دریائي: تاریخنا في إیران مسیس.. ولا یمكننا التعامل مع الماضي بسهولة

كتابه الجديد يؤرخ للإمبراطورية الساسانية «بحثا عن الهوية»

تورج دريائي  -  غلاف الكتاب
تورج دريائي - غلاف الكتاب
TT

دریائي: تاریخنا في إیران مسیس.. ولا یمكننا التعامل مع الماضي بسهولة

تورج دريائي  -  غلاف الكتاب
تورج دريائي - غلاف الكتاب

ظهر جیل جدید من المؤرخین والباحثین في التاریخ یولون اهتماما خاصا بتاریخ إیران القدیم. وهم لا یتعصبون للتاریخ تعصبا أعمی، كما لا یبحثون في التاریخ عن مجاهله ومتاهاته. وقد سعی هؤلاء في السنوات الأخيرة لأن یطرحوا تحكیماتهم المسبقة جانبا قدر الإمكان من خلال الأخذ بالأسالیب الجدیدة والنظرة النقدیة، محاولين التعامل مع تاریخ إیران القدیم تعاملا علمیا ونقدیا. ویعد الدكتور تورج دریائي من بین هؤلاء الباحثین. وقد أصدر أخيرا كتابه «ناگفته هاي امپراتوري ساسانيان» (خفایا الإمبراطوریة الساسانیة)، وهو من أحدث الكتب التي نشرتها مؤسسة «بارسه» ضمن سلسلة «هزاره ‌هاي دنياي باستان» (ألفیات العالم القدیم)، وقد ترجمه من الإنجليزية آهنگ حقاني ومحمود فاضلی بیرجندي.
ولد الدكتور تورج دریائي عام 1967 في طهران، وأمضی الدراسة الثانویة في إیران وطهران. وفي عام 1999، تخرج في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس حاصلا علی شهادة الدكتوراه. وهو الآن أستاذ في التاریخ والحضارة الإیرانیة بجامعة كالیفورنیا بأرواین. وقد حاز كتابه «إيران الساسانیة» جائزة الجمعیة البریطانیة لدراسات الشرق الأوسط عام 2010. ومن كتبه: «سقوط الساسانیین، الغزاة الأجانب، المقاومة الداخلیة وتصویر نهایة العالم»، «التاریخ والثقافة الساسانیة»، «الإمبراطوریة الساسانیة»، و«مدن إیران شهر (بلاد إیران)». هنا، لقاء معه على هامش كتابه الأخير:

* كیف بدأ اهتمامكم بتاریخ إیران القدیم؟ وما ضرورة هذا الاهتمام؟
- درست في مقتبل عمري في الیونان وكان والداي قد اصطحباني قبل ذلك إلی آثار تخت جمشید. وقد كان الحدیث یدور دوما خلال فترة زیارة الأماكن التاریخیة في الیونان عن قدوم الإیرانیین. ومن القضایا الغامضة التي كنت أواجهها هي أننا ماذا كنا نفعل هناك. فالیونان تبعد عن إیران آلاف الكیلومترات، وهو ما أثار فضولي لاستكشاف السبب. وما زلت أتذكر بعد مرور ثلاث وثلاثین سنة المكان الذي قیل عنه إنه تل دفن تحته الإیرانیون والتل الآخر الذي یرقد تحته الیونانیون. وعلی أي حال، فإن الحرب أمر غیر محبب.
* لماذا علینا - من وجهة نظركم - أن ندرس تاریخ الأمم السابقة، وخاصة تاریخ إیران القدیم الذي تفصله عنا قرون طویلة، بل إن هنالك بعض الاختلافات بیننا وبینه من حیث العادات والتقالید والفكر؟
- أری أن أسسنا الفكریة قد جرى وضعها علی مر التاریخ، وأننا قد بلغنا هذه المرحلة الآن. وأهمیة دراسة ماضینا لیس مصدرها المفاخر والفتوح التي لا تتعدی كونها من باب السباقات الغبیة، بل هي طریق یحدد تاریخ تحولنا الفكري والثقافي. فهنالك فاتحون مثل الإسكندر المقدوني، أو نادر شاه الأفشاري وغیرهما تسببوا في الدمار ولم ینشئوا أیة حضارة أو دولة منیعة. وأنا أری أن من یعرف تاریخه ووطنه فإنه سوف لا یخسر نفسه بسهولة أمام الآخرین والثقافات الأخرى. أنا أبدأ دوما محاضراتي حول تاریخ العالم القدیم بهذه العبارات: «إن الشخص الذي یجهل ما حدث قبله (التاریخ) سوف یبقی طفلا علی الدوام». وما یریده «سیسرو» من هذه العبارة أن من لا یعرف ماضیه، فإنه سوف یتصرف كالأطفال. إن علینا أن نعلم من أین أتینا وكیف وصلنا إلی هنا.
* فلنتحدث الآن عن كتابكم «خفایا الإمبراطوریة الساسانیة». لماذا اخترتم هذا العنوان لدراستكم؟ وما الخفایا التي رأیتموها والتي لم یكشف عنها حتى الیوم؟
- كان من المقرر أن یكون العنوان الأصلي للكتاب «أسرار الأسرة الساسانیة»، ولكن كان یبدو أن هذا العنوان یعاني مشكلة. وقد كان اسم الكتاب في ضوء إحدى المقالات التي كنت قد كتبتها حول بدایة الدولة الساسانیة وأردشیر بابكان وهي موجودة في هذا الكتاب، الذي یضم مجموعة مقالات كنت قد كتبتها باللغة الإنجلیزیة، وأنا أشعر بالسرور لكونها في متناول ید الناطقین بالفارسیة.
* یحظی الساسانیون بأهمیة من نوع خاص من حیث قدمهم والفترة التي حكموا خلالها إيران. ومن جهة أخری، فإنكم لم تغفلوا دراسة الألواح الطینیة، الأختام، المسكوكات، بل وحتى النقوش، فضلا عن دراسة النصوص والكتب. تری ما خصوصیة الساسانیین المهمة من وجهة نظركم؟
- تبنى الساسانیون فكرة «إیران شهر» أو (بلاد إیران) التي نستخدمها الآن حتى بعد مضي ما یقرب من ألفي سنة، كما أنهم أشركوا معهم في هذه الفكرة أتباع الأديان المسیحیة والیهودیة والزرادشتیة والشعوب المختلفة.. لقد أبدع لنا الساسانيون ثقافة ما تزال قائمة.
واستنادا إلی ما جاء في مقدمة الشاهنامه لأبي المنصوري، فإن بلاد إيران تمتد من نهر جیحون وحتى نهر الفرات. وأنا أری أن هذه الحدود لیست مجرد حدود جغرافیة، بل هي ثقافیة. وبالطبع، فإن هذه الثقافة اتسعت فیما بعد حتى ما وراء النهر أیضا، ونحن الیوم ما نزال نشهد الأثر الثقافي لإیران رغم تلك النزعة القومیة الكاذبة في آسیا الوسطی. واللغة لیست علی قدر كبیر من الأهمیة هنا، بل إن الثقافة من شأنها أن تسبقها.
* أنتم معنیون في دراساتكم بأن تسلطوا الأضواء علی تاریخ إیران إلی جانب تاریخ الیونان والهند والصین والعرب. فإلى أي مدی یمكن لتاریخ إیران القدیم، وخاصة تاریخ إیران الساسانیة، أن یكون متمیزا بین التواریخ الأخرى التي ذكرتها؟
- علي أن أقول إن التاریخ الساساني مهم بدوره ولم یخضع للدراسة بالشكل المطلوب وما تزال الدراسات في أول الطریق. ولكن ومن أجل أن یعرف تاریخ الحضارة الساسانیة بشكل أفضل (وخاصة في الغرب)، فإن من الواجب أن ندرس ونقارن تاریخ هذه الحضارة إلی جانب الحضارات المجاورة لها. ومن الواجب في إیران أیضا أن نقوم بدراسات تتجاوز حدودنا الثقافیة كي تتسع رؤیتنا أكثر.
* كانت هنالك دول مختلفة، أو بعبارة أخری بلدان وثقافات مختلفة في عصر الساسانیین تربطها علاقات ثقافیة جادة مع إیران. ما الإشارة إلى تأثیرها وتأثرها في عصر الحضارة الساسانیة؟
- كانت تربط إیران في العصر الساساني علاقات ثقافیة مهمة مع الدولة البیزنطیة، أو روما الشرقیة ومع الهند والصین. وقد تركت كل من هذه الحضارات آثارا مهمة علی الحضارة الساسانیة في العلوم والفلسفة والفن. ونحن معنیون عادة بدراسة نفوذ إیران في الحضارات الأخرى أو تأكیده. ولكننا نتعرف أیضا في مقابل هذا النفوذ الثقافي الإیراني علی نفوذ الثقافتین الهیلینیة والیونانیة في فلسفة مزدیسنا والطب والفن.
ونحن نطالع أساليب جدیدة من الهند في النصوص البهلویة والفارسیة فیما بعد. ومن الصین تستوقفنا المعتقدات الأسطوریة ورموزهم وفنونهم التي تركت آثارا مهمة علینا، ولكن علینا أن نتذكر أن الحضارة الناشطة في حالة تعاط دائم مع الحضارات الأخرى. وإلا لما كانت ناشطة ومتحركة ولما كتب لها البقاء.
* ذكرتم في قسم من الكتاب أنوشیروان بصفته ملكا مثالیا. فما مثالیة هذا الملك من وجهة نظركم؟
- یعد أنوشیروان من أهم الحكام في تاریخ إیران. ولكن، لیس بسبب حروبه وانتصاراته، بل لأنه استطاع مع أبیه أن یغیر إیران. فلقد دبت الروح في إیران من جدید من النواحي الاقتصادیة والعلمیة والفلسفیة والإداریة. وقد استلهم أنوشيروان في الحقیقة أفكارا جدیدة من الحضارات الأخرى (باسم التقالید طبعا) من خلال تأكید التقالید والموروثات وأحدث تغییرات مهمة في إیران. وفي الحقیقة، فإن إیران أصبحت في القرن السادس المیلادي من أقوی وأهم حضارات العالم، إذ مارس كسری أنوشیروان إشرافه علی كل الشعوب والأدیان لأول مرة في العصر الساساني.
* لا في شك في أن الشاهنامه تعد وثیقة هویة الإیرانیین، وقد ذكرتم في هذا الكتاب الشاهنامه بوصفها وثیقة تاریخیة. إلی أي مدی حاولتم أن تنظروا إلی الشاهنامه بوصفها وثیقة، وأن تظهروا الفردوسی بصفته مؤرخا استطاع تقديم تقرير عن التاريخ القديم للإيرانيين، وخاصة تاريخ الساسانيين؟
- تمثل الشاهنامه نصا حماسيا، والهدف منه استعراض تاريخ الإيرانيين. وأنا أرى أن بإمكاننا أن نستخرج من الشاهنامه معلومات مهمة حول العادات والتقاليد والأفكار في إيران، ولكن لا يمكننا الاستناد إليها بصفتها نصا تاريخيا بحتا اللهم إلا فيما يتعلق بعهد قباد وكسرى أنوشيروان (حينما كتب خداينامه «كتاب الملوك»)، فإن بالإمكان الاستناد إلى الشاهنامه كنص تاريخي مهم والتعرف على رؤية الساسانيين.
* كيف تنظرون إلى دراسة التاريخ القديم في عالمنا المعاصر.. وما المستقبل الذي تتصورونه لمثل دراسات كهذه؟
- لقد أصاب الفتور دراسة التاريخ القديم في المجتمع المعاصر، وخاصة في أمیركا. وسبب ذلك واضح. فأمیركا تمثل مجتمعا شابا ينظر إلى المستقبل. وبالطبع، فإن هذا الموضوع سوف يسبب لهم بعض المشاكل على المدى البعيد.
وأما في بلدان مثل إيران واليونان ومصر، فإن قضية الهوية تقود الشعوب إلى تاريخها الماضي. وللأسف، فإن تاريخنا قد جرى تسييسه ولا يمكن التعامل مع الماضي بسهولة. فهنالك فريق يحاول نفي تاريخ ما قبل الإسلام أو اعتباره منتحلا بهدف التهجم عليه. ويريد فريق آخر العيش في القرن السادس قبل الميلاد في عهد قورش الكبير، بينما يريد البعض أن يحيي القرن السادس الميلادي في الجزيرة العربية. والموضوع هو التفاخر دون مبرر بالماضي وتضخيم أنفسنا من أجل التعويض عن النواقص وخيبات الأمل التي نواجهها اليوم. وأنا تعجبني التجربة الإيطالية في هذا المجال. فنحن نعيش في القرن الحادي والعشرين وعلينا التفكير في المستقبل، ولكن يجب أن نتعلم من التاريخ ونفتخر كذلك بعظمة حضارتنا لكن ضمن الحدود المعقولة وبكل تواضع.

* إعداد «الشرق الأوسط» بالفارسية (شرق بارسي).



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.