«2020»... رؤية استشرافية للإرهاب

عودة الدواعش في حسابات الاستخبارات الكندية والأوروبية

عبد القادر مشاريبوف منفذ الهجوم على الملهى الليلي «لاسريفا» في ليلة رأس السنة الجديدة 2017 في إسطنبول أثار الرعب في جميع أنحاء أوروبا («الشرق الأوسط»)
عبد القادر مشاريبوف منفذ الهجوم على الملهى الليلي «لاسريفا» في ليلة رأس السنة الجديدة 2017 في إسطنبول أثار الرعب في جميع أنحاء أوروبا («الشرق الأوسط»)
TT

«2020»... رؤية استشرافية للإرهاب

عبد القادر مشاريبوف منفذ الهجوم على الملهى الليلي «لاسريفا» في ليلة رأس السنة الجديدة 2017 في إسطنبول أثار الرعب في جميع أنحاء أوروبا («الشرق الأوسط»)
عبد القادر مشاريبوف منفذ الهجوم على الملهى الليلي «لاسريفا» في ليلة رأس السنة الجديدة 2017 في إسطنبول أثار الرعب في جميع أنحاء أوروبا («الشرق الأوسط»)

قبل أيام معدودات كانت القيادة العراقية تعلن تحرير مدينة الموصل تماماً من سيطرة «داعش»، إذ لم يبقَ أي حي يسيطر عليه التنظيم، ولم يعد أمام مسلحيه أي خيار سوى الاستسلام. ومع النجاح الكبير لتحرير الموصل، تتبقى معركة الرقة التي يتهيأ لها العالم برمته ومع ذلك تبقى علامة الاستفهام... هل هذا يعني القضاء على «داعش» نهائياً؟
ويرى كبير الباحثين في معهد الاستشراق الروسي فلاديمير سوفتيكوف، أن «تحرير الموصل نجاح كبير نعم، لكن (داعش) احتفظ بمفارز قتالية انتشرت وتفرقت بعد حصار الموصل، وهذه المفارز تنتقل إلى سوريا وتنتقل بعد تحرير الرقة إلى مناطق أخرى». من بين الأماكن المهددة من جراء فلول «داعش» ومريديه، تبقى القارة العجوز «أوروبا» التي يخشى الأوروبيون من أنها ستكون هدفاً قريباً للدواعش، لا سيما بعد خيبات الأمل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وخصوصاً ليبيا.
في منتصف شهر يونيو (حزيران) الماضي كانت وكالة تطبيق القانون الأوروبية (يوروبول) تصدر تقريراً حذرت من خلاله من تغير استراتيجية تنظيم «داعش» في مهاجمة الدول الأوروبية وسلطت الوكالة الأوروبية الضوء على بدء اعتماد «داعش» على تجنيد أشخاص أصغر سناً وفتيات، وإمكانية استخدام الطائرات اللاسلكية في تنفيذ هجمات إرهابية.
تقرير «يوروبول» يشير إلى أن «داعش» حالياً يستهدف الشباب الذين تقل أعمارهم عن 25 عاماً والفتيات، بشكل أكبر، من أي وقت مضى، وحذرت وكالة تطبيق القانون الأوروبي في تقريرها من الأسوأ الذي لم يأتِ بعد، ويمكن أن يصل إلى استخدام «داعش» مواد مشعة نووياً، وأسلحة كيماوية وبيولوجية.
بيانات التقرير لم تتأتَ من فراغ وإنما تم التوصل إليها، وخصوصاً ما يتعلق بالطائرات من دون طيار، من خلال متابعة الدواعش ومعاركهم في العراق وسوريا، حيث نجح البعض منهم في تركيب المتفجرات في طائرات دون طيار.
أما الذي يدعو للقلق نووياً فيتعلق بسرقة التنظيم ما يقرب من 90 رطلاً (نحو 40 كجم) من اليورانيوم منخفض التخصيب من معاهد علمية في جامعة الموصل في العراق، ونتيجة لسميتها المحدودة، يمكن استخدام هذه المادة مجدداً لنشر الرعب وليس لإلحاق إصابات بدنية خطيرة، إلا أن هذا لا يعني أن الأمر لا يحمل خطورة ما.
في الأيام الأولى من يوليو (تموز) الحالي، كان «داعش» وبصورة قاطعة يؤكد للأوروبيين مخاوفهم، فقد أصدر تسجيلاً مرئياً «فيديو» حمل اسم «قضّوا مضاجعهم»، لا تتجاوز مدته الزمنية ربع الساعة، اعتمد خلاله على تصدير صورة جديدة للأعداد الكبيرة من الأطفال الذين وصفهم بأنهم الأكثر قوة مقارنة برجال الدولة، الذين تدربوا على أعمال الذبح والقتال في ميادين «داعش» عبر سوريا والعراق.
التسجيل المصور لم يفته أن يعرض العمليات التي قام بها خلال الشهور الماضية، والتي راح ضحيتها العشرات من الأوروبيين، بل واصل تهديداته بهؤلاء الأطفال، معتبراً إياهم الأبطال الجدد لتنظيم الدولة الإسلامية، والمثير إلى حد القلق والهلع، أنهم من جنسيات مختلفة؛ روس وأتراك، عراقيين وبريطانيين، وصفهم بأنهم «قادمون.. قادمون».
«هل هذه التسجيلات لها حظ من التنفيذ أم أنها ضمن الحرب الإعلامية والنفسية التي يمارسها التنظيم ضد أوروبا ودولها الكبرى؟».
يمكن الجزم بأن أوروبا باتت خلفية لعناصر «داعش» المتسللين إليها من الشرق الأوسط، حيث ينحدر ويندحر كل يوم، وهو الأمر الذي تؤكده تقارير استخباراتية إيطالية، أشارت إليها صحيفة الغارديان البريطانية في أوائل مايو (أيار) الماضي، إذ نشرت تقريراً لها تحت عنوان «مخاوف إيطالية من تسلل عناصر (داعش) إلى أوروبا متنكرين ضمن جرحى ليبيين»، وتقول الصحيفة البريطانية الشهيرة إنها اطلعت على وثيقة استخباراتية إيطالية، تكشف وجود شبكة معقدة قام فيها أفراد من «داعش» وآخرون إرهابيون منذ عام 2015، بالتسلل إلى أوروبا بعد تظاهرهم بأنهم جرحى من الجنود الليبيين تقدموا للمستشفيات بجوازات سفر ووثائق مزورة، لتقوم المستشفيات والمراكز الطبية التي تشرف عليها حكومة الوفاق الوطني بإرسالهم للخارج للعلاج. بداية التحرك من ليبيا تجاه تركيا، ورومانيا، وصربيا، والبوسنة، ولاحقاً إلى تلك الأهداف الجغرافية لتنفيذ عملياتهم الإرهابية.
القصة لا يمكن أن تنتهي بالدخول إلى عمق الدول الأوروبية الغربية، التي يرى فيها «داعش» عواصم للكفر وأعداء لله ورسوله، ذلك أن فاعليتهم مرتهنة بأمرين أساسيين لا غنى عنهما؛ الاتصالات والتواصل، والتمويل والإنفاق، فمن أين لهم الأموال اللازمة للإنفاق وكيف يتواصلون؟
أوائل الشهر الماضي، كان نائب مدير قسم التحديات والتهديدات في وزارة الخارجية الروسية ديمتري فيوكيتسوف، يعلن أن لدى روسيا معلومات عن محاولات لتنظيم داعش للاستثمار في مشاريع في أوروبا من خلال بعض البنوك في الشرق الأوسط.
المسؤول الروسي أكد أنهم أبلغوا الأميركيين بأسماء محددة لبنوك من الشرق الأوسط تستثمر في بلدين أوروبيين وأن مسلحي تنظيم داعش يحاولون تعويض خسائرهم من خلال التجارة في المعادن القيمة، حيث استولوا على منجم لاستخراج الفوسفات ومصنع لإنتاج حامض الفوسفوريك في العراق، أما في سوريا فقد استولوا على كثير من مصانع الإسمنت وبعض الشركات الأخرى.
بل إلى أبعد من هذا، فإن الخارجية الروسية كانت لديها معلومات مسبقة حول محاولات تنظيم داعش للاستثمار في أسواق العقارات في نيويورك وتركيا.
هل هذه التصريحات تعزز ما ذهبت إليه الشرطة الأوروبية من أن «داعش» وشركاءه أقرب ما يكونون لإحداث كابوس خطير في حياة الأوروبيين عبر إنشائهم لما يمكن أن يسمى «فيسبوك داعش»؟
المؤكد أن الشرطة الأوروبية تحقق في الأمر بالفعل، أي أن يكون تنظيم داعش وبالشراكة مع تنظيمات إرهابية أخرى، قد يكون «القاعدة» واحداً منها، في مراحل إنشاء شبكة تواصل اجتماعية خاصة بهم.
أما عن هدف وغاية الدواعش والإرهابيين من تلك الشبكة، فهو استخدامها المزدوج من جهة في أغراض الدعاية لهم ومن ناحية ثانية للتمويل بعيداً عن عمليات التفتيش الأمنية.
المتحدث باسم الشرطة الأوروبية جان أوب جين أورث، يصرح لوكالة الصحافة الفرنسية بالقول: «ما زلنا نسعى للتعرف على كل تفاصيل الحساب، بما في ذلك من أنشأه ولأي هدف»، لافتاً إلى أن المؤشرات الأولية يبدو أنها تظهر روابط بين تنظيم داعش ومجموعات إرهابية أخرى.
هل يرتب تنظيم الدولة لهدف ما يتحقق عام 2020 باستخدام شبكة المعلومات التي يكثر الحديث عنها أخيراً عطفاً على التمويل المشبوه؟
يجدر بنا أن نذكر أن أوروبا وفي الأشهر الأولى لتعزيز «داعش» حضوره في العراق وسوريا، أصدر بياناً أشار فيه إلى أن قادة التنظيم يخططون لغزو أوروبا قبل انتهاء عام 2020، وأن هذا الغزو يعتبر نوعاً من أنواع الثأر التاريخي لما قام به الأوروبيون في العالم العربي وعرف باتفاق «سايكس - بيكو»، وقد رأى التنظيم أن هذه الاتفاقية كانت محاولة من الغرب الكافر لتقسيم المسلمين ومنع إقامة خلافة إسلامية جديدة.
والشاهد أن تغير الأوضاع وتبدل الطباع قد قصر كثيراً جداً بأحلام الدواعش، لكنها لم تنتهِ، وأضعف الإيمان أن أرقام الدواعش العائدين إلى أوروبا سواء من أبنائها الأصليين أو من المهاجرين واللاجئين إليها تثير الذعر لدى الاطلاع عليها.
إحدى أهم الدراسات في هذا السياق هي دراسة «معهد إلكانو» الإسباني، التي تفصل أرقام المتطرفين العائدين إلى 12 دولة أوروبية، بعضهم عاد بالفعل والبعض الآخر في طريق العودة وأعدادهم تقدر بالمئات في كل دولة، وببضعة آلاف في أوروبا مجتمعين.
عودة الدواعش إلى أوروبا في واقع الحال مسألة كارثية لا محالة، تذكر بالعائدين من أفغانستان في أوائل تسعينات القرن العشرين، فالذين قاتلوا ضد السوفيات حتى انسحابهم من كابل وما حولها، قد عاثوا فساداً وإرهاباً في العالم العربي لسنوات طويلة، قبل أن يتم التعامل معهم أمنياً وفكرياً.
في هذا السياق التاريخي، يصف أحد رجالات الأمن العرب وثيق ولصيق الصلة بحركات الإرهاب الإسلاموي، المشهد بأنه «إن كان العائدون من أفغانستان قد تخرجوا في مدرسة للعنف، فإن الدواعش العائدين قد درسوا وتدربوا في أكاديمية للعنف والإرهاب، مما يجعل التعاطي معهم مسألة كارثية».
الرأي المتقدم تؤكده حالة وحركة المتابعات الأمنية والاستخباراتية الأوروبية للعائدين من مناطق القتال في الشرق الأوسط، حيث يجدون صعوبة بالغة في متابعة ومراقبة هؤلاء أمنياً ومكانياً، والحوادث الإرهابية الأخيرة في أوروبا التي ثبت فيها تورط بعضهم، ألقت الضوء على عدم نجاح الأجهزة الأمنية في توقع حدوث هذه الهجمات.
ويبدو أن هناك إشكاليات تتصل بحقوق الإنسان والحريات وبين تتبع هؤلاء، إذ تواجه حكومات تلك الدول انتقادات لعدم قدرتها على اعتقال هؤلاء العائدين، بسبب قيود قانونية تخص عدم وجود أدلة دافعة بشأن إثبات مشاركتهم في أعمال عنيفة بالشرق الأوسط، وهو ما يضعهم فقط تحت المراقبة التي لا تكون ناجحة أحياناً في إحباط أي هجوم محتمل.
في أواخر مايو الماضي، نشر جهاز المخابرات السرية الكندية بالتعاون مع نظيره الفرنسي، تقريراً مفصلاً تحدث فيه عن حملة تنظيم داعش ضد أوروبا، التي بدأت بعد أكثر من سنة بقليل من إعلان التنظيم سيطرته على مدينة الرقة السورية وإعلانها عاصمة للخلافة بعد دحره لجماعات الثوار الذين كانوا قد طردوا القوات الموالية للنظام السوري قبل شهر من ذلك.
يشير التقرير عالي ورفيع المستوى إلى أن العمليات التي هزت مدن باريس، وبروكسل، ونيس، وبرلين، لا تعد بمثابة «انتقام» للمتطرفين على خلفية عمليات غربية، بل تمثل نتاج حملة مدروسة ومتعمدة عجز التحالف عن عرقلتها بالكامل. وعلى الرغم من أن قدرة تنظيم الدولة على الأخذ بزمام الأمور قد تدهورت بشكل كبير، فإنها لا تزال في غاية الخطورة.
يطرح تقرير الاستخبارات الكندية والفرنسية علامة استفهام رئيسية في هذا السياق... ما الذي يسعى تنظيم «داعش» إلى تحقيقه في أوروبا؟
بحسب واضعيه يبدو أن هناك هدفين أساسيين:
• يتمثل الأول في إثبات أن التعايش مع «الخونة» أمر مستحيل، وقد وقع استهداف فرنسا وألمانيا بشكل خاص نظراً لاستقبال الأولى أكبر الجاليات المسلمة واليهودية في أوروبا، والثانية بسبب سياستها السخية تجاه اللاجئين.
• فيما الهدف الثاني يتصل بتشجيع «الصعود الجهادي» انطلاقاً من أوروبا، وبغض النظر عن تأثيرهم غير المتوقع على مستوى الدعاية، يعتبر المجندون الأوروبيون ذات قيمة استثنائية بالنسبة لتنظيم الدولة.
يفتح التقرير الذي نحن بصدده أعين الأوروبيين على مسألة «شبكات الدعم الداعشي العابرة لأوروبا»، وعند كتابه أنه يجب عدم التقليل من أهمية التطورات المثيرة للقلق التي كشفتها الهجمات الثلاثة الأخيرة، والجدير بالذكر أن القاتل المسؤول عن عملية سوق الميلاد في برلين أنيس العمري، كان قد تمكن في 19 ديسمبر (كانون الأول) 2016 من عبور ألمانيا وهولندا وفرنسا قبل أن يتم القضاء عليه في إيطاليا، الأمر الذي يطرح تساؤلاً جوهرياً حول شبكات الدعم العابرة لأوروبا.
أما عبد القادر مشاريبوف، وهو منفذ الهجوم على الملهى الليلي «لاسريفا» في ليلة رأس السنة الجديدة 2017 في إسطنبول، فقد نجح في الفرار لأسبوعين كاملين من تعقب قوات الأمن التركية.
والثابت أن أوروبا تواجه معضلة «مثلث الإرهاب»، أي مواجهة 3 أضلاع لدول وأفراد، فعلى سبيل المثال فإن مشاريبوف دخل إلى تركيا عبر إيران، بعد خضوعه للتدريب في أفغانستان، وعلى هذا الأساس تواجه دول القارة العجوز مثلثاً ما بين أفغانستان وتركيا وسوريا، وهو ما ستترتب عليه تهديدات خطيرة في المدى المتوسط.
مؤكد أن ذلك لن يحدث لسببين؛ الأول يتصل بالخلايا «الداعشية» النائمة في أوروبا، والثاني بالقدرة على التجنيد عن بعد وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، بعد أن أضحت المعركة مع «داعش» معركة أفكار ووجود، لا دول وحدود.
الهدف الرئيسي لتنظيم الدولة في أوروبا ليس عسكرياً، ولكنه سياسي، وإعلامي، ورمزي، ومن هذا المنطلق، تخدم أسطورة الذئب المنفرد، التي تجعل من تنظيم الدولة ذا تهديد حاضر باستمرار وتبرز جميع التصعيدات العميقة التي يقوم بها، ديناميكية التنظيم بشكل مثالي، بالإضافة إلى ذلك يسلط المزيج بين التوجيه عن بعد والخلايا النائمة، علاوة على تجزئة الأنشطة الإرهابية المترتبة عنه، الضوء على الوهم القائل إن الإرهابيين منتشرون في كل مكان.



«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)
كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)
TT

«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)
كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)

تستعيد مسرحية «داليدا... قلبي مليان بحكايات» اليوم الأخير في حياة المطربة العالمية، وتقدِّم قراءة درامية لمشاعر الوحدة والخذلان التي سبقت وفاتها في منزلها بحي مونمارتر في باريس، قبل 39 عاماً. فقد توفيت في 3 مايو (أيار) 1987، عن 54 عاماً، وتركت رسالة كتبت فيها: «سامحوني، الحياة لم تعد تُحتمل».

يُستهلّ العرض بعزف على الكمان لأغنيتها الشهيرة «حلوة يا بلدي»، التي يستمد عنوانه من أحد مقاطعها، وتعبّر عنها طفلة ترقص الباليه. وتبدأ الأحداث قبل ساعات من رحيل داليدا، وسط شعورها بالوحدة والضياع، لكن العرض لا يسقط في فخ الميلودراما، بل يقدّم رؤية موسيقية غنائية استعراضية صاغها المخرج حمدي العربي.

الفنانة داليدا (أرشيفية)

وتجسّد الفنانة الجزائرية كريمة نايت شخصية داليدا، فيما تحضر المطربة الراحلة في خلفية المسرح، عبر مشاهد من حفلاتها وصور لها بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

في المشاهد الأولى للمسرحية، التي قُدّمت على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية، تستيقظ داليدا وداخلها شعور خانق بالوحدة والضيق، وكأنها تتعرض للمطاردة من وجوه عديدة غير واضحة الملامح، تكثّف حضورها شاشة العرض في خلفية المسرح. وتمزّق ملابسها التي تظهر بها في الحفلات، وتستعيد حواراً مع والدتها حين كانت طفلة.

وتتوالى المشاهد بين الإبهار في أزياء البطلة وبقية المشاركين والإضاءة اللافتة، ولحظات تتسم فيها داليدا بالحيوية، وأخرى تبدو خلالها منكسرة وضعيفة.

وتغنّي «أنا الديفا»، معبّرة عن إحساسها بالنجاح واعتزازها بما قدّمته، قبل أن يلاحقها الإحباط وتحيط بها مشاعر الوحدة بعدما ضاقت بقيود الشهرة؛ فتغنّي: «أنا مش مانيكان، أنا روح إنسان، مش وردة بلاستيك على رسمة فستان».

وتقدّم كريمة نايت أغنيات لداليدا بصوتها، من بينها «Je suis malade»، التي تعبّر عن حزنها وإحساسها بالمرض، وترافق أداءها بالرقص الإيقاعي والاستعراض مع فريق من راقصي الباليه. وتشارك في الأداء التمثيلي شيري أحمد وتمارا مصطفى حجاج.

وأكد مخرج العرض، الفنان حمدي العربي، الذي يقيم بين مصر وألمانيا، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أنه ظل يعمل على العرض منذ سنوات، عادّاً المطربة الراحلة مصدر إلهام له. وقال: «صدمني مثل كثيرين خبر انتحارها رغم أنها حققت أمجاداً عالمية».

ملصق العرض المسرحي (الشرق الأوسط)

وأضاف: «رحلتها جمعت بين القوة والضعف، وهذه القوة مكّنتها من تحقيق كل هذه المكانة العالمية، ثم حين تعود إلى بيتها تجد نفسها وحيدة وضعيفة رغم كل الحب الذي أحاطها به الجمهور في كل مكان. فقد كانت تتوق لكي تكون أمّاً ولم تستطع، كما أن الذين أحبتهم أنهوا حياتهم».

وأوضح العربي أنه أنتج العرض بشكل مستقل، وأنه يسعى إلى تقديمه كلما توافرت له فرصة، متطلعاً إلى عرضه في مدن عربية وأجنبية خلال الفترة المقبلة.

وعن اختياره بطلة لا تشبه داليدا في الشكل، قال إنه قصد ذلك، ولا يعنيه التطابق الشكلي بينهما؛ لأنه لا يقدّم بطلة تقلّد داليدا وتتشبّه بها، بل يهمّه أن تعبّر عن روح الفنانة الراحلة.

وأضاف: «كريمة نايت تتمتع بطاقة فنية عالية مطربة وراقصة للرقص الحديث وممثلة لها مسيرة طويلة، وقد جعلتها أيضاً تغنّي أغنيات داليدا دون الاستعانة بتسجيلات صوتية للفنانة الراحلة».

ولعبت الموسيقى دوراً كبيراً في العرض المسرحي، بمشاركة شريف الوسيمي، الذي عَدّه المخرج شريكاً رئيسياً في جميع عروضه، لما يتمتع به من موهبة، ولما يجمعهما من تفاهم.

المخرج وفريق العمل يوجهون تحية للجمهور في نهاية العرض (الشرق الأوسط)

وأشار المخرج إلى عمله في بداياته عارضاً في فيديوهات أغنيات عدة لمطربات، من بينها «وحياتي عندك» لذكرى، و«كل دي إشاعات» لسميرة سعيد. كما أخرج عروضاً مسرحية في مصر، من بينها «فاوست»، التي قدّمها برؤية شعبية مصرية، وتناول سيرة أسطورة الباليه «نورياف» في عرض مسرحي قام ببطولته ممدوح حسن.

وُلدت المطربة الإيطالية الأصل يولاندا كريستينا جيجليوتي، الشهيرة بـ«داليدا»، في حي شبرا بالقاهرة، وشاركت ممثلة في الفيلم المصري «سيجارة وكأس» للمخرج نيازي مصطفى عام 1955. وحققت نجاحاً منقطع النظير مطربة بعد وصولها إلى فرنسا، وغنّت بلغات عدة، من بينها العربية والفرنسية والإيطالية واليونانية والألمانية، ولها رصيد يتجاوز ألف أغنية. كما لعبت بطولة فيلم «اليوم السادس» للمخرج يوسف شاهين عام 1986.

ويخلّد ذكراها تمثال نصفي برونزي أبدعه النحات أسلان، ونُصب عام 1997 في ساحة داليدا بحي مونمارتر في باريس.


«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
TT

«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)

ارتبط مسمى «حزب الله» بنوعين؛ أعلام صفراء في لبنان، وحسن نصر الله أمين عام حزب الله، لبنان، لكن النوع العقائدي الأكبر خطورة يسير في دماء العراق، حزب هو بذات الاسم، عقائديون أكبر أثراً في سفك الدماء، حيث يرعون الأمر أكبر من مجرد حزب أصفر له الضاحية الجنوبية في لبنان؛ مسكن ومقر ومشيعون.
بين دجلة والفرات، حزب يسمى كتائب «حزب الله العراق»، له أكثر من 13 عاماً وهو في تشكيله الحالي، ليس بالهين عوضاً عن ميليشيات «الحشد الشعبي» التي أخذت كل الوهج الإعلامي كونها مرتبطة بنظام إيران، لكن «حزب الله العراق» وكتائبه تمر في أزقة السواد وبأخطر من دور ميداني تمارسه «الحشد الشعبي»، لأن العقائدية ونشرها أشد خطورة من ميدان يتقهقر فيه الأضعف، نظراً للضربات الآمنة التي يقودها الحلفاء أولو القوة من غرب الأرض لوقف تمدد النزيف، دائماً ما يكون مصنع الوباء يمر بحزب الله العراق.

قبل أشهر، كان الحزب تعرض لواحدة من أعنف الغارات على مواقعه، بعد هجوم صاروخي استهدف قاعدة التاجي في العراق، وقتل فيها جنديين أميركيين وبريطانياً، وجاء الرد خلال ساعات قليلة بفعل غارات أميركية - بريطانية مشتركة، ضد منشآت لميليشيات حزب الله العراقي في محافظتي بابل وواسط ومنطقة سورية محاذية للحدود العراقية.
نظرة سريعة على حزب الله العراق، من التاريخ، كان عماد مغنية (قتل في 2008 بغارة إسرائيلية في دمشق) الإرهابي اللبناني التابع لإيران، وحزب الله لبنان، كان أحد صنّاع هيكل هذا الحزب في العراق، حيث بدأ في العمل وفقاً لتوجيهات وأوامر نظام الملالي في تكوين حزب يشبه حزب الله اللبناني، وهو ما يبدو أن الأوامر جاءته في تجويد هذا الحزب ليكون بذراعين: عسكرية وعقائدية، ويبدو أن مغنية تجاوز أخطاء عديدة في تشكيل ووهج حزبه اللبناني، فصنع بهدوء هيكلة مختلفة للحزب، جعلت كل المساجد والحسينيات وقوداً يضخ فيها البذور التي يرغبها أولو العمائم.
ظهر الحزب بحضوره الأول بقوام تجاوز 4 آلاف شخص، منتمين بعضويات عدة داخله، وتنامى العدد حتى قبل تصنيف الولايات المتحدة له كـ«تنظيم إرهابي»، لكنه جعل دوره التسويقي للحشد والتنظيم أكبر من مجرد عسكرة، بل فكرة أكثر ارتباطاً في نشر آيديولوجيا عبر مواقع عدة، ومنها تفريخ عناصر في قطاعات مهمة داخل العراق؛ منها وزارة التعليم ووضع لبنات التعاون مع أحزاب دينية؛ منها «الحزب الإسلامي» الذي يتغذى بمنهج الإخوان المسلمين.
ربما ما يدور أن الحزب هو جزء في تكوين «الحشد الشعبي» لكن ذلك يمر بتقاطعات، حيث يشير عبد القادر ماهين، المتخصص في شؤون التنظيمات الإرهابية، إلى أن الحزب يظهر كونها جزءاً من تكوين الحشد، لكنه جزء يصنع الكعكة الميليشياوية ويشارك في تسميمها ويعمل على توزيعها في المناطق المجاورة.
يشير ماهين في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إلى أنه لا أمين عاماً للحزب أسوة بحزب الله اللبناني، حيث يظهر فيه حسن نصر الله، مبرراً ذلك أن الفرق بين تكوين الحزبين هو الحاجة والدور، حيث يتمركز في جنوب العراق بعتاد عسكري، له هدف في وضع حضور طاغٍ يحاول تفخيخ الحدود، لأن الهدف يرتبط مع إمبراطورية إيران الكبرى الممتدة، ولا يظهر له الأثر السياسي كممثلين له كما هو الحزب اللبناني ليكون أثره في تشكيل الحكومات والبرلمانات.

إذن ما الدور الذي يلعبه الحزب؟

الحزب كما يرى ماهين، أنه ذو دور عسكري في الأصل، لكن الترتيبات ما بعد 2009 جعلته أكثر قدرة في تكوين فريق احتياط عسكري ليس أكثر وفق الحاجة، يدعم التوجهات والسياسات الإيرانية، لكن ما أخل بتلك القاعدة مشاركته المباشرة في دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وأصبح أكثر من 4 أو 5 آلاف جندي مشاركين في السيطرة على مدن سورية تحت إمرة إيران في سوريا التي تتشكل من 4 فصائل مسلحة.
الحزب ليس عسكرياً فقط؛ كان ولا يزال صاحب دور في الترويج العقائدي، وتصوير الحضور الإيراني بشكل إيجابي مزعوم، إضافة إلى عمله الاقتصادي، حيث يدخل عناصره الكبرى في مفاصل مهمة في الاقتصاد العراقي، من شركات اتصالات وشركات نفطية، وأخرى ذات علاقة بقطاع الطيران، وإدارة المطارات والمنافذ، وبعض الأشخاص أبرزهم هادي العامري الذي كان صاحب صولات وجولات حين حمل حقيبة وزارة النقل العراقية في وقت سابق، وكان أبرز مهددي الاستمرار الكويتي في بناء ميناء مبارك الكبير، حيث هددت كتائب الحزب الشركات من الاستمرار بالعمل، وحينها ظهر العامري بأن ذلك المشروع «يغلق القناة الملاحية لموانئ العراق».
مرحلة مختلفة ظهرت، حين عاودت الآلة العسكرية الحزبية لكتائب حزب الله العراق، بالعمل من خلف الصفوف، حيث كانت أبرز مهددي السفارات وأكثر ملغمي مسارات الحلول السياسية، بل ومن رمى بقادة العراق اليوم في تحدي أن يرضخوا أمام شعب بدأ في كراهية الحضور الإيراني، وكان الحزب أبرز علامات استهداف المتظاهرين في العراق في كل البلاد، بغية كسر حدة السيوف الشعبية لتصبح مجرد مقبض دون رأس حربة كي يحافظ الحزب على الوجود الإيراني، خصوصاً أنه أبرز متلقٍ للأموال من نظام إيران وأكثرها غناءً.
الدور الاقتصادي لكتائب حزب الله العراق أصبح أكثر وضوحاً، حيث كان أكبر المنتفعين في عام 2015، من «الفدية القطرية» التي وصلت إلى أكثر من مليار دولار، مقابل إطلاق سراح قطريين كانوا يقضون وقتهم في الصيد جنوب العراق، ورغم أن الأنباء قالت إن الخاطفين لعدد من أبناء الأسرة الحاكمة القطرية ومعاونيهم الذي بلغ 28 شخصاً، كانوا من تنظيم «داعش»، لكن التقارير المسربة لاحقاً في بدايات 2016 حيث جرى تخليصهم وعودتهم إلى قطر، كانوا يتبعون لكتائب حزب الله العراق، وهو ما ينافي الرواية الرسمية القطرية التي تقول إنها دفعت المبلغ للحكومة العراقية.
الدور المستقبلي لن ينفك عن منهجية تتقاطع مع حزب الله اللبناني، حيث لدى الحزب اليوم الرؤى ذاتها، خصوصاً في اعتماد سياسة «افتعال الأزمات»، كي لا ينكسر الحضور الإيراني ونفوذه في المؤسسات الدينية وبعض السياسية، التي يجد فيها بعضاً من رجاله الذين يقبعون في سياسة تخفيف الضغط على النظام السياسي ومحاصصته التي تستفيد منها ميليشيات إيران في العراق، وما بعد مقتل قاسم سليماني، غربلة يعيشها الحزب الذي يجرب يوماً بعد آخر أسلوب التقدم خطوة بخطوة، مستفيداً من تكتيك الفأر في نشر طاعون على أرض هي الأهم لإيران.


«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
TT

«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)

ارت طموحات تنظيم «داعش» الإرهابي للتمدد مجدداً تساؤلات كثيرة تتعلق بطبيعة «مساعيه» في الدول خلال العام الجاري. واعتبر مراقبون أن «(أزمة كورونا) جددت طموحات التنظيم للقيام بعمليات إرهابية، واستقطاب (إرهابيين) عقب هزائم السنوات الماضية ومقتل زعيمه السابق أبو بكر البغدادي». ووفق خبراء ومتخصصين في الشأن الأصولي بمصر، فإن «التنظيم يبحث عن أي فرصة لإثبات الوجود»، مشيرين إلى «مساعي التنظيم في أفريقيا عبر (الذئاب المنفردة)، ومحاولاته لعودة نشاطه السابق في العراق وسوريا عبر تبني عمليات القتل»، موضحين أن «المخاوف من العناصر (الانفرادية) التي تنتشر في أوروبا وأميركا تتزايد، خاصة وأنها تتحرك بانسيابية شديدة داخل محيطهم الجغرافي».
وقال أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الأصولية، إن «(داعش) مثل تنظيمات الإرهاب تبحث عن فرصة مُناسبة للوجود، ومن الفُرص المُناسبة، وجود أي شكل من أشكال الفوضى أو الارتباك، وعندما تكون جهود الدول موجهة لمحاربة (كورونا المستجد)، فيبقى من الطبيعي أن يسعى التنظيم للحركة من جديد، وانتظار فرصة مناسبة لتنفيذ أهدافه، خاصة أن (داعش) في تعامله مع الفيروس روج لفكرة (أن كورونا عقاب إلهي لأعدائه، على حد زعم التنظيم)، خصوصاً أن (كورونا) كبد أوروبا خسائر كبيرة، وأوروبا في الدعايا الداعشية (هذا الغرب الذي يحارب الإسلام، على حد تصور الداعشيين)، لذا فـ(داعش) يستغل هذا، في مواجهة بعض الارتكازات الأمنية، أو الأكمنة، أو الاستهدافات بالشوارع، لإثارة فازعات، ومن الوارد تنفيذ بعض العمليات الإرهابية».
وأكد عمرو عبد المنعم، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) استغل (أزمة الفيروس) بالادعاء في بيان له مارس (آذار) الماضي، بأن الفيروس (عذاب مؤلم من الله للغرب، خاصة للدول المشاركة في العمليات العسكرية ضده، على حد زعمه)، ويحاول التنظيم نشر الخوف من الوباء، والبحث عن إيجاد مصارف لتمويل العمليات الإرهابية».
ووفق تقرير سابق لمجموعة «الأزمات الدولية» في نهاية مارس الماضي، أشار إلى أن «التنظيم أبدى مع ظهور الفيروس (نبرة شماتة)، وأخبر عناصره عبر افتتاحية جريدة (النبأ) التابعة له في نهاية مارس الماضي، بضرورة استمرار حربهم عبر أرجاء العالم حتى مع تفشي الوباء... وادعى أن الأنظمة الأمنية والدولية التي تسهم في كبح جماح التنظيم على وشك الغرق، على حد قول التنظيم».
ويشير عبد المنعم في هذا الصدد، إلى أنه «بالعودة لزاوية (حصاد الأجناد) في عدد (النبأ) الأخير، زعم التنظيم أنه شن 86 هجمة إرهابية في شهر واحد، هو مارس الماضي، وهو أعلى رقم منذ نهاية نوفمبر (تشرين ثاني) الماضي، الذي سجل 109 هجمات، فيما عُرف بـ(غزوة الثأر) للبغدادي وأبو الحسن المهاجر اللذين قُتلا في أكتوبر (تشرين أول) الماضي في غارة جوية».
ووفق تقارير إخبارية محلية ودولية فإن «(داعش) يسعى لاستعادة سيطرته على عدد من المناطق في سوريا والعراق من جديد، وأنه يحتفظ بنحو من 20 إلى 30 ألف عضو نشط، ولا ينقصه سوى توفر المال والسلاح». وأشارت التقارير ذاتها إلى أن «التنظيم يحاول استغلال انشغال سوريا والعراق بمكافحة الفيروس، لاستعادة سيطرته على مناطق من الصحراء السورية في الغرب، إلى وادي نهر الفرات شرقاً، مروراً بمحافظة دير الزور والمناطق ذات الأغلبية السنية في العراق، والتي لا يزال يوجد فيها بعض عناصره».
ويشار أنه في أبريل (نيسان) الماضي، هاجم التنظيم بلدة السخنة في صحراء حمص، وأسفر عن مقتل 18. وفي دير الزور أعلن التنظيم مقتل اثنين... وفي العراق، قتل ضابط شرطة عند نقطة تفتيش في الحويجة غرب كركوك على يد التنظيم، كما قتل اثنان من مقاتلي البيشمركة الكردية في هجوم للتنظيم أبريل الماضي، كما أسفر هجوم للتنظيم على مطار الصادق العسكري عن مقتل اثنين.
وفي هذا الصدد، قال عمرو عبد المنعم، إن «أكثر هجمات (داعش) كانت في العراق أخيراً، وشهد التنظيم نشاطاً مكثفاً هناك»، مضيفاً: «في نفس السياق دعت فتوى نشرها التنظيم على (تلغرام) للهروب من السجون السورية، وهذا ما حدث، فقد هرب 4 نهاية مارس الماضي، من سجن تديره قوات سوريا الديمقراطية، وفقاً لتقارير إخبارية».
وسبق أن طالب أبو حمزة القرشي، متحدث «داعش» في سبتمبر (أيلول) الماضي، «بتحرير أنصار التنظيم من السجون ...»، وسبقه البغدادي «وقد حرض بشكل مُباشر على مهاجمة السجون في سوريا والعراق».
وبحسب المراقبين «حاول (داعش) أخيراً زيادة حضوره الإعلامي على منصات التواصل الاجتماعي مجدداً، بعد انهيار إعلامه العام الماضي». ورصدت دراسة أخيرة لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف في القاهرة «تداول التنظيم تعليمات لعناصره عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بالادعاء بأن الفيروس يمثل (عقاباً من الله، ويحتم اتخاذ خطوات لتكفير الذنوب)، وجعل التنظيم الإرهابي - على حد زعمه - السبيل الوحيد للخلاص من الفيروس، والقضاء عليه، هو (تنفيذ العمليات الإرهابية)، ولو بأبسط الوسائل المتاحة». اتسق الكلام السابق مع تقارير محلية ودولية أكدت «تنامي أعداد حسابات أعضاء التنظيم وأنصاره على مواقع التواصل خصوصاً (فيسبوك)، حيث تمكن التنظيم مجدداً من تصوير وإخراج مقاطع فيديو صغيرة الحجم حتى يسهل تحميلها، كما كثف من نشر أخباره الخاصة باستهداف المناطق التي طرد منها في العراق وسوريا، وتضمين رسائل بأبعاد عالمية، بما يتوافق مع أهداف وأفكار التنظيم».
ووفق عبد المنعم فإن «(داعش) يستغل التطبيقات الإلكترونية التي تم تطويرها في الفترة الأخيرة في المجتمع الأوروبي، والتي قدمتها شركات التكنولوجيا والذكاء الصناعي في أوروبا مثل تطبيق Corona-tracker لجمع البيانات عن المصابين، وتوجيه بعض الأسئلة لتحديد نسبة الخطورة، وفرض التنظيم على الأطباء والممرضين في الرقة الحضور اليومي الإجباري، ومن خالف تعرض لعقوبات شديدة».
وعن الواجهة التي يسعى «داعش» التمدد فيها خلال الفترة المقبلة. أكد الخبير أحمد بان، أن «أفريقيا هي الواجهة المفضلة لتنظيمي (داعش) و(القاعدة)، والفترة الأخيرة شهدت تصاعدا لعمليات في الغرب الأفريقي وداخل الساحل، وعمليات داخل موزمبيق، فـ(داعش) في حالة سباق لتصدر المشهد هناك، مع توفر آليات تساعده على ذلك من بينها، تهريب السلاح، وحركة العصابات». فيما أبدى عمرو عبد المنعم، تصوراً يتعلق بـ«زيادة العمليات الإرهابية في نيجيريا، وأنه طبقاً لبيانات صدرت أخيراً عما يُعرف باسم (ولاية غرب أفريقيا) أفادت بوجود أكثر من مائة مقاتل هاجروا لنيجيريا من سوريا والعراق».
وتجدد الحديث في فبراير (شباط) الماضي، عن مساعي «داعش» للوجود في شرق أفريقيا أيضاً، بعدما أظهرت صوراً نشرها التنظيم عبر إحدى منصاته تتعلق بتدريبات على أسلحة تلقاها عناصره في مرتفعات «غل غلا» الوعرة بولاية بونتلاند الواقعة شمال شرقي الصومال.
تعليقاً، على ذلك أكد أحمد زغلول، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) يهدف إلى السعي لمناطق بالقارة السمراء، بعيداً عن سوريا والعراق، لـ(تفريغ قدرات عناصره القتالية)، فضلاً عن تأكيد عبارة (أنه ما زال باقياً)».
تقديرات سابقة لمراكز بحثية غربية أشارت أيضاً إلى أن «عدد الذين انضموا لـ(داعش) من أفريقيا منذ عام 2014 في سوريا والعراق يزيد على 6 آلاف مقاتل». وقال المراقبون إن «عودة هؤلاء أو ما تبقى منهم إلى أفريقيا، ما زالت إشكالية كبيرة على أمن القارة، خصوصاً أن كثيراً منهم شباب صغير السن، وأغلبهم تم استقطابه عبر مواقع التواصل الاجتماعي».
فيما قال خالد الزعفراني، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، إن «مساعي التنظيم للتمدد داخل أفريقيا سوف تتواصل عبر (الذئاب المنفردة)»، مضيفاً أن «ما يقوم به التنظيم في أفريقيا، والعراق وسوريا أخيراً، لإثبات أن لديه قدرة على تحقيق إنجازات، وأنه (عابر للحدود)، وأنه غير مُتأثر بهزائم سوريا والعراق».
وكان أبو محمد العدناني، الناطق الأسبق باسم «داعش» قد دعا في تسجيل صوتي عام 2014 المتعاطفين مع التنظيم، إلى القتل باستخدام أي سلاح متاح، حتى سكين المطبخ من دون العودة إلى قيادة «داعش»... ومن بعده دعا البغدادي إلى «استهداف المواطنين». وتوعد التنظيم عبر مؤسسة الإعلامية «دابق» بحرب تحت عنوان «الذئاب المنفردة».
في ذات السياق، لفت أحمد بان، إلى أن «التنظيم يسعى لاكتشاف أي ثغرة لإثبات الوجود أو تجنيد عناصر جُدد، خاصة وأن هناك عناصر (متشوقة للإرهاب)، وعندما يُنفذ (داعش) أي عمليات إرهابية، تبحث هذه العناصر عن التنظيم، نتيجة الانبهار».
من جانبه، قال الخبير الأمني اللواء فاروق المقرحي، مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، إن «تنظيمات الإرهاب خاصة (داعش) و(القاعدة) لن تتوانى عن سياسة التجنيد، ومن هنا تنبع فكرة الاعتماد على (الذئاب المنفردة) أو (العائدين) بشكل كبير».
وبينما رجح زغلول «حدوث بعض التغيرات داخل (داعش) عام 2020». قال اللواء المقرحي: «لا أظن عودة (داعش) بفائق قوته في 2020 والتي كان عليها خلال عامي 2014 و2015 نتيجة للحصار المتناهي؛ لكن الخوف من (حرب العصابات) التي قد يشنها التنظيم، لاستنزاف القوى الكبرى»، لافتاً إلى أن «كثيرا من العناصر (الانفرادية) تتحرك في أوروبا وأميركا بانسيابية داخل الدول، وهذا هو الخطر».