هدأت المعارك في جبهة عرسال بعد ظهر أمس، إفساحاً في المجال أمام مبادرة جديدة للتفاوض على مغادرة قيادات وعناصر تنظيم جبهة «النصرة» من المنطقة إلى وجهة لم تُحدد، يرجح أن تكون إدلب السورية، وذلك بعد إعلان «حزب الله» أن «المعركة باتت على نهايتها»، داعياً مقاتلي «النصرة» للاستسلام «مع ضمان سلامتهم».
وقالت مصادر بارزة في شرق لبنان مطلعة على أجواء التفاوض، إن الشيخ مصطفى الحجيري «توجه في التاسعة من صباح أمس (الأول) إلى جرود عرسال للقاء ممثلين عن جبهة النصرة والمقاتلين في الجرود» في وساطة جديدة مع الحكومة اللبنانية و«حزب الله» لخروج النصرة من الجرود. وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الهدف من مهمته «السؤال عن مطالبهم ونقلها إلى الحكومة اللبنانية و(حزب الله)»، لافتة إلى أن تراجع وتيرة الاشتباكات، عصر أمس، يأتي «بهدف الإفساح في المجال لتفاوض جديد». وقالت المصادر: «التوجه يقضي بانتقال المسلحين إلى إدلب، من دون شروط»، لافتة إلى «أنباء عن رعاية دولية قد تضمن انتقالهم إلى الشمال السوري».
وتلتقي تلك المعلومات مع ما نقلته «شبكة شام»، أمس، عن مصدر، تأكيده أن «ثوار القلمون الغربي وجرود عرسال فوضت الشيخ مصطفى الحجيري واعتبرته الوسيط بينها وبين الحكومة اللبنانية و(حزب الله)، للبدء في المفاوضات التي لم يتم تحديد شروطها بعد». وشدد المصدر على أن الثوار وهيئة تحرير الشام «وافقوا على البدء في عملية التفاوض بعد تعرض مخيمات اللاجئين والنازحين لقصف مباشر ما أدى لسقوط شهداء وجرحى في صفوف المدنيين، وبعد الضغط المستمر من اللاجئين للقبول بالتفاوض لأجل سلامتهم، ما أجبر الثوار على قبول التهدئة وفوضت الشيخ مصطفى الحجيري للبدء بالمفاوضات».
وحوصر مقاتلو «النصرة» أمس في آخر بقعة جغرافية لهم تمتد على طول منطقة وادي حميد في جرود عرسال، ومنطقة مدينة الملاهي وتلال أخرى محيطة بها، بعد إحراز «حزب الله» تقدم أفضى لسيطرته على نحو 80 في المائة من المساحة الجغرافية التي كانت تنتشر فيها «النصرة» في جرود عرسال اللبنانية وفليطة السورية، منذ بدء الهجوم يوم الجمعة الماضي. وقالت المصادر إن مقاتلي النصرة «باتوا مطوقين في هذه النقطة، ولا منفذ لهم إلا مناطق سيطرة (داعش) في جرود عرسال الشمالية»، حيث يحاصرهم «حزب الله» من الجنوب والشرق، بينما يتصدى الجيش اللبناني لأي محاولات للتسرب إلى داخل الأراضي اللبنانية من الجهة الغربية على أطراف بلدة عرسال.
وكان «حزب الله» قد أنذر عناصر «النصرة»، ظهر أمس، بالاستسلام. ونشر «الإعلام الحربي» التابع للحزب بياناً منسوباً إلى ما سماه «قيادة عمليات المقاومة»، قال فيه: «المعركة مع جبهة النصرة أصبحت على مشارف نهايتها». ودعا «جميع المسلحين فيما تبقى من جرود عرسال إلى أن يحقنوا دماءهم بإلقائهم السلاح وتسليم أنفسهم مع ضمان سلامتهم».
وتزامن ذلك مع تطورات ميدانية، وصلت إلى استهداف الحزب مستشفى ميدانيا تستخدمه «النصرة» في منطقة وادي حميد، بحسب ما ذكرت «الوكالة الوطنية للإعلام» اللبنانية الرسمية، وهو ما نفاه «الإعلام الحربي» التابع للحزب في وقت لاحق. وبالموازاة، تقدم مقاتلو الحزب بعد أن شنوا هجوماً واسعا من عدة جهات باتجاه وادي الخيل وحصن الخربة في شرق عرسال اللبنانية وسط تقدم للمشاة في وادي الخيل، ترافق مع اشتباكات عنيفة بحسب ما ذكرت «الوكالة الوطنية للإعلام»، مشيرة إلى أن عناصر «حزب الله» أحكموا السيطرة في شكل كامل على وادي الخيل، أهم معاقل جبهة «النصرة» في جرد عرسال. كما سيطروا على وادي المعيصرة ومرتفع قلعة الحصن، وعلى منطقة وادي الدم ووادي الدقايق في جرود عرسال». ولفتت إلى أن عمليات القصف المدفعي والصاروخي في جرود عرسال تتركز في هذه الأثناء على وادي العجرم.
وأشارت الوكالة إلى «حالات فرار وانسحابات واسعة في صفوف مسلحي جبهة النصرة بواسطة دراجات نارية باتجاه خطوط التماس مع (داعش) في شرق جرد عرسال، فيما انسحبت مجموعات أخرى باتجاه وادي حميد والملاهي حيث مخيمات النازحين»، في وقت «أصبح مسلحو النصرة محاصرين من جميع الاتجاهات بعد تضييق المساحات ومنافذ الهرب»، بحسب ما أفادت الوكالة.
هذا، ونقلت «رويترز» عن مصدر أمني قوله: «عمليا انتهت العملية الكبرى مع السيطرة على وادي الخيل... تبقى عمليات تطهير وتفتيش بعدها العداد للمعركة مع (داعش)».
ويجمع مراقبون، أنه في حال فشلت المساعي الأخيرة للتفاوض: «لن يبقى أمام مسلحي التنظيم بعد محاصرتهم بمساحة تقل عن 20 في المائة من مساحة سيطرته السابقة داخل الجرود اللبنانية، إلا الانضمام إلى تنظيم داعش في القلمون» الذي يسيطر على أكثر من 260 كيلومتراً مربعاً في الجرود اللبنانية في شمال شرقي لبنان، وجرود بلدات القلمون الغربي في شمال غربي ريف دمشق، بحسب ما قالت مصادر لبنانية في شرق لبنان لـ«الشرق الأوسط». ويستند المصدر إلى مصالحة جمعت التنظيمين المتشددين في القلمون قبل عشرة أيام، بعد خلافات بينهما.
ولم يستبعد الباحث المتخصص بالجماعات المتشددة عبد الرحمن الحاج، انضمام «النصرة» إلى «داعش»، قائلاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «قيادات النصرة في القلمون قريبة من (داعش) على مستوى الأفكار والصلات الشخصية، وهي الجناح الأكثر تطرفاً في النصرة، والأكثر قربا من (داعش)، ما يعني عملياً أن احتمالات انضمامهما في القلمون كبيرة».
وأشار الحاج إلى أن الرابط التنظيمي بين زعيم النصرة في القلمون أبو مالك التلي والزعيم العام للتنظيم أبو محمد الجولاني «أضعف الروابط مع الفئات الأخرى بالنصرة، بالنظر إلى أن جماعة القلمون قريبة من (داعش)»، لافتاً إلى أن صراعات التنظيمين في عرسال في وقت سابق «كانت على شؤون تنظيمية وصراعات نفوذ، ولم تكن صراعات عقائدية»، مشيراً إلى أن «حين تكون هناك أزمة في النصرة، يتجهون إلى (داعش)، والعكس صحيح، وهو يذكر بما حدث في شرق سوريا في وقت سابق، حيث تم تبادل للمواقع بسبب الخلافات التنظيمية».
وركزت العملية التي يشنها «حزب الله» والجيش السوري منذ يوم الجمعة حتى الآن على جبهة النصرة التي قطعت صلتها بتنظيم «القاعدة» العام الماضي وغيرت اسمها لتقود الآن تحالف هيئة تحرير الشام. وبعد التغلب تقريبا على جبهة النصرة في المنطقة الجبلية على مشارف بلدة عرسال اللبنانية، من المتوقع أن تركز المرحلة المقبلة على المنطقة المتاخمة الواقعة تحت سيطرة مقاتلي تنظيم داعش.
وأقام الجيش اللبناني، الذي لا يشارك في العملية، مواقع دفاعية حول عرسال حيث استعد عمال الإغاثة لمساعدة اللاجئين السوريين المقيمين في مخيمات في جرود عرسال.
وأمن الجيش خلال الأيام الماضية، عبور مدنيين من مخيمات اللاجئين خارج بلدة عرسال، إلى الداخل اللبناني. وقالت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة إنه حتى الآن فر نحو 250 فقط من بين آلاف اللاجئين في المنطقة إلى عرسال.
وبالتزامن، عزز الجيش إجراءاته الأمنية في المواقع المواجهة لوادي حميد بعد رصد عمليات فرار مسلحي النصرة من وادي العجرم باتجاه منطقة الملاهي، حيث تنتشر مخيمات اللاجئين السوريين.
وتسلّم مفوض الحكومة اللبنانية لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر تقرير اللجنة الطبية التي كشفت على جثث السوريين الأربعة الذين فارقوا الحياة بينما كانوا رهن الاحتجاز العسكري إثر إلقاء القبض عليهم في منطقة عرسال.
ووفق ما أورد التقرير فإن وفاتهم «ليست ناتجة عن أعمال عنف»، مضيفا أن «سبب الوفاة ناتج عن مشاكل صحية مختلفة لكل منهم».
11:9 دقيقه
هدوء في جبهة عرسال على وقع وساطة جديدة
https://aawsat.com/home/article/982026/%D9%87%D8%AF%D9%88%D8%A1-%D9%81%D9%8A-%D8%AC%D8%A8%D9%87%D8%A9-%D8%B9%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%88%D9%82%D8%B9-%D9%88%D8%B3%D8%A7%D8%B7%D8%A9-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9
هدوء في جبهة عرسال على وقع وساطة جديدة
مصادر تتحدث عن انتقال «النصرة» إلى إدلب... وتقرير طبي لبناني يفيد أن السوريين الأربعة توفوا لأسباب صحية
جندية في الجيش اللبناني تساعد لاجئة سورية في بلدة عرسال الحدودية مع سوريا (رويترز)
- بيروت: نذير رضا
- بيروت: نذير رضا
هدوء في جبهة عرسال على وقع وساطة جديدة
جندية في الجيش اللبناني تساعد لاجئة سورية في بلدة عرسال الحدودية مع سوريا (رويترز)
مواضيع
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



