آلاف السوريين ينزحون إلى لبنان مع إطلاق صافرة «المعركة الكبرى» في القلمون

مقاتلون من الجيش السوري الحر يستعدون لاطلاق قذيفة هاون لاستهداف قوات النظام السوري في حلب (رويترز)
مقاتلون من الجيش السوري الحر يستعدون لاطلاق قذيفة هاون لاستهداف قوات النظام السوري في حلب (رويترز)
TT

آلاف السوريين ينزحون إلى لبنان مع إطلاق صافرة «المعركة الكبرى» في القلمون

مقاتلون من الجيش السوري الحر يستعدون لاطلاق قذيفة هاون لاستهداف قوات النظام السوري في حلب (رويترز)
مقاتلون من الجيش السوري الحر يستعدون لاطلاق قذيفة هاون لاستهداف قوات النظام السوري في حلب (رويترز)

واصل النظام السوري أمس تصعيد عملياته العسكرية في منطقة القلمون الاستراتيجية بريف دمشق، المحاذية للحدود اللبنانية، فيما اعتبره مراقبون صافرة الانطلاق لبدء «معركة القلمون الكبرى»، والتي من شأن نتائجها أن تحسم هوية الطرف الذي سيتمكن من بسط سيطرته كاملة على دمشق وريفها وخطوط الإمداد المتفرعة منهما. وأدى تصعيد العمليات العسكرية وتحديدا في محيط بلدة قارة، إحدى البلدات الرئيسة في القلمون، إلى حركة نزوح واسعة، باتجاه لبنان تحديدا، حيث أعلنت سلطات محلية في لبنان أمس وصول نحو عشرة آلاف سوري في اليومين الأخيرين، عبر سلسلة جبال لبنان الشرقية.
وبينما يواصل النظام تقدمه الميداني في حلب، قالت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية أمس إن النظام السوري يسعى بكل جهده إلى تحقيق تقدم عسكري في أنحاء البلاد قبل عقد مؤتمر «جنيف 2» للسلام الخاص بسوريا لتعقيد مساعي الغرب في إقناع المعارضة بحضور المؤتمر، وخصوصا المسلحة منها التي من المستبعد أن تشارك في أي مفاوضات بينما تتراجع على الأرض.
وأشار المرصد السوري لحقوق الإنسان أمس إلى «اشتباكات عنيفة استمرت أمس على طريق حمص - دمشق الدولي، من جهة مدينتي النبك وقارة»، في وقت توقعت فيه وسائل إعلام مقربة من النظام السوري «سقوط» قارة، معلنة بدء معركة «عزل» القلمون. وأدت الاشتباكات بحسب المرصد وناشطين إلى قطع الطريق الدولي، في وقت استقدم فيه كل من النظام والمعارضة تعزيزات عسكرية إضافية إلى المنطقة.
وذكر المرصد أن التعزيزات العسكرية تزامنت «مع قصف الطيران الحربي محيط قارة ومنطقة الجبل الشرقي من مدينة دير عطية». وأورد أنباء قال إنها «مؤكدة» عن حشد «حزب الله» اللبناني آلاف المقاتلين على الجانب اللبناني من الحدود مع القلمون، بموازاة حشد «جبهة النصرة» والكتائب المقاتلة آلاف المقاتلين تحضيرا لـ«معركة القلمون الكبرى».
وتعد منطقة القلمون، الممتدة من شمال غربي دمشق وحتى حمص، وسط سوريا، وتضم الأوتوستراد الدولي يصل المنطقتين، من أهم مناطق الإمداد الاستراتيجية بالنسبة للطرفين، إذ تصل دمشق بالساحل غربا ومناطق شمالي سوريا، كما تضم خليطا طائفيا متنوعا. وتكتسب المنطقة أهميتها من كونها تشكل طريق إمداد استراتيجية بين دمشق والمناطق الساحلية. وتسيطر قوات المعارضة السورية على مساحة واسعة من المنطقة، أهمها يبرود والزبداني وقارة وفليطا والمشيرفة ورأس العين والمعرة وعسال الورد، إضافة إلى مزارع رنكوس وأجزاء من ريف النبك. وتعد فصائل «جيش الإسلام»، و«أسود السنة في القلمون»، و«جبهة النصرة»، و«ألوية الصحابة في رنكوس» من أبرز فصائل المعارضة المقاتلة في القلمون.
ويؤكد مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط» أمس إن «معركة القلمون بدأت فعليا أمس انطلاقا من بلدة قارة، سواء أعلن النظام عنها أم لم يعلن»، مؤكدا الأنباء عن «انتشار آلاف مقاتلي حزب الله من الجهة اللبنانية». واعتبر أن «نتائج المعركة ستكون حاسمة وفاصلة بالنسبة للمعارضة والنظام في آن معا». ويوضح عبد الرحمن أن «سيطرة النظام على القلمون ستمكنه من السيطرة على كامل الطريق الساحلية الدولية، فيما سيطرة المعارضة عليها ستمكنها من محاصرة القوات النظامية في دمشق، عدا عن تحكمها بحركة تنقل الموالين للنظام من دمشق إلى حمص وسائر المناطق». ويشير عبد الرحمن إلى أن «المنطقة تضم عددا من مستودعات الأسلحة النظامية ومراكز التدريب العسكرية، إضافة إلى وجود مركز رئيس فيها لفيلق القدس (الإيراني)، الذي اضطلع منذ عام 2006، تاريخ العدوان الإسرائيلي على لبنان، بمهمة حماية دمشق»، مشددا على أنها تعد أيضا «عمق حزب الله داخل الأراضي السورية، وفيها مستودعات أسلحة خاصة به».
في المقابل، يقول الخبير العسكري اللبناني، العميد المتقاعد أمين حطيط، المقرب من حزب الله، لـ«الشرق الأوسط»، إن «سيطرة النظام على منطقة القلمون تؤمن وظيفتين في آن معا: الأولى تتعلق مباشرة بدمشق، بمعنى أن إكمال السيطرة عليها يؤمن الحزام الأمني حول العاصمة ويؤمن طريقها باتجاه حمص، وهذه أهمية معتبرة». وتتمثل الوظيفية الثانية، وفق حطيط، بـ«تأمين الجزء الثاني من المنطقة التي تجمع سوريا بلبنان، أو بمعنى آخر تأمين طريق الانتقال من لبنان إلى سوريا وبالتالي تعطيل ورقة لبنان في التأثير على أزمة سوريا»، في إشارة إلى منطقة عرسال اللبنانية والتي ترتبط عبرها ترتبط جبال القلمون مع لبنان، وهي معروفة بدعمها القوي للمعارضة السورية. وأدى تصاعد المواجهات والحشد العسكري من قبل القوات النظامية والمعارضة في آن معا، إلى حركة نزوح واسعة خلال اليومين الأخيرين، حيث أعلنت سلطات محلية في لبنان وصول نحو عشرة آلاف نازح سوري، خصوصا من بلدة قارة، التي يبلغ عدد سكانها نحو 27 ألف نسمة، في موازاة إشارة ناشطين إلى وجود نحو 30 ألف نازح فيها جاءوا من مدينة حمص وريفها.
وشهدت منطقة البقاع اللبنانية أمس، وتحديدا قرى عرسال ورأس بعلبك والفاكهة والعين، حالة نزوح كثيفة من جبال القلمون، من البلدات المتاخمة لعرسال على السلسلة الشرقية من الجانب السوري، وتحديدا من قارة، وحليمة قارة ويبرود.
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن عضو المجلس البلدي في بلدة عرسال أحمد الحجيري، قوله إن «نحو ألف عائلة وصلت إلى عرسال منذ يوم الجمعة»، وأوضح: «إننا نحاول تأمين إقامتهم في منازل بعض سكان البلدة وفي خيم، لكن من المستحيل تأمين كل حاجاتهم»، مطالبا بـ«مساعدة طارئة وملحة من المجتمع الدولي لتأمين المساعدات»، علما أن العائلات النازحة تعبر الحدود اللبنانية في سيارات أو على دراجات نارية أو سيرا على الأقدام.
من جهة أخرى، اندلعت اشتباكات عنيفة عند أطراف بلدة بيت سحم من جهة مطار دمشق الدولي، بين القوات النظامية مدعمة بقوات جيش الدفاع الوطني ومقاتلي حزب الله ومقاتلي «لواء أبو الفضل العباس»، من جهة، ومقاتلي الكتائب الإسلامية من جهة أخرى، وفق ما أعلنه المرصد السوري أمس. كما تعرضت مدن وبلدات الغوطة الشرقية بريف دمشق إلى قصف نظامي عنيف. وشنت المقاتلات الحربية غارتين جويتين استهدفتا بلدة زملكا وأطراف حي جوبر شرق العاصمة، في حين شهدت كل من مدينة كفربطنا وبلدة عين ترما قصفا مكثفا باستخدام راجمات الصواريخ والمدفعية الثقيلة.
وبينما أحكم النظام السوري سيطرته على بلدة تل حاصل في حلب، أعلنت كتائب في الجيش الحر استهدافها بقذائف الهاون مطار حلب الدولي، ومطار النيرب العسكري بصواريخ موجهة، مما أسفر عن تدمير طائرة حوامة، وفق المرصد السوري. وأفاد المرصد بأن «الطيران الحربي أطلق نيران رشاشاته الثقيلة وبشكل مكثف على منطقة النقارين وحي طريق الباب ومحيط اللواء 80»، بموازاة «اشتباكات في محيط منطقة المعامل على طريق السفيرة، بين القوات النظامية مدعمة بضباط من حزب الله ومقاتلين من قوات الدفاع الوطني من جهة، و«الدولة الإسلامية في العراق والشام» وكتائب إسلامية مقاتلة.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.