دریائي: تاریخنا في إیران مسیس.. ولا یمكننا التعامل مع الماضي بسهولة

كتابه الجديد يؤرخ للإمبراطورية الساسانية «بحثا عن الهوية»

تورج دريائي  -  غلاف الكتاب
تورج دريائي - غلاف الكتاب
TT

دریائي: تاریخنا في إیران مسیس.. ولا یمكننا التعامل مع الماضي بسهولة

تورج دريائي  -  غلاف الكتاب
تورج دريائي - غلاف الكتاب

ظهر جیل جدید من المؤرخین والباحثین في التاریخ یولون اهتماما خاصا بتاریخ إیران القدیم. وهم لا یتعصبون للتاریخ تعصبا أعمی، كما لا یبحثون في التاریخ عن مجاهله ومتاهاته. وقد سعی هؤلاء في السنوات الأخيرة لأن یطرحوا تحكیماتهم المسبقة جانبا قدر الإمكان من خلال الأخذ بالأسالیب الجدیدة والنظرة النقدیة، محاولين التعامل مع تاریخ إیران القدیم تعاملا علمیا ونقدیا. ویعد الدكتور تورج دریائي من بین هؤلاء الباحثین. وقد أصدر أخيرا كتابه «ناگفته هاي امپراتوري ساسانيان» (خفایا الإمبراطوریة الساسانیة)، وهو من أحدث الكتب التي نشرتها مؤسسة «بارسه» ضمن سلسلة «هزاره ‌هاي دنياي باستان» (ألفیات العالم القدیم)، وقد ترجمه من الإنجليزية آهنگ حقاني ومحمود فاضلی بیرجندي.
ولد الدكتور تورج دریائي عام 1967 في طهران، وأمضی الدراسة الثانویة في إیران وطهران. وفي عام 1999، تخرج في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس حاصلا علی شهادة الدكتوراه. وهو الآن أستاذ في التاریخ والحضارة الإیرانیة بجامعة كالیفورنیا بأرواین. وقد حاز كتابه «إيران الساسانیة» جائزة الجمعیة البریطانیة لدراسات الشرق الأوسط عام 2010. ومن كتبه: «سقوط الساسانیین، الغزاة الأجانب، المقاومة الداخلیة وتصویر نهایة العالم»، «التاریخ والثقافة الساسانیة»، «الإمبراطوریة الساسانیة»، و«مدن إیران شهر (بلاد إیران)». هنا، لقاء معه على هامش كتابه الأخير:

* كیف بدأ اهتمامكم بتاریخ إیران القدیم؟ وما ضرورة هذا الاهتمام؟
- درست في مقتبل عمري في الیونان وكان والداي قد اصطحباني قبل ذلك إلی آثار تخت جمشید. وقد كان الحدیث یدور دوما خلال فترة زیارة الأماكن التاریخیة في الیونان عن قدوم الإیرانیین. ومن القضایا الغامضة التي كنت أواجهها هي أننا ماذا كنا نفعل هناك. فالیونان تبعد عن إیران آلاف الكیلومترات، وهو ما أثار فضولي لاستكشاف السبب. وما زلت أتذكر بعد مرور ثلاث وثلاثین سنة المكان الذي قیل عنه إنه تل دفن تحته الإیرانیون والتل الآخر الذي یرقد تحته الیونانیون. وعلی أي حال، فإن الحرب أمر غیر محبب.
* لماذا علینا - من وجهة نظركم - أن ندرس تاریخ الأمم السابقة، وخاصة تاریخ إیران القدیم الذي تفصله عنا قرون طویلة، بل إن هنالك بعض الاختلافات بیننا وبینه من حیث العادات والتقالید والفكر؟
- أری أن أسسنا الفكریة قد جرى وضعها علی مر التاریخ، وأننا قد بلغنا هذه المرحلة الآن. وأهمیة دراسة ماضینا لیس مصدرها المفاخر والفتوح التي لا تتعدی كونها من باب السباقات الغبیة، بل هي طریق یحدد تاریخ تحولنا الفكري والثقافي. فهنالك فاتحون مثل الإسكندر المقدوني، أو نادر شاه الأفشاري وغیرهما تسببوا في الدمار ولم ینشئوا أیة حضارة أو دولة منیعة. وأنا أری أن من یعرف تاریخه ووطنه فإنه سوف لا یخسر نفسه بسهولة أمام الآخرین والثقافات الأخرى. أنا أبدأ دوما محاضراتي حول تاریخ العالم القدیم بهذه العبارات: «إن الشخص الذي یجهل ما حدث قبله (التاریخ) سوف یبقی طفلا علی الدوام». وما یریده «سیسرو» من هذه العبارة أن من لا یعرف ماضیه، فإنه سوف یتصرف كالأطفال. إن علینا أن نعلم من أین أتینا وكیف وصلنا إلی هنا.
* فلنتحدث الآن عن كتابكم «خفایا الإمبراطوریة الساسانیة». لماذا اخترتم هذا العنوان لدراستكم؟ وما الخفایا التي رأیتموها والتي لم یكشف عنها حتى الیوم؟
- كان من المقرر أن یكون العنوان الأصلي للكتاب «أسرار الأسرة الساسانیة»، ولكن كان یبدو أن هذا العنوان یعاني مشكلة. وقد كان اسم الكتاب في ضوء إحدى المقالات التي كنت قد كتبتها حول بدایة الدولة الساسانیة وأردشیر بابكان وهي موجودة في هذا الكتاب، الذي یضم مجموعة مقالات كنت قد كتبتها باللغة الإنجلیزیة، وأنا أشعر بالسرور لكونها في متناول ید الناطقین بالفارسیة.
* یحظی الساسانیون بأهمیة من نوع خاص من حیث قدمهم والفترة التي حكموا خلالها إيران. ومن جهة أخری، فإنكم لم تغفلوا دراسة الألواح الطینیة، الأختام، المسكوكات، بل وحتى النقوش، فضلا عن دراسة النصوص والكتب. تری ما خصوصیة الساسانیین المهمة من وجهة نظركم؟
- تبنى الساسانیون فكرة «إیران شهر» أو (بلاد إیران) التي نستخدمها الآن حتى بعد مضي ما یقرب من ألفي سنة، كما أنهم أشركوا معهم في هذه الفكرة أتباع الأديان المسیحیة والیهودیة والزرادشتیة والشعوب المختلفة.. لقد أبدع لنا الساسانيون ثقافة ما تزال قائمة.
واستنادا إلی ما جاء في مقدمة الشاهنامه لأبي المنصوري، فإن بلاد إيران تمتد من نهر جیحون وحتى نهر الفرات. وأنا أری أن هذه الحدود لیست مجرد حدود جغرافیة، بل هي ثقافیة. وبالطبع، فإن هذه الثقافة اتسعت فیما بعد حتى ما وراء النهر أیضا، ونحن الیوم ما نزال نشهد الأثر الثقافي لإیران رغم تلك النزعة القومیة الكاذبة في آسیا الوسطی. واللغة لیست علی قدر كبیر من الأهمیة هنا، بل إن الثقافة من شأنها أن تسبقها.
* أنتم معنیون في دراساتكم بأن تسلطوا الأضواء علی تاریخ إیران إلی جانب تاریخ الیونان والهند والصین والعرب. فإلى أي مدی یمكن لتاریخ إیران القدیم، وخاصة تاریخ إیران الساسانیة، أن یكون متمیزا بین التواریخ الأخرى التي ذكرتها؟
- علي أن أقول إن التاریخ الساساني مهم بدوره ولم یخضع للدراسة بالشكل المطلوب وما تزال الدراسات في أول الطریق. ولكن ومن أجل أن یعرف تاریخ الحضارة الساسانیة بشكل أفضل (وخاصة في الغرب)، فإن من الواجب أن ندرس ونقارن تاریخ هذه الحضارة إلی جانب الحضارات المجاورة لها. ومن الواجب في إیران أیضا أن نقوم بدراسات تتجاوز حدودنا الثقافیة كي تتسع رؤیتنا أكثر.
* كانت هنالك دول مختلفة، أو بعبارة أخری بلدان وثقافات مختلفة في عصر الساسانیین تربطها علاقات ثقافیة جادة مع إیران. ما الإشارة إلى تأثیرها وتأثرها في عصر الحضارة الساسانیة؟
- كانت تربط إیران في العصر الساساني علاقات ثقافیة مهمة مع الدولة البیزنطیة، أو روما الشرقیة ومع الهند والصین. وقد تركت كل من هذه الحضارات آثارا مهمة علی الحضارة الساسانیة في العلوم والفلسفة والفن. ونحن معنیون عادة بدراسة نفوذ إیران في الحضارات الأخرى أو تأكیده. ولكننا نتعرف أیضا في مقابل هذا النفوذ الثقافي الإیراني علی نفوذ الثقافتین الهیلینیة والیونانیة في فلسفة مزدیسنا والطب والفن.
ونحن نطالع أساليب جدیدة من الهند في النصوص البهلویة والفارسیة فیما بعد. ومن الصین تستوقفنا المعتقدات الأسطوریة ورموزهم وفنونهم التي تركت آثارا مهمة علینا، ولكن علینا أن نتذكر أن الحضارة الناشطة في حالة تعاط دائم مع الحضارات الأخرى. وإلا لما كانت ناشطة ومتحركة ولما كتب لها البقاء.
* ذكرتم في قسم من الكتاب أنوشیروان بصفته ملكا مثالیا. فما مثالیة هذا الملك من وجهة نظركم؟
- یعد أنوشیروان من أهم الحكام في تاریخ إیران. ولكن، لیس بسبب حروبه وانتصاراته، بل لأنه استطاع مع أبیه أن یغیر إیران. فلقد دبت الروح في إیران من جدید من النواحي الاقتصادیة والعلمیة والفلسفیة والإداریة. وقد استلهم أنوشيروان في الحقیقة أفكارا جدیدة من الحضارات الأخرى (باسم التقالید طبعا) من خلال تأكید التقالید والموروثات وأحدث تغییرات مهمة في إیران. وفي الحقیقة، فإن إیران أصبحت في القرن السادس المیلادي من أقوی وأهم حضارات العالم، إذ مارس كسری أنوشیروان إشرافه علی كل الشعوب والأدیان لأول مرة في العصر الساساني.
* لا في شك في أن الشاهنامه تعد وثیقة هویة الإیرانیین، وقد ذكرتم في هذا الكتاب الشاهنامه بوصفها وثیقة تاریخیة. إلی أي مدی حاولتم أن تنظروا إلی الشاهنامه بوصفها وثیقة، وأن تظهروا الفردوسی بصفته مؤرخا استطاع تقديم تقرير عن التاريخ القديم للإيرانيين، وخاصة تاريخ الساسانيين؟
- تمثل الشاهنامه نصا حماسيا، والهدف منه استعراض تاريخ الإيرانيين. وأنا أرى أن بإمكاننا أن نستخرج من الشاهنامه معلومات مهمة حول العادات والتقاليد والأفكار في إيران، ولكن لا يمكننا الاستناد إليها بصفتها نصا تاريخيا بحتا اللهم إلا فيما يتعلق بعهد قباد وكسرى أنوشيروان (حينما كتب خداينامه «كتاب الملوك»)، فإن بالإمكان الاستناد إلى الشاهنامه كنص تاريخي مهم والتعرف على رؤية الساسانيين.
* كيف تنظرون إلى دراسة التاريخ القديم في عالمنا المعاصر.. وما المستقبل الذي تتصورونه لمثل دراسات كهذه؟
- لقد أصاب الفتور دراسة التاريخ القديم في المجتمع المعاصر، وخاصة في أمیركا. وسبب ذلك واضح. فأمیركا تمثل مجتمعا شابا ينظر إلى المستقبل. وبالطبع، فإن هذا الموضوع سوف يسبب لهم بعض المشاكل على المدى البعيد.
وأما في بلدان مثل إيران واليونان ومصر، فإن قضية الهوية تقود الشعوب إلى تاريخها الماضي. وللأسف، فإن تاريخنا قد جرى تسييسه ولا يمكن التعامل مع الماضي بسهولة. فهنالك فريق يحاول نفي تاريخ ما قبل الإسلام أو اعتباره منتحلا بهدف التهجم عليه. ويريد فريق آخر العيش في القرن السادس قبل الميلاد في عهد قورش الكبير، بينما يريد البعض أن يحيي القرن السادس الميلادي في الجزيرة العربية. والموضوع هو التفاخر دون مبرر بالماضي وتضخيم أنفسنا من أجل التعويض عن النواقص وخيبات الأمل التي نواجهها اليوم. وأنا تعجبني التجربة الإيطالية في هذا المجال. فنحن نعيش في القرن الحادي والعشرين وعلينا التفكير في المستقبل، ولكن يجب أن نتعلم من التاريخ ونفتخر كذلك بعظمة حضارتنا لكن ضمن الحدود المعقولة وبكل تواضع.

* إعداد «الشرق الأوسط» بالفارسية (شرق بارسي).



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.