كوريون شماليون يعانون من ظروف عمل قاسية في روسيا

TT

كوريون شماليون يعانون من ظروف عمل قاسية في روسيا

تبنّت مدينة فلادفوستوك الروسية، المطلّة على المحيط الهادئ، رمزا جديدا من رموز العولمة المتجاوزة للحدود؛ العمالة الكورية الشمالية. وعلى عكس العمال المهاجرين في أغلب بلدان الغرب، فإن الكوريين الشماليين يلقون ترحيبا واسعا في روسيا، التي أصبحت على غرار الصين أحد أكبر مستخدمي العمالة من الدولة المارقة.
تقول يوليا كرافشينكو (32 عاما)، وهي ربة منزل من سكان فلادفوستوك، عن عمال كوريين شماليين في قطاع تزيين المنازل: «إنهم يتميزون بالسرعة والموثوقية، ويتقاضون القليل، وهم أفضل بكثير من العمال الروس. وهم لا يفعلون شيئا سوى العمل من الصباح وحتى الأوقات المتأخرة من الليل».
وعادات العمل التي تسعد أصحاب المنازل في فلادفوستوك توفر أيضا التحويلات النقدية التي تشتد الحاجة إليها في البلد الأكثر عزلة في العالم، حيث إن النظام الديكتاتوري الوراثي في بيونغ يانغ بات قاب قوسين من امتلاك القدرات النووية القادرة على توجيه الضربات إلى الولايات المتحدة. وخلال الأسبوع الماضي فقط، بلغت كوريا الشمالية مستوى جديدا عبر اختبار أول صاروخ باليستي عابر للقارات.
ونظرا للعقوبات الاقتصادية الدولية الصارمة وعجز البلاد عن إنتاج كثير من السلع والبضائع التي يريد أي شخص خارج حدود كوريا الشمالية شرائها، باستثناء قطع غيار الصواريخ والمنسوجات والفحم والفطر، أرسلت حكومة البلاد عشرات الآلاف من المواطنين الفقراء إلى مختلف مدن وبلدات الاتحاد السوفياتي القديم لاكتساب الأموال وتحويلها إلى النظام.
وتقول جمعيات حقوق الإنسان إن هذه الحركة العمالية التي تسيطر عليها الحكومة تصل إلى حد تجارة الرقيق المحرمة دوليا، ولكن الأوضاع في الداخل بائسة للغاية، لدرجة أن العمال في أغلب الأحيان ما يدفعون الرشى للحصول على فرصة السفر إلى روسيا.
ولقد ساعدت العمالة من كوريا الشمالية في بناء ملعب جديد لكرة القدم في سانت بطرسبرغ لاستخدامه في مباريات كأس العالم المقرر انعقادها هناك العام المقبل، وهو المشروع الذي لقي فيه أحد العمال مصرعه على الأقل. وهم يعملون الآن على تشييد مجمع سكني فاخر في وسط موسكو، ولقد عثر على اثنين من العمال الكوريين الشماليين صرعى الشهر الماضي في فندق رخيص بالقرب من موقع المشروع. كما أنهم يعملون أيضا في مهام قطع الأشجار في مخيمات بعيدة مخصصة لهذا الغرض في أقصى الشرق الروسي، والتي تشبه معسكرات الاعتقال الشهيرة في عهد ستالين.
وترك العمال الكوريون الشماليون أكبر بصماتهم وأهمها في فلادفوستوك، إذ يوفرون العمالة الموجهة إلى شركات إصلاح وصيانة المنازل التي تتباهى أمام العملاء بمدى انضباط وجودة ورخص العمالة الكورية الشمالية مقارنة مع العمالة الروسية.
ويقول موقع إحدى الشركات في فلادفوستوك: «من المثير للاهتمام أن هؤلاء الناس يعملون بجد واجتهاد ونظام. وهم لا يحتاجون إلى أوقات كبيرة للراحة أثناء العمل، ولا يحاولون التملص من واجباتهم أبدا». وتعد صناعة إصلاح وصيانة المنازل من أحسن الصناعات التي يعمل فيها عمال كوريا الشمالية، إذ لا يخضع الرسامون وعمال الجبس في العموم إلى المعاملة الوحشية التي يتعرض لها أغلب الكوريين الشماليين العاملين في مخيمات قطع الأشجار الروسية أو في مواقع التشييد والبناء.
ويعاني هؤلاء العمال من ممارسات ظالمة أخرى، وصفتها جمعيات حقوق الإنسان بأنها صورة فظيعة من برنامج تصدير العمالة في بيونغ يانغ، وهي مصادرة جميع إيراداتهم من طرف الدولة.
وصدر تقرير مطول حول عمالة كوريا الشمالية في روسيا العام الماضي من قبل مركز قاعدة البيانات لحقوق الإنسان في كوريا الشمالية، وهي من الجمعيات الحقوقية في سيول، وخلص التقرير إلى استيلاء الحزب الحاكم على 80 في المائة من الأجور التي يجنيها عمال الغابات في روسيا، وعلى 30 في المائة على الأقل من الرواتب المدفوعة إلى العمال في قطاع التشييد. وتستولي الحكومة على مزيد من الأموال لتغطية نفقات المعيشة، والمساهمات الإلزامية لما يسمى بصندوق الولاء وغير ذلك من التبرعات. ويشكل هذا «الهيكل الاستغلالي»، كما وصفه التقرير، أحد الأسباب الأساسية لظروف العمل غير الإنسانية التي تعاني منها العمالة الكورية الشمالية في روسيا.
وقدرت جمعية حقوق الإنسان المذكورة أن السلطات الكورية الشمالية تجني نحو 120 مليون دولار في العام من العمالة المصدرة إلى روسيا، وهي من أهم مصادر الدخل للأسرة الحاكمة في البلاد التي تأسست بدعم روسي في عام 1948 على يد كيم إيل سونغ، ويرأسها حاليا الحفيد كيم جونغ أون البالغ من العمر 33 عاما. ويبلغ عدد العمالة الكورية الشمالية المتواجدة في روسيا نحو 50 ألف عامل، رغم أن دراسات أخرى تفيد بأن الرقم لا يتجاوز 30 إلى 40 ألف عامل، وهو رقم أكبر من العمالة الكورية في الصين وهي من الوجهات الرئيسية الأخرى. وقال رئيس شركة فلادفوستوك للديكورات، التي توظف عشرات من الكوريين الشماليين، إن كمية الأموال التي تستولي عليها الحكومة الكورية من العمال قد زادت بشكل كبير على مدى العقد الماضي، وارتفعت إلى المعدل الشهري الحالي البالغ 50 ألف روبل أو ما يساوي 841 دولارا أميركيا، من أصل 17 ألف روبل في الشهر في عام 2006. وقال رئيس الشركة أيضا إن عماله الذين يتقاضون الأجور العالية أصبحوا يفقدون في الوقت الحالي نصف رواتبهم الشهرية أو أكثر من خلال الاستيلاء الحكومي عليها، في حين أن قائد كل فريق من فرق العمل البالغة 20 إلى 30 عاملا يحصل على أجر إضافي بنحو 20 في المائة مقابل العثور على وظائف الديكور والرسم لعماله. ولقد طلب الجانب الروسي عدم الكشف عن هويته بسبب خشيته من معاقبة رقباء حزب العمال الكوري الحاكم أو منعه تماما من العمل لديهم.
ولقد ازداد معدل مصادرة الرواتب في أعقاب الهبوط الحاد في قيمة العملة الروسية مقابل الدولار الأميركي، وهو التطور المثير للقلق بالنسبة للنظام الكوري الحاكم الذي يرغب في الحصول على مزيد من العملة الأميركية وليس الروسية.
ولكن ارتفاع كمية الأموال الروسية المستولى عليها بأكثر من تعويض هبوط الروبل يعكس سعي بيونغ يانغ الحثيث للحصول على مزيد من الأموال منذ تولي كيم جونغ أون مقاليد الحكم في البلاد في ديسمبر (كانون الأول) لعام 2011، وتعزيز برنامج الصواريخ والبرنامج النووي في كوريا الشمالية. ولقد أسفرت العقوبات الاقتصادية والحظر الصيني على واردات الفحم الكوري الشمالي في فبراير (شباط) بعد سلسلة من التجارب الصاروخية عن مزيد من الضغوط التي تعرضت لها مصادر بيونغ يانغ الأخرى من الإيرادات الأجنبية، مما يجعل من تصدير العمالة، إلى جانب سلسلة من المطاعم المملوكة للدولة وغيرها من الشركات الأخرى الصغيرة في فلادفوستوك وأماكن أخرى، أحد السبل المتقلصة للنظام الكوري الحاكم في الحصول على العملة الصعبة.
وللحيلولة دون اللجوء إلى كوريا الجنوبية، يجبر العمال الكوريون الشماليون على العيش معا في أماكن مزدحمة ومنتشرة حول ضواحي فلادفوستوك، وهم ممنوعون من الاتصال مع المواطنين الروس وغيرهم من الأجانب خارج نطاق العمل.
ويتزامن ازدهار تصدير العمالة الكورية الشمالية إلى روسيا مع التوسع في الروابط الأخرى بين البلدين، بما في ذلك الزيادة الأخيرة في صادرات الفحم الروسي وبدء خدمات العبارات البحرية الجديدة مرتين في الأسبوع اعتبارا من مايو (أيار) بين فلادفوستوك وراسون، وهي المنطقة الاقتصادية الخاصة على الساحل الشرقي من كوريا الشمالية.
وفي أبريل (نيسان) من العام الماضي، بعد شهور من إعلان كوريا الشمالية عن اختبار قنبلة هيدروجينية مصغرة، اجتمع المسؤولون من روسيا وكوريا الشمالية جنوب مدينة فلادفوستوك للاحتفال بإعادة افتتاح منزل كيم إيل سونغ، البناء الخشبي المخصص لتخليد ذكرى الديكتاتور الراحل. ولقد أعيد بناء المنزل الخشبي على حساب روسيا بعد أن أتت عليه النيران تماما.
* خدمة «نيويورك تايمز»



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».