مصرع سيدة يهودية يثير جدلاً حول تعريف «الإرهاب» في فرنسا

ماكرون تعهد علانية بـ«التزام الوضوح في التعامل مع مقتل سارة حليمي»

الرئيس الفرنسي ماكرون تعهد بالعلانية بعد إجراء التحقيقات في مقتل سارة حليمي (واشنطن بوست)
الرئيس الفرنسي ماكرون تعهد بالعلانية بعد إجراء التحقيقات في مقتل سارة حليمي (واشنطن بوست)
TT

مصرع سيدة يهودية يثير جدلاً حول تعريف «الإرهاب» في فرنسا

الرئيس الفرنسي ماكرون تعهد بالعلانية بعد إجراء التحقيقات في مقتل سارة حليمي (واشنطن بوست)
الرئيس الفرنسي ماكرون تعهد بالعلانية بعد إجراء التحقيقات في مقتل سارة حليمي (واشنطن بوست)

يشبه ما حدث لسارة حليمي قصة فيلم رعب؛ ففي الساعات الأولى من الرابع من أبريل (نيسان) الماضي، كانت الطبيبة والمعلمة المتقاعدة البالغة 65 عاماً واليهودية الأرثوذكسية، تنام داخل شقتها المتواضعة في شمال شرقي باريس، حيث تعيش بمفردها. وبعد الرابعة فجراً بوقت قصير، اقتحم المتهم كوبيلي تراوري، 27 عاماً، فرنسي مسلم من أصل مالي، يعيش في الطابق الأسفل، شقة حليمي. وتشير الاتهامات إلى أن تراوري اعتدى بالضرب على جارته حتى الموت، ثم دفع بجسدها من الشرفة ليسقط في الفناء أسفل المنزل. وفي الأيام التالية للحادث، تعاملت السلطات الفرنسية مع مقتل حليمي بوصفه حادثا منفصلا، لكن سرعان ما اعترضت القيادات اليهودية في فرنسا على ذلك الأمر، خصوصا في أعقاب إدلاء الجيران بشهاداتهم وذكرهم أن تراوري كان يصرخ «الله أكبر» بالعربية أثناء مهاجمته حليمي، التي كانت اليهودية الوحيدة المقيمة بالبناية، حسبما أفادت أسرتها. ومنذ ذلك الحين، ظلت قضية حليمي مشتعلة على الساحة الفرنسية، وبعد أشهر من الصمت، خرج الرئيس الفرنسي الجديد إيمانويل ماكرون الأسبوع الماضي ليتعهد علانية بـ«التزام الوضوح في التعامل مع مقتل سارة حليمي».
وفي بلد عانى من سلسلة من الهجمات المدمرة خلال السنوات الأخيرة، فإن مثل هذا «الوضوح» يعني الآن أكثر من مجرد الكشف عن التفاصيل المروعة لهذه القضية على وجه التحديد، وإنما يمتد إلى طرح إجابات عن عدد من التساؤلات العميقة ذات الطابع السياسي، بل والوجودي أيضاً: ما الذي يجعل من هجوم عنيف عملاً «إرهابياً»؟ ومن يقرر ما الإرهاب وما جريمة القتل العادية؟
من جانبه، ينص القانون الفرنسي على أن الإرهاب هو أي عمل عنيف خطير يهدف إلى «إحداث قلقلة خطيرة في النظام العام من خلال الترويع أو الإرهاب». قانوناً، فإن كبير المدعين العموميين في باريس هو من يملك سلطة إجراء تحقيق حول الإرهاب. وفي حالة سارة حليمي، فإن فرنسوا مولان، الذي يشغل هذا المنصب، رفض التعامل مع القضية على أنها عمل إرهابي، وفي البداية، رفض التعامل مع الأمر كذلك باعتباره واحدا من أعمال العنف المعادية للسامية. وأثار القرار صدمة كبيرة في أوساط المجتمع اليهودي داخل فرنسا، الذي يعد الأكبر على مستوى أوروبا. ورأى البعض في القرار برهاناً على وجود حسابات سياسية تولي لهجمات بعينها ثقلاً أكبر عن غيرها. في هذا الصدد، قال غي ويليام غولدنادل، محامي أسرة حليمي والكاتب المحافظ الشهير في صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية: «هذه جريمة ذات دوافع آيديولوجية ببساطة، فالمتهم تنطبق عليه جميع أوصاف الشخص (الإسلامي) الراديكالي، ومع ذلك نجد ثمة مقاومة بصورة ما لتوصيف الأمور بوصفها الصحيح».
على الجانب الآخر، نجد أن تعريف مصطلح «راديكالي» لا يزال محل جدال واسع في فرنسا. في هذه القضية تحديداً، شهد الجيران أنهم سمعوا تراوري يردد آيات من القرآن داخل شقة حليمي. بعد ذلك، في مطلع يونيو (حزيران)، تمكنت صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية من الاطلاع على ملف الشرطة الخاص بتراوري، الذي كشف أن له سوابق جنائية تتمثل في جرائم صغيرة، وأن لديه ميولا نحو العنف تكاد تكون مطابقة للأوصاف الخاصة بإرهابيين آخرين مشتبه بهم.
وعلى مستوى مختلف، جرى تصنيف حوادث أخرى صغيرة - بعضها يرى خبراء أنها أقل خطورة من مقتل حليمي - على الفور جرائم إرهابية. على سبيل المثال، في يونيو هاجم رجل ضباط شرطة قرب كاتدرائية نوتردام في باريس بمطرقة. وبينما من المعتقد أن تراوري صاح «الله أكبر»، فإن المهاجم في الحادثة السابقة صرخ «هذا من أجل سوريا!». على أي حال، جرى التعامل مع حادثة نوتردام، التي لم يسقط بها قتلى، على أنها عمل إرهابي.
وكذلك كانت الحال مع حادث قتل ضابط شرطة في الشانزليزيه عشية الانتخابات الفرنسية في أبريل الماضي، وكذلك محاولة إطلاق النار داخل مطار أورلي في باريس في مارس (آذار)، لكن ليس قتل سارة حليمي.
من جانبه، لم يرد مكتب فرنسوا مولان على طلب بالتعليق. ويرى بعض الخبراء الأمنيين أن الاختلاف هنا يكمن في أن الحوادث الأخرى وقف وراءها دافع قوي يتمثل في إثارة حالة من القلق العام، ذلك أنها تعمدت استهداف مناطق مزدحمة.
في هذا الصدد، قال جان شارل بيسار، مدير المركز الفرنسي لتحليل الإرهاب، وهو منظمة فكرية مقرها باريس: «مجرد أن شخصاً قتل آخر بسبب الدين ليس كافياً لاعتبار الحادث عملاً إرهابياً، وإنما يتعين وجود درجة من السعي نحو قلقلة النظام العام الفرنسي».
بيد أنه بالنسبة لأسرة حليمي، فإن إلقاء جسدها من الشرفة إلى الشارع كان المقصود منه خلق مشهد أسود يراه الجميع، وتوجيه تهديد واضح لليهود الآخرين. وفي مقابلة معه، قال ويليام أتال، 62 عاماً، شقيق حليمي، إن الهدف الرئيسي للأسرة حالياً ضمان الاعتراف العام بأن الجريمة تأتي في إطار العداء للسامية التي يرون أنها قتلت والدتهم وشقيقتهم وجدتهم.
وقال: «أود من الجميع أن يستوعبوا أن هذه الأسرة تناضل من أجل الاعتراف بالطبيعة (الإسلامية) المناهضة للسامية لهذا القاتل الذي قتل سيدة يهودية كان يعلم أنها يهودية وأنها تعيش بمفردها».
وبالنسبة للمجتمع اليهودي داخل فرنسا، تقدم حادثة قتل حليمي مثالاً آخر على رفض الدولة الفرنسية الإقرار بواقع العداء للسامية داخل فرنسا في وقتنا الراهن. ويرى كثيرون أن هذا الحادث يحمل أصداء مقتل حليمي آخر، وذلك عام 2006، عندما تعرض إيلان حليمي، 23 عاماً، بائع هواتف جوالة ولا تربطه صلة قرابة بسارة حليمي، للاختطاف والقتل من قبل مجموعة أطلقت على نفسها «عصابة البرابرة»، وهي مجموعة من المهاجرين المجرمين يتركزون في ضواحي باريس. وقد استهدفوا الضحية فقط لأنه يهودي، الأمر الذي رفضت السلطات الفرنسية الإقرار به بادئ الأمر.
* خدمة «واشنطن بوست»
- خاص بـ{الشرق الأوسط}



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».