مصريون يتغلبون على ارتفاع الأسعار بـ«التقسيط»

حتى الأغنياء لجأوا إليه لتلبية حاجاتهم منذ بدء برنامج الإصلاح الاقتصادي

بائع فواكه يسير بعربته في أحد اسواق القاهرة (رويترز)
بائع فواكه يسير بعربته في أحد اسواق القاهرة (رويترز)
TT

مصريون يتغلبون على ارتفاع الأسعار بـ«التقسيط»

بائع فواكه يسير بعربته في أحد اسواق القاهرة (رويترز)
بائع فواكه يسير بعربته في أحد اسواق القاهرة (رويترز)

غيرت ارتفاعات الأسعار الجنونية في مصر خطط كثير من الشباب؛ خصوصاً المقبلين منهم على الزواج، الذين يمثلون النسبة الكبرى في فئة السكان، في بلد يتخطى تعداده السكاني 92 مليون نسمة، وذلك لزيادة التكاليف الرئيسية في هذا المشروع الذي يصفونه في القاهرة بأنه «نُص الدين».
«ممكن أدفعهم مقدمة وأشتري كل الأجهزة وأقسط الباقي... هو دا الحل الوحيد علشان أعرف أكمل الجواز». بعين تكاد تدمع وحسرة توضحها نبرات صوته، يحاول رامي كميل المقبل على الزواج خلال أشهر، أن يجد مخرج لأزمته بعد ارتفاعات متتالية في الأسعار، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي طبقته القاهرة منذ 2014.
إلا أن كميل، انتقد البرنامج الإصلاحي بوضوح، ويقول إنه «عطّل آلاف مشاريع الزواج للشباب المصري... وإذا كان أي برنامج إصلاحي لا يراعي الأغلبية (يقصد الشباب) في المجتمع، فإنه من المؤكد برنامج فاشل».
وتحاول الدولة توفير وحدات إسكان اجتماعي بأسعار مدعمة تصل إلى 180 ألف جنيه لوحدة مساحتها 90 متراً، وهذه الأسعار تعد جيدة مقارنة بأسعار السوق. لكن الحكومة تعتزم زيادتها بعد الارتفاعات الأخيرة.
ورفعت الحكومة المصرية في 29 يونيو (حزيران) الماضي، أسعار الوقود بنسب تصل إلى مائة في المائة في بعض المنتجات في إطار خطتها لإعادة هيكلة دعم المواد البترولية.
وهذه هي المرة الثانية التي ترفع فيها الحكومة أسعار الوقود خلال 8 أشهر بعدما رفعتها في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بنسب تراوحت بين 30 و47 في المائة في إطار خطة لإلغاء الدعم بحلول 2018 – 2019، وفقا لبرنامج متفق عليه مع صندوق النقد الدولي تحصل بموجبه القاهرة على قرض قيمته الإجمالية 12 مليار دولار.
وشملت الزيادات أيضاً أسعار بيع الغاز الطبيعي المضغوط إلى المنازل لترتفع بنسب تراوحت بين 12.5 في المائة و33 في المائة، كما رفعت سعر السولار نحو 55 في المائة للتر، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الكهرباء بنسب تصل إلى 40 في المائة.
وتقول الحكومة المصرية إن رفع الدعم سيوفر آلاف فرص العمل والمشاريع، فضلاً عن تحسين مستوى المعيشة. إلا أن رامي كميل، الشاب المصري الذي يبلغ من العمر 32 عاماً، ومن مثله، لهم آراء معارضة للحكومة يبررها وضعهم الاقتصادي الصعب، وبناء عليه يقول كميل: «البرنامج الإصلاحي الاقتصادي يقف عائقاً أمام تحقيق أحلامي ومسيرة حياتي الطبيعية».
ومن كان يدخر 10 آلاف جنيه للزواج في مصر، لشراء السلع الاستهلاكية (ثلاجة وبوتاجاز وسخان وتلفزيون وغسالة)، فعليه دفع هذا المبلغ في واحد أو اثنين فقط من هذه الأجهزة، وهو ما فتح الطريق إلى «التقسيط»؛ أي دفع مقدم وباقي المبلغ يتم دفعه على عدد أشهر متفق عليه بنسبة فائدة محددة.
ونظام التقسيط معروف ومتداول بين المصريين منذ زمن بعيد، على نطاق ضيق، إلا أن ارتفاعات الأسعار بشكل جنوني، مع عدم إعادة النظر في الحد الأدنى للأجور، أدى إلى انتشاره على نطاق واسع وبين مختلف فئات المصريين.
وانفعل الرئيس عبد الفتاح السيسي على نائب في مجلس النواب، في آخر شهر مايو (أيار) الماضي عندما طلب منه الأخير رفع الحد الأدنى للأجور أو تأجيل زيادة الأسعار قليلاً. فقال له: «انت مين؟... انت دارس الموضوع اللي بتتكلم فيه... انت عايز دولة تقوم ولا تفضل ميتة» بتهجم وغضب شديدين أسكتا النائب عن الحديث. وتتخطى نسبة الفقر في مصر 30 في المائة، بحسب آخر إحصائية رسمية في عام 2015؛ أي قبل الارتفاعات المتتالية في الأسعار، مع حالة ركود في الأسواق.
وبلغ التضخم السنوي الأساسي، الذي لا يتضمن سلعا مثل الفاكهة والخضراوات بسبب التقلبات الحادة في أسعارها، 30.57 في المائة في مايو الماضي انخفاضا من 32.06 في المائة في أبريل (نيسان) الماضي، وسط توقعات رسمية بارتفاع معدل التضخم بنحو 3 - 4.5 في المائة وفقاً لتقديرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
ورفع البنك المركزي المصري يوم الخميس أسعار الفائدة 200 نقطة أساس، لتصبح 18.75 في المائة على الإيداع و19.75 في المائة على الإقراض، وهو ما يزيد الضغوط على مناخ الاستثمار ومجتمع الأعمال، ويضر الفئة الأكبر من الشباب نظراً لتأثر الشركات والمصانع سلباً بهذه الإجراءات، بينما يبرر «المركزي» تحركه بمحاولة كبح التضخم.
وأقرت الحكومة حزمة تشريعات للضمان الاجتماعي تستهدف تقليل الضغوط على محدودي الدخل، كان أبرزها زيادة الدعم المخصص لبطاقات التموين بنسبة تتعدى 100 في المائة، وصرف علاوة غلاء استثنائية للعاملين بالدولة من غير المخاطبين بقانون الخدمة المدنية، بنسبة 10 في المائة من الأجر الأساسي. وزيادة المعاشات بنسبة 15 في المائة.
وخلال استقصاء لـ«الشرق الأوسط» في قطاع التجزئة المصري، اتفقت معظم الشركات على وجود حالة شبة ركود في السوق، خصوصا بعد زيادة الأسعار الأخيرة، مما زاد التعامل بنظام «التقسيط».
محمد خطاب، مدير المشروعات الاستراتيجية في «بي تك»، إحدى كبرى الشركات العاملة في قطاع التجزئة بنظام التقسيط في مصر، قال إن «أكثر من نصف مليون عميل في قاعدة بيانات الشركة يتعاملون بنظام التقسيط لدينا»، وبالدراسة «وجدنا أن مَن منهم في سن الشباب يستحوذون على النسبة الأكبر في الإقبال على نظام التقسيط... الأمر الذي جعلنا نطور نظام تقسيط إلكترونياً».
وأوضح خطاب أن «نسبة نمو نظام التقسيط الإلكتروني بلغت 30 في المائة شهرياً» وذلك منذ إنشائه في يوليو (تموز) العام الماضي، مما يوضح أن حجم الإقبال على التقسيط من الشباب، باعتبار أن غالبية المتعاملين، إن لم يكن جميعهم، من فئة الشباب، ينمو سنوياً بنسبة تصل إلى 360 في المائة. وبجانب التقسيط، ابتكرت شركة «إلكترولكس مصر»، نظام «باندل» الذي يتيح للشباب الحصول على سلع مجانبة عند شرائه سلعة استهلاكية محددة، وذلك للتغلب على الركود في قطاع التجزئة.
وحول المحافظات أو المدن الأكثر تعاملاً بنظام التقسيط، فاجأنا خطاب بوجود مدن وأحياء تصنّف بأنها «راقية»؛ إذ تمثل الفئة الغالبة من سكانها رجال أعمال ومشاهير ووزراء سابقين، مثل القاهرة الجديدة، التي تتضمن حي التجمع الخامس ذا الفيلات والشقق الفاخرة، شرق العاصمة، قائلاً: «دخلت مؤخراً نظام التقسيط».
وتابع خطاب: «الفئات العالية (الأغنياء) بدأوا التقسيط بعد زيادة الأسعار وثباتها على العالي (بعد استقرار الدولار نسبيا)... لكن عند تذبذب الأسعار يفضلون الكاش، نظراً لتخوفاتهم من ارتفاعات لاحقة».
وتتأرجح قيمة الجنيه حالياً بين 18 جنيها للدولار الواحد، مع زيادتها وتراجعها قليلاً عن هذا المستوى، بحسب حجم العرض والطلب والتدفقات المالية في أذون الخزانة وحجم الاحتياطي النقدي، فضلاً عن المضاربات والتحركات المصطنعة، وسط توقعات بصعود الجنيه إلى 16.5 جنيه للدولار مع نهاية العام الحالي.
ورفعت الحكومة المصرية حد الإعفاء على ضريبة الدخل من 6500 جنيه إلى 7200 جنيه سنوياً، أما الشريحة الثانية التي تبدأ من أكثر من 7200 جنيه وحتى 30 ألف جنيه فتم فرض ضريبة 10 في المائة، و15 في المائة للشريحة الثالثة من الدخل حتى 45 ألف جنيه، في حين تبلغ الضريبة 20 في المائة على الشريحة الرابعة التي تتراوح بين ما يزيد على 45 ألف جنيه وحتى 200 ألف جنيه، وما يزيد على ذلك يتحمل ضريبة 22.5 في المائة.
وأوضح خطاب أن نسبة الفوائد على التقسيط تختلف من ماركة لأخرى ومن نظام لآخر، مع الأخذ في الاعتبار المرتب الأساسي للعميل، إلا أنه أوضح أن ارتفاع الفوائد البنكية يرفع الفوائد على نظام التقسيط أيضاً... لكن مع توفير تقسيط كل متطلبات منزل الزواج من أجهزة وموبيليا، فإن الشباب يفضلون عادة دفع مقدمة وتقسيط الباقي، خصوصا مع علمهم بأن قيمة الجنيه ستختلف لا محالة على مدار سنوات التقسيط.
من جانبه، قال الدكتور حاتم مصطفى، العضو المنتدب بشركة «إلكترولكس مصر»، إن الإدارة رأت بعد دراسة الأوضاع الحالية، الاتفاق مع عدد من البنوك المصرية، لتوفير نظام تقسيط ومن دون فوائد، لمن يمتلك «كارت ائتمان». و«إلكترولكس» شركة سويدية تعمل في تصنيع الأجهزة المنزلية، وتبيع 60 مليون وحدة سنوياً في 150 سوقا حول العالم.
وعن النسبة المقرر زيادتها على الأجهزة بعد ارتفاع الأسعار، أوضح مصطفى أن التأثير المباشر على الأسعار لن يتحدد حالياً، موضحاً أنه «ما دام لدينا إنتاج بالأسعار القديمة، فسيتم بيعه بتلك الأسعار»، على أن تتم دراسة الزيادة فيما بعد مع ظهور التأثيرات المباشرة وغير المباشرة. ونصح العضو المنتدب بالشركة، الشباب ممن يفكرون في الشراء، بأن يقبلوا على «الشراء الآن قبل منتصف الشهر الحالي، بالأسعار القديمة».



الأسهم السعودية تغلق مرتفعة مع بداية مرحلة السديري في هيئة السوق المالية

مستثمر يتابع تحركات الأسهم في السوق السعودية (أ.ف.ب)
مستثمر يتابع تحركات الأسهم في السوق السعودية (أ.ف.ب)
TT

الأسهم السعودية تغلق مرتفعة مع بداية مرحلة السديري في هيئة السوق المالية

مستثمر يتابع تحركات الأسهم في السوق السعودية (أ.ف.ب)
مستثمر يتابع تحركات الأسهم في السوق السعودية (أ.ف.ب)

أنهى مؤشر السوق الرئيسية السعودية (تاسي) تعاملات الأحد مرتفعاً بنسبة 0.9 في المائة، مضيفاً 96 نقطة ليغلق عند 10920 نقطة، في أول جلسة تداول بعد انتهاء مسيرة محمد القويز التي امتدت لنحو 9 سنوات على رأس هيئة السوق المالية، وتولي مازن السديري رئاسة مجلس الهيئة بمرتبة وزير.

وبلغت قيمة التداولات نحو 3.4 مليار ريال (907 ملايين دولار)، فيما سجل المؤشر أعلى مستوى له عند 10927 نقطة وأدنى مستوى عند 10884 نقطة خلال الجلسة.

وقاد سهما «مصرف الراجحي» و«أرامكو السعودية» مكاسب السوق، بارتفاعهما بنحو 1 في المائة إلى 65 ريالاً و26.74 ريال على التوالي.

وتصدر سهما «نسيج» و«ريدان» قائمة الأسهم الأكثر ارتفاعاً بعد صعودهما بالنسبة القصوى البالغة 10 في المائة، فيما ارتفعت أسهم «تهامة» و«تكوين» و«مجموعة تداول» و«سينومي ريتيل» و«تسهيل» و«ميدغلف للتأمين» بنسب تراوحت بين 3 و7 في المائة.

في المقابل، تراجع سهم «عناية» 6 في المائة، بينما انخفض سهما «النهدي» و«أسمنت المدينة» بنسبة 3 في المائة و2 في المائة على التوالي، عقب نهاية أحقية التوزيعات النقدية للسهمين.

كما ارتفع صندوق «العزيزية ريت» بنحو 1 في المائة بعد إعلانه توزيع أرباح نقدية على مالكي الوحدات.

وكان أمر ملكي صدر الخميس الماضي بإعفاء محمد بن عبد الله القويز من منصبه رئيساً لمجلس هيئة السوق المالية، وتعيين مازن بن تركي بن عبد الله السديري رئيساً للمجلس بمرتبة وزير. وتولى القويز رئاسة الهيئة في يوليو (تموز) 2017، منهياً بذلك مسيرة استمرت نحو تسع سنوات على رأس الجهة المنظمة للسوق المالية السعودية.

وشهدت السوق المالية السعودية خلال فترة رئاسة القويز توسعاً في عدد الشركات المدرجة، وتطوراً في أدوات الدين، وانفتاحاً على المستثمرين الأجانب، إلى جانب إدراج السوق السعودية ضمن مؤشرات الأسواق الناشئة العالمية. كما شهدت تلك الفترة إدراج «أرامكو السعودية» في 2019، في واحد من أكبر الطروحات العامة عالمياً.

وينتقل السديري إلى رئاسة الهيئة بخبرة طويلة في أبحاث الأسواق المالية والاستثمار، إذ شغل رئاسة إدارة الأبحاث في «الراجحي المالية»، ورئاسة إدارة أبحاث المبيعات في «الاستثمار كابيتال»، كما عمل محللاً لقطاعي الطاقة والبتروكيماويات في «سامبا كابيتال»، وفي قسم بحوث الأسهم لدى بنك «ديغروف» في بلجيكا. ومنذ عام 2024، يعمل مستشاراً في الأمانة العامة لمجلس الوزراء بالمرتبة الممتازة.

وفي أول تعليق له بعد صدور الأمر الملكي، قال السديري إن المرحلة المقبلة تستهدف الإسهام في تطوير القطاع المالي بما يواكب تطلعات القيادة ومستهدفات «رؤية السعودية 2030»، ويعزز مسيرة التنمية والازدهار في المملكة.

ويأتي انتقال قيادة هيئة السوق المالية في وقت تواصل فيه السوق السعودية توسعها من حيث عدد الشركات المدرجة والأدوات الاستثمارية وقاعدة المستثمرين، بينما يواجه السديري مرحلة جديدة تتطلب مواصلة تطوير السوق وتعميقها، وتعزيز قدرتها على استقطاب الاستثمارات المحلية والأجنبية.


من «هرمز» إلى القطب الشمالي... بكين تعيد رسم طرق التجارة إلى أوروبا

سفينة شحن تمر عبر طريق الحرير الجليدي (وكالة شينخوا)
سفينة شحن تمر عبر طريق الحرير الجليدي (وكالة شينخوا)
TT

من «هرمز» إلى القطب الشمالي... بكين تعيد رسم طرق التجارة إلى أوروبا

سفينة شحن تمر عبر طريق الحرير الجليدي (وكالة شينخوا)
سفينة شحن تمر عبر طريق الحرير الجليدي (وكالة شينخوا)

غادرت سفينة حاويات صينية ميناء نينغبو، في شرق البلاد، متجهة إلى أوروبا عبر المحيط المتجمد الشمالي، في خطوة تعكس صعود مسار بحري جديد تسعى بكين إلى تطويره كبديل للممرات التجارية التقليدية، وفي مقدمتها قناة السويس ومضيق هرمز والبحر الأحمر.

وتأتي الرحلة في وقت أدت فيه التوترات الجيوسياسية والحروب إلى اضطراب حركة الملاحة عبر عدد من أهم الممرات البحرية في العالم، ما دفع شركات الشحن إلى البحث عن طرق أكثر أمناً وأقل عرضة للتعطّل.

وتندرج الرحلة ضمن مشروع «طريق الحرير القطبي» الصيني، وتعتمد على «الطريق البحري الشمالي» الذي يمتد بمحاذاة الساحل الشمالي لروسيا عبر مياه القطب الشمالي، قبل أن يصل إلى أوروبا. وبدأت شركة «سي ليجند» تشغيل الخدمة الجديدة، التي يُفترض أن تصبح أسبوعية خلال موسم الملاحة القطبية، في محاولة لفتح مسار تجاري منتظم بين الصين وأوروبا بعيداً عن الاختناقات الجيوسياسية في جنوب آسيا والشرق الأوسط.

من 40 يوماً إلى نحو 20

وتكمن جاذبية الطريق القطبي في المسافة والزمن. فبحسب التقديرات الصينية، يمكن للرحلة بين شرق آسيا وأوروبا عبر الطريق البحري الشمالي أن تستغرق نحو 18 إلى 20 يوماً، مقارنة بنحو 40 إلى 50 يوماً عبر المسارات التقليدية، بحسب ظروف الجليد ومسار الرحلة.

وتقول «سي ليجند» إن الرحلة الجديدة تستهدف تقليص زمن النقل إلى أوروبا إلى نحو 20 يوماً، أي ما يقارب نصف المدة المعتادة عبر قناة السويس، وفق شبكة «سي إن إن». ويعني ذلك أن المسار، إذا أثبت قدرته على العمل بصورة منتظمة، يمكن أن يوفر ميزة مهمة للشركات الصينية التي تصدر إلى أوروبا منتجات مثل السيارات الكهربائية والهجينة والبطاريات والمنتجات المرتبطة بالطاقة الشمسية.

لكن الميزة الزمنية لا تعني أن الطريق القطبي يمكنه في الوقت الحالي منافسة قناة السويس على نطاق واسع؛ إذ تظل قدرته الاستيعابية محدودة، كما أن التشغيل مرتبط بموسم قصير وبظروف مناخية قاسية.

كيف يمر الطريق الجديد؟

تغادر السفن الساحل الشرقي للصين، وتتجه شمالاً عبر مضيق بيرينغ، ثم تدخل الطريق البحري الشمالي بمحاذاة الساحل الروسي، قبل مواصلة الرحلة غرباً نحو أوروبا. وفي الرحلة الحالية، من المقرر أن تصل السفينة إلى ميناء فيليكستو البريطاني في 7 سبتمبر (أيلول)، قبل أن تتجه إلى هامبورغ الألمانية ثم غدينيا البولندية.

ويمتد الطريق البحري الشمالي لنحو 3500 ميل على طول الساحل القطبي الروسي، ويخضع الجزء الأكبر منه لسيطرة وإدارة روسية، ما يجعل أي توسع تجاري فيه مرتبطاً بصورة وثيقة بالعلاقات بين موسكو وبكين.

لماذا الآن؟

لم تأتِ عودة الاهتمام بالطريق القطبي من فراغ. فقد أدت الاضطرابات في البحر الأحمر ومضيق هرمز إلى تعطيل حركة ناقلات النفط والغاز وسفن البضائع، ورفعت مخاطر استخدام بعض الممرات التقليدية. ويكتسب مضيق هرمز أهمية خاصة، باعتباره أحد أهم الاختناقات البحرية في تجارة الطاقة العالمية، فيما تؤدي أي اضطرابات طويلة فيه إلى زيادة تكاليف النقل والتأمين، ورفع مخاطر الإمدادات.

وفي هذا السياق، لا تبحث الصين بالضرورة عن طريق يحل محل هرمز أو السويس بالكامل، وإنما عن مسار احتياطي يمكن استخدامه عندما تصبح الطرق الجنوبية أكثر تكلفة أو خطورة أو عرضة للإغلاق.

وتشير تجربة السنوات الأخيرة إلى أن تنويع طرق التجارة أصبح جزءاً من استراتيجية أوسع لدى الشركات والدول لتقليل الاعتماد على ممر بحري واحد، خصوصاً عندما تكون التجارة مرتبطة بسلع استراتيجية مثل الطاقة والرقائق والبطاريات والسيارات.

الصين وروسيا... شراكة تتجه شمالاً

يمنح الطريق البحري الشمالي الصين وروسيا مصلحة مشتركة في تطوير منطقة القطب الشمالي. فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين لطالما سعى إلى تحويل الطريق الممتد على طول الساحل الروسي إلى ممر تجاري رئيسي، بما يدعم الاستثمار في الموانئ وحقول النفط والغاز والبنية التحتية في المنطقة. أما الرئيس الصيني شي جينبينغ، فقد طرح في عام 2018 مفهوم «طريق الحرير القطبي»، باعتباره امتداداً للمبادرة الصينية «الحزام والطريق» إلى المناطق الشمالية.

ورغم أن الاستثمارات الصينية الضخمة المتوقعة في الموانئ والبنية التحتية القطبية لم تتحقق بالحجم الذي كان متوقعاً، فإن التطورات الجيوسياسية الأخيرة أعادت فتح نافذة أمام بكين لتعزيز حضورها في المنطقة.

وتشير بيانات حركة الملاحة إلى أن الصين أصبحت اللاعب الأجنبي الأبرز في استخدام الطريق منذ الحرب الروسية على أوكرانيا، بينما تتركز التجارة بصورة كبيرة بين الصين وروسيا.

أكثر من طريق للبضائع

ولا تقتصر أهمية الطريق الجديد على نقل الحاويات. فقد أصبح مساراً مهماً لنقل النفط والغاز الروسيين إلى الصين، بما في ذلك شحنات من الغاز الطبيعي المسال. وتظهر بيانات الملاحة أن شركات صينية عدة وسعت نشاطها في المنطقة، فيما يُتوقع أن تنفذ ست شركات شحن صينية على الأقل أكثر من 50 رحلة عبر الطريق خلال موسم 2026، باستخدام سفن للحاويات والبضائع وسفن متعددة الأغراض.

كما ارتفعت واردات الصين من الغاز الطبيعي المسال الروسي عبر جميع المسارات بنحو 28 في المائة خلال النصف الأول من العام، في وقت أدت فيه الحرب الأميركية - الإيرانية إلى تجميد صادرات الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط.

وهكذا، يتحول القطب الشمالي تدريجياً من منطقة جغرافية بعيدة إلى ممر للطاقة والتجارة يخدم المصالح الاقتصادية للصين وروسيا في آن واحد.

سفينة شحن تمر عبر طريق الحرير الجليدي (وكالة شينخوا)

الطريق الأسرع وليس الأسهل

ورغم كل هذه المزايا، فإن الطريق القطبي لا يزال يواجه عقبات كبيرة. فالممر لا يمكن استخدامه طوال العام بصورة مماثلة للممرات البحرية التقليدية، إذ تظل نافذة الملاحة محدودة، كما يمكن أن تتغير ظروف الجليد بسرعة، وقد تحتاج السفن في بعض الحالات إلى مساعدة كاسحات الجليد. كما أن خدمات الإنقاذ والموانئ والبنية التحتية اللوجستية في المنطقة أقل تطوراً بكثير من تلك المتوافرة على طرق التجارة التقليدية.

وهذا يجعل القدرة على التنبؤ بمدة الرحلة تحدياً رئيسياً أمام شركات الشحن. فالتأخير الناتج عن الجليد أو الطقس أو الحاجة إلى المساعدة يمكن أن يقلل من الميزة الزمنية التي يتمتع بها المسار.

البيئة... فاتورة أخرى

وتواجه الملاحة القطبية أيضاً انتقادات بيئية متزايدة. فزيادة عدد السفن في منطقة هشة بيئياً تثير مخاوف من آثار الحوادث وتسرب النفط، فضلاً عن تأثير حركة السفن على الغطاء الجليدي والأنظمة البيئية في القطب الشمالي. وقد وقعت شركات لوجستية دولية كبرى تعهداً بالابتعاد عن الطريق بسبب ما وصفته بالمخاطر البيئية المحتملة لزيادة حركة السفن في المنطقة.

كما أن انتشار ما يعرف بـ«الأسطول الخفي»، ولا سيما السفن القديمة التي تستخدم أساليب للالتفاف على العقوبات، يزيد المخاطر البيئية والتشغيلية على الطريق.

ذوبان الجليد يغير المعادلة

لكن المفارقة أن التغيرات المناخية وذوبان الجليد في القطب الشمالي قد تفتح الباب أمام موسم ملاحة أطول خلال العقود المقبلة. ومع استمرار تراجع مساحة الجليد، قد تصبح فترات أطول من العام قابلة للملاحة، كما يمكن أن تظهر طرق جديدة، من بينها مسار محتمل يعبر القطب مباشرة ويتجنب الساحل الروسي.

وبالنسبة للصين، قد يعني ذلك مستقبلاً إنشاء ممر سريع إلى شمال المحيط الأطلسي، وهو ما سيغير بصورة كبيرة حسابات التجارة بين آسيا وأوروبا.

ليس بديلاً كاملاً

ورغم الطموحات الكبيرة، لا يزال حجم التجارة عبر الطريق البحري الشمالي صغيراً جداً مقارنة بقناة السويس والممرات البحرية الرئيسية، كما أن الجزء الأكبر من حركة العبور يتركز حالياً في التجارة بين الصين وروسيا، ولا سيما النفط والغاز الروسيان المتجهان إلى الصين.

لكن أهمية الطريق لا تقاس فقط بحجم التجارة الحالية، وإنما بالدور الذي يمكن أن يؤديه كخيار احتياطي عندما تتعرض الممرات التقليدية للاضطراب. وهذا تحديداً ما يجعل الرحلة الصينية الجديدة لافتة؛ فبكين لا تنتظر حتى تصبح الطرق البحرية الجنوبية غير صالحة للاستخدام، بل تعمل على بناء قدرة بديلة يمكن توسيعها عند الحاجة.

ساحة جيوسياسية جديدة

وتتجاوز أهمية الطريق الاقتصاد والتجارة إلى الجغرافيا السياسية. فالتوسع الصيني والروسي في القطب الشمالي يثير اهتمام الولايات المتحدة وأوروبا وحلف شمال الأطلسي، وسط مخاوف من أن يتحول الطريق التجاري إلى منصة لنفوذ استراتيجي أوسع.

وحذرت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس من إمكانية استخدام الصين طرق وسلاسل الإمداد القطبية لأغراض استراتيجية، فيما قال الأمين العام لـ«الناتو» مارك روته إن التحالف يحتاج إلى التعامل مع المخاطر الناتجة عن تنامي وصول روسيا والصين إلى القطب الشمالي.

كما شهدت المنطقة مؤشرات على تنامي التعاون الأمني بين موسكو وبكين، بالتزامن مع توسع الصين في برامج البحث العلمي والأسطول القطبي.

وترفض بكين هذه المخاوف، وتقول إن نشاطها في القطب الشمالي يهدف إلى دعم السلام والاستقرار والتنمية المستدامة وفق القانون الدولي.

سباق قطبي يتجاوز الصين

ولا تبدو الصين الدولة الآسيوية الوحيدة التي بدأت اختبار إمكانات الطريق. فقد تستعد شركة الشحن الكورية الجنوبية «بان ستار» لتنفيذ رحلة تجريبية من بوسان إلى أوروبا عبر الطريق البحري الشمالي في 22 أغسطس (آب)، في مؤشر على أن الاهتمام بالممر بدأ يتجاوز الصين.

وتعمل شركات صينية أخرى بالفعل على توسيع نشاطها. ومن المتوقع أن تنفذ «سي ليجند» خدمة موسمية منتظمة بين الصين وأوروبا، بينما أطلقت شركة «نيو نيو شيبينغ» خطاً بين تيانجين وميناء مورمانسك الروسي، إلى جانب خدماتها القائمة لنقل السلع الصناعية الصينية والمواد الخام الروسية.

وتطمح «سي ليجند» إلى الوصول إلى الملاحة على مدار العام خلال العقد المقبل، وهو هدف سيظل مرهوناً بتطور الظروف المناخية والبنية التحتية وقدرة الشركات على التعامل مع المخاطر التشغيلية.

منافس لقناة السويس؟

الإجابة في المدى القريب هي لا. فالطريق لا يمتلك بعد البنية التحتية أو القدرة الاستيعابية أو انتظام التشغيل الذي يسمح له بمنافسة قناة السويس على نطاق واسع. لكن المقارنة قد تكون مضللة أصلاً؛ فالقيمة الاستراتيجية للطريق القطبي لا تكمن في أن يحل محل السويس، وإنما في أن يمنح الصين خياراً إضافياً عندما تتعطل الطرق التقليدية.

ومع تكرار الأزمات التي تضرب الممرات البحرية الرئيسية ــ من البحر الأحمر إلى مضيق هرمز ــ يصبح وجود طريق بديل أكثر أهمية، حتى لو ظل استخدامه موسمياً ومحدوداً.

وبذلك، فإن السفينة الصينية التي تعبر القطب الشمالي إلى أوروبا لا تدشن مجرد خط ملاحي جديد، بل تختبر تصوراً جديداً لخريطة التجارة العالمية: شبكة من الممرات المتعددة، يكون فيها القطب الشمالي جزءاً من حسابات أمن الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد، وليس مجرد منطقة جليدية نائية.


«إتش سي» تتوقع تثبيت الفائدة خلال اجتماع «المركزي» المصري الخميس المقبل

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

«إتش سي» تتوقع تثبيت الفائدة خلال اجتماع «المركزي» المصري الخميس المقبل

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

توقعت شركة «إتش سي» للأوراق المالية والاستثمار أن يثبت البنك المركزي المصري أسعار الفائدة خلال اجتماعه المقرر، يوم الخميس المقبل.

وعلى الرغم من الاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية المتكررة في المنطقة، فإن هبة منير، محلل الاقتصاد الكلي في شركة «إتش سي» ترى أن الوضع الخارجي لمصر لا يزال يتمتع بمرونة نسبياً، وقالت: «نظراً لتزايد الضغوط التضخمية، نتوقع أن تُبقي لجنة السياسة النقدية على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعها المقرر عقده في 20 أغسطس (آب) الحالي».

وأشارت منير إلى اتساع صافي فائض الأصول الأجنبية للبنوك المصرية بشكل ملحوظ بقيمة 5.04 مليار دولار مقارنة بالشهر السابق له ليصل إلى 27.995 مليار دولار في يونيو (حزيران) الماضي، مقارنةً بـ22.957 مليار دولار في مايو (أيار) الماضي، وذلك نتيجة ارتفاع إجمالي الأصول الأجنبية للبنوك والبنك المركزي المصري بقيمة 4.81 مليار دولار خلال شهر يونيو، مقابل انخفاض التزامات البنوك بقيمة 1.06 مليار دولار، وزيادة التزامات البنك المركزي المصري بقيمة أقل بـ826 مليون دولار مقارنة بالشهر السابق له.

كما أشارت إلى ارتفاع صافي الاحتياطي الدولي والودائع غير المدرجة في الاحتياطيات الرسمية معاً بمقدار 2.72 مليار دولار على أساس شهري ليصل إلى 56.29 مليار دولار و12.54 مليار دولار في يوليو (تموز) على التوالي.

وأضافت، أن مؤشر مبادلة مخاطر الائتمان لمدة عام لمصر شهد تذبذباً هبوطياً، مسجلاً 190 نقطة أساس في الوقت الحالي، متراجعاً من أعلى مستوى وصل إليه عند 326 نقطة أساس خلال العام الحالي بنهاية مارس (آذار) الماضي.

أما عن سعر الصرف، وفقاً لهبة، فقد «أسهمت مرونته في تخفيف حدة التوتر خلال فترات النزاع الإقليمي، حيث انخفضت قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار بنحو 13 في المائة منذ بداية العام إلى أن بلغ 54.7 جنيه للدولار خلال الأسبوع الأول من أبريل (نيسان)، ثم قلص خسائره، مرتفعاً بنحو 9 في المائة ليصل إلى 50.4 جنيه مصري للدولار حالياً، الأمر الذي انعكس في تقليل التراجع في قيمة الجنيه مقابل الدولار إلى نحو 5 في المائة فقط منذ بداية العام وحتى الآن».

أسعار الطاقة

ولفتت هبة إلى الوضع الداخلي للبلاد، وقالت إن «هناك بعض التحديات الناجمة عن الحرب، وبالأخص تلك التي أدت إلى ارتفاع تكاليف الطاقة محلياً، والتي تؤثر بالسلب في مستهدفات الحكومة في ضبط مستهدفات الموازنة. وفي هذا الصدد، أبقت الحكومة المصرية، في بداية الشهر الحالي، على تعريفة الكهرباء للشريحة الأولى من الاستهلاك المنزلي دون تغيير، بينما رفعتها بنحو 12 في المائة للشرائح السكنية الأخرى، الأمر الذي سيؤثر في الضغوط التضخمية خلال الربع الثالث لعام 2026؛ ونتوقع أن يبلغ متوسط التضخم نحو 16 في المائة خلال الربع الثالث الحالي من العام مقارنةً بنحو 15 في المائة خلال الربع الثاني السابق».

أذون الخزانة

انخفض عائد أذون الخزانة لأجل 91 يوماً منذ 19 مايو 2026 ليكون أقل من العائد على أذون الخزانة لأجل 364 يوماً، ليعود شكل المنحنى الذي يمثل الفرق بين الفترتين إلى شكله الطبيعي. وفقاً لهبة منير، التي أشارت إلى أن «منحنى العائد بالسلب بين أذون الخزانة ذات فترات الاستحقاق الأقل، والتي تشمل 182 يوماً و273 يوماً، وعائد أذون الخزانة ذات الفترة الأطول (364 يوماً)، يتراجع تدريجياً، تمهيداً للعودة إلى مستوياته الطبيعية فور حل النزاع الجيوسياسي بالمنطقة».

وارتفع عائد أذون الخزانة لأجل 182 يوماً و273 يوماً و364 يوماً، بما هو أكثر من 200 نقطة أساس منذ الأسبوع الأول من مارس، بعد اندلاع حرب إيران. ومع ذلك، عكس آخر عائد لأذون الخزانة لأجل 12 شهراً، والبالغ 25.07 في المائة، معدل فائدة حقيقي إيجابي بنسبة 6.47 في المائة.