فورد: مشكلة أكراد سوريا لن تحل بإجراءات أحادية

السفير الأميركي شدد في حوار مع «الشرق الأوسط» على الحل السياسي لإنهاء «حرب استنزاف لا منتصر فيها»

فورد: مشكلة أكراد سوريا لن تحل بإجراءات أحادية
TT

فورد: مشكلة أكراد سوريا لن تحل بإجراءات أحادية

فورد: مشكلة أكراد سوريا لن تحل بإجراءات أحادية

• أعلن أكراد سوريا، وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي تحديدا، عن حكومة انتقالية محلية، في خطوة اعتبرها الائتلاف الوطني السوري بـ«المعادية».. كيف تقيمون تأثير ذلك على الأوضاع في سوريا، وهل يقلقكم؟
- الأكراد يعانون الكثير من نظام الأسد وحتى قبل ذلك، فلم تكن لهم حقوق مساواة كمواطنين سوريين، كما أن البعض لم يحملوا حتى الجنسية السورية ولم يستطيعوا الحصول على جوازات سفر على سبيل المثال، وكانت هناك إجراءات عنصرية ضد الأكراد في ما يخص حق التملك. ولذا، من السهل أن نفهم لماذا يتطلع الأكراد للتغيير، وآمل أن الشعب في المناطق الكردية السورية سيتذكر أن أساس المشكلة جاء من نظام الأسد، وأن ذلك النظام لم يحل المشكلة. كما أنه كان على الأكراد أن يتعاملوا مع عدو آخر، أي الجماعات الإسلامية مثل دولة الشام والعراق الإسلامية وجبهة النصرة. وفي الحالتين، هذه المجموعات هاجمت المدنيين الأكراد بطريقة لم تسمح للشعب الكردي بأن ينضم إلى الثورة، لذا أفهم سياسيا ما قام به الأكراد بسبب تجربتهم، ولكن علي القول بأن القضايا الكردية هي قضايا دستورية، ويجب مفاوضة جميع السوريين والتوصل إلى حل توافقي، فلا يمكن حلها من خلال الإجراءات الأحادية. وأعتقد أنه من الأفضل الآن للأكراد أن يركزوا على إنجاح الثورة وإنجاح المعتدلين في الثورة، وأن يعالجوا القضايا الدستورية خلال فترة حكم هيئة الحكم الانتقالي التي نص عليها بيان جنيف.

• مثلما تقول، الأكراد يقاتلون على جبهتين ولكن أليس إعلان الأكراد عن إدارة محلية ضربة لسعي المعارضة السورية لتوحيد صفها؟
- مثل باقي الطبقات السياسة السورية، الأكراد غير متحدين ولديهم انقسامات. الحزب الاتحاد الديمقراطي من جهة يقف وراء الإجراءات الأحادية التي تكلمت عنها. والمؤتمر الوطني السوري، وهو منافس سياسي للاتحاد الديمقراطي الكردي، قد انضم للائتلاف الوطني الشهر الماضي، بل الجمعية العامة للائتلاف وافقت على إدخال المؤتمر الوطني الكردي إلى الجمعية العامة للائتلاف وتعيين نائب رئيس كردي. لقد تم التصويت على هذه الخطوة يوم السبت الماضي وهي خطوة تظهر وحدة سوريا وتظهر أن السوريين حول البلاد يريدون ثورة معتدلة وحكومة معتدلة من دون بشار الأسد. ولنكن صريحين، حزب الاتحاد الديمقراطي كان حليفا منذ زمن للنظام، وأحيانا اعتقل معارضين وسلمهم لوكالات المخابرات السورية. ونعلم أن الاتحاد الديمقراطي تعاون مع النظام، وحتى عندما سيطروا على نقطة اليعربية كانت طائرات الحكومة السورية، فلا أعتقد أن حزب الاتحاد الديمقراطي يمثل المعارضة حقيقة.

• لننتقل إلى الوضع على الأرض.. في تقييمك، ما نسبة الأراضي التي ما زالت الحكومة السورية مسيطرة عليها؟
- لم أر أرقاما محددة حول المساحة التي يسيطر عليها النظام وما هي المساحة التي تسيطر عليها المعارضة. ما يمكنني قوله إن خطوط السيطرة تتحول قليلا من أسبوع إلى أسبوع. لقد تقدم النظام خارج حلب، ولكن النظام فقد السيطرة على مستودع تموين مهم في حمص، وقد تراجعوا أيضا في درعا. وهذه الحرب تتواصل من دون أن يستطيع أي من الأطراف التوصل إلى فوز حاسم. إنها حرب استنزاف دامية، ولذلك نحن والأمم المتحدة ودول أخرى نطالب بإجراء مفاوضات للتوصل إلى تسوية سياسية ووقف سفك الدماء.

• في ما يخص الحل السياسي، علقت آمال على عملية «جنيف 2» وعقد مؤتمر يجمع الأطراف المختلفة، ولكن لم يعقد بعد.. هل تعتقد أنه من الممكن عقد اجتماع «جنيف 2» قبل نهاية هذا العام؟
- إنني دبلوماسي وعملي يعتمد على التفكير في أن الأمور متاحة إذا كانت هناك إرادة حسنة، لذا أعتقد إذا كانت هناك إرادة حسنة كافية فإنه يمكن عقده قبل نهاية العام، ولكن الأمر صعب بالطبع. على الأرض، هناك معاناة قاسية وهناك مدن ومناطق محاصرة، والنظام يمنع وصول المساعدات مما يخلق جوا سيئا جدا، ولا يزيد ذلك من الثقة ولا يظهر نية حسنة. وتوصيل المساعدات الإنسانية مبدأ مقدس ويجب ألا يتم التلاعب فيه، لكن النظام السوري ينتهك هذا المبدأ. كما أن بعض عناصر المعارضة تنتهكه أيضا في بعض القرى، ولكن المشكلة الأكبر تأتي من النظام. وآمل أن نرى تقدما في هذا المجال. كما أن هناك قضية المعتقلين التي أثارها الشيخ أحمد الجربا وغيره، وهناك خطوات لبناء الثقة هناك من الطرفين لأن المعارضة أيضا لديها معتقلون، ومن المهم العمل على هذه القضية لإظهار حسن النية. أعتقد إذا كانت هناك نوايا حسنة يمكننا بدء المفاوضات السياسية هذا العام ولكن علينا أيضا أن نكون واقعيين، فهذا نظام استخدم غاز «السارين» وصواريخ «السكاد» (ضد المواطنين)، فلن يكون من السهل إقناعه بتأسيس هيئة حكم انتقالية جديدة، سيحتاج الأمر إلى مناورات سياسية جيدة من المعارضة لإقناع السوريين بأن هناك خيارا آخر لبشار الأسد وللتطرف، وأن المعارضة قادرة على تقديم الخيار الآخر عند الجلوس على طاولة المفاوضات.

• في ما يخص الجلوس على طاولة المفاوضات، لقد شددت الولايات المتحدة ودول أخرى على ضرورة أن يكون هناك فقط وفدان للتفاوض، واحد يمثل النظام وآخر يمثل المعارضة. لكن هناك قوى معارضة مؤثرة أخرى تريد أن تكون موجودة على طاولة التفاوض وليس من خلال وفد الائتلاف؟
- أولا، الولايات المتحدة اعترفت بالائتلاف قبل 11 شهرا باعتباره الممثل الشرعي للشعب السوري، وهذا كان قبل أن تكون لديها علاقة رسمية مع الأكراد وممثلون عن مجالس محلية، وقبل أن تكون لديها علاقة رسمية مع ممثلين من الجماعات المسلحة. لدينا كل هذه العلاقات الآن ونعتقد أن هذه المجموعات باتت الممثلة بشكل أكبر للشعب السوري الآن. لا أعتقد أنه من الضروري أن تكون هناك وفود مفاوضة عدة من المعارضة، بل علاقة تفاوض جيدة تستدعي أن يكون الطرفان قادرين على تحقيق النتائج. يجب أن يكون وفد المعارضة مكونا من الأشخاص والناشطين والمعارضين الذين قادوا الثورة والمقاتلين الذي يقاتلون ضد النظام، هذا هو الوفد الذي بإمكانه أن يقدم نتائج على طاولة المفاوضات لأنه سيكون على الطرفين، المعارضة والنظام، تقديم التنازلات. وإذا لم تكن لديك مجموعات قوية فلا يمكن تقديم التنازلات. وأنا أتفهم أن البعض يريد وفدا ثالثا أو رابعا، ولكن أسأل بكل صدق إذا ما كانوا قادرين على المساهمة في المفاوضات نفسها أم لا، وإذا ما كانوا قادرين على المساهمة من خلال تقديم الأفكار ومبادرات تدخل على المفاوضات من خلال أحد وفدي التفاوض أو من الوسيط الأممي في المحادثات. يمكن المساهمة في المفاوضات خارج غرفة التفاوض من خلال الحديث مع الوفود وتقديم المبادرات والأفكار.

• تريدون إشراك الناشطين والمقاتلين في المفاوضات، هل هذا يشمل الجيش السوري الحر ومجموعات مسلحة بالإضافة إلى لجان التنسيق المحلية، وليس فقط الائتلاف السوري؟
- لن أقول للسوريين من عليهم إشراكه في المفاوضات، وهذه ليست قرارات أميركية بل سورية. ولكن نعتقد أن الوفد يجب أن يشمل العناصر السياسية والعسكرية، لأن المعركة هي سياسية وعسكرية، فمن المنطقي أن تكون هناك عناصر سياسية وعسكرية في الوفد.

• هل ما زلت على اتصال مع نائب رئيس الوزراء السوري قدري جميل؟
- لا.. شخصيا لم أتحدث إليه منذ 26 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

• هل أصبحت الحرب السورية حربا إقليمية، خاصة مع ما نشاهده في لبنان، أم ما زالت محدودة داخل الحدود السورية؟
- الأزمة السورية تفرض ضغوطا هائلة على المنطقة ودول الجوار وبشكل أخص على لبنان، وهو دولة صغيرة.. والآن هناك تقارير تقدر أن ربع المقيمين في لبنان هم لاجئون سوريون. فيمكن لك التصور مدى الضغط على البلاد، بالإضافة إلى الضغوط على الأردن والعراق وتركيا وحتى مصر. ونحن في الولايات المتحدة نحاول المساعدة، وقد قدمنا 1.4 مليار دولار من المساعدات، نحو نصفها لدول الجوار، والنصف الآخر يدخل إلى سوريا. وهناك حاجة إلى المزيد من المساعدة من المجتمع الدولي، بما في ذلك من الولايات المتحدة. نحن نعترف بمسؤولياتنا. والكويت ستنظم مؤتمرا جديدا بهدف جمع المساعدات والمصادر للاجئين السوريين. الوضع الإنساني كارثة كبيرة وهو أمر محزن جدا، نرى صورا لأطفال يعانون من المجاعة، أمر لا يمكن تصديقه في دمشق التي كانت مزدهرة. «إنني قلق من هذا الشتاء، الناس ضعفاء من الآن وعندما يزداد البرد ولا توجد الكهرباء ولا تدفئة ولا ماء حار ستزداد الأمراض. على المجتمع الدولي أن يعي ذلك ويتحرك. ومنع وصول المساعدات هو عمل إجرامي حقا من النظام السوري.

• لكن البعض يرى أن الاتفاق الأميركي - السوري حول السلاح الكيماوي السوري أعطى الحكومة السورية فرصة جديدة ومنحها مجالا للتفاوض على المسرح الدولي، كما أنكم وافقتم على اتفاق مع نظام قلتم إنه فقد الشرعية..
- أولا، استخدام غاز السارين لا يمنح أي طرف الشرعية، بل تنزع شرعيته. وأي نظام قتل أكثر من 120 ألفا من شعبه ليس لديه مصداقية. نتوقع بعد أن يرحل بشار الأسد أن هيئة الحكم الانتقالي الجديدة ستكون مسؤولة لتطبيق الخطوات المتبقية لتدمير برنامج الأسلحة الكيماوية، لا يستدعي الأمر أن يكون بشار الأسد في السلطة، من الممكن أن يرحل وأن تقوم بذلك الحكومة المقبلة.

• لكن ما زال بشار الأسد يتحدث عن خوض الانتخابات عام 2014، هل تتوقع ذلك ممكنا؟
- ليست لدي معلومات حول ما ينوي فعله عام 2014، ولكن أسأله: هل الأمر يستحق المزيد من القتال؟.. هل يستحق موت المئات من الآلاف ليبقى هو في الرئاسة؟.. أليس من الأفضل السماح لانتقال سلطة من أجل إنقاذ بلاده ومن أجل الذين يعتمدون عليه؟.. هل هو شخصيا مهم إلى هذه الدرجة؟

• لننتقل إلى إيران، تقوم الولايات المتحدة بمفاوضات مع إيران الآن حول برنامجها النووي، هل هذه المفاوضات تمهيدا لحل الأزمة السورية..
- لا توجد أي علاقة بتاتا بين القضيتين.

• لكن هناك اعتقادا بأنه في حال وقعت إيران اتفاقا مع الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا حول برنامجها النووي، سيضمن ذلك لها مكانا على طاولة المفاوضات حول سوريا..
- دور إيران في سوريا مضر جدا، إيران الدولة الوحيدة التي أرسلت قواتها المسلحة إلى سوريا للقتال هناك، لقد قتل جنرال إيراني هناك كما أن بعض القوات الإيرانية اعتقلت هناك. الدور الإيراني، خاصة إدخال الآلاف من المقاتلين من حزب الله والآلاف من المقاتلين العراقيين الشيعة، جعل النزاع الطائفي يزداد سوءا، لا أرى فكيف مع السياسات الإيرانية الحالية يمكن للإيرانيين لعب دور إيجابي؟

• السؤال الأخير حول موقعك، هل ستبقى تشرف على الملف السوري في المرحلة المقبلة، خاصة وأن تقارير صدرت حول إمكانية تعيينك في القاهرة؟
- في الوقت الراهن أواصل عملي حول سوريا، وهناك الكثير من العمل علي إنجازه.



تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.


غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.