ماذا يقرأون في الصيف؟ أي كتب يحملون في حقائب السفر؟

ماذا يقرأون في الصيف؟ أي كتب يحملون في حقائب السفر؟
TT

ماذا يقرأون في الصيف؟ أي كتب يحملون في حقائب السفر؟

ماذا يقرأون في الصيف؟ أي كتب يحملون في حقائب السفر؟

في الصيف، يحمل المثقفون كتبهم في حقائب السفر، ومع اتساع دائرة التقنية الحديثة، أصبح الكتاب الإلكتروني رفيقاً دائماً لشريحة القراء، دون تمييز، في الوسائط الرقمية يتم تخزين آلاف الكتب ودواوين الشعر، لكن ثمة كتاباً يحظى بالعناية أكثر من سواه.. يمكن أن يمثل معياراً لقيمة الكتاب نفسه، أو للفعل الثقافي الذي لا يتخلى عن عادة القراءة مهما طال السفر.
* «الذرة الرفيعة الحمراء»
يقول الروائي والأديب السعودي جبير المليحان، إن أجواء الصيف (في الخليج) بذاتها أصبحت طاردة لعادة القراءة، فحين تلامس درجة الحرارة الخمسين مع ارتفاع هائل في الرطوبة، يصبح المرء «طفراناً» يفتش عن ملاذ بارد يسكن إليه.. لكني لا أترك الذهاب إلى مكان تكون شمسه ظلا؛ وهواؤه عليلاً، مصطحبا كتاباً ممتعاً ومفيدا. في السفر، غالبا أضع بجانبي مذكرة صغيرة وقلما، أدون فيها ما تنبشه القراءة من مواقف وأحداث منسية في مخازن الذاكرة. واليوم، في حقيبتي رواية رائعة، ضخمة (620 صفحة من الحجم الكبير)، اسمها: «الذرة الرفيعة الحمراء» للكاتب الصيني مو يان، (الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 2012)، ترجمة حسانين فهمي حسين.. إنها رواية الصين بامتياز؛ تروي ذكريات طفل عن تاريخ عائلته، يحكيها وهو كبير خلال فترة الغزو الياباني للصين في ثلاثينات القرن العشرين. الرواية تكشف عوالم وأساطير، وكيف قاوم السكان المحليون الغزاة.
* «فن الشعر»
ومن البحرين، يقول الشاعر البحريني علي خليفة: «في هذا الصيف أعيد قراءة كتاب الدكتور إحسان عباس (فن الشعر) ربما للمرة الخامسة أو السادسة. قرأت هذا الكتَاب في بداياتي الأولى وأعجبت بمادته الغزيرة وأسلوبه العلمي السلس وطرحه المنسق والموفق واستطعت من خلال ما أعطاني هذا الكتَاب من ذخيرة أن افهم بالضبط ما هو الشعر؟، وكيف، ولماذا؟، كما منحني الكتاب فهماً لأن أكوّن لي فهماً خاصاً لعوالم هذا الفن الجميل. كلما أعدت القراءة اكتشف من خلال هذا الكتاب شيئا جديدا لم أفطن إليه من قبل فتتعمق لدي المعلومة وتنفتح أمامي مغلقات كانت عصية على الفتح. فهذا كتاب رائع يشمل كل ما يريده قارئه عن فن الشعر لناقد أكاديمي عربي افتقدنا ظله.
* «نظرية البلاغة»
من العراق، يتحدث الشاعر العراقي هزبر محمود، عن قراءاته هذا الصيف، قائلاً: «قبل ذهابي للجزائر يوم 2 يوليو (تموز) الجاري انتهيت من قراءة سلسلة كتب في المسرح العالمي والعربي، وبالذات المسرح الشعري لما أعتقد في المسرح من حيوية تساعد في إدارة الحياة والنفس البشرية والتحكم باستحداث حوارات داخلية على إيقاع المشكلة والحل بما فيها حبكة القصيدة.
في الجزائر اقتنيت عدة كتب أهمها كتاب (نظرية البلاغة) للدكتور عبد الملك مرتاض الذي بدأت بقراءته من بين المجموعة، وثلاثة كتب للمفكر الجزائري المعروف مالك بن نبي والتي سأبدأ بها بعد انتهائي من كتاب مرتاض وكذلك عدة كتب في الفلسفة وعلم الاجتماع سأقرأها تباعاً». يكمل هزبر قائلاً: أعتقد أن اختيار الكتاب المناسب في الوقت المناسب يخضع لأمور مهمة أهمها معرفة الإنسان بنفسه في لحظته وكذلك خضوعه لمشاغل الحياة اليومية وكذلك الكتاب والكاتب.
* أدباء مصريون يفضلون القراءات الخفيفة ومتابعة نتاج الأصدقاء
مع حلول فصل الصيف في مصر، تقل نوعاً ما حفلات التوقيع، وتقل الإصدارات الجديدة عنها في الشتاء وموسم معارض الكتاب المحلية والعربية والعالمية، لكن كثيراً من الأدباء يفضلون الاستمتاع بقضاء فصل الصيف وتخصيص قراءات محددة بعينها تخفف لهيب الطقس وهوائه الخانق ودرجات الحرارة المرتفعة التي تقلص الإنتاج الأدبي، هنا يكشف عدد من الأدباء والشعراء عن لائحة قراءاتهم لصيف 2017:
يكشف الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة عن قراءاته قائلاً: «لا يوجد تغيير في قراءات الصيف عن الشتاء؛ لأن القراءة لدي مرتبطة دائماً بالمزاج الأدبي والنفسي، والإحساس بالرغبة في التواصل مع كل الألوان الأدبية لشحن الوجدان. عادة قراءاتي متنوعة في مجالات كثيرة تجمع بين الشعر الحديث والقديم، والنثر والدراسات الأدبية والنقدية والقصة القصيرة والرواية، لكن لا أقرأ بهدف التسلية أو تمضية الوقت».
هناك كتب حالياً على مكتبي «الإشارات الإلهية» لأبي حيان التوحيدي، وديوان للشاعرة سلمى فايد، إلى جانب ديوان لإسماعيل صبري باشا، وهو من شعراء القرن التاسع عشر، كما أعكف على مجموعة قصص مترجمة من الأدب الصيني لأنني أقر وأعترف بأننا هجرنا أدب الدول الآسيوية في مقابل الأدب الغربي والأوروبي والأميركي. ويقول: «حاليا أعيد قراءة شعر طاغور وعدد من الدواوين الفارسية والتركية».
* عبد المجيد: مشغول بالأحداث السياسية
أما الروائي إبراهيم عبد المجيد فهو لا يحبذ الكتابة الأدبية في فصل الصيف، وحالياً تشغله متابعة الأحداث والشأن السياسي المصري عن متابعة النتاج الأدبي الجديد، لكنه يقول: «في فترة الشباب كنت كثير القراءة وأقرأ صيفا وشتاء كل ما يقع تحت يدي سواء كان أدبا عالميا أو مصريا وعربيا، لكن بشكل محدد كنت أحب قراءة روايات الأديب العظيم إحسان عبد القدوس في فصل الصيف».
* عتيبة: القراءة الجادة في الشتاء
ويقول الروائي منير عتيبة، وهو مشرف مختبر السرديات في مكتبة الإسكندرية، عادة ما يتابع كل جديد، إنه يقرأ للدكتور طه حسين كتاب بعنوان «من لغو الصيف إلى جد الشتاء» الذي يرى فيه أن «القراءة والبحث الجاد يتمان غالبا في الشتاء وليس في الصيف؛ فصل الحر الخانق والإجازات». ويضيف: «لكن بالنسبة لي لا أحدد قراءاتي بناء على فصول السنة أو المناسبات كشهر رمضان المعظم مثلا. فقد انتهيت خلال الأسابيع الماضية من قراءة عدة روايات وأعمال قصصية منها رواية الأردني جلال برجس (أفاعي النار)، ورواية (رئيس التحرير) لأحمد فضل شبلول، ورواية (المختلط) لداليا أمين أصلان. ورواية (المزين) لأحمد سمير سعد، ورواية (مدن السور) لهالة البدري، إضافة إلى مجموعتين من القصص القصيرة جدا لمحمد الحديني وطارق جابر. وأقرأ الآن كتاب حكايات كورية (ين نال ين نال) ترجمة حسن عبده، حيث أقوم بإعداد بحث للمشاركة في مؤتمر عن الأدب الكوري».
ويكشف الأديب والطبيب المصري المقيم بأميركا شريف ماهر مليكة عن قائمة قراءاته قائلاً: «في أواخر الربيع، قررت قراءة (في غرفة العنكبوت) للكاتب المصري محمد عبد النبي، الصادرة عن دار العين، لأنها كانت الرواية المصرية الوحيدة التي اشتملتها القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية لعام 2017، لكن الحقيقة، وجدتني عاجزاً عن استكمالها بعد أن خضت في جزء كبير منها. السبب من وراء ذلك كان في خوضها في مسألة المثلية الجنسية، بتفاصيل أثارت اشمئزازي، وحاولت التغاضي عنها، لكنني لم أفلح. رغم قراءاتي الأدبية الكثيرة وملاقاتي للكثير من الكتابات التي تناولت المثلية الجنسية، فإنني لم أجد تفسيراً للخوض في مثل تلك التفاصيل الحميمية الزاخرة بها تلك الرواية. تساءلت عن الفرق بينها وبين رواية أحمد ناجي (استخدام الحياة) التي انتهت به إلى غياهب السجون. ورغم أنني لم أؤيد عقاب ناجي بمثل هذه القسوة والتعنت، فإني لم أجد فروقاً شاسعة بين الروايتين».
ويقول أيضاً: «قرأت أيضاً رائعة فولتير (كانديد) ربما للمرة الرابعة أو الخامسة، لأنني أعشق العمل أولا، ولسبب كتابتي لرواية جديدة بعنوان «البحث عن كانديد» أعتزم الانتهاء منها قريباً. وأقرأ في الوقت الحالي كتاب «جهاد في الفن» للأستاذ مصطفى عبد الله، عن الروائي والقاص العملاق يحيى حقي. في الحقيقة، تعرفت بين صفحات هذا العمل الرائع عن شخصية وعقل مبدعنا الراقي، وأنا حالياً أقرأ شهادات باقة من مبدعينا الكبار عنه. وبين تلك الكتابات والروايات، لا بد لي - كعادتي - أن أتصفح بضعة فصول من كتابين هما الأثيران لديَّ، فلا يمضي صيف إلا وتصفحتهما، كليّاً أو جزئيّاً، حسب الوقت المتاح؛ وهما (ملحمة الحرافيش) لنجيب محفوظ، و(مائة عام من العزلة) - الترجمة الإنجليزية-، لجابرييل غارسيا ماركيز».
* أصلان: كتب الأصدقاء
الروائي هشام أصلان يرى أن قراءات الصيف لا تختلف كثيراً عن قراءات الشتاء، بحكم عمله في الصحافة الثقافية التي تتطلب منه متابعة دقيقة لأغلب الروايات والمجموعات القصصية والدواوين الحديثة، لكنه يقول: «في فترة الإجازة المرتبطة عادة بفصل الصيف، أحرص على قراءة بعض الكتب التي أثارت ضجة أو مميزة لسبب أو لآخر، كما أن قراءات الصيف يكون فيها الانتقاء والاختيار متاحا بعيدا عن طبيعة العمل الصحافي».
ويضيف صاحب المجموعة القصصية «شبح طائرة ورقية»: «هناك بعض الكتب التي أعود إليها بشكل دائم، والتي استمتع بقراءتها تماما مثل المرة الأولى لقراءتها، ومنها: مجلد (نظر) للكاتب الكبير محيي الدين اللباد، وهو مجلد ضخم يضم مجموعة مقالات دسمة غنية بالمعلومات إلى جانب رسوم كاريكاتورية نشرت جميعها في مجلة (صباح الخير) وقد صدر عن مكتبة الأسرة، وعودتي إليه بسبب ما يتسم به أسلوب اللباد من جاذبية تعطي مذاقا خاصا لقراءته. ومن الكتب التي أعود إليها أيضاً (الجنوبي) للكاتبة عبلة الرويني وهو سيرة ذاتية عن زوجها الراحل الشاعر الكبير أمل دنقل، تروي فيه مشوار حياته وحياتهما معا وقصة مرضه، وهو من الكتب التي في مظهرها سيرة ذاتية لكنه كتب بحس ولغة روائية عالية وهو ممتع جدا. ومن الكتب الثقيلة التي أعود إليها أيضاً كتاب (ثلاثية الرواية) لميلان كونديرا، وترجمة دكتور بدر الدين عرودكي، وهو كتاب نظري عبارة عن 3 كتب في كتاب واحد».
ويضع نجل الكاتب الراحل إبراهيم أصلان قائمة للكتب التي سوف يضعها في حقيبة السفر، قائلاً: «عادة ما أصطحب معي في إجازتي كتب وإصدارات أصدقائي لمتابعة نتاجهم، ومشاركتهم نجاحات مشروعاتهم الأدبية التي عادة ما أكون شاهدا عليها، وعلى رأس هذه القائمة: رواية (حصن التراب) للكاتب أحمد عبد اللطيف، وهي صادرة عن دار العين، وتروي قصة عائلة موريسكية تعرضت لمذابح واضطهاد، وهي رواية ممتعة وتدور في سياق تاريخي مثير، أيضاً أتطلع لقراءة رواية محمد حسن علوان (موت صغير) الفائزة بالبوكر هذا العام بمزيد من التركيز، وكتاب الشاعر المصري محب جميل عن المطربة الشعبية فتحية أحمد وسيرتها ومشوارها الموسيقي الطويل، وهو صادر عن دار الجديد اللبنانية، كما أتطلع لقراءة مجموعة قصصية وحكايات للروائي طارق إمام بعنوان (مدينة الحوائط اللانهائية) وهي مجموعة قصص نشرت متسلسلة في جريدة (الدستور) لكن أود قراءتها مجمعة في كتاب سوف يصدر عن الدار المصرية اللبنانية، وأيضاً كتاب صدر مؤخرا بعنوان (ذئاب منفردة) للكاتب حسن عبد الموجود، وهو كتاب ممتع يضم صورا قلمية لعدد من كتاب وأدباء التسعينيات اقترب منهم المؤلف ويبرز عبر بورتريهات صحافية جانبهم الإنساني».
* نهلة أبو العز: «سيدة المنام»
القاصة نهلة أبو العز، تقول: «يرتبط بالقراءة كل شيء جميل، عادة ما تستطيع الكتب أن تأخذني من عالمي الصاخب لعوالم جديدة، وكان من حسن حظي في هذا الصيف أن أتمتت قراءة بعض الكتب ومنها: كتاب (سيدة المنام) للكتابة سحر الموجي الذي تعتمد فيه على لغة شعرية مختلفة في كتابة القصص وتبتعد عن الطريقة التقليدية في الحكاية، وللمجموعة رونق رشيق يخص شاعرة محترفة. قرأت أيضاً رواية حديثة صادرة عن سلسلة كتابات جديدة وهي (الدفتر السادس) للكاتب ياسر جمعة الذي استخدم كل الوسائل الحديثة في عرض حكاية تبدو متكررة وهي الحبيب والحبيبة والدخيل، هذا المثلث الذي عرفناه في قصص الحب تم استخدامه في الدفتر السادس بحرفية عالية تجعلك تشعر بأنك تقرأ للمرة الأولى عن هذه التركيبة في العلاقات الإنسانية».
وتضيف: «كما كان في رواية (الدفتر الكبير) للكتابة أغوتا كريستوف عنصر آخر من عناصر الاستمتاع والانبهار، حيث تحدثت الرواية بسلاسة غير عادية عن الحرب من دون أن تتكلف في ذلك من خلال طفلين ذهبا لجدتهما بعد سفر الأب والأم للحرب، وقد تعايشا مع حياتهما الجديدة بشكل مذهل، اعتمدت فيه الكتابة على تغير الأحداث ورسم المشاهد بلغة بسيطة وانسيابية في العرض.
كتاب آخر جذبني ودائما يجذبني هو «رولا وخوليو» للكاتب الإسباني خوان مياس القصة التي رسمها مياس في روايته تخرج عن الإطار المألوف للحكاية، فهي تعتمد على شخص منذ بداية الرواية وهو غائب ولكنه كان محركا لكل أحداث الرواية، لتكتشف أن الأبطال كانوا يرتبطون به قبل وفاته، وهو من قام بتغيير حياتهم بالشكل الذي لم يكونوا يتوقعونه. وتتميز الرواية وأدب خوان مياس بصفة عامة ببساطة العرض واستخدام تقنيات عالية في الكتابة ولكنها ليست معقدة.
* موسى: الصيف لا يشجع على القراءة
الروائي المصري صبحي موسى، يقول: «فصل الصيف لا يحفز على الإنجاز سواء القراءة أو الكتابة، فنهاره طويل وليله قصير، وعادة ما أحب قراءة الكتب الخفيفة. حاليا أقرأ مجموعة من روايات وقصص الأصدقاء، ومنها: رواية (البيت الزرق) للشاعر والروائي اللبناني عبده وازن، وهي تعالج قصة حياة شاب مثقف لكنه يعاني من التوحد ويرفض العالم من حوله، وبها قيم عن التسامح والعلاقة مع الآخر، وتحث على البعد عن الطائفية، أيضاً أقرأ مجموعة قصصية بعنوان (طريق السيدات) للكاتب خالد ثابت، وهي تضم 10 قصص مفعمة بروح فلسفية كبيرة، ورواية للصديق حسن هند تتناول الرأسمالية بشكلها البشع حول سيطرة الشركات متعددة الجنسيات وكيف تدمر مصائر البشر».



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».