فاضل السلطاني
في السابع والعشرين من هذا الشهر من عام 1997، أراح محمد مهدي الجواهري ركابه في مقبرة السيدة زينب بدمشق. وكان قد أوصى أن يدفن هناك، ليس فقط ليكون إلى جانب رفيقة حياته، التي رحلت قبله بخمس سنوات، ولكن رفضاً لأن يعود جثة إلى وطن نفاه حياً معظم حياته المديدة. ومن المعروف أن شاعر العرب الأكبر، ومتنبي القرن العشرين، كان قد رفض في أثناء حياته دعوات نظام صدام وإغراءاته للعودة للعراق. كان يعرف جيداً كيف سيوظفون اسمه، ويستخدمون شهرته في تجميل وجوههم السوداء، وفوت عليهم فرصة أن يفعلوا ذلك وهو جثة.
لا يزال الأدب العربي، شعراً وقصة ورواية، محصوراً ضمن حدوده. لم ننجح بعد في تحقيق أي اختراق للوصول إلى القارئ الأجنبي. هذه حقيقة علينا أن نعترف بها، بدل إيهام النفس بإضافة ألقاب وهمية لأسمائنا على غرار «الأديب العالمي» أو «الشاعر العالمي»، لمجرد أن بعضاً من قصائدنا وقصصنا ورواياتنا قد ترجمت لهذه اللغة أو تلك... مثل هذه الترجمة لا تعني شيئاً، وليست لها قيمة أدبية بحد ذاتها.
حدثني صاحبي المنفي قال: لا أخفي عليك. إني أعاني من مرض عضال منذ أربعين سنة بالتمام والكمال. كنت أتصور حين تركت جمهورية الخوف خلفي أني شفيت منه تماماً. لكني كنت على خطأ عظيم. أنت تعلم أني أعيش في بلد أوروبي، كرمني ومنحني الخبز والسقف ومعهما الأمان وجنسية يحلم بها ملايين البشر في جمهوريات الخوف. لكني ما زلت أعاني من ذلك المرض اللعين. ما أن أرى شرطياً في الشارع، وهو نادر الحدوث، حتى ترتعد فرائصي، وترتجف ساقاي، وتزبد شفتاي. وتزداد هذه الأعراض شدة في المطارات، دخولاً وخروجاً، وكأني أحمل في جيوبي كل ممنوعات الدنيا.
إذن مات فيليب روث في الخامسة والثمانين، وهو متعب القلب وعينه على نوبل، أو بشكل أدق، هذا ما تمناه نقاده ومحبوه في أميركا وأوروبا في الأقل. ولا أظنه كان عابئاً بذلك، وبالتأكيد كان يستحقها أكثر من أولئك الذين فازوا بها في السنوات الأخيرة. فقد كان أسطورة أدبية بحد ذاته، واحتل، إلى جانب سول بيلو وجون أوبدايك، مكانة بارزة في السرد الحديث في القرن العشرين، أو في الأقل في النصف الثاني منه. كتب مرة يقارن بينه وبين هذين العملاقين الروائيين الآخرين: «أبدايك وبيلو يحملان كشافهما الضوئي خارجاً في العالم، ويكتشفان العالم كما هو. أما بالنسبة لي، فأنا أحفر كوة وأسلط عليها الضوء». وهذا صحيح تماماً.
هل عندنا أدب أطفال، بالمعنى الدقيق للكلمة؟ لا يمكن الزعم بذلك. عندنا كتابات للأطفال، بغض النظر عن عدم امتلاك الكثير منها الشروط الفنية اللازمة والعلمية، وكان عندنا مجلات رسمية قومية لعبت دوراً رائداً منذ فترة مبكرة، وتراجعت للأسف أو رحلت مع الأنظمة التي رعتها، وما تزال هناك إصدارات تكافح، ولكن ذلك كله لا يشكل نوعا أدبيا قائما بذاته.
لكل عصر سماته التي تشير لجوهره منذ بداية البشرية لحد الآن. فهناك عصر الطفولة البشرية في أثينا، أو على الأقل هكذا كان يسميه ماركس، عصر البراءة الأولى، حيث الكل أحرار قبل أن يقسم الإنسان نفسه إلى مالك ومملوك، عصر الحكمة والفلسفة التي لا تزال حية على الرغم من القرون. وهناك عصر النهضة، وعصر التنوير، حين اكتشفت البشرية نفسها من جديد، وتحررت من خرافة تلك القوى الخفية، التي استندت طويلاً إلى مرجعيات لم يخترها أحد، وحكمت ضمائرنا قبل عقولنا، وأثقلتنا بعقد ذنوب لم نقترفها.
الإنجليز مهووسون تاريخياً بالجوائز، مثل هوسنا بالحديث عنها. فما تقرأ حواراً أو خبراً عن كاتب أو كاتبة ما، حتى تسبقه عبارة «الفائز أو الفائزة بجائزة». هكذا بالتنكير، من دون ذكر ما هي هذه الجائزة. أهي جائزة «بوكر»، أم «كوستا» (التي ترعاها سلسة المقاهي الشهيرة)، أم جائزة محلية منحها مجلس بلدية أو جمعية أدبية في منطقة ما. المهم، أنه فاز بجائزة ما. إنه نوع مضلل من التزكية، والتسويق، وتبرير للنشر أيضاً. انظروا، أنه ليس كاتباً عادياً، فقد فاز بجائزة! وهي تتضمن أيضاً انتقاصاً من كل الكتاب الآخرين الذين لم ينالوا جائزة، مهما كانوا مهمين.
سأتناول ملامح عامة في الشعر البريطاني انعكست في الشعر العربي، وليس عن تأثير شعراء بريطانيين معينين على شعراء عرب معينين، لأننا لا نجد مثل هذا التأثير في شعر ما بعد الحرب العالمية الثانية، كما نلاحظ مثلاً في تأثير تي.إس.
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
