«بؤرة» إدلب تترقب مصيرها

بعد التقارير عن حملة عسكرية دولية للقضاء على «النصرة»

«بؤرة» إدلب تترقب مصيرها
TT

«بؤرة» إدلب تترقب مصيرها

«بؤرة» إدلب تترقب مصيرها

يغلب التشاؤم التام على ما تبقى من قياديين في «الجيش السوري الحر» بمحافظة إدلب في أقصى شمال غربي سوريا؛ وذلك بعد تحويل منطقتهم إلى «بؤرة» لتجميع المجموعات المتطرفة، وبخاصة عناصر «هيئة تحرير الشام» وعلى رأسهم مقاتلو «جبهة النصرة»، الذين وصل أخيراً قسم منهم من جرود بلدة عرسال الحدودية اللبنانية. وما يزيد الطين بلة بالنسبة للمقاتلين المعتدلين في المحافظة هو بسط «النصرة» نهاية شهر يوليو (تموز) الماضي سيطرتها على معظم أرجائها بعد اقتتال عنيف نجحت خلاله في تقليص حجم «حركة أحرار الشام» التي كانت تتقاسم وإياها الحضور والنفوذ في إدلب، ريفاً ومدينة.
مع إمساك «هيئة تحرير الشام» بكل المعابر الحدودية الشمالية الغربية السورية مع تركيا، سواءً عسكرياً أم عبر «واجهة الإدارة المدنية»، تكون «الهيئة» كمن يستجدي تدخلاً دولياً بات على نار حامية، كما تؤكد مصادر متعددة، آخرها صحيفة «قرار» المُقرَّبة من حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا. فلقد كشفت الصحيفة أن أنقرة بالتشاور مع التحالف الدولي وضعت خطة من أجل تنفيذ عملية عسكرية مشتركة في إدلب، وذلك بعد سيطرة «هيئة تحرير الشام» على المنطقة.
الصحيفة ذكرت أيضاً في أحد تقاريرها أن «سيطرة هيئة تحرير الشام، المرتبطة بتنظيم القاعدة، على معبر باب الهوى الحدودي من الجانب السوري أدى لزيادة خطرها». وأضافت: «مع وصول معلومات تفيد بالتحاق عناصر تنظيم داعش الهاربين بصفوف (هيئة تحرير الشام)، يجري العمل على إنشاء حلف روسي - أميركي - تركي - فرنسي من أجل شنّ عملية ضد التنظيم الإرهابي، مع العلم أن (هيئة تحرير الشام) كانت قد أعلنت فكّها ارتباطها بتنظيم القاعدة قبل ما يقارب السنة، إلا أنها بحسب المعلومات المتوافرة ما زالت على علاقة وثيقة به».
هذا، وتحاول «هيئة تحرير الشام» بعد فرض سيطرتها على نحو 70 في المائة من محافظة إدلب، على خلفية المواجهات الدامية التي خاضتها بوجه «أحرار الشام» الشهر الماضي، الاستعانة بما تسميه «إدارات مدنية» للتخفيف من وطأة الحملة التي استهدفتها. وهو «سيناريو» اعتمدته بوجه خاص في معبر باب الهوى الذي كان تحت سيطرة «أحرار الشام» فحوّلته إلى «إدارة مدنية» يؤكد قياديون في «الجيش السوري الحر» أن موظفيها يخضعون مباشرة للهيئة ويسلمون مداخيله لـ«أبو محمد الجولاني» زعيم «النصرة».
ودعت «الهيئة» نهاية الشهر الماضي جميع الفصائل العاملة في الشمال السوري، إضافة إلى العلماء والنخب الثورية والكوادر المدنية، إلى اجتماع عاجل للوقوف على تحديات المرحلة «والخروج بمشروع يحفظ الثورة». ويؤكد مقرّبون من «الهيئة» أن تسليمها معبر باب الهوى الحدودي والمجلس المحلي في إدلب لجهات إدارية مدنية «رسالة إيجابية تعكس رغبتها في أن تنزع عن نفسها تهمة السعي لفرض لون واحد على المحافظة»، كما يؤكدون وجود إمكانية أن «تجلس الهيئة على طاولة المفاوضات مع جهات دولية حتى تنزع عنها الشكوك والتهم المثارة ضدها بانتماء بعض مكوّناتها للقاعدة».
من ناحية أخرى، تنظر فصائل المعارضة المعتدلة بريبة إلى التطورات الأخيرة التي شهدتها محافظة إدلب ككل، وهي تلمّح إلى وقوف أنقرة «طرفاً متفرجاً» رغم كل ما سبق تداوله عن استعدادها للتدخل لدعم «أحرار الشام» في المعارك التي خاضوها بوجه «النصرة». وفي هذا السياق، يدّعي أحد القياديين في «الجيش الحر» موجود في إدلب أنه «لو أرادت أنقرة لمنعت تمدّد (الهيئة) بالشكل الذي تمدّدت فيه الشهر الماضي، لكنها تتبع خطة دولية تتقاطع فيها مصالحها مع مصالح دول أخرى تقضي بتحويل إدلب إلى قندهار أو موصل ثانية، أو على الأقل تصويرها كذلك؛ ما يعطي نوعا من الشرعية لتدخل دولي ينهي ما تبقى من ثورة تحت ذريعة القضاء على (النصرة)». ويضيف القائد العسكري - الذي فضل التكتم على هويته - في تصريح لـ«الشرق الأوسط» قائلا: «كل المؤشرات توحي بعملية عسكرية مقبلة على المحافظة، ولقد رصدنا أخيراً وجوداً كثيفاً لعربات مصفّحة تركية عند معبر أطمة، وكذلك لا تغادر طائرات الاستطلاع أجواء إدلب منذ نحو شهر».

«موصل ثانية»؟!
في هذا السياق، لم يعد التنبيه من تحويل إدلب إلى «موصل ثانية» يقتصر على طرف معين، باعتبارها باتت عبارة تتردد في مجالس متعددة. ولفت أخيراً ما نقلته صفحة «قاعدة حميميم» غير الرسمية على موقع «فيسبوك» نقلا عن المتحدث الروسي باسمها ألكسندر إيفانوف عن «تحويل مدينة إدلب إلى(موصل ثانية) في حال تمكنت (هيئة تحرير الشام) من السيطرة على كامل إدلب». وأضافت الصفحة أن استهداف «الهيئة» في إدلب «سيتسبب في حدوث دمار واسع في المنطقة، وسيكون للقوات الروسية دور مباشر في المعركة، كما كان في مدينة تدمر ومناطق ريف محافظة حمص الشرقي». وتزامنت هذه التصريحات مع تحذيرات أطلقها القائد العام السابق لـ«حركة أحرار الشام»، علي العمر، قبل الإعلان عن توقيع اتفاق تهدئة مع «جبهة النصرة»، اعتبر فيها أن «اعتداء (هيئة تحرير الشام) على (الأحرار) يهدف لإنهاء الثورة السورية، وتحويل مناطق أهل السنة إلى رقّة وموصل جديدتين». وظهر العمر في شريط فيديو بثه المكتب الإعلامي للحركة على أحد محاور الاشتباك مع «هيئة تحرير الشام» في ريف إدلب، متحدثا عن «معلومات تؤكد تجهيز (تحرير الشام) للهجوم على الحركة منذ أكثر من شهر، حيث أقامت معسكرات خاصة لعناصرها من أجل ذلك»، مطالباً الشعب السوري بـ«الدفاع عن الثورة».
من جانبه، يعتبر «أبو علي عبد الوهاب»، القيادي في «جيش الإسلام» أن وجود تركيا شريكاً في أي تحالف دولي جديد سيتولى معركة القضاء على «جبهة النصرة» في محافظة إدلب «سيجعل حجم التداعيات على المدنيين وعلى فصائل المعارضة أقل وطأة»، لافتا في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «التحذيرات المتتالية التي نسمعها من تحويل إدلب إلى موصل 2، تخيفنا باعتبار أننا تابعنا أن المدنيين هم مَن يدفعون ثمن الضربات العشوائية التي ينفذها طيران التحالف، إن كان في الرقة أو دير الزور أو الموصل».
وإذ يؤكد عبد الوهاب أن تركيا لا تنسّق مع أي من الفصائل بخصوص أي معركة مرتقبة في إدلب، يشير إلى «هدوء يسيطر على المحافظة ككل منذ أكثر من أسبوع بعدما انكفأت حركة (أحرار الشام) في منطقة جغرافية محددة تمتد من جبل الزاوية الشرقي مرورا بجبل شحبشو في ريف محافظة حماة وصولا إلى سهل الغاب»، لافتا إلى «وجود بقايا صغيرة لـ«الأحرار» في ريف إدلب الشمالي وريف محافظة حلب الغربي لكنّهم منكفئون في مقراتهم».
وهنا يعتبر خبراء معنيون بشؤون المجموعات المتطرفة، أن الخيار الوحيد أمام «هيئة تحرير الشام» أو «جبهة النصرة» لإنقاذ إدلب من مصير حلب، الذي سيكون على الأرجح أصعب ألف مرة من مصير الموصل، هو حل نفسها وترحيل القيادات الأجنبية (المهاجرون).
ويرى الخبراء أن «النصرة» لا تزال تراهن على «وهم الاعتراف بها سلطة أمر واقع، وهذا مجرد وهم، باعتبار أن مصيرها محسوم هو مصير (داعش)». وينقل معهد «كارنيغي» عن سام هيلر، من مؤسسة «سنشوري فاونديشن» Century Foundation أن ما يجعل النظام السوري عاجزاً، سواء بمفرده أو حتى بالتعاون مع المجموعات التي تدعمه، على السيطرة على إدلب «هو مجموعة عناصر، أبرزها الجغرافيا الجبلية الصعبة التي تعقّد الأمور العسكرية عليه، إضافة إلى خطوط الإمداد المفتوحة للمقاتلين عبر الحدود التركية». ويضيف أن «قوات النظام تتعاطى مع إدلب كمشكلة دولية، وتحاول تصويرها كذلك للقوى الدولية، وهي تنتظر حالياً تفاهماً بين الدول الكبرى لدعمها أو خوض الحرب عنها لاستئصال المجموعات القتالية المتشددة من المحافظة».

موقف النظام من إدلب
تقع محافظة إدلب في شمال غربي سوريا، وهي محاذية للحدود مع تركيا، وتقع بين محافظة اللاذقية الساحلية ومحافظتي حلب وحماة. وفي العام 2015 سيطر تحالف «جيش الفتح»، الذي كان يضم «جبهة النصرة» سابقاً و«حركة أحرار الشام» على كامل محافظة إدلب باستثناء بلدتين شيعيتين (الفوعة وكفريا). وتشكل محافظة إدلب اليوم إحدى المناطق الأربع التي يتضمنها «اتفاق خفض التصعيد» الموقع في العاصمة الكازاخية آستانة في بداية مايو (أيار) برعاية روسية - تركية - إيرانية.
وكان علي حيدر، وزير «المصالحة» في النظام السوري، قد تحدث في وقت سابق عن إمكانية أن تكون إدلب «ساحة لمعركة مفتوحة في المستقبل». وقال حيدر في مقابلة مع وكالة «رويترز» قبل أشهر مع بدء حملات ترحيل المقاتلين إلى المحافظة الشمالية ضمن إطار «اتفاقات مصالحة»، إن «الدولة لن تسمح ببقاء إدلب في يد مقاتلي المعارضة إلى الأبد، فقد كانت الدولة واضحة في سياستها عندما قالت إنها لن تتخلى عن أي بقعة من بقاع سوريا، وأظن أن إدلب هي من الساحات الحارة القادمة التي تضطلع الدولة السورية بمسؤوليتها في مواجهة الإرهابيين في تلك المساحة».
واعتبر حيدر أنه «إذا لم يكن هناك من توافق دولي على حل الأزمة السورية يُخرِج المسلحين الأجانب ويقطع الطريق على الإمداد والتمويل والتسليح، وإن بقي هذا الظرف الموضوعي قائماً وبقيت إدلب ساحة لهؤلاء، فالخيار الآخر هو الذهاب إلى معركة مفتوحة معهم في تلك المناطق».
وكان النظام كثّف العام الماضي ما أسماها «اتفاقات مصالحة» كانت تفضي في معظم الأوقات إلى تهجير معارضيه وترحيلهم إلى إدلب. وتم ذلك في محافظات حلب وريف دمشق وحمص وحماة واللاذقية وغيرها. ويرجِّح معنيون بهذا الملف أن يكون مليونا نسمة يعيشون حالياً في محافظة إدلب التي كان عدد سكانها قبل اندلاع الانتفاضة السورية في العام 2011 نحو مليون ونصف المليون.

البعد الدولي للتجميع
من ناحية ثانية، يعتبر الباحث المتخصص بشؤون الجماعات المتشددة عبد الرحمن الحاج، أن عملية «التجميع المستمرة في إدلب لا تلحظ في الواقع (النصرة) والمتطرفين فقط، بل كل المناهضين لنظام الأسد لحصرهم في مكان واحد محدد يمكن عزله أو السيطرة عليه بالتدريج، بحيث تفضي الهُدَن إلى تسليم المناطق للنظام وإخلائها من المظاهر المسلحة لتصبح فعلياً مثبتة لسلطة النظام».
ويرى الحاج في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه «بعد سيطرة (جبهة النصرة) على إدلب صار الأمر أكثر تعقيدا وصار سيناريو عملية عسكرية كبيرة بدعم من التحالف الدولي وتركيا أمراً مرجحاً»، مشددا في الوقت عينه على أن «المعركة لن تكون سهلة، ولن يكون بالإمكان اقتلاع (النصرة) بسهولة؛ كونها استطاعت تكوين قاعدة اجتماعية لها». ويتابع: «كذلك لن يكون بالإمكان استخدام قوات كردية أو من غيرها في المنطقة لإن ذلك سيدفع الفصائل إلى التحالف مع النصرة بدافع عرقي، وبخاصة أن معظم مقاتلي (النصرة) هم من السكان المحليين، وهذا ما يميّزها عن (داعش) لجهة العلاقة بالمجتمع السوري. ولهذا؛ فإن المعارك معها ستكون صعبة وشرسة في إدلب».
في هذه الأثناء، وجه محمد علوش، رئيس وفد الفصائل المعارضة إلى محادثات السلام في جنيف والقيادي البارز في فصيل «جيش الإسلام»، أخيراً، نداء إلى أهالي محافظة إدلب دعاهم فيه إلى «الاعتبار مما جرى في الموصل»، قائلا: «فصائلكم تبخّرت والقرار بيدكم إن قبلتم بسيطرة هؤلاء (في إشارة إلى «النصرة» سابقاً) سيخذلونكم عند القتال وسيكونون أول الهاربين». وكان أحد المسؤولين في المعارضة السورية قد كشف عن أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري «اعترف» له قبل مغادرة منصبه أن الولايات المتحدة «أخطأت وغرَّرت بالشعب السوري»، مؤكدا أن «مصير مدينة إدلب هو الإبادة». كذلك أشار إلى أن «كيري أكد وجود اتفاق عالمي على تجميع المتطرفين، حسب قوله، في إدلب، وأنهم لن يرحلوا إلا بالقوة».

كلام بريت ماكغورك
وبخصوص الموقف الأميركي، عادت العلاقات الأميركية – التركية لتتفاقم مجدداً على خلفية الملف السوري. ونددت تركيا الثلاثاء الماضي بتصريحات الموفد الأميركي لدى التحالف الدولي ضد تنظيم داعش بريت ماكغورك الذي لمّح إلى احتمال أن تكون أنقرة «أفسحت مجالاً لتشكل معقل لتنظيم القاعدة» بالقرب من الحدود مع سوريا. وكان ماكغورك قد لمّح في خطاب ألقاه في معهد الشرق الأوسط في واشنطن إلى أن «أنشطة تركيا سمحت بطريقة غير مباشرة لفصائل مرتبطة بالقاعدة، مثل (جبهة فتح الشام) (النصرة سابقا) بالسيطرة على محافظة إدلب» في شمال سوريا. وأردف ماكغورك «تشكل إدلب مشكلة كبيرة اليوم. فهي معقل للقاعدة قريب جداً من الحدود مع سوريا. وهي مسألة سنناقشها حتماً مع الأتراك». وبسرعة، استنكر إبراهيم كالن، الناطق باسم الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، بشدة تصريحات ماكغورك واعتبرها مرفوضة؛ إذ قال إن «تلميحاً من هذا القبيل يربط بين تركيا وهذه المنظمة الإرهابية في إدلب غير مقبول». واستطرد، إن تصريحات المسؤول الأميركي لم تأت «بنية حسنة». ويذكر أنه سبق لوزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أن دعا لتنحي ماكغورك في مايو الماضي، غير أن واشنطن جددت تأييدها لمبعوثها.
في هذه الأثناء، ما زال عدد من القياديين في «الجيش السوري الحر» يعتقدون أن أي حملة دولية على إدلب للقضاء على «جبهة النصرة» لن يكون ممكناً من دون التعاون مع الفصائل الموجودة في المنطقة، وعلى رأسها «حركة أحرار الشام»، وإن كانت المواجهات التي خاضتها في شهر يوليو الماضي تركتها منهكة ومفككة إلى حد كبير. وحالياً تحاول «الحركة» على ما يبدو إعادة تجميع صفوفها وشد عصبها، من خلال الإعلان عن تغيير قائدها العام يوم الثلاثاء الماضي، وتعيين رئيس «مجلس الشورى» حسن صوفان خلفاً لعلي العمر (أبو عمار) المستقيل. وصوفان، المتحدر من محافظة اللاذقية، كان معتقلا في سجون النظام السوري منذ 12 سنة، ولقد خرج خلال العام الماضي بـ«صفقة تبادل للأسرى بين كتائب الثوار وقوات النظام في حلب».
ويرجع خبراء بشؤون التنظيمات المتطرفة تعيين صوفان قائداً عاماً لـ«الحركة» إلى «بحثها عن زعيم يتمتع بالقدرة والكاريزما، وقادر على جمع شتاتها بعدما عانت من أزمة تفكيك مارستها (النصرة) بحقها». ويعتبر هؤلاء أن من أبرز التحديات التي تنتظر صوفان «إيجاد حل للأزمة الوجودية الداخلية التي تعصف بـ(الأحرار)»، ويرجحون أن اختياره قائداً عاماً جاء بعد استشارة حلفائهم وداعميهم، ليكون جزءا من أي عملية عسكرية كبيرة محتملة ضد (النصرة)».
وفي هذا الصدد، يقول مصدر قيادي في «الجيش الحر» تعليقا على تغيير القائد العام لـ«حركة الأحرار» أن «أبو عمار أظهر أنه غير كفء، وقد ترهّلت الحركة على أيامه وخسرت الكثير من مكتسباتها، فكان من الضروري تعيين بديل عنه ينتشل (أحرار الشام) من حالتهم الراهنة، ومع أن صوفان ليس ابن الثورة، فإنه على ما يبدو قد تم التفاهم على اسمه لغياب خيارات أخرى مناسبة».
وتزامن تعيين صوفان قائدا لـ«حركة أحرار الشام» مع تناقل مواقع معارضة معلومات عن نية «جيش الأحرار» الانفصال عن «هيئة تحرير الشام» خلال الساعات القليلة المقبلة، وهو جيش يضم في صفوفه أكثر من ألفي مقاتل، ويعتبر من أبرز الملتحقين بـ«الهيئة» في وقت سابق، بعد الانفصال عن حركة «أحرار الشام». وانضم «جيش الأحرار» إلى صفوف الهيئة، آتياً من «الحركة» في شهر يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، برفقة عدد من قيادات الحركة، أبرزهم هاشم الشيخ، المعروف بـ«أبي جابر» القائد العام لـ«الهيئة» حالياً.



«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟