«أصيلة» تشخص نظرة الغرب إلى المسلمين المهاجرين عبر التاريخ

من خلال شهادات مفكرين عرب وأجانب حول أوضاعهم في عدد من الدول الأوروبية

جانب من الندوة الختامية «المسلمون في الغرب: الواقع والمأمول» («الشرق الأوسط»)
جانب من الندوة الختامية «المسلمون في الغرب: الواقع والمأمول» («الشرق الأوسط»)
TT

«أصيلة» تشخص نظرة الغرب إلى المسلمين المهاجرين عبر التاريخ

جانب من الندوة الختامية «المسلمون في الغرب: الواقع والمأمول» («الشرق الأوسط»)
جانب من الندوة الختامية «المسلمون في الغرب: الواقع والمأمول» («الشرق الأوسط»)

شخّص نخبة من المفكرين والأكاديميين المغاربة والعرب والأجانب تاريخ وحاضر المسلمين، والتغييرات التي طرأت في النظرة لهم عبر العقود من طرف دول الغرب، وذلك خلال الجزء الثاني من ندوة «المسلمون في الغرب: الواقع والمأمول» المبرمجة ضمن ندوات موسم أصيلة الثقافي الـ39.
وتحدث أحمد المديني، الروائي والكاتب المغربي، عن وضع المسلمين في فرنسا بداية من الثمانينات من خلال تجربته الشخصية هناك، وأوضح المديني أن الإسلام لم يقدر له الاندماج في فرنسا، ولم تتماسك صورة التعايش بين المسلمين وبلدان الاستضافة، بفعل أسباب اقتصادية وأخرى ثقافية، هي عبارة عن نشوء رغبة متنامية لديهم بالتميز «هوياتية»، فكانت العقيدة حاضرة فيها باستمرار، فتعمقت ليصبح الدين عبادة وطقوسا، هوية وعنوانا، أكثر منه قناعة.
وبرأي المديني، فإن فكرة الإدماج في فرنسا فشلت في عقيدة جمهورية ترفض فكرة التجمعات المغلقة، حيث تستقل كل جالية بثقافتها ونمط عيش مخالف للجمعي، وهي مسؤولية إشكالية مشتركة صنعت شقوقا تسربت منها نعرة العنصرية، وآيديولوجية أكثر من إسلام، انزرعت في أوروبا وهي تبذر وتحرث عقائدها الأجنبية.
من جهته، قال أحمد عبد الملك، وهو أكاديمي وإعلامي قطري، إن هناك نوعين من المهاجرين المسلمين في الغرب: الأول هم المهاجرون الأوائل الذين ذابوا في المجتمع وآمنوا بنعمة التسامح وعدم رفض الآخر، مشيرا إلى أن هؤلاء كانوا من أنجح المهاجرين المسلمين، وتسلموا مناصب كبيرة وخدموا المواطنين في مجتمعاتهم. أما النوع الثاني فهو الذي هاجر محتفظا بأفكاره وثقافته الأصلية، وهو يحمل رسالة مضمونها تحويل من في الأرض إلى الدين الإسلامي، وهذا النوع لم يستطع الاندماج في المجتمع الذي ذهب إليه، وظل يمارس طقوسا لا يقبلها المجتمع.
واستغرب عبد الملك وجود جماعة من المسلمين الشبان في بريطانيا يحملون لافتات ويدعون إلى مظاهرات ضد بريطانيا، في الوقت الذي لا يستطيعون فيه رفع رؤوسهم في أوطانهم أمام الحكم الظالم، وهم في الأغلب من غير المتعلمين الذين هاجروا عن طريق قوارب الموت، ولا يحملون شهادات عليا، وتورطوا في تجارة المخدرات والسرقة، مضيفا أنه بعد ذلك أتت أحدات 11 سبتمبر (أيلول)، التي كانت العمود الجديد الذي أدى إلى النظرة الحادة ضد المسلمين وضد العرب. أما أوميرو مارونجيو، المختص بعلم الاجتماع وبالإسلام في فرنسا، فيرى أن أوروبا تحتاج إلى الهجرة وإلى المهاجرين؛ لأنها تفقد مليون شخص كل سنة، ولأجل ذلك فتحت ألمانيا أبوابها للهجرة الاقتصادية والهجرة السياسية، علما بأن كثيرا من اللاجئين السوريين ينتمون إلى الطبقة المتوسطة والطبقة المتوسطة العليا، والذين ينسجمون مع المجتمع الأوروبي ويشكلون إضافة إليه.
من جهته يرى خالد حجي، الأمين العام للمجلس الأوروبي للعلماء المغاربة ورئيس منتدى بروكسل للحكمة والسلم العالمي، أن على المسلمين أن يستوعبوا روح العصر ومقاييسه الجديدة، مبرزا أن الشباب في أوروبا يعيش الدين كثقل وليس كرافعة، وجاهزيته الثقافية منخفضة جدا، بحيث لم ينفذ إلى روح الفنون وروح العصر في أوروبا، وأنه من المهم جدا التحدث بلغة العصر، وارتفاع المستوى البلاغي في التخاطب في بيئة أوروبية مختلفة.
في السياق نفسه، ركز عز الدين عناية، أستاذ العلوم الإسلامية بجامعة روما، على وضع المسلمين في إيطاليا الذين يشكلون نحو مليونين، لكن مع ذلك تبقى الهجرة في إيطاليا، برأيه، حديثة لا يتجاوز عمرها 4 عقود، موضحا أن أوائل المهاجرين المسلمين إلى إيطاليا كانوا من المغرب، ويشكلون تقريبا نصف مليون شخص، لذلك غلبت تسمية العرب هناك بـ«المغربي» لكنها في الدلالة العامة تعني المسلم، مشيرا إلى أن الإسلام في إيطاليا له صبغة عمالية أصيلة، فرغم أن هناك جمعيات كثيرة أنشأت في العمل الديني بالخصوص، وفي المطالبة الحقوقية بشكل عام، فإن هذه الجمعيات تحاول أن تحضر في المجتمع الإيطالي من خلال تأسيس المساجد، حيث تبدو الجالية ذات إسلام بسيط، لكن داخل هذه الشبكة هناك ما يعرف باتحاد الجمعيات الإسلامية، وهو الأكثر نشاطا والأكثر هيكلة. لكن هذا الاتحاد يبقى يأتمر بخلفية إخوانية سياسية، في حين تنظر إليه الدولة الإيطالية نظرة ريبة.
من جهة ثانية، أوضح ديفيد بروك مدير مشروع «فكرة» بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى بواشنطن، أنه لا يمكن الحديث عن أحوال المسلمين في الغرب دون الإشارة إلى دونالد ترمب وسياسته ضد المسلمين، بدءا من الحملة الانتخابية إلى توليه السلطة من خلال الخطابات والسياسات المليئة بالحقد والأفكار المقولبة عن الإسلام والمسلمين، لكن في رأي بروك فإنه رغم الدعم الذي يحظى به ترمب من صفوف كبار المسؤولين ومن طرف الجمهور، فإن هؤلاء يمثلون ثلث سكان أميركا، بناء على استفتاء عام، أظهر أن هناك شرائح تبدي الحقد ضد الإسلام، لكن سائر الجمهور يدعمه، وأن هناك من يعترض على أي تمييز على اعتبارات دينية وربط الدين بالإرهاب.
من ناحية أخرى، قدم حسونة المصباحي، الروائي والإعلامي التونسي، شهادة عن وضع المسلمين في ألمانيا، التي عاش فيها طويلا، وتطرق إلى ذلك مند بداية الستينات حيث بدأت حركة هجرة المسلمين إلى أوروبا، وواجهوا أشكالا من العنصرية والعنف، لكن المثير وقتها هو مساندة كبار المثقفين الأوروبيين من خلال كتاباتهم ودراساتهم، فكبار مفكري ومثقفي فرنسا وبرلين ساندوا العمال المهاجرين المسلمين، ودافعوا عن هويتهم لدرجة أن بعضهم حضر مظاهرات لمساندة المسلمين وقتها، لكن الوضع بدأ يتغير مع نهاية السبعينات بعد الثورة الإيرانية التي انتزع منها الجانب المدني لتصبح ثورة دينية.
وأضاف المصباحي أنه في فترة الثمانينات تبدل الوضع أيضا عندما قتل أنور السادات وبدأ الإرهاب، وبدأ تقديم الإسلام على أنه هو الحل، وكثرت الموجات الأصولية التي أسفرت مثلا عن عمليات عنف في تونس على أساس أن الإسلام مظلوم في تونس، وأنه لا بد من العنف لإعادة الاعتبار للإسلام، ومنه بدأت صورة الإسلام تتشوه في أوروبا، ومن جهتها، بدأت الدول العربية الغنية تبني مساجد، ولم تفكر دولة عربية واحدة في بناء مركز ثقافي، إذ أصبح هناك خلط بين الدين والهوية، حسب رأيه.
من جهته أوضح إيرك بونس جيوفروي، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة ستراسبورغ الفرنسية، أن «داعش» يستقطب مقاتليه ومسانديه من فكرة المظلومية لدى قطاعات واسعة من المسلمين، ولكن أيضا من اعتقاد البعض بهوان الدنيا واقتراب موعد فنائها وظهور علامات الساعة وعودة المهدي المنتظر، مضيفا أنه من بين الأسباب أيضا الرغبة النرجسية الدفينة في الظهور والبطولة واكتساب الاعتراف.
أما محمد البشاري، رئيس الفيدرالية الوطنية للمسلمين بفرنسا، وأمين عام المؤتمر الإسلامي الأوروبي، ورئيس معهد ابن سينا للعلوم الإنسانية، فقال إن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما طرح في خطاب له بنيويورك سنة 2014 مصطلح التطرف الديني العنيف، قبل أن تتبناه الأمم المتحدة لاحقا في خطاب لأمينها العام السابق بان كي مون سنة 2016، مميزا بين الإرهاب والتطرف العنيف المؤدي إلى الإرهاب. ونقل البشاري عن دراسة علمية أن «داعش» جندت بين سنتي 2014 و2015 نحو 50 ألف مقاتل، من بينهم 12 ألفا من أوروبا و6 آلاف من روسيا، موضحا أن 50 في المائة من هؤلاء المقاتلين من الأقليات من خارج العالم الإسلامي، وأن 85 من مقاتلي تنظيم القاعدة تم استقطابهم من داخل السجون والمساجد، والنسبة نفسها استقطبها تنظيم داعش عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
من جهة ثانية، نبه البشاري بأن أزيد من 20 في المائة من الفتيان الذين تقل أعمارهم عن 20 سنة يبحثون عن المعلومة الدينية في مواقع التواصل الرقمي، مشيرا إلى أن هناك ما لا يقل عن 35 موقعا يجيش صغار السن ويحببهم في القتال إلى جانب «داعش» لـ«إعادة دولة الخلافة الإسلامية».
وتضيف الدراسة، حسب البشاري، أنه تبين أن 450 من العائدين من «داعش» إلى فرنسا وبلجيكا ليست لديهم خلفية مذهبية واضحة، وأن 65 في المائة من المستقطبين لم يطلعوا إلا على أبجديات الدين الإسلامي، وبعضهم من أسر غنية ومثقفة قبل أن يتشربوا «بعقيدة الموت، والولاء المتعدد لغير الدولة الوطنية، وتكفير الدولة والمجتمع، وحلم الخلافة، ووهم إقامة العدالة الإلهية فوق الأرض، والالتحاق الفوري بنعيم الجنان».
من جهته، أبرز محمد بن صالح، مدير معهد غرناطة للبحوث والدراسات العليا بجامعة غرناطة، أنه بعد أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة، التي كان مرتكبوها من خريجي الجامعات الميسورين، ارتفع في الولايات المتحدة صوت «إما معنا أو ضدنا»، قبل أن يخفت قليلا ويروج صوت غياب الديمقراطية في بلدان في العالم، لتسعى واشنطن بعدها إلى تصدير الديمقراطية ولو بفرضها بالقوة.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.