روني يرحل عن مانشستر يونايتد من دون أن تذرف جماهيره دمعة واحدة

حب اللاعب غير المشروط اختفى وحل محله شعور بأن عليه إنهاء مسيرته رغم تاريخه المضيء

روني يحتفل بثلاثيته أمام فناربغشة عام 2004 («الشرق الأوسط») - روني يحرز هدفه الشهير في شباك مانشستر سيتي
روني يحتفل بثلاثيته أمام فناربغشة عام 2004 («الشرق الأوسط») - روني يحرز هدفه الشهير في شباك مانشستر سيتي
TT

روني يرحل عن مانشستر يونايتد من دون أن تذرف جماهيره دمعة واحدة

روني يحتفل بثلاثيته أمام فناربغشة عام 2004 («الشرق الأوسط») - روني يحرز هدفه الشهير في شباك مانشستر سيتي
روني يحتفل بثلاثيته أمام فناربغشة عام 2004 («الشرق الأوسط») - روني يحرز هدفه الشهير في شباك مانشستر سيتي

تكمن غرابة مسيرة واين روني المتألقة داخل صفوف مانشستر يونايتد والتي استمرت 13 عاماً في أنه يرحل متجهاً إلى إيفرتون دون أن يثير خلفه عاصفة من الإشادة والثناء، وإنما يأتي رحيله مغلفاً بحالة من الصمت. ورغم سجله الذي يحوي الكثير من البطولات والإنجازات الشخصية، فإن ثمة شعوراً سائداً في صفوف مشجعي مانشستر يونايتد بأن الوقت المناسب لرحيله قد حان بالفعل.
ويمكن إيعاز ذلك إلى حقيقة أن روني لم يتبع قط نظام اللياقة البدنية اللازم للوصول إلى المستوى الرفيع المميز لنجوم مثل كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي، بجانب الجلبة التي أثارها عندما أوشك مرتين في غضون ثلاثة أعوام على مغادرة النادي.
المعروف أن روني نجح الموسم الماضي في تجاوز سير بوبي تشارلتون باعتباره أكبر هداف في تاريخ مانشستر يونايتد بإجمالي 253 هدفاً. كما شارك روني في الفوز بخمس بطولات للدوري الممتاز وواحدة لدوري أبطال أوروبا وأخرى للدوري الأوروبي وكأس الاتحاد الإنجليزي وثلاثة بطولات كأس رابطة الأندية الإنجليزية المحترفة وبطولة كأس العالم للأندية. كما وقع عليه الاختيار مرتين كأفضل لاعب ناشئ للعام من رابطة محترفي كرة القدم وجرى اختياره أفضل لاعب لعام 2010 من رابطة محترفي كرة القدم والكتاب الرياضيين.
كان اللاعب قد بدأ تألقه في سن الـ18 وبدا مؤهلاً لأن يصبح نجماً من طراز عالمي. وقد سجل ثلاثية شهيرة في مرمى فناربغشة في سبتمبر (أيلول) 2004. ووصف سير أليكس فيرغسون هدف روني الشهير في شباك مانشستر سيتي بضربة خلفية مزدوجة كأفضل ما شاهده في مباريات مانشستر يونايتد على امتداد 26 عاماً ونصف العام قضاها بمجال التدريب.
إلا أن بداية النهاية جاءت في فبراير (شباط) 2011، بينما كان روني قد بدأ يسقط في أعين الكثيرين من مشجعي مانشستر يونايتد قبل هذه الملحمة بأربعة شهور. في 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2010، أثار روني الشكوك حول طموحات مانشستر يونايتد عندما أعلن رغبته في الرحيل. وزاد الطين بلة عندما عرفت وجهته المفضلة حينها: مانشستر سيتي، الذي يعتبر الخصم الأول لكثير من جماهير مانشستر يونايتد. ومع ذلك، وفي غضون يومين فحسب، تحول موقف روني إلى النقيض تماماً بموافقته على عقد جديد مع مانشستر يونايتد وتقديمه اعتذاراً لفيرغسون وأقرانه بالفريق على سلوكه.
ومن هنا، بدأ الضيق يتراكم في نفوس مشجعي النادي الأوفياء إزاء روني، خاصة وأنه في ظل عقده الجديد تضاعف راتبه إلى 180 ألف جنيه إسترليني أسبوعياً، جرى النظر إلى تصريحاته المشككة في قدرات مانشستر يونايتد باعتبارها مجرد محاولة خادعة للتأثير على المفاوضات الحالية بخصوص تعاقده والخروج بأفضل شروط ممكنة. من جانبه، تعهد روني بالعمل على إعادة بناء الثقة مع مشجعي النادي، لكن على مدار السنوات الست التي مرت منذ هذا الموقف ظل شعور بالتوتر وعدم الارتياح مسيطراً على العلاقة بين الجانبين، والتي اتخذت طريقها عبر منحنى هبوط تدريجي.
في صيف 2013، تسارعت وتيرة هذا التردي في أعقاب اعتزال فيرغسون التدريب في مايو (أيار). وقرب نهاية الموسم، كانت العلاقات بين روني والمدرب الجديد قد ساءت، ومن جديد أبدى اللاعب رغبته في الرحيل رغم تولي ديفيد مويز - الذي دربه من قبل في إيفرتون - مهام تدريب الفريق. هذه المرة أيضاً، كانت وجهته المقصودة خصماً آخر عتيداً لمانشستر يونايتد: تشيلسي. ورغم أنه في صيف 2010 كان المشجعون شديدي الولاء للنادي يرفضون رحيل روني، فإنه في هذه المرة اختفى الحب غير المشروط وحل محله قبولاً لفكرة أنه قد يكون من الأفضل لو أنه رحل بالفعل.
وعندما جرت تسوية هذا الموقف مرة أخرى ببقاء روني وموافقته في فبراير التالي على اتفاق جديد مغرٍ - تبعاً له، يتقاضى راتباً أساسياً يبلغ 250 ألف جنيه إسترليني أسبوعياً - قتل ذلك أي حنين باق في نفوس الجماهير تجاهه. الملاحظ أن ثمة عاملاً آخر يقف وراء هذا الانحسار في العاطفة تجاه روني: الاعتقاد بأن قدرات روني ومهاراته تراجعت. في فبراير 2014، كان في الـ28 من عمره، السن المفترض أنها تشكل ذروة عطائه. ومع ذلك، أنهى ذلك الموسم بـ17 هدفاً فقط في الدوري الممتاز. وشهد الموسم التالي أكبر حصيلة أهداف له على مدار السنوات الثلاثة التالية - 12 هدفاً - بينما أحرز خلال الموسمين الأخيرين 8 و5 أهداف على الترتيب.
واليوم، أصبح من النادر الاستماع إلى أصوات تشيد بروني خارج دائرة الخبراء المتخصصين، وهو وضع يبدو مختلفاً تماماً عما كان عليه الحال في أغسطس (آب) 2004 عندما انضم روني لمانشستر يونايتد للمرة الأولى. في الواقع، من أكثر التعليقات اللافتة على هذا الصعيد ما ذكره مويز خلال فترة الـ34 مباراة بالدوري الممتاز التي تولى خلالها تدريب مانشستر يونايتد، عن أنه عندما كان يحاول إقناع روني بعدم الانتقال إلى تشيلسي: «قدم إلى منزلي وأخبرته أنه: إذا سألتني ما الذي تفتقده اليوم - أعتقد أنك أصبحت رخواً بعض الشيء».
وبالفعل، اتضحت صحة وجهة نظر مويز، ذلك أن روني خلال السنوات الأخيرة من مسيرته الكروية فقد الكثير من سرعة بديهته وأصابه نوع من الخمول. وفي ظل قيادة جوزيه مورينيو الموسم الماضي، جاء الصدام دراماتيكياً، ذلك أنه فجأة أصبحت قدما روني ثقيلتين واقتصر حضوره على دور المتفرج في الكثير من المباريات التي شارك بها. وقد يكون مورينيو قد اتخذ خطوة ماكرة بالفعل بعد أن حل محل فان غال في تدريب الفريق. وخلال مؤتمر صحافي، تعمد المدرب البرتغالي قتل أية فكرة بخصوص إمكانية عودة روني إلى وسط الملعب، معلناً أنه: «معي، لن يرتدي قط القميص رقم 6». وأصر مورينيو على أن روني لا يزال قادرا على وضع اللمسات النهائية على الكرة، وعلى مدار أول سبعة مباريات أشرف عليها مورينيو، سجل روني هدفاً واحداً. وأسقطه مورينيو من التشكيل خلال مواجهته مع ليستر سيتي في 24 سبتمبر والتي انتهت بفوز مانشستر يونايتد بأربعة أهداف مقابل هدف واحد. وقد أنهى ذلك مكانة روني كعنصر رئيسي في التشكيل الأساسي، وفي نهاية الأمر خسر قائد مانشستر يونايتد مكانه داخل المنتخب الإنجليزي ومعه شارة قائد المنتخب.
وللعثور على آخر لحظة تألق لروني في صفوف مانشستر يونايتد، علينا العودة إلى 15 مارس (آذار) 2015. وبعد ذلك استمرت الفترة المتقلبة التي تمر بروني داخل النادي مع تزايد الانتقادات الموجهة إليه من داخل وخارج النادي.
مرة واحدة وقد تكون الأخيرة، رد روني على الانتقادات بهدف رائع أثار في الأذهان سابق عهده المتألق وذلك في إطار فوز لمانشستر يونايتد أمام توتنهام هوتسبير بنتيجة ثلاثة أهداف دون مقابل. كان روني يطارد الكرة في وسط الملعب عندما تحول من جديد للقوة الضاربة التي كان عليها في سنواته الأولى ويسجل هدفاً ساحقاً لم يترك لحارس المرمى هوغو لوريس أدنى فرصة للتصدي له.
وتأتي الأنباء التي تواترت مؤخراً حول خسارة روني 500 ألف جنيه إسترليني بأحد نوادي القمار لتكشف أن حياته الخاصة لا تزال تفتقر إلى الانضباط الكامل. ومع هذا، من المؤكد أنه بمرور الزمن ستتلاشى جميع المواقف السلبية الصغيرة المتعلقة بروني من أذهان الجماهير، ولن يتبقى في ذهنها الجمعي سوى كيف أن اللاعب الذي دفع فيرغسون 27 مليون جنيه إسترليني مقابل ضمه من إيفرتون مكنهم من معايشة أفضل سنوات أكثر لاعبي هذا الجيل براعة وتألقاً وواحد من أفضل لاعبي مانشستر يونايتد على امتداد تاريخه.
 



«مونديال 2026»: توقيف 141 شخصاً في باريس وضواحيها

إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)
إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)
TT

«مونديال 2026»: توقيف 141 شخصاً في باريس وضواحيها

إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)
إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)

أُوقِف 141 شخصاً، ليل الثلاثاء-الأربعاء، في باريس وضواحيها، على هامش الاحتفالات المرتبطة بمواجهة فرنسا وإسبانيا في الدور نصف النهائي من «مونديال 2026»، وفق حصيلة أولية صادرة عن مديرية شرطة باريس.

وأوضحت المديرية أن هذه التوقيفات مرتبطة، بشكل رئيس، «لاستخدام مقذوفات الألعاب النارية الموجهة ضد قوات الأمن وخدمات الطوارئ». ووفق المصدر نفسه، لم تُسجَّل إصابات خطرة.

وأُقصي المنتخب الفرنسي من المربع الذهبي للعرس الكُروي العالمي بخسارته أمام إسبانيا 0-2. وفي العام الماضي، وفي التاريخ نفسه، أُوقِف 175 شخصاً. وخلال ليلة 13- 14 يوليو (تموز) الحالي، «أُوقف 98 شخصاً، مقابل 176» العام الماضي.

ونُشر نحو 7000 عنصر من الشرطة والدرك في باريس وضواحيها يومي 13 و14 يوليو.


بصافرة مغربية وهوية أميركية... إسماعيل الفتح يكتب فصلاً جديداً في صراع «الأسود» و«التانغو»

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
TT

بصافرة مغربية وهوية أميركية... إسماعيل الفتح يكتب فصلاً جديداً في صراع «الأسود» و«التانغو»

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)

حين تُسند إدارة قمة كروية ساخنة بحجم مواجهة إنجلترا والأرجنتين في نصف نهائي كأس العالم، فإن القرار لا يحمل في طياته مجرد صافرة تدير تسعين دقيقة من الركض، بل يفتح الباب واسعاً أمام قراءة في كتاب التاريخ وقصص الكفاح الإنساني.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)

هذا هو حال الحكم الأميركي ذي الأصول المغربية إسماعيل الفتح، الذي وجد نفسه تحت مجهر الصحافة البريطانية والأرجنتينية على حد سواء، ليس فقط كقاضٍ لواحدة من أكثر المواجهات إثارة وتاريخية في عالم كرة القدم، بل كفأل حسن دائم يرافق قائد «التانغو» ليونيل ميسي أينما حل وارتحل في الملاعب الأميركية والمونديالية.

من أزقة الدار البيضاء إلى الهندسة الميكانيكية

لم تكن طريق إسماعيل الفتح البالغ من العمر أربعة وأربعين عاماً مفروشة بالورود، فالرجل الذي ولد في أزقة الدار البيضاء المغربية عام 1982، غادر وطنه في سن الثامنة عشرة محملاً بحلم غامض بعد فوزه بقرعة تأشيرة التنوع الهجرة العشوائية عام 2001.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وفي الولايات المتحدة، لم يكتفِ الفتح بالبحث عن لقمة عيش تقليدية، بل واصل تحصيله الأكاديمي بجدية وعصامية لافتة، ليتخرج عام 2006 في جامعة تكساس العريقة حاملاً درجة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية، إلا أن عشق الساحرة المستديرة ظل يراوده ليتخذ قراره الجريء بدخول عالم التحكيم رسمياً عام 2011، شاقاً طريقه خطوة بخطوة في الدوري الأميركي للمحترفين حتى حصل على الشارة الدولية من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في عام 2016، وهو العام ذاته الذي دوّن فيه اسمه كأول حكم يقود مباراة رسمية تُطبق فيها تقنية الفيديو المساعد في الملاعب الأميركية.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

تميمة حظ ميسي وهواجس الصحافة البريطانية

وقد أحدث اختيار الفتح لموقعة نصف النهائي في أتلانتا ضجة كبرى في الأوساط الرياضية البريطانية، حيث أبدت الصحف اللندنية قلقاً بالغاً من تعيينه، واصفة إياه بالحكم المفضل لليونيل ميسي.

وتستند هذه الهواجس إلى إحصائية مثيرة للاهتمام، إذ إنه منذ انتقال البرغوث الأرجنتيني إلى صفوف إنتر ميامي الأميركي، أدار له الفتح خمس مباريات نجح ميسي في الفوز بها جميعاً.

وتوزعت هذه المواجهات بين بطولتين هما كأس الدوريات ضد فريقي شارلوت وناشفيل (والتي تُوج ميامي بلقبها)، والدوري الأميركي للمحترفين ضد ناشفيل، أورلاندو سيتي، ونيوانغلاند ريفولوشن، سجل خلالها ميسي ستة أهداف حاسمة.

ولا يتوقف هذا الرابط الروحي مع الكرة الأرجنتينية عند هذا الحد، بل يمتد إلى ليلة لوسيل التاريخية في مونديال قطر 2022، حين كان الفتح حكماً رابعاً في المباراة النهائية الأسطورية التي شهدت رفع ميسي لكأس العالم بعد التغلب على فرنسا بركلات الترجيح.

قمة التحليق القاري والعالمي وغضب إسباني

ويعتبر الفتح، اليوم، واحداً من حكام الصف الأول في المنظومة الدولية بفضل تراكم خبراته في المواعيد الكبرى، حيث أدار نهائي كأس العالم للشباب تحت عشرين عاماً في 2019، وشارك في أولمبياد طوكيو 2021، بالإضافة لثقة الفيفا به لقيادة قمم قارية كبرى مؤخراً؛ كنهائي كأس القارات للأندية بين باريس سان جيرمان وفلامنغو البرازيلي، ونهائي دوري أبطال الكونكاكاف.

ورغم هذا الصعود السريع، لم يخلُ مشواره من الجدل، فقبل هذه الموقعة المنتظرة، أثار تحكيمه في مباراة إسبانيا وأوروغواي (1-0) بالمونديال الحالي غضباً عارماً في الصحافة الإسبانية التي اتهمته بـ«التساهل المفرط» مع خشونة لاعبي أوروغواي تحت قيادة مارسيلو بيلسا، رغم قيامه بطرد لاعبهم أغوستين كانوبيو في نهاية اللقاء.

سجل مونديالي حافل بالنجاح في نسختين

ويعتبر المغربي الأميركي اليوم واحداً من حكام الصف الأول في المنظومة الدولية بفضل حضور هادئ وحازم في الملاعب الكبرى، وتجربة مونديالية ثرية تمتد عبر نسختين متتاليتين.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (إ.ب.أ)

ففي مونديال قطر 2022، قاد الفتح بنجاح ثلاث مباريات كحكم ساحة، استهلها بمواجهة البرتغال وغانا في دور المجموعات، ثم مباراة البرازيل والكاميرون، قبل أن يدير موقعة كرواتيا واليابان في ثمن النهائي، والتي حسمتها ركلات الترجيح.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (رويترز)

وفي النسخة الحالية لعام 2026، يواصل الحكم المغربي الأصل تألقه، حيث ستكون قمة إنجلترا والأرجنتين هي مباراته الرابعة في البطولة، بعد أن أدار بكفاءة عالية مباريات اليابان ضد هولندا (2-2)، وأوروغواي ضد إسبانيا (0-1) في المجموعات، ثم مواجهة البرازيل والنرويج (1-2) في دور الستة عشر.

تحدي أتلانتا وسلاح البطاقات الملونة

ويدخل إسماعيل الفتح تحدي أتلانتا على أرضية ملعب «مرسيدس بنز» محاطاً بطاقم أميركي خالص، وفي جعبته صرامة تكتيكية وأرقام تحكيمية واضحة تثير حذر المعسكرين.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وقد وجه الإعلام البريطاني رسائل تحذيرية للاعبي منتخب «الأسود الثلاثة» ومدربهم الألماني توماس توخيل من الاندفاع البدني الزائد، كون الفتح لا يتردد في إشهار البطاقات الملونة لضبط اللعب، وهو ما أظهره بوضوح خلال مبارياته السابقة في هذه النسخة.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وبين مهندس ميكانيكي صاغ نجاحه بدقة متناهية، وتطلعات ميسي لنهائي جديد، ورغبة إنجلترا في كسر العقدة، تتجه الأنظار صوب صافرة ابن الدار البيضاء الحامل لراية التحكيم الأميركي في واحدة من أعظم قمم الساحرة المستديرة.


هل يعيد التاريخ نفسه؟ كيف تحولت حرب الفوكلاند إلى ديربي الأرض بين الأرجنتين وإنجلترا؟

صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)
صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)
TT

هل يعيد التاريخ نفسه؟ كيف تحولت حرب الفوكلاند إلى ديربي الأرض بين الأرجنتين وإنجلترا؟

صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)
صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)

لم تكن كرة القدم يوماً مجرد لعبة بحدود مستطيلة لتسعين دقيقة، بل هي مرآة للشعوب، ومسرحاً تُصفى عليه الحسابات التي عجزت عنها أروقة الدبلوماسية. وفي مساء الأربعاء، الخامس عشر من يوليو (تموز) 2026، تتجه أنظار العالم صوب ملعب «مرسيدس بنز» في أتلانتا بالولايات المتحدة الأميركية، حيث يلتقي عملاقا الكرة الأرضية، الأرجنتين وإنجلترا، في نصف نهائي مونديال 2026، في مواجهة تتجاوز التكتيك الكروي لتنبش في دفاتر التاريخ الساخنة.

هذه الموقعة ليست مجرد بطاقة عبور للنهائي الكبير، إنها استدعاء مباشر لروح عام 1982، وتلك البقعة الصخرية الباردة في جنوب المحيط الأطلسي المعروفة بـ«جزر الفوكلاند» (أو المالوين كما يسميها الأرجنتينيون).

صورة ترصد الفرقاطة البريطانية «إتش إم إس برودسورد» وهي تبحر بجانب حاملة الطائرات «إتش إم إس هيرميس» في مياه جنوب المحيط الأطلسي خلال مشاركتهما في عمليات حرب الفوكلاند عام 1982 (ويكيبيديا)

النزاع العسكري العنيف الذي دار بين البلدين، والذي خلَّف جراحاً غائرة في الوجدان النرجسي لـ«التانغو» وسيادة «التاج البريطاني»، يعود ليفرض ظلاله السياسية والوجدانية على عقول اللاعبين والجماهير على حد سواء.

صورة توثق أكواماً من الأسلحة والمعدات العسكرية التي خلَّفها الجنود الأرجنتينيون وراءهم في العاصمة «بورت ستانلي» عقب استسلامهم للقوات البريطانية وانتهاء حرب الفوكلاند عام 1982 (ويكيبيديا)

صراع الجزر والسيادة: الجرح الذي لم تندمل ندوبه

في ربيع عام 1982، اندلعت حرب مباغتة دامت 74 يوماً بين بريطانيا والأرجنتين حول السيطرة على جزر الفوكلاند. انتهت المعارك بانتصار عسكري إنجليزي حاسم واستعادة لندن للسيطرة على الجزر، مما خلّف مئات الضحايا الأرجنتينيين، ومعهم مرارة وطنية جارفة في بوينس آيرس.

صورة التُقطت في 19 مايو 1982 تُظهر طائرات «هاريير جي آر 3» التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني وطائرات «سي هاريير إف آر إس 1» التابعة للبحرية الملكية مصطفَّةً على ظهر حاملة الطائرات «إتش إس هيرميس» خلال توجهها لخوض معارك حرب الفوكلاند (ويكيبيديا)

بالنسبة للأرجنتينيين، لم تكن الهزيمة العسكرية نهاية المطاف، بل تحولت «المالوين» إلى عقيدة شعبية وقضية أرض مغتصبة تُرجمت لاحقاً في كل محفل يجمع اللونين الأزرق السماوي والأبيض، ضد اللون الأبيض الإنجليزي.

صورة توثق أسرى الحرب الأرجنتينيين في العاصمة «بورت ستانلي» عقب استسلام القوات الأرجنتينية للقوات البريطانية في نهاية حرب الفوكلاند عام 1982 (ويكيبيديا)

من خنادق المالوين إلى عشب «أزتيكا»: معجزة مارادونا 1986

بين جيلَي مارادونا وميسي... هل تستمر تبعات أزمة فوكلاند عند مواجهة إنجلترا (رويترز)

لم ينتظر الأرجنتينيون طويلاً لتصفية الحساب الرمزي. ففي عام 1986، وعلى أرض المكسيك، التقى المنتخبان في ربع النهائي. هناك، تقمص الأسطورة الراحل دييغو أرماندو مارادونا دور «المنتقم الشعبي»، لم يكتفِ بإقصاء الإنجليز، بل فعل ذلك بطريقة تداخلت فيها الخديعة بالعبقرية الساحرة.

هدف مارادونا الذي لا يزال يعدُّ أكثر لقطات المونديال جدلاً في التاريخ (د.ب.أ)

من «يد الله» التي هزت شباك بيتر شيلتون، إلى هدف القرن الذي راوغ فيه نصف إنجلترا، صرّح مارادونا لاحقاً بوضوح: «كنا نقول إن المباراة لا علاقة لها بالحرب، لكننا كنا نعلم أن شباننا ماتوا هناك.. لقد كانت حرباً بالنسبة لنا».

هذا الإرث هو ما يمنح مواجهة اليوم ثقلاً دراماتيكياً لا يتكرر في أي ديربي آخر حول العالم.

أسطورة منتخب الأرجنتين مارادونا (أ.ف.ب)

لغة الأرقام تبوح بأسرارها: تفوق إنجليزي تاريخي تبدده عُقدة «الإقصاء» الأرجنتينية

لا تتوقف الإثارة عند حدود الجغرافيا والسياسة، بل تمتد إلى دفاتر «فيفا» التي تكشف عن صراع أرقام محموم، إذ التقى العملاقان تاريخياً في 15 مواجهة بين مونديالية وودية، تميل فيها الكفة الإحصائية العامة لصالح «الأسود الثلاثة» بستة انتصارات مقابل أربعة لـ«التانغو»، بينما خيّم التعادل على خمس مواجهات أخرى.

ورغم هذا التفوق الرقمي الإنجليزي في الحصيلة العامة، فإن الموازين النفسية والتاريخية تتبدل تماماً بمجرد وضع هذا التاريخ تحت مجهر الأدوار الإقصائية الحاسمة في كأس العالم.

منتخب إنجلترا (رويترز)

فمنذ موقعة عام 1966 المثيرة للجدل التي حسمتها إنجلترا على أرضها، عجز الإنجليز تماماً عن إقصاء الأرجنتين في أي دور لخروج المغلوب، حيث كانت الأرجنتين دائماً صاحبة الكلمة الدرامية العليا والضربة القاضية، سواء تجلى ذلك في عبقرية مارادونا الفذة وتمرده التاريخي في المكسيك عام 1986، أو عبر ركلات الترجيح القاتلة في فرنسا عام 1998 التي شهدت طرد ديفيد بيكهام وانكسار جيل بريطاني ذهبي كامل.

صورة مركَّبة تجمع بين حارس الأرجنتين إميليانو مارتينيز وحارس إنجلترا جوردان بيكفورد (أ.ف.ب)

هذا التناقض الصارخ بين التفوق الإنجليزي الشرفي وعقدة «الحياة أو الموت» أمام الأرجنتين، يمنح موقعة أتلانتا بعداً نفسياً مرعباً، يضع كتيبة توخيل أمام تحدي كسر اللعنة التاريخية، بينما يمنح رفاق ميسي ثقة متوارثة بأن الأرجنتين في مواجهات كسر العظم تظل دائماً الرقم الصعب الذي لا يلين.

أتلانتا 2026: رقصة ميسي الأخيرة في مواجهة طموح بلاد الضباب

في هذا المنعطف التاريخي من مونديال 2026، تبدو الحسابات الفنية معقدة ومشحونة بالطموحات الكبرى:

كتيبة الأرجنتين والدفاع عن العرش

يدخل رجال المدرب ليونيل سكالوني المباراة بصفتهم حاملي اللقب، وفي أذهانهم هدف واحد يتمثل في منح الأسطورة ليونيل ميسي نهاية سينمائية لقصته المونديالية الاستثنائية.

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

الأرجنتين التي عانت الأمرين للوصول إلى هذا الدور بعد تجاوزها عقبة سويسرا في ربع النهائي، ومصر في ثمن النهائي، بروح قتالية عالية، تعتمد على دهاء ميسي، وتحركات إيماليانو مارتينيز في حراسة المرمى، والشباب النابض في خط الوسط، لإحباط المخطط الإنجليزي.

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

طموح إنجلترا وإنهاء 60 عاماً من العقدة

على الجانب الآخر، يقف الألماني توماس توخيل، المدير الفني لمنتخب إنجلترا، الذي أعاد صياغة شخصية «الأسود الثلاثة» ببراعة وتطلّب صارم.

تسعى إنجلترا لإنهاء ستة عقود من العقدة التاريخية والغياب عن منصات التتويج العالمية منذ عام 1966.

الألماني توماس توخيل مدرب إنجلترا وقائده هاري كين (رويترز)

الفريق الذي يرتكز على صلابة النجم الشاب جود بيلينغهام، الذي قاد الفريق ببراعة أمام المكسيك والنرويج والهداف الخبير هاري كين، يرى في هذه الموقعة البوابة الشرعية لكتابة تاريخ جديد يتجاوز عقدة الماضي.

صراع العقول التكتيكية: سكالوني وتوخيل على رقعة الشطرنج

سكالوني في حديث مع القائد ميسي (رويترز)

المواجهة لن تكون داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل ستكون معركة تكتيكية معقدة بين عقلين مختلفين تماماً، إذ يراهن سكالوني على العاطفة الجياشة الممزوجة بالصبر التكتيكي، والتحولات السريعة التي تخدم عبقرية ميسي في الثلث الأخير.

توماس توخيل وجود بيلينغهام (رويترز)

في المقابل، يفرض توخيل أسلوباً براغماتياً صارماً، يركز على الهيمنة البدنية، والضغط العالي، واستغلال أنصاف الفرص عبر تحركات بيلينغهام القادم من الخلف.

صورة مركَّبة تجمع بين لاعب وسط إنجلترا جود بيلينغهام ومهاجم الأرجنتين لاوتارو مارتينيز (أ.ف.ب)

ستنطلق صافرة البداية في أتلانتا، ممتصةً كل صخب مدرجات «مرسيدس بنز»، لكنها لن تحجب أصوات الماضي الجاثم في الصدور. فالإنجليز يبحثون عن مجد كروي طال انتظاره، بينما يلعب الأرجنتينيون كعادتهم من أجل الكبرياء، ومن أجل ميسي، ومن أجل الأرواح التي غادرت يوماً في صقيع الفوكلاند.