، والخدمات المالية، والتجارة الرقمية، وحماية الاستثمار، والمشتريات الحكومية، والاتصالات، وانتقال الأشخاص الطبيعيين.

وأضاف البديوي: «أنجزنا، في كلّ من هذه الركائز، التزامات جوهرية ومحدّدة قطاعياً، تعكس مستوى النضج والطموح الذي تتسم به علاقتنا الاقتصادية، ولا يتحقق إنجاز بهذا الحجم دون تفانٍ من أفراد لا حصر لهم، عملوا بمهنية ومثابرة وعزم».


صندوق النقد الدولي يحذر من «أخطاء مكلفة» في مواجهة صدمة الطاقة العالمية

سفن تبحر عبر مضيق هرمز (رويترز)
سفن تبحر عبر مضيق هرمز (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي يحذر من «أخطاء مكلفة» في مواجهة صدمة الطاقة العالمية

سفن تبحر عبر مضيق هرمز (رويترز)
سفن تبحر عبر مضيق هرمز (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي من لجوء الحكومات إلى تبني سياسات مالية واسعة وغير مدروسة لمواجهة الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة والغذاء الناتج عن الحرب في الشرق الأوسط، مؤكداً أن مثل هذه الإجراءات قد تتحول إلى «أخطاء مكلفة» تزيد الضغوط التضخمية وتستنزف المالية العامة على المدى الطويل. ودعا الصندوق، في تقرير نشره الأربعاء، إلى اعتماد دعم مؤقت وموجّه للفئات الأكثر تضرراً، مع تجنب كبح إشارات الأسعار أو اللجوء إلى الدعم الشامل الذي قد يفاقم اختلالات الأسواق ويعمّق أزمة الإمدادات العالمية.

وأكد الصندوق أن الارتفاعات الحادة والمستمرة في أسعار الطاقة تؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للأسر بشكل حاد، لا سيما العائلات الأكثر فقراً التي تنفق ما بين مرتين وثلاث مرات من دخلها على الغذاء والطاقة مقارنة بالأسر الغنية، فضلاً عن الضغوط الكبيرة التي تواجهها قطاعات الأعمال. وأشار التقرير الذي أعده كبار الخبراء الاقتصاديين في الصندوق، وعلى رأسهم بيير أوليفيه غورينشاس، إلى أن صدمة الطاقة الحالية تمثل صدمة عرض سلبية كلاسيكية تدفع الأسعار نحو الأعلى وتضغط على النشاط الاقتصادي وتضع البنوك المركزية في موقف بالغ التعقيد.

مضيق هرمز وخط أنابيب نفط مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد (رويترز)

ووفقاً للتقرير المشترك، فإن الاستجابات الحكومية غير المدروسة بعناية يمكن أن تكون مكلفة للغاية من الناحية المالية، وصعبة التفكيك أو التراجع عنها مستقبلاً، كما أنها قد تسهم في تغذية معدلات التضخم وتعميق الهشاشة المالية العامة.

4 ركائز مالية

وحدد الصندوق 4 ركائز أساسية يجب أن تحكم التدابير المالية، مبيناً ضرورة أن تسمح الحكومات للأسعار المحلية بكسر الجمود لتعكس التكاليف الدولية الحقيقية. كما دعا إلى قصر الدعم على الفئات الضعيفة من خلال آليات مؤقتة ومستهدفة مثل التحويلات النقدية المباشرة عبر أنظمة الحماية الاجتماعية القائمة، لكونها تحافظ على إشارات الأسعار في السوق وتحد من التكلفة الاستيعابية للميزانيات. وفي المقابل، شدّد الصندوق على تقديم الدعم للشركات الصغيرة القابلة للاستمرار عبر ضخ السيولة وتوفير القروض المضمونة حكومياً وتأجيل المدفوعات الضريبية وتأمينات الضمان الاجتماعي، بدلاً من اللجوء إلى فرض قيود على الأسعار.

وفي تحليل مفصل للأدوات المالية الواسعة والمشوهة لحركة السوق، أوضح خبراء الصندوق أن خفض ضرائب الطاقة ووضع سقوف للأسعار أو تقديم الدعم العام كإجراءات شاملة تعد آليات غير مجدية على المدى الطويل، نظراً لأنها تحجب إشارات الأسعار المهمة وتفيد الأسر ذات الدخل المرتفع بشكل أكبر، فضلاً عن تسريعها وتيرة استنزاف الموازنات الحكومية وزيادة مخاطر نقص الإمدادات.

ودعا الصندوق إلى تجنب التجميد الكامل للأسعار كقاعدة عامة. ومع ذلك، يرى أن اللجوء الاستثنائي والمؤقت للأدوات السعرية الواسعة قد يكون مبرراً فقط في حال توفر 5 شروط متزامنة تشمل كون الصدمة السعرية مؤقتة بوضوح، والانتقال السريع لأسعار الطاقة إلى التضخم العام، والمخاطر العالية لخروج توقعات التضخم عن السيطرة، ومحدودية حدوث الفوران الاقتصادي، إلى جانب توفر المساحة المالية الكافية لاستيعاب التكاليف.

وأشار الصندوق إلى التباين الصارخ في الهوامش المالية بين الدول، حيث تواجه الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية مقايضات سياسية أكثر حدة مقارنة بالاقتصادات المتقدمة نتيجة لضعف شبكات الأمان الاجتماعي لديها وارتفاع نسبة إنفاق المستهلكين على الأساسيات وتراجع الحيز المالي وسط تكاليف اقتراض باهظة.

ونبّه الصندوق إلى خطورة قيام الدول الكبرى والثرية بكبت إشارات الأسعار المحلية، مؤكداً أن هذا السلوك يدفع الطلب العالمي نحو الارتفاع ويزيد من الأسعار الدولية ويفاقم النقص في المعروض، وهو ما يلحق الضرر الأكبر بالدول الفقيرة المستوردة للطاقة والغذاء. ودعا الصندوق الحكومات إلى اتباع نهج منضبط ومتسلسل يبدأ بالتدابير المؤقتة والمستهدفة ويتصاعد تدريجياً وبحذر عند الحاجة، لتمكين الاقتصادات من التكيف مع الصدمات الحالية دون الوقوع في أخطاء تكتيكية مكلفة.