«بؤرة» إدلب تترقب مصيرها

بعد التقارير عن حملة عسكرية دولية للقضاء على «النصرة»

«بؤرة» إدلب تترقب مصيرها
TT

«بؤرة» إدلب تترقب مصيرها

«بؤرة» إدلب تترقب مصيرها

يغلب التشاؤم التام على ما تبقى من قياديين في «الجيش السوري الحر» بمحافظة إدلب في أقصى شمال غربي سوريا؛ وذلك بعد تحويل منطقتهم إلى «بؤرة» لتجميع المجموعات المتطرفة، وبخاصة عناصر «هيئة تحرير الشام» وعلى رأسهم مقاتلو «جبهة النصرة»، الذين وصل أخيراً قسم منهم من جرود بلدة عرسال الحدودية اللبنانية. وما يزيد الطين بلة بالنسبة للمقاتلين المعتدلين في المحافظة هو بسط «النصرة» نهاية شهر يوليو (تموز) الماضي سيطرتها على معظم أرجائها بعد اقتتال عنيف نجحت خلاله في تقليص حجم «حركة أحرار الشام» التي كانت تتقاسم وإياها الحضور والنفوذ في إدلب، ريفاً ومدينة.
مع إمساك «هيئة تحرير الشام» بكل المعابر الحدودية الشمالية الغربية السورية مع تركيا، سواءً عسكرياً أم عبر «واجهة الإدارة المدنية»، تكون «الهيئة» كمن يستجدي تدخلاً دولياً بات على نار حامية، كما تؤكد مصادر متعددة، آخرها صحيفة «قرار» المُقرَّبة من حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا. فلقد كشفت الصحيفة أن أنقرة بالتشاور مع التحالف الدولي وضعت خطة من أجل تنفيذ عملية عسكرية مشتركة في إدلب، وذلك بعد سيطرة «هيئة تحرير الشام» على المنطقة.
الصحيفة ذكرت أيضاً في أحد تقاريرها أن «سيطرة هيئة تحرير الشام، المرتبطة بتنظيم القاعدة، على معبر باب الهوى الحدودي من الجانب السوري أدى لزيادة خطرها». وأضافت: «مع وصول معلومات تفيد بالتحاق عناصر تنظيم داعش الهاربين بصفوف (هيئة تحرير الشام)، يجري العمل على إنشاء حلف روسي - أميركي - تركي - فرنسي من أجل شنّ عملية ضد التنظيم الإرهابي، مع العلم أن (هيئة تحرير الشام) كانت قد أعلنت فكّها ارتباطها بتنظيم القاعدة قبل ما يقارب السنة، إلا أنها بحسب المعلومات المتوافرة ما زالت على علاقة وثيقة به».
هذا، وتحاول «هيئة تحرير الشام» بعد فرض سيطرتها على نحو 70 في المائة من محافظة إدلب، على خلفية المواجهات الدامية التي خاضتها بوجه «أحرار الشام» الشهر الماضي، الاستعانة بما تسميه «إدارات مدنية» للتخفيف من وطأة الحملة التي استهدفتها. وهو «سيناريو» اعتمدته بوجه خاص في معبر باب الهوى الذي كان تحت سيطرة «أحرار الشام» فحوّلته إلى «إدارة مدنية» يؤكد قياديون في «الجيش السوري الحر» أن موظفيها يخضعون مباشرة للهيئة ويسلمون مداخيله لـ«أبو محمد الجولاني» زعيم «النصرة».
ودعت «الهيئة» نهاية الشهر الماضي جميع الفصائل العاملة في الشمال السوري، إضافة إلى العلماء والنخب الثورية والكوادر المدنية، إلى اجتماع عاجل للوقوف على تحديات المرحلة «والخروج بمشروع يحفظ الثورة». ويؤكد مقرّبون من «الهيئة» أن تسليمها معبر باب الهوى الحدودي والمجلس المحلي في إدلب لجهات إدارية مدنية «رسالة إيجابية تعكس رغبتها في أن تنزع عن نفسها تهمة السعي لفرض لون واحد على المحافظة»، كما يؤكدون وجود إمكانية أن «تجلس الهيئة على طاولة المفاوضات مع جهات دولية حتى تنزع عنها الشكوك والتهم المثارة ضدها بانتماء بعض مكوّناتها للقاعدة».
من ناحية أخرى، تنظر فصائل المعارضة المعتدلة بريبة إلى التطورات الأخيرة التي شهدتها محافظة إدلب ككل، وهي تلمّح إلى وقوف أنقرة «طرفاً متفرجاً» رغم كل ما سبق تداوله عن استعدادها للتدخل لدعم «أحرار الشام» في المعارك التي خاضوها بوجه «النصرة». وفي هذا السياق، يدّعي أحد القياديين في «الجيش الحر» موجود في إدلب أنه «لو أرادت أنقرة لمنعت تمدّد (الهيئة) بالشكل الذي تمدّدت فيه الشهر الماضي، لكنها تتبع خطة دولية تتقاطع فيها مصالحها مع مصالح دول أخرى تقضي بتحويل إدلب إلى قندهار أو موصل ثانية، أو على الأقل تصويرها كذلك؛ ما يعطي نوعا من الشرعية لتدخل دولي ينهي ما تبقى من ثورة تحت ذريعة القضاء على (النصرة)». ويضيف القائد العسكري - الذي فضل التكتم على هويته - في تصريح لـ«الشرق الأوسط» قائلا: «كل المؤشرات توحي بعملية عسكرية مقبلة على المحافظة، ولقد رصدنا أخيراً وجوداً كثيفاً لعربات مصفّحة تركية عند معبر أطمة، وكذلك لا تغادر طائرات الاستطلاع أجواء إدلب منذ نحو شهر».

«موصل ثانية»؟!
في هذا السياق، لم يعد التنبيه من تحويل إدلب إلى «موصل ثانية» يقتصر على طرف معين، باعتبارها باتت عبارة تتردد في مجالس متعددة. ولفت أخيراً ما نقلته صفحة «قاعدة حميميم» غير الرسمية على موقع «فيسبوك» نقلا عن المتحدث الروسي باسمها ألكسندر إيفانوف عن «تحويل مدينة إدلب إلى(موصل ثانية) في حال تمكنت (هيئة تحرير الشام) من السيطرة على كامل إدلب». وأضافت الصفحة أن استهداف «الهيئة» في إدلب «سيتسبب في حدوث دمار واسع في المنطقة، وسيكون للقوات الروسية دور مباشر في المعركة، كما كان في مدينة تدمر ومناطق ريف محافظة حمص الشرقي». وتزامنت هذه التصريحات مع تحذيرات أطلقها القائد العام السابق لـ«حركة أحرار الشام»، علي العمر، قبل الإعلان عن توقيع اتفاق تهدئة مع «جبهة النصرة»، اعتبر فيها أن «اعتداء (هيئة تحرير الشام) على (الأحرار) يهدف لإنهاء الثورة السورية، وتحويل مناطق أهل السنة إلى رقّة وموصل جديدتين». وظهر العمر في شريط فيديو بثه المكتب الإعلامي للحركة على أحد محاور الاشتباك مع «هيئة تحرير الشام» في ريف إدلب، متحدثا عن «معلومات تؤكد تجهيز (تحرير الشام) للهجوم على الحركة منذ أكثر من شهر، حيث أقامت معسكرات خاصة لعناصرها من أجل ذلك»، مطالباً الشعب السوري بـ«الدفاع عن الثورة».
من جانبه، يعتبر «أبو علي عبد الوهاب»، القيادي في «جيش الإسلام» أن وجود تركيا شريكاً في أي تحالف دولي جديد سيتولى معركة القضاء على «جبهة النصرة» في محافظة إدلب «سيجعل حجم التداعيات على المدنيين وعلى فصائل المعارضة أقل وطأة»، لافتا في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «التحذيرات المتتالية التي نسمعها من تحويل إدلب إلى موصل 2، تخيفنا باعتبار أننا تابعنا أن المدنيين هم مَن يدفعون ثمن الضربات العشوائية التي ينفذها طيران التحالف، إن كان في الرقة أو دير الزور أو الموصل».
وإذ يؤكد عبد الوهاب أن تركيا لا تنسّق مع أي من الفصائل بخصوص أي معركة مرتقبة في إدلب، يشير إلى «هدوء يسيطر على المحافظة ككل منذ أكثر من أسبوع بعدما انكفأت حركة (أحرار الشام) في منطقة جغرافية محددة تمتد من جبل الزاوية الشرقي مرورا بجبل شحبشو في ريف محافظة حماة وصولا إلى سهل الغاب»، لافتا إلى «وجود بقايا صغيرة لـ«الأحرار» في ريف إدلب الشمالي وريف محافظة حلب الغربي لكنّهم منكفئون في مقراتهم».
وهنا يعتبر خبراء معنيون بشؤون المجموعات المتطرفة، أن الخيار الوحيد أمام «هيئة تحرير الشام» أو «جبهة النصرة» لإنقاذ إدلب من مصير حلب، الذي سيكون على الأرجح أصعب ألف مرة من مصير الموصل، هو حل نفسها وترحيل القيادات الأجنبية (المهاجرون).
ويرى الخبراء أن «النصرة» لا تزال تراهن على «وهم الاعتراف بها سلطة أمر واقع، وهذا مجرد وهم، باعتبار أن مصيرها محسوم هو مصير (داعش)». وينقل معهد «كارنيغي» عن سام هيلر، من مؤسسة «سنشوري فاونديشن» Century Foundation أن ما يجعل النظام السوري عاجزاً، سواء بمفرده أو حتى بالتعاون مع المجموعات التي تدعمه، على السيطرة على إدلب «هو مجموعة عناصر، أبرزها الجغرافيا الجبلية الصعبة التي تعقّد الأمور العسكرية عليه، إضافة إلى خطوط الإمداد المفتوحة للمقاتلين عبر الحدود التركية». ويضيف أن «قوات النظام تتعاطى مع إدلب كمشكلة دولية، وتحاول تصويرها كذلك للقوى الدولية، وهي تنتظر حالياً تفاهماً بين الدول الكبرى لدعمها أو خوض الحرب عنها لاستئصال المجموعات القتالية المتشددة من المحافظة».

موقف النظام من إدلب
تقع محافظة إدلب في شمال غربي سوريا، وهي محاذية للحدود مع تركيا، وتقع بين محافظة اللاذقية الساحلية ومحافظتي حلب وحماة. وفي العام 2015 سيطر تحالف «جيش الفتح»، الذي كان يضم «جبهة النصرة» سابقاً و«حركة أحرار الشام» على كامل محافظة إدلب باستثناء بلدتين شيعيتين (الفوعة وكفريا). وتشكل محافظة إدلب اليوم إحدى المناطق الأربع التي يتضمنها «اتفاق خفض التصعيد» الموقع في العاصمة الكازاخية آستانة في بداية مايو (أيار) برعاية روسية - تركية - إيرانية.
وكان علي حيدر، وزير «المصالحة» في النظام السوري، قد تحدث في وقت سابق عن إمكانية أن تكون إدلب «ساحة لمعركة مفتوحة في المستقبل». وقال حيدر في مقابلة مع وكالة «رويترز» قبل أشهر مع بدء حملات ترحيل المقاتلين إلى المحافظة الشمالية ضمن إطار «اتفاقات مصالحة»، إن «الدولة لن تسمح ببقاء إدلب في يد مقاتلي المعارضة إلى الأبد، فقد كانت الدولة واضحة في سياستها عندما قالت إنها لن تتخلى عن أي بقعة من بقاع سوريا، وأظن أن إدلب هي من الساحات الحارة القادمة التي تضطلع الدولة السورية بمسؤوليتها في مواجهة الإرهابيين في تلك المساحة».
واعتبر حيدر أنه «إذا لم يكن هناك من توافق دولي على حل الأزمة السورية يُخرِج المسلحين الأجانب ويقطع الطريق على الإمداد والتمويل والتسليح، وإن بقي هذا الظرف الموضوعي قائماً وبقيت إدلب ساحة لهؤلاء، فالخيار الآخر هو الذهاب إلى معركة مفتوحة معهم في تلك المناطق».
وكان النظام كثّف العام الماضي ما أسماها «اتفاقات مصالحة» كانت تفضي في معظم الأوقات إلى تهجير معارضيه وترحيلهم إلى إدلب. وتم ذلك في محافظات حلب وريف دمشق وحمص وحماة واللاذقية وغيرها. ويرجِّح معنيون بهذا الملف أن يكون مليونا نسمة يعيشون حالياً في محافظة إدلب التي كان عدد سكانها قبل اندلاع الانتفاضة السورية في العام 2011 نحو مليون ونصف المليون.

البعد الدولي للتجميع
من ناحية ثانية، يعتبر الباحث المتخصص بشؤون الجماعات المتشددة عبد الرحمن الحاج، أن عملية «التجميع المستمرة في إدلب لا تلحظ في الواقع (النصرة) والمتطرفين فقط، بل كل المناهضين لنظام الأسد لحصرهم في مكان واحد محدد يمكن عزله أو السيطرة عليه بالتدريج، بحيث تفضي الهُدَن إلى تسليم المناطق للنظام وإخلائها من المظاهر المسلحة لتصبح فعلياً مثبتة لسلطة النظام».
ويرى الحاج في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه «بعد سيطرة (جبهة النصرة) على إدلب صار الأمر أكثر تعقيدا وصار سيناريو عملية عسكرية كبيرة بدعم من التحالف الدولي وتركيا أمراً مرجحاً»، مشددا في الوقت عينه على أن «المعركة لن تكون سهلة، ولن يكون بالإمكان اقتلاع (النصرة) بسهولة؛ كونها استطاعت تكوين قاعدة اجتماعية لها». ويتابع: «كذلك لن يكون بالإمكان استخدام قوات كردية أو من غيرها في المنطقة لإن ذلك سيدفع الفصائل إلى التحالف مع النصرة بدافع عرقي، وبخاصة أن معظم مقاتلي (النصرة) هم من السكان المحليين، وهذا ما يميّزها عن (داعش) لجهة العلاقة بالمجتمع السوري. ولهذا؛ فإن المعارك معها ستكون صعبة وشرسة في إدلب».
في هذه الأثناء، وجه محمد علوش، رئيس وفد الفصائل المعارضة إلى محادثات السلام في جنيف والقيادي البارز في فصيل «جيش الإسلام»، أخيراً، نداء إلى أهالي محافظة إدلب دعاهم فيه إلى «الاعتبار مما جرى في الموصل»، قائلا: «فصائلكم تبخّرت والقرار بيدكم إن قبلتم بسيطرة هؤلاء (في إشارة إلى «النصرة» سابقاً) سيخذلونكم عند القتال وسيكونون أول الهاربين». وكان أحد المسؤولين في المعارضة السورية قد كشف عن أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري «اعترف» له قبل مغادرة منصبه أن الولايات المتحدة «أخطأت وغرَّرت بالشعب السوري»، مؤكدا أن «مصير مدينة إدلب هو الإبادة». كذلك أشار إلى أن «كيري أكد وجود اتفاق عالمي على تجميع المتطرفين، حسب قوله، في إدلب، وأنهم لن يرحلوا إلا بالقوة».

كلام بريت ماكغورك
وبخصوص الموقف الأميركي، عادت العلاقات الأميركية – التركية لتتفاقم مجدداً على خلفية الملف السوري. ونددت تركيا الثلاثاء الماضي بتصريحات الموفد الأميركي لدى التحالف الدولي ضد تنظيم داعش بريت ماكغورك الذي لمّح إلى احتمال أن تكون أنقرة «أفسحت مجالاً لتشكل معقل لتنظيم القاعدة» بالقرب من الحدود مع سوريا. وكان ماكغورك قد لمّح في خطاب ألقاه في معهد الشرق الأوسط في واشنطن إلى أن «أنشطة تركيا سمحت بطريقة غير مباشرة لفصائل مرتبطة بالقاعدة، مثل (جبهة فتح الشام) (النصرة سابقا) بالسيطرة على محافظة إدلب» في شمال سوريا. وأردف ماكغورك «تشكل إدلب مشكلة كبيرة اليوم. فهي معقل للقاعدة قريب جداً من الحدود مع سوريا. وهي مسألة سنناقشها حتماً مع الأتراك». وبسرعة، استنكر إبراهيم كالن، الناطق باسم الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، بشدة تصريحات ماكغورك واعتبرها مرفوضة؛ إذ قال إن «تلميحاً من هذا القبيل يربط بين تركيا وهذه المنظمة الإرهابية في إدلب غير مقبول». واستطرد، إن تصريحات المسؤول الأميركي لم تأت «بنية حسنة». ويذكر أنه سبق لوزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أن دعا لتنحي ماكغورك في مايو الماضي، غير أن واشنطن جددت تأييدها لمبعوثها.
في هذه الأثناء، ما زال عدد من القياديين في «الجيش السوري الحر» يعتقدون أن أي حملة دولية على إدلب للقضاء على «جبهة النصرة» لن يكون ممكناً من دون التعاون مع الفصائل الموجودة في المنطقة، وعلى رأسها «حركة أحرار الشام»، وإن كانت المواجهات التي خاضتها في شهر يوليو الماضي تركتها منهكة ومفككة إلى حد كبير. وحالياً تحاول «الحركة» على ما يبدو إعادة تجميع صفوفها وشد عصبها، من خلال الإعلان عن تغيير قائدها العام يوم الثلاثاء الماضي، وتعيين رئيس «مجلس الشورى» حسن صوفان خلفاً لعلي العمر (أبو عمار) المستقيل. وصوفان، المتحدر من محافظة اللاذقية، كان معتقلا في سجون النظام السوري منذ 12 سنة، ولقد خرج خلال العام الماضي بـ«صفقة تبادل للأسرى بين كتائب الثوار وقوات النظام في حلب».
ويرجع خبراء بشؤون التنظيمات المتطرفة تعيين صوفان قائداً عاماً لـ«الحركة» إلى «بحثها عن زعيم يتمتع بالقدرة والكاريزما، وقادر على جمع شتاتها بعدما عانت من أزمة تفكيك مارستها (النصرة) بحقها». ويعتبر هؤلاء أن من أبرز التحديات التي تنتظر صوفان «إيجاد حل للأزمة الوجودية الداخلية التي تعصف بـ(الأحرار)»، ويرجحون أن اختياره قائداً عاماً جاء بعد استشارة حلفائهم وداعميهم، ليكون جزءا من أي عملية عسكرية كبيرة محتملة ضد (النصرة)».
وفي هذا الصدد، يقول مصدر قيادي في «الجيش الحر» تعليقا على تغيير القائد العام لـ«حركة الأحرار» أن «أبو عمار أظهر أنه غير كفء، وقد ترهّلت الحركة على أيامه وخسرت الكثير من مكتسباتها، فكان من الضروري تعيين بديل عنه ينتشل (أحرار الشام) من حالتهم الراهنة، ومع أن صوفان ليس ابن الثورة، فإنه على ما يبدو قد تم التفاهم على اسمه لغياب خيارات أخرى مناسبة».
وتزامن تعيين صوفان قائدا لـ«حركة أحرار الشام» مع تناقل مواقع معارضة معلومات عن نية «جيش الأحرار» الانفصال عن «هيئة تحرير الشام» خلال الساعات القليلة المقبلة، وهو جيش يضم في صفوفه أكثر من ألفي مقاتل، ويعتبر من أبرز الملتحقين بـ«الهيئة» في وقت سابق، بعد الانفصال عن حركة «أحرار الشام». وانضم «جيش الأحرار» إلى صفوف الهيئة، آتياً من «الحركة» في شهر يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، برفقة عدد من قيادات الحركة، أبرزهم هاشم الشيخ، المعروف بـ«أبي جابر» القائد العام لـ«الهيئة» حالياً.



الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.