مائة يوم من رئاسة ماكرون: نجاحات في الخارج وتساؤلات في الداخل

الرئيس الشاب يريد استعادة دور باريس في حل الأزمات الدولية

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت في قصر الإليزيه الشهر الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت في قصر الإليزيه الشهر الماضي (أ.ف.ب)
TT

مائة يوم من رئاسة ماكرون: نجاحات في الخارج وتساؤلات في الداخل

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت في قصر الإليزيه الشهر الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت في قصر الإليزيه الشهر الماضي (أ.ف.ب)

قبل مائة يوم، انتخب إيمانويل ماكرون أصغر رئيس للجمهورية الفرنسية عن عمر لا يتجاوز 39 عاماً. وقد أثار انتخابه موجة من التفاؤل لما جاء به من وعود، مثل ضخ دماء جديدة إلى الحياة السياسية، وتخطي الحواجز بين اليمين واليسار، وإصلاح النظام الفرنسي إصلاحاً جذرياً، وإعادة تشغيل الدورة الاقتصادية، وتوفير فرص عمل لمواجهة نسب البطالة المرتفعة، ووضع فرنسا مجدداً في قلب خريطة الدبلوماسية الدولية.
ولكن بعد 100 يوم على وصوله إلى الرئاسة، تهاوت شعبية ماكرون إلى 36 في المائة، وفق آخر استطلاعات الرأي. كذلك، فقد ثقة ثلثي مواطنيه لجهة تأييد أولى خطواته، وفق استطلاعين للرأي آخرهما نشرت نتائجه صحيفة «لو فيغارو» اليمينية يوم السبت.
يلاحظ المحللون أن تدهور شعبية ماكرون بدأ مع إعلان الحكومة عن مجموعة من القرارات «غير الشعبية»، التي تتناول خفض عجز الميزانية، وتدابير تقشفية تتناول كل القطاعات بما فيها القوات المسلحة. وصعب على الفرنسيين، خصوصاً الطبقتين الوسطى والدنيا، تفهم قرار الحكومة تقليص المساعدة المقدمة للطلاب وذوي الدخل المحدود لتوفير السكن، في الوقت الذي تنوي فيه إلغاء ضريبة الثروة. كذلك، يتخوف الموظفون والعمال من عزم العهد الجديد على «إصلاح» قانون العمل عن طريق المراسيم وليس المرور في البرلمان. وينبع تخوفهم من أن تفرط الإصلاحات المرتقبة بعدد من الضمانات المتوفرة لهم، وأن تكون لصالح رب العمل وعلى حساب الموظفين.
ومنذ العاشر من الشهر الجاري، هجر ماكرون وزوجته بريجيت قصر الإليزيه لعطلة صيفية سنوية في مدينة مرسيليا المتوسطية، على أن يستأنف نشاطه في 23 أغسطس (آب) بجولة على 3 بلدان في أوروبا الشرقية. وخلال هذه الفترة، تتعطل الحياة السياسية في فرنسا وتفرغ الوزارات والبرلمان من شاغليها. ومنذ اليوم، يقرع جرس الإنذار حكوميا، إذ إن كل استطلاعات الرأي تتوقع خريفا «حاميا» سياسيا واجتماعيا، بحيث إن الرئاسة والحكومة ستدخلان فعليا في قلب الأزمات. وما حصل في الأيام المائة الأولى ليس سوى «مقدمات».
لكن المفارقة أنه في الوقت الذي تقوى فيه شكوك الفرنسيين إزاء ما ينتظرهم من تدابير وإجراءات في الأسابيع والأشهر القادمة، إلا أنهم، في الوقت عينه، ينظرون بكثير من الرضا إلى الخطوات الأولى التي خطاها ماكرون على الصعيد الدبلوماسي والخارجي. فالرئيس الشاب الذي شغل لفترة قصيرة نسبيا منصب وزير الاقتصاد في حكومة مانويل فالس، كان يظن أنه يفتقر للخبرة في السياسة الخارجية. لكن ما حصل هو أنه استفاد عقب انتخابه مباشرة من روزنامة لقاءات دولية مكنته سريعا من أن ينضم إلى نادي كبار رؤساء الدول والحكومات. فمن قمة الحلف الأطلسي في بروكسل يوم 25 مايو (أيار)، إلى قمة قادة البلدان السبع الأكثر تصنيعا في العالم في مدينة تاورمينا الإيطالية، نجح ماكرون في امتحان الدخول خصوصا في لقاءاته مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وعقب ذلك، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضيفا على ماكرون في قصر فرساي التاريخي. واكتمل العقد بمناسبة قمة العشرين التي استضافتها مدينة هامبورغ الألمانية يوم 7 يوليو (تموز)، وبقبول ترمب الدعوة التي وجهت إليه لحضور الاحتفال العسكري في جادة الشانزليزيه بمناسبة العيد الوطني الفرنسي، الأمر الذي وفر للرئيسين المناسبة لمحادثات مطولة في قصر الإليزيه. وبين هذه القمة وتلك، التقى ماكرون المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عدة مرات وكذلك نظراءه الأوروبيين، كما استقبل العديد من قادة الدول في باريس الذين جاءوا للتعرف على «الظاهرة» السياسية التي نبتت في فرنسا من لا شيء.
بيد أن المهم بالنسبة للرئيس الفرنسي لم يكن فقط انضمامه إلى النادي «المغلق» بل أن تكون لفرنسا دبلوماسية «نشطة» ومؤثرة في أوروبا ولكن أيضا في الفضاء الأوسع. وتقول مصادر دبلوماسية فرنسية تحدثت إليها «الشرق الأوسط» إن ماكرون «طموح»، ويريد لباريس أن تعود «طرفا فاعلا في الأزمات الدولية».
لذا، فإن العلاقات المباشرة التي بناها مع الرئيسين ترمب وبوتين يريد تسخيرها لتكون «صلة الوصل» في زمن التوتر بينهما، ولتلعب فرنسا بالتالي دور «الوسيط». كذلك، بدأ الرئيس الفرنسي بإطلاق مبادرات دبلوماسية كان أبرزها حتى الآن نجاحه في حمل رئيس حكومة الوفاق الليبية فائز السراج وقائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر على المجيء إلى باريس والتوافق على «خريطة طريق» للخروج من الأزمة الحادة في ليبيا، التي يرى الرئيس الفرنسي أن لها انعكاسات مباشرة ليس فقط على شمال أفريقيا واستقرار بلدان الساحل، بل أيضا على فرنسا وأوروبا، بسبب موضوعي الإرهاب والهجرات المكثفة المنطلقة من الشواطئ الليبية.
تقول المصادر الفرنسية إن ماكرون يعتبر أنه، بفضل العلاقات التي نسجها مع واشنطن وموسكو، قادر على أن يلعب دورا مؤثرا في الملف السوري الذي أخرجت منه فرنسا وأوروبا معا منذ التدخل الروسي المكثف نهاية صيف عام 2015. ويعتبر ماكرون أنه يتعين على باريس «إعادة النظر» في سياستها السورية، بمعنى التراجع عن بعض المواقف التي التزمت بها حكومات الرئيس الاشتراكي فرنسوا هولندا، والتي تميزت بالدعم المطلق للمعارضة السورية. لكن الحقائق الميدانية والرغبة في التقارب مع موسكو، دفعت بـ«الدبلوماسية الفرنسية الجديدة» محاولة اكتشاف سبل جديدة. وما يسعى إليه الرئيس الفرنسي، وما كشف عنه مباشرة هو تشكيل «مجموعة اتصال» تتكون من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، وإلى جانبها الدول الإقليمية المعنية بالأزمة والفاعلة فيها، مثل تركيا والسعودية وإيران والأردن وربما العراق إضافة إلى النظام والمعارضة. وبرأي باريس، فإن اجتماعات جنيف وتلك التي تحصل في آستانة لن تأتي بالحل السياسي وهي قاصرة، وبالتالي يتعين إيجاد «غطاء» دولي توفر الشروط الضرورية لوضع حد للحرب في سوريا وللسير بالحل السياسي.
وكما في ليبيا وسوريا، فإن ماكرون يعتبر أن بلاده قادرة على أن يكون لها دور في إخراج ملف المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية من الطريق المسدود الذي وصلت إليه منذ ربيع عام 2014 عندما وضع وزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري عمليا حدا لوساطته، بعد أن اصطدم بالعراقيل الإسرائيلية. وهنا أيضا، لم يتبن ماكرون تماما سياسة سلفه هولندا، إذ إنه تخلى عن فكرة المؤتمر الدولي وعن مشروع الاعتراف الأحادي بالدولة الفلسطينية لا بل إنه ذهب، خلال وجود نتنياهو في باريس في شهر يوليو الماضي إلى حد اعتبار مناهضة الصهيونية جزءا من معاداة السامية، وهو ما لم يسبق أن قاله أي رئيس سابق.
بالإضافة إلى هذه الملفات الساخنة، يريد ماكرون لبلاده دورا أكثر فاعلية في مسائل أخرى عديدة، لعل أبرزها الدفاع عن اتفاق باريس الخاص بالمناخ وارتفاع حرارة الأرض وفي إعادة إطلاق المشروع الأوروبي. وستتوافر له الفرصة لشرح كل توجهاته بمناسبة المؤتمر السنوي لسفراء فرنسا عبر العالم، الذي ينعقد تقليديا نهاية الشهر الجاري.
هل سينجح ماكرون؟ السؤال مطروح والتحديات صعبة والمسائل قديمة وبالغة التعقيد والأهم أن الوسائل والأدوات المتوافرة لديه ليست كثيرة. لكن الرئيس الشاب يراهن على ديناميته وعلى قدرته على التأقلم في محاولاته الدبلوماسية. ولذا، فإذا أصاب نجاحا، فإنه سيحسب لرصيده وإن لم يصب، فإنه يكون قد حاول مثلما حاول كثيرون قبله ولم ينجحوا.



الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية الهندية، السبت، أنَّه جرى استدعاء سفير إيران لاجتماع مع الوزير مساء اليوم، بعد إطلاق النار على سفينتين ترفعان علم الهند في مضيق هرمز.

وأفاد بيان للحكومة الهندية، أن وزير الخارجية الهندي فيكرام ⁠ميسري، عبَّر خلال اجتماع مع السفير الإيراني، عن قلق ​الهند ‌البالغ إزاء ‌حادث إطلاق النار الذي وقع في وقت سابق اليوم، وشمل سفينتين ترفعان العلم الهندي في مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز».

وحثَّ وزير الخارجية الهندي سفير إيران على نقل وجهة نظر الهند إلى السلطات الإيرانية، واستئناف عملية تسهيل عبور السفن.

وكان مصدر حكومي هندي قد ذكر، في وقت سابق اليوم، أنَّ سفينة ترفع العلم الهندي وتحمل شحنةً من النفط الخام تعرَّضت لهجوم، اليوم (السبت)، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز. وأضاف المصدر أنَّ اسم السفينة «سانمار هيرالد»، مشيراً إلى أنَّ السفينة وطاقمها بخير.

وذكرت «رويترز»، في وقت سابق اليوم، أن سفينتين تجاريتين على الأقل أبلغتا عن تعرُّضهما لإطلاق نار في أثناء محاولتهما عبور مضيق هرمز، اليوم (السبت).

وأوضح المصدر الحكومي الهندي أنَّ نيودلهي استدعت سفير إيران لدى الهند بشأن الواقعة ذاتها.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (الجمعة)، إنَّ إيران وافقت على فتح المضيق، بينما قال مسؤولون إيرانيون إنهم يريدون من الولايات المتحدة رفع الحصار المفروض على ناقلات النفط الإيرانية بشكل كامل.

وأظهرت بيانات شحن أنَّ أكثر من 12 ناقلة نفط، من بينها 3 سفن خاضعة لعقوبات، عبرت مضيق هرمز بعد رفع الحصار الذي ظلَّ مفروضاً عليه لمدة 50 يوماً أمس (الجمعة)، قبل أن تعيد إيران فرض قيود، اليوم (السبت)، وتطلق النار على بعض السفن.


متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، وأكد أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

تحوّلات ونماذج بديلة

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

امتحان التكيّف والتعاون

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.