«سماء قريبة من بيتنا»... تقاطعات المآسي والبهجات

في مجملها سيرة ذاتية لكاتبتها شهلا العجيلي

«سماء قريبة من بيتنا»... تقاطعات المآسي والبهجات
TT

«سماء قريبة من بيتنا»... تقاطعات المآسي والبهجات

«سماء قريبة من بيتنا»... تقاطعات المآسي والبهجات

في رواية شهلا العجيلي «سماء قريبة من بيتنا» كثير من المآسي وحكايات الموت، لكن فيها أيضاً كثير من بهجات الحياة وجمالها. المأساة السورية تفرش ظلالها على الأحداث، سواء حين تأخذنا الراوية، جمان بدران، إلى قلب الأحداث، وما حل بالبلد والناس نتيجة لحروب الطوائف والجيوش والإرهاب التكفيري ضد الحكومة، وضد بعضهم بعضاً، أو حين تنقل لنا صورة لمخيمات اللاجئين في الأردن، أو حين تضغط تلك الظلال على حياة الأفراد الذين بقوا والذين خرجوا، ومنهم جمان نفسها. لكن مفارقة الفن لا تبتعد كثيراً، بل هي حاضرة تتخلل عملية السرد بصور مناقضة، ترسم فيها الكاتبة من خلال راويتها صوراً للحياة اليومية في منزل الأسر في حلب أو في الرقة، حيث نكاد نتذوق الأطباق، ونلمس المفارش وسطوح الرخام، حيث نرى تعاملات الناس وخبايا مشاعرهم، في وصف تفصيلي بديع يخفف كثيراً من حدة الألم المنبعث من أماكن أو فترات زمنية أخرى، بعضها مضى والبعض الآخر حاضر أو آتٍ.
اختيار الكاتبة للعلاقة بالسماء في عنوان الرواية يلقي بظلال أخرى تسهم في إزاحة هموم المآسي السورية، سواء أكانت الآتية من الذاكرة أم من الحاضر. تلك العلاقة ليست أحادية أو سكونية: هي إيمانية حيناً، يعتريها خوف وقلق وتساؤلات مرة حيناً آخر، بل هي مشوبة غالباً بالقلق والتساؤل.
وإذا كان السيميائيون أو العلاماتيون يقولون إن العنوان هو العتبة الأولى للنص، فإننا هنا أمام عتبة هائلة لبيت الحكاية، عتبة تفعل فعلها إذ تشحننا بتحري الدلالة: ما علاقة السماء بما يجري؟ وماذا يعني أن تكون السماء قريبة؟ ليس في الرواية كثير من الضغط على هذه الدلالة، لكنها حاضرة حيناً، ومتوارية حيناً آخر. حين تذهب جمان إلى مخيم اللاجئين، بوصفها موظفة تستطلع أوضاع الناس هناك، نجدها تستعيد من الذاكرة ما كانت تقوله أمها لها ولأخواتها في بيت الأسرة في سوريا، تستعيد ذلك وهي تستلقي قرب إحدى الخيام لتضع إيمان الأم الواثقة من قرب الله إلى جانب تساؤلات الأطفال البريئة عن إمكانية الوصول إلى السماء. وفي ختام الرواية، تعود السماء قريبة إثر مواجهة أخرى للموت، حين تموت الشابة «هانية» في الطائرة الماليزية التي اختفت: «السماء هنا قريبة جداً، ولا تحتاج إلى سلالم أو حبال». لكن ماذا يعني قرب السماء؟ هل هو تأثيرها أم هي عنايتها؟
هذا السؤال، وما يتصل به من أسئلة وجودية، تواجهها الراوية جمان وهي تتمثل المآسي من حولها، سواء كانت مآسي المجتمع أم مآسي الأفراد، إلى أن تواجه مأساتها هي، حين تكتشف أنها مصابة بالسرطان، الاكتشاف الذي يلقي بها وبالقارئ معها في دوامة مخاوف وقلق الموت المحتمل.
الرواية في مجملها سيرة ذاتية لجمان، لمكابداتها وبهجاتها، من حيث تختزل تلك المكابدات والبهجات ما هو أكبر وأوسع منها، حين تتغلب المواجهة مع المرض والشتات، ويعلو أنين الفقد، تتساءل جمان: ماذا فعلت لكي أعيش هذا كله؟ تتساءل المرأة السورية التي تعيش النفي، ويضاف إليه الآن مستقبل يغص بآلاف الليالي الموحشة، كما سبق للشاعر السوري محمد الماغوط أن قال. يتضح فيما بعد أن تلك الليالي أقل عدداً من ذلك، حين تشفى الراوية، وإن كان شفاؤها مما يصعب وصفه بالنهائي في مواجهة السرطان. لكن رحلة المرض من الاكتشاف حتى العلاج الكيماوي وتبعاته لفترة تقارب العام ونصف العام تمثل مرحلة متأزمة، في القصة وفي تلقيها معاً، وعلى القارئ أن يتهيأ لتلك الرحلة الممضة، ولكن الإنسانية في نهاية المطاف، الرحلة التي تسردها شهلا العجيلي باقتدار فني مثير للإعجاب.
في سردها لمرحلة المرض، كما في سردها لمأساة المدن السورية، ثم معاناة اللاجئين، توظف الكاتبة لغة تخفف كثيراً من عناء الدلالات المرهقة. وحين تضيف إلى تلك اللغة استطرادات سردية تصور حياة عدد من الأشخاص القريبين من جمان بدران، أخواتها ومعارفها، إلى جانب حكاية ناصر، صديقها الذي يضرب مثلاً استثنائياً في الحب والحنان في أحلك اللحظات، حين تضيف العجيلي ذلك فإنها تخفف بمتع القص، وتفاصيل الأجواء والأماكن والأحداث، ما يهدد بإثقال القصة بكآبة المرض ومرحلة العلاج. ومن الناحية اللغوية أو الأسلوبية، تتكئ العجيلي على سلاسة وعذوبة في بناء الجمل، وانتقاء المفردات لا تتوفر لكثير من الروائيين الذين أعرف. خذ مثلاً توظيفها للتشبيه حتى في عمق وصفها لأثر الكيماوي على جسدها:
«يضعون رأسي في قناع معدني واقٍ، أعدوه حسب مقاساتي مسبقاً، يغلقونه بإحكام، فتصدر عنه قعقعة، وأغمض عيني فلا أرى تفاصيل غرفة التصوير الواسعة، وأتنفس من فتحتي الأنف مجاهدة الثقل في أنفاسي، الذي سيخف يوماً فيوماً، وأبدو مثل فارس من القرون الوسطى قد استعد لمعركة. يخرج الجميع، يطفئون الأضواء، ويتركوني مسترسلة في صلاة، بعيدة عن جسدي، أخلد في ظلمة عميقة مثل جنين داخل رحم غريب، لا يحمل أية أسئلة، أو مثل بذرة في باطن الأرض تبدأ بالإنبات حيث لا يراها أحد».
من كوميديا صورة الفارس تنقلنا الصورتان الأخريان إلى دراما الحياة المحتملة والمؤملة لدى مريضة تواجه احتمالات الموت الماثل في مكان يزدحم، حسب تعبيرها الشعري، «بسكان السماء المحتملين». وإلى جانب ذلك، تزدحم الصور بحكايات الحب، ما يربط جمان بناصر، وهانية بيعقوب، ما يحمل إيحاءات من الحميمية المضمخة بغير قليل من الشبق الذي يختلط بالألم والمعاناة، فتنتج تلك التقاطعات التي لا تتولد إلا حين يضغط الفن على الواقع، فيسحب السرد من الواقعية التسجيلية إلى الواقعية الفنية، ومن أحداث الحكواتي إلى رؤى الفنان.
في الصفحات الأولى من الرواية، مع بدء جمان حكاية اغترابها عن وطنها، تطالعنا صورة للمسافرين في صالة الترانزيت، كما يراهم من يجد في السفر مفراً من جحيم لا مجرد نزهة «لتغيير الجو». لنتأمل الصورة: «إن لمراقبة المسافرين، وقت صفاء المتأمل، متعة خاصة، إذ يكونون أكثر عفوية وبساطة، وهم خارج نطاق جاذبية العوالم التي ينتمون إليها، أو في حالة مؤقتة من الانعتاق.
هنا يستعد معظم الناس لبدء حكاية ما، فالمطارات سلالم الحكايات، ونحن السوريين ربما لنا حكايتنا المختلفة معها، فبمجرد مرورنا من الكوة الأخيرة لأي موظف جوازات، نكون قد استلمنا صك ولادة جديدة، يعلن أننا لسنا مطلوبين لأية جهة أمنية وطنية أو دولية...». إنها ليست حكايات مسافرين عاديين، كما هو واضح، لكن إلى جانب البعد السياسي الانعتاقي، تلمع أمامنا إحالة ضمنية تتجاوز السفر والمسافرين إلى الكتابة والكتاب، إلى الرواية والروائيين. المطارات سلالم الحكايات والروايات التي تولد في حالة الانعتاق من سطوة الرقيب الأمني والمطاردة الاستخباراتية. ليس المسافرون وحدهم من يتمتعون بالعفوية والبساطة وهم يتأهبون للسفر، وإنما الكتاب والمثقفون أيضاً. هي لحظة التخفف من عبء الانتماء، وصعود «سلالم الحكايات» التي تنظر إلى الوراء، مكاناً وزماناً، لترسم سيناريوهات محتملة لما لم يكن - وربما لن يكون - إلى جانب السيناريوهات التي فرضها الواقع، سواء على الأوطان أو على الأفراد. تلك السلالم هي التي تصعد إليها شهلا العجيلي في رحلتها إلى «السماء القريبة من بيتنا»، حيث تبدو السماء انتماءً آخر محتملاً، مدينة تنتمي إليها كما ينتمي ناصر، حبيب جمان، الفلسطيني الذي هجر أهله، ويكاشف جمان بـ«أن مدينتي هي المكان الذي أعيش فيه بكرامة»، مضيفاً: «بالنسبة إليّ، ومنذ زمن طويل، هذا هو الوطن». تحديد ناصر يأتي مثل إجابة على سؤال الأب الفلسطيني في رائعة غسان كنفاني «عائد إلى حيفا»، حين اكتشف ابنه المتصهين في فلسطين المهوّدة، لكن الفلسطيني لم يعد الوحيد الذي يحتاج إلى تحديد معنى الوطن، انضم إليه عرب كثر، لتنفتح بذلك سماوات أخرى يتأملون الصعود إليها.



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.