معرض «لوغران باليه» يردي قصة «ميس ديور»

15 فنانة من كل أنحاء العالم يفصلن جينات العطر و يترجمنها في اعمال فنية

«ميس ديور» العطر الأصلي الذي طرحه كريسيتان ديور في عام 1947
«ميس ديور» العطر الأصلي الذي طرحه كريسيتان ديور في عام 1947
TT

معرض «لوغران باليه» يردي قصة «ميس ديور»

«ميس ديور» العطر الأصلي الذي طرحه كريسيتان ديور في عام 1947
«ميس ديور» العطر الأصلي الذي طرحه كريسيتان ديور في عام 1947

ظاهرة دخول العطور الأيقونية للمعارض، بدأت منذ بضع سنوات، وأكدت منذ البداية أنها لا تتغنى بالضرورة بخلاصات العطر ومكوناته بقدر ما تكون عن شخصيته، وما يرافقها من إيحاءات سيكولوجية أو اجتماعية أو فنية. وهذا تحديدا ما تستشعره بمجرد أن تطأ أقدامك «لوغران باليه» هذه الأيام. فأول من أمس، يوم الثلاثاء الماضي، افتتح في «لوغران باليه» بباريس، معرض يحمل عنوان «روح ديور، ميس ديور» (Esprit Dior، Miss Dior). المعرض، كما يدل العنوان، مخصص لعطر الدار الأيقوني «ميس ديور»، وهو أول عطر تطلقه في الأربعينات من القرن الماضي، ولا يزال يتجدد في كل موسم محققا نفس النجاح والتأثير، لكنه معزز بأعمال فنية معاصرة وقطع أرشيفية مهمة، كما تستشعر فيه تأثير المؤسس كريستيان ديور، من خلال عشقه الورود والفن والهندسة كما من خلال تصاميمه التي قلبت موازين الموضة وحققت ثورة في منتصف القرن الماضي. وسرعان ما تتأكد أن العطر لا يستمد أسطورته من خلاصاته التي كانت جديدة وثورية في ذلك الحين فحسب، بل من كونه واكب أول تشكيلة أطلقها السيد ديور على الإطلاق ولا يزال يحقق المبيعات إلى اليوم.
تروي القصة أن المصمم كريستيان ديور، وقبل أن يكشف عن أول تشكيلة أزياء له في 12 من شهر فبراير (شباط) عام 1947، عطر قاعة العرض في 30 أفينو مونتين، بعطر جديد أطلق عليه اسم «ميس ديور». كان لا بد للمصمم أن تكتمل متعة الحاضرات بأن يدغدغ كل حواسهن، معتبرا أنه من دون رائحة عطرة لا يكتمل العرض. في ذلك اليوم، حقق المصمم الراحل ثورته، التي أطلقت عليها كارميل سنو، محررة مجلة «هاربرز بازار»، «ذي نيو لوك» وهي التسمية التي لا تزال تعرف بها لحد الآن. «لوك» أعاد للمرأة أنوثة افتقدتها طوال فترة الحرب العالمية الثانية، إذ بعد سنوات من التقشف والأقمشة الخشنة، استعمل ديور أقمشة مترفة وبأمتار سخية في تنورات مستديرة فخمة بألوان تفتح النفس مستقاة من الورود والطبيعة، وجاكيتات حدد فيها الخصر بشكل كبير ليبرز نحوله ومن ثم جماليات الجسم ككل. في ذلك اليوم، أحبت المرأة كريستيان ديور ليحفر اسمه بين الكبار. في ذلك اليوم أيضا، ولدت أسطورة «ميس ديور».
معرضه، الذي سيمتد إلى يوم 25 من الشهر الحالي في «لوغران باليه»، تهدف منه الدار تأكيد أنه عطر لكل عصر، وأنه لا يزال يتغنى بالأنوثة التي احترمها السيد ديور وتغنى بها طوال حياته إلى جانب عشقه الفن. عشق ولدت منه صداقات كثيرة مع فنانين من عصره وتعاونات وتأثيرات تجلت في بعض الإبداعات المعروضة، مثل فستان «كونشيرتو» الأحمر الذي صممه في العام الذي وافته فيه المنية فجأة، أي في عام 1957، والتايور المكون من جاكيت «البار» الذي ظهر في أول تشكيلة له في عام 1947، ولا يغيب من أي تشكيلة إلى حد الآن، إضافة إلى فساتين لمصمم الدار الحالي، راف سيمونز، الذي كانت مهمته الأساسية حقن الدار بجرعة شبابية عصرية مع الحفاظ على إرث المؤسس وروحه.
عند دخول قاعة «كورب» بـ«لوغران باليه»، أول ما يقابلك صورة السيد كريستيان ديور كأنه يرحب بك، بعدها تبدأ رحلتك لاستكشاف عالم «ديور» بالأبيض والرمادي، ألوانه المفضلة. بعد ذلك، تطالعك صورة ناتالي بورتمان بفستان من التول الخفيف مع عطر «ميس ديور» الذي جرى استنساخه في صورته الأصلية كما ظهرت في 30 أفينو مونتين، المقر الرئيس للدار. ركن آخر خصص للتأثيرات الفنية التي تأثر بها السيد ديور، علما بأنه كان يمتلك قاعتي عرض فنيتين في باريس قبل أن يصبح مصمما. هنا، يمكن رؤية لوحات لفنانين تعامل معهم في حياته وكانوا مقربين منه؛ أمثال: برنار بوفيه، جون ميرو، سلفادور دالي، مان راي وجياكوميتي. هنا أيضا، يمكن رؤية صور فوتوغرافية تسجل لعلاقة المصمم بالحركات الفنية المعاصرة في وقته، وكيف كانت نظرته سابقة لأوانها وجريئة من حيث تذوقه الفن. على طول الحائط الذي يمتد على 600 متر مربع، تستشعر روحه واضحة في كل صورة فوتوغرافية أو مخطوطة أو لوحة أو قنينة، بدءا من سخائه الإبداعي، إلى منزله بغرانفيل بواجهته الوردية وحديقته الغناء، من دون أن ننسى منطقة غراس جنوب فرنسا، التي ولد فيه عطره «ميس ديور». مؤثرات كثيرة تحولت إلى رموز تلعب عليها الدار في كل موسم لتتحفنا بالجديد، سواء تعلق الأمر بالأزياء أو الإكسسوارات والمجوهرات.
فقد اعترف ديور في إحدى المقابلات بأن حديقة بيت العائلة في غرانفيل كانت طوق أمان له في طفولته. فقد كان يعشق مساعدة والدته في زراعة الورود، ويتأمل شاعرية الطبيعة وهي تنمو وتتفتح حسب الفصول أمام عينيه، وهو ما ترجمه فيما بعد من خلال فساتين حالمة تتفتح كأنها ورود من قماش، بأكتافها الناعمة، وخصورها المحددة وتنوراتها المستديرة.
ومع ذلك، تبقى علاقته بالفن والفنانين جانبا مهما من حياته لا يمكن إغفاله، وهو ما يركز عليه المعرض. فمما يذكر أنه في صباه كان يحلم بأن يصبح مهندسا، لكن رغبته ووجهت بالرفض من قبل العائلة. والده كان يريده أن يدرس الاقتصاد ووالدته كانت تحلم بأن يصبح دبلوماسيا، ففي الثلاثينات من القرن الماضي، كان العمل في الهندسة بالنسبة لأسرة بورجوازية غير مقبول. لهذا، دفن حلمه هذا، لكنه عندما بلغ الـ23 من عمره افتتح قاعتين فنيتين ليشبع حسه الفني وحبه الفن المعاصر. وبالفعل، كان له الفضل في مساعدة بعض الفنانين الشباب بعرض أعمالهم بمن فيهم دالي وكلي وغيرهما. وعندما أسس دار «ديور» للأزياء، بقى تعلقه بكل أنواع الفنون حاضرا في أشكال الفساتين وتصاميمها الهندسية، كما في الألوان المستوحاة من لوحات بيكاسو أو ماتيس وغيرهما، مما رسخ اسمه كواحد من أهم مصممي القرن العشرين.
من هذا العشق للفن، وأيضا احترامه للمرأة، جرى تجنيد 15 فنانة من كل الجنسيات لهذا المعرض، وطلب من كل واحدة منهن أن تترجم عطر «ميس ديور» بأسلوبها الخاص. لم تكن هناك أي خطوط حمراء، المهم استعماله كمادة محورية، بكل ما يتمتع به من تفاصيل، سواء كانت مكوناته أو شكل قنينته أو عنق الزجاجة المربوطة بوردة، أو الممثلة ناتالي بورتمان، الوجه الممثل للعطر حاليا. وكانت النتيجة متنوعة وغنية تؤكد أن العطر ليس مجرد رائحة مكونة من خلاصات الأزهار والأخشاب والتوابل، بل لها جوانب أخرى كثيرة يراها كل واحد منا بمنظوره الخاص.
الفنانة الصينية، ليانغ يونواي، مثلا، أبدعت لوحة تمثل حديقة من الورود استقتها من فستان «ميس ديور» الذي أبدعه المصمم في عام 1949 وطرزه بآلاف البتلات الصغيرة. والفنانة الإيطالية كارلا ماتي، استلهمت من الوردة، كما رسمها الفنان ريينه غريو أول مرة، لتقدم حوضا من الأزهار باللون الأبيض مستعملة مواد حديثة وتقنيات ثلاثية الأبعاد.
أما الفنانة الأميركية، بولي أبفلبوم، فاستعملت الموتيفات ذات الخطوط المتقاطعة التي زينت قنينة العطر لخلق سجادة ضخمة، بينما ترجمت البرتغالية جوانا فاسكوسيليس، الفيونكة المعقودة حول عنق القنينة من خلال خلق فيونكة مماثلة ضخمة، استخدمت فيها نحو مائة قنينة من عطر «جا دور» تقول: «جادور ميس ديور»؛ أي: «اعشق ميس ديور». والطريف، أنه إلى جانب هذا العمل، يعرض فستان «كونشيرتو» الأحمر الشهير بصدره الملفوف أيضا بما يشبه الفيونكة من الأمام. بدورها، اختارت النحاتة البرازيلية ماريا نيبوموتشينو قنينة العطر لتكون نقطة الانطلاق لتبتكر نسخة مماثلة لكن من السيراميك بألوان زاهية وأطراف تترامى لتشمل مزيجا من الخرز والكروشيه والبلاستيك.
من جهتها، اختارت المصورة والمخرجة الإيرانية، شيرين نيشات، تصوير الممثلة ناتالي بورتمان بالأبيض والأسود على شاطئ مهجور، لتجسيد القوة البطولية بداخل الإنسان والتي تتغلب دائما على قوى الشر والظلام. أما المصورة الفوتوغرافية البريطانية، هانا ستاركي، فرغم أنها اختارت التركيز على الفيونكة أو الوردة التي صممها الفنان رينيه غريو، فإنها أيضا ركزت على كاثرين ديور، الأخت الأصغر للمصمم، التي كانت تتميز بشخصية قوية، والتحقت بالمقاومة الفرنسية خلال الحرب العالمية وتعرضت للتعذيب من خلال صورة معبرة. بالنسبة للمصورة والمخرجة اللبنانية المصرية، لارا بلدي، فاستلهمت عملها من مقولة لكريستيان ديور جاء فيها: «ميس ديور ولدت. ولدت في منطقة البروفانس محاطة باليراعات، في تلك الليلة غطت أغنية الياسمين الأخضر على لحن الليل والأرض». ترجمتها جاءت عبارة عن فيلم مثير يتابع فيه المشاهد يراعات ملونة تتراقص في ليلة مقمرة إلى جانب صور شخصيات شاعرية صغيرة جدا تظهر بين الفينة والأخرى لتشارك في الرقص.
أعمال أخرى لا تقل ابتكارا وإبداعا يصعب حصرها، كلها معروضة لفترة قصيرة، كل واحدة منها تفوح بنكهة خاصة، لكن القاسم المشترك بينها دائما هو ذلك الخيط الذي يربطها بروح المؤسس، وتلك القوة الفنية التي كان يتمتع بها وورثها لكل من خلفه في الدار من مصممين.



عثمان ديمبيلي... بين ملاعب الكرة ومزارع الورد

عثمان في مزارع الورود بعيداً عن ملاعب كرة القدم (هنري جاك)
عثمان في مزارع الورود بعيداً عن ملاعب كرة القدم (هنري جاك)
TT

عثمان ديمبيلي... بين ملاعب الكرة ومزارع الورد

عثمان في مزارع الورود بعيداً عن ملاعب كرة القدم (هنري جاك)
عثمان في مزارع الورود بعيداً عن ملاعب كرة القدم (هنري جاك)

مع اقتراب بطولة كأس العالم، وبينما تتجه أنظار عشاق كرة القدم إلى المستطيل الأخضر، تدور منافسة أخرى خارج الملاعب بين دور الرفاهية العالية للفوز بأسماء قادرة على تمثيل إرثها وتعزيز صورتها أمام الجمهور الكروي. والمنافسة هنا على نجوم كرة القدم لم تعد تقتصر على الأندية والرعاة الرياضيين، بل امتدت إلى دور الأزياء والساعات والعطور الفاخرة.

عدد من اللاعبين وقّعوا عقوداً للظهور في حملات إعلانية أو للعمل سفراء لعلامات عالمية، ويأتي عثمان ديمبيلي، نجم سان جيرمان الفرنسي، في مقدمة هؤلاء. فقد أصبح وجهاً لعدد من العلامات الفاخرة، من بينها دار «زينيا» للأزياء، وانضم أخيراً إلى دار العطور الفرنسية «هنري جاك» المتخصصة في صناعة العطور حسب الطلب.

أظهرت الحملة أن المهارات البدنية والمشاعر المرهفة لا تتعارضان مع بعضهما (هنري جاك)

في الحملة التي أطلقتها الدار، يظهر ديمبيلي في صور ذات طابع سينمائي التُقطت له وسط مزارع الورود مستمتعاً بأجوائها والروائح المنبعثة منها. كان فيها هو البطل إلى جانب المناظر الطبيعية المحيطة به. فليس هناك أي قارورة عطر ترويجية واحدة كما هي الحال في هذه الحملات. ربما يكون السبب أن «هنري جاك» متخصصة في ابتكار عطورها حسب الطلب وليس من استراتيجية تجارية واسعة.

وهذا ما يجعل الشراكة للوهلة الأولى بين رياضة شعبية ودار متخصصة في صناعة العطور الراقية للنخبة بعيدة عن المنطق، غير أن «هنري جاك» ترى نقاط التقاء واضحة بين المجالين، أبرزها السعي إلى التميز والقدرة على تجاوز التوقعات، والتمسك بالاختيارات الشخصية. يشير البيان الصادر عنها بهذا الشأن «أن ما لا يعرفه كثيرون عن عثمان هو حساسيته المرهفة، ونضجه داخل الملعب وخارجه. فهو بطبعه متحفّظ، لكنه أيضاً ذو شخصية قيادية اكتسبها من المثابرة والانضباط وروح الفريق».

يبدو اللاعب منسجماً مع الطبيعة في الحملة (هنري جاك)

كما كشفت الدار في بيان صحافي أن هذه العلاقة التي تربط بينهما حالياً، لها ما يُبرّرها، وأن اهتمامه بالعطور ليس وليد هذه الشراكة، بل يعود إلى سنوات طويلة، إذ يُعرف بين المقربين منه بشغفه بالاقتناء، وتقديره للأشياء المصنوعة يدوياً بعناية ودقة، وهو ما ترى فيه انسجاماً طبيعياً مع فلسفتها القائمة على الحرفية والإتقان. وتتابع الدار أن اهتمامه بالعطور يشمل كل جوانب حياته، بما في ذلك «غرفة الملابس في الملاعب، حيث يثير فضول زملائه بعطور يحملها معه باستمرار، كما نادراً ما يسافر من دون مجموعة من القوارير الصغيرة، أو حقيبته العطرية الخاصة» .

يمثل عثمان ديمبيلي فن العيش بكل تجلياته (هنري جاك)

ديمبيلي بالنسبة للدار الفرنسية يُجسد مفهوم فنّ العيش الذي تتبناه منذ تأسيسها في عام 1975. فالعطر في نظرها ليس مجرد منتج فاخر، بل هو جزء من أسلوب حياة يرافق الإنسان في لحظاته اليومية ويعكس خياراته الشخصية. ومن هذه الزاوية، لا يبدو الانتقال من ملاعب كرة القدم إلى مزارع الورد أقل غرابة مما قد يبدو للوهلة الأولى. وإذا كان ديمبيلي يحيط عالمه الخاص بكثير من الخصوصية، فإن الدار تكشف عن اسم العطر الأقرب إليه: «كيك كلاك» Clic-Clac.


الأبيض... اللون الذي يُجمِّل ولا يُجامل

العارضة كايا غيربر وإطلالة أقرب إلى فساتين الزفاف من جيفنشي (أ.ف.ب)
العارضة كايا غيربر وإطلالة أقرب إلى فساتين الزفاف من جيفنشي (أ.ف.ب)
TT

الأبيض... اللون الذي يُجمِّل ولا يُجامل

العارضة كايا غيربر وإطلالة أقرب إلى فساتين الزفاف من جيفنشي (أ.ف.ب)
العارضة كايا غيربر وإطلالة أقرب إلى فساتين الزفاف من جيفنشي (أ.ف.ب)

عندما يُذكر اللون الأبيض، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن صفاؤه وانتعاشه وخفته في فصل الصيف، من دون أن ننسى الأفراح. لكن ما تعرفه كل امرأة جرّبته، أن خفّته لا تعني الاستخفاف به وبساطته الظاهرة تُخفي وراءها تعقيدات لا بد من الانتباه إليها. فهو من أكثر الألوان صراحة وابتعاداً عن المجاملة إن لم يتم التعامل معه بحذر.

العارضة ناعومي كامبل وإطلالة ناصعة البياض (أ.ب)

فهو لا يفضح مدى جودة القماش، ودقة الخياطة فحسب بل يختبر توازن القَصَّة، وبالنتيجة لا يتساهل في أي من هذه الأمور عندما يتعلَّق الأمر بالتمويه عن تضاريس الجسم. وما علينا سوى أن نتذكر فستان زفاف ميغان ماركل، دوقة ساسيكس وما أثاره فستانها من انتقادات رغم أنه كان مفصلاً على مقاسها. فهو في كل الأحوال، يبقى صادقاً لا يجامل، لكن هذا لا يعني أنه لم يتغيَر. فقد تخفَّف كثيراً من صرامته بعد خضوعه لتقنيات متطورة من ناحية الأقمشة والقصَّات. وهذا ما يجعله في الصدارة كواحد من الألوان التي لا تستغني عنها الأنيقات.

ظهر أيضاً في عرض «ديور» لربيع وصيف 2026 (ديور)

المنافسة بين نقيضين

تسلّله الواضح في عروض الأزياء الأخيرة وتكرره في مناسبات السجاد الأحمر يطرح السؤال ما إذا كان الأسود يواجه منافساً أقوى منه، وهو الذي إئتمنته المرأة لعقود طويلة على أناقتها باعتباره رحيما بها؟. ربما يكون السؤال مبالغاً فيه، لكنه وجيه. فالمشهد على أرض الواقع يوحي بأن قواعد اللعبة تغيَرت.

العارضة آشلي غراهام أيضاً اعتمدته في حفل توزيع الموضة الأميركية (أ.ب)

مشهد الموضة يقول إن الأسود لم يغب تماماً، إلا أنه يواجه منافسة شرسة من نقيضه: الأبيض. فهو الآن ليس مجرد لون يقتصر على فساتين الزفاف وعلى العروس. فإلى جانب أن درجة «السحابي» هي لون العام، فإنه بكل درجاته، خرج من إطاره الضيق وتمدد بهدوء ليشمل كل المناسبات، بل والمدعوات أيضاً، وهو ما تؤكده إطلالات النجمات في حفلات «غولدن غلوب» وتوزيع جوائر الأوسكار وافتتاحات الأفلام.

العارضة كايا غيربر وإطلالة أقرب إلى فساتين الزفاف من جيفنشي (أ.ف.ب)

فبعد أن كُنَ يتجنَبنه إما خوفاً من «صراحته» أو من إيحاءاته المرتبطة بفساتين العرائس، وصلت جُرأتهن إلى اختياره حتى بقماش الدانتيل المرتبط ارتباطاً وثيقاً بفساتين الزفاف، كما تُظهر إطلالة للعارضة الشابة كايا غيربر، بفستان أبيض تصميم سارة بيرتون مصممة دار «جيفنشي» لدى حضورها حفل متحف الأكاديمية السنوي الخامس في العام الماضي.

فستان يليق بعروس، لكن الموضة المعاصرة أذابت الفوارق وجعلته مقبولاً لكل المناسبات والفصول والمواسم.

اقترحته المصممة إليزابيثا فرانجي منسدلاً بخطوط بسيطة (إليزابيثا فرانجي)

إضافة إلى هذا، فإن فساتين الزفاف أصبحت أكثر بساطة، بعد أن تخلّصت نسبة عالية من العرائس من حُلم العروس الأميرة. تجسّدت هذه البساطة في الابتعاد عن الكشاكش والتنورات الفخمة والزخرفات السخية التي كانت تحصر الفستان في ليلة واحدة. أما اليوم، فالعروس ترغب في فستان يمكنها ارتداؤه في مناسبات أخرى.

الممثلة كايت هادسون في إحدى المناسبات المهمة (أ.ف.ب)

كان من الطبيعي أن ينعكس هذا التحول في الذائقة العامة على طريقة تعامل المصممين مع الأبيض، رغم إدراكهم أنه صعب من الناحية التقنية مقارنة بالأسود، وأن أي خطأ في التصميم، أو في نوعية القماش أو الحياكة، يُمكن أن يُبرز التصميم بشكل لا يرحم. فحتى عهد قريب، كانوا يستخدمونه في النماذج الأولية، لمساعدتهم على كشف أي خطأ أو عيب بوضوح. الآن، وبعد أن فهموه، عملوا على تفكيكه من تفاصيله السخية، التي كانت تضاف إليه لإخراجه من حياده مما أكسبه مرونة وحداثة.

الممثلة باميلا أندرسون على السجاد الأحمر بإطلالة عصرية (إ.ب.أ)

بين الماضي والحاضر

البحث في تاريخه وتطوره في عالم الموضة يكشف لنا أنه كان ولا يزال يحمل دلالات متعددة ومثيرة تتراوح بين النقاء والسلطة والنعومة والتمرد والأفراح وأحياناً الحداد. له في كل سياق قصَة وقِصَة.

أما قصته مع الموضة، فتبدأ في صيف 1938، عندما كان حلّاً موفقاً لمأزق ديبلوماسي. فقبل أيام من زيارة رسمية للملك جورج السادس والملكة إليزابيث إلى باريس، توفيت والدة إليزابيث ما دعى لتأجيل الزيارة لمدة ثلاثة أسابيع. استغل نورمان هارتنيل، مصممة أزياء الملكة، هذا الوقت ليعيد التفكير بينما يتناسب مع الوضع. لم يكن اللون الأسود خياراً عملياً لصيف باريس ولا لكسب ود الحكومة والشعب الفرنسيين.

أميرة موناكو تشارلين في زي أنيق (أ.ب)

وجد الحل في الأبيض على أساس أن الملكات الفرنسيات، وحتى القرن السابع عشر، كن يرتدينه في الحداد. وبالفعل في أواخر يوليو (تموز)، غادرت الملكة قصر باكنهام وهي ترتدي الأسود، لكنها قبل النزول من القطار الملكي استبدلت به الأبيض. راقت الصورة للشعب الفرنسي ووصل الإعجاب بالمصمم هارتنيل إلى تعيينه ضابطاً في الأكاديمية الفرنسية.

من القصور إلى منصات الأزياء

الممثلة دافني زونيغ وإطلالة متألقة (أ.ف.ب)

من اقتراحات «ديور» لربيع وصيف 2026 (ديور)

فما نجح فيه هارتنيل أنه أخرج الأبيض من حياديته ووضعه في الصدارة.

وتدريجياً، بدأ حضوره يتسلل إلى مجموعات المصممين الفرنسيين الكبار بدرجاته المختلفة. في البداية بحذر وبجرعات خفيفة، ثم بثقة زادت في بداية الألفية. ففي هذه الحقبة كشف للنجمات على ميزة كنَ في أمس الحاجة إليها، أنه تحت أضواء الكاميرات، يعكس الضوء. الأسود في المقابل، لا ينتقص من أناقتهن. فقط يمنح الإطلالة عُمقاً من نوع آخر لأنه يمتصُ الضوء.

كما قدَّمته دار «جيورجيو أرماني» في خط «بريفيه» (جيورجيو أرماني)

ورغم أن الأبيض من الألوان التي تعكس الضوء وتُضفي على البشرة إشراقاً وألقاً، فإنه يحتاج إلى مهارة في التنسيق، للاستفادة من هالته وجاذبيته، سواء كان عبارة عن قطعة بسيطة من القطن أو الكتان أو فستان سهرة الحرير أو الموسلين أو الدانتيل. لا يهم إن كانت للنهار أو المساء، فكل تفصيلة فيه لا تقبل المساومة.

فستان بسيط يناسب النهار والمساء (كارولينا هيريرا)

يكفي أن يأتي على شكل أي قطعة لكي يرتقي بالإطلالة ككل. قميص أبيض بسيط من القطن مثلاً يمكن أن يجعل بنطلون جينز عملي وعادي في غاية الأناقة، كما يمكن أن يُحوِل تنورة من الحرير أو التول أو الجلد إلى خيار مسائي مفعم بالرومانسية. فهو لا يصل إلى هذه المرحلة من الجمال من دون خامة جيدة وطريقة تنسيق ذكية. فهو لا يمنح أناقته مجاناً. بالعكس، بقدر ما تعطيه من اهتمام وعناية يمنحك من أناقة وحضور.


قَصّة «البوب» بين أسلوبين: فرنسي وياباني

ناعومي واتس ونسخة ناعمة من القَصَّة (رويترز)
ناعومي واتس ونسخة ناعمة من القَصَّة (رويترز)
TT

قَصّة «البوب» بين أسلوبين: فرنسي وياباني

ناعومي واتس ونسخة ناعمة من القَصَّة (رويترز)
ناعومي واتس ونسخة ناعمة من القَصَّة (رويترز)

بين الحين والآخر، تتصدّر تسريحات شعر بعينها مشهد الموضة. تتحوّل من مجرد اختيارات فردية إلى صيحات عالمية تُشعل فتيلها دور الأزياء والمشاهير ومنصات التواصل الاجتماعي؛ مثل «إنستغرام» و«تيك توك».

وفي هذا السياق، تبرز حالياً قَصَّة «البوب اليابانية». قَصَّة تعتمد على تقنيات قصّ دقيقة وهندسية، بطول يتراوح غالباً بين خط الفك وعظمة الترقوة، مع طبقات خفيفة أو شبه معدومة. وعلى خلاف أنماط «البوب» الغربية، والفرنسية تحديداً، التي ربّما تكون أكثر مرونة وعفوية، يقوم هذا الأسلوب على الخطوط الحادة والتناسق الصارم.

ظهرت هذه القَصَّة أول مرة في طوكيو ثم انتشرت في العالم (بيربري)

وانطلقت هذه الصيحة من قلب طوكيو، حيث تتقاطع الموضة مع ثقافة الشباب المتأثرين بأسلوب فناني جي_بوب J-pop الذين رسخوها بأسلوب يجمع بين البساطة والهوية. وسرعان ما تحوّلت من مجرد صيحة عابرة إلى تسريحة وجدت هوى لدى كثير من الشابات، ما جعلها تنتشر عالمياً. ووفق ما تشير إليه بيانات بحث حديثة، فإنها تُسجِّل عمليات بحث عنها وعن مواصفاتها بـ«اهتمام متصاعد»، وفق قول دانييل لويس، وهي مصففة شعر.

إيما لايرد وقَصَّة «بوب» أنيقة (لوي فويتون)

وتقول إن «هذا الإقبال يعكس تحولاً في الذوق العام، يبتعد عن التسريحات العفوية والمعقدة نحو قصات أكثر دقة وصقلاً». وتضيف: «هذه ليست قصة تعتمد على الحجم أو التمويج لإخفاء التفاصيل. كل جزء فيها محسوب بدقة، لهذا تبدو مصقولة بشكل واضح». يوافقها الرأي مصففو شعر وخبراء آخرون على أساس أن انتشار «البوب» الياباني تحديداً، يأتي في وقت تميل فيه صناعة الجمال إلى أساليب أقل تعقيداً وأكثر ثباتاً تنسجم مع إيقاع الحياة السريع.

الانتشار السريع

تجاوزها الحدود اليابانية إلى العالم كان مسألة وقت فقط، حسب الخبراء، لا سيما أن بساطتها المصقولة وروحها الشبابية لمستا وتراً حساساً لدى كثير من الفتيات.

جيسيكا تشاستين واحدة ممن تبنوا هذه القَصَّة مؤخراً (أ.ف.ب)

ووفق رأيهم، هي تطور طبيعي لقَصَّة «البوب» التقليدية التي ظهرت بها نجمات عديدات؛ مثل جيسيكا تشاستين التي ظهرت بها مؤخراً بطول قصير مُستمد من الطابع الكلاسيكي الدقيق لهذا الأسلوب، وريهانا التي ظهرت بها أطول غير متماثلة، بينما اعتمدتها ناعومي واتس بأسلوب ناعم ومحدد عند خط الفك، كذلك كيرا نايتلي التي ارتبطت منذ سنوات بنسخ متعددة من هذه القَصَّة.

وتقول لويس: «إنها من القصات التي تحتفظ بشكلها من دون جهد يومي، على شرط قصها بانتظام كل 6 أو 8 أسابيع لتحافظ على توازنها».

الممثلة هبة بناني وقَصَّة «بوب» على الطريقة الفرنسية (أ.ف.ب)

لكن لا بد من الإشارة إلى أن نُسختها اليابانية تحديداً، تناسب بشكل خاص الشعر الناعم إلى المموج بشكل خفيف. وهذا يعني أنها أقل انسجاماً مع الشعر الأجعد أو الشديد التموج؛ إذ يتطلب هذا النوع من الشعر درجات أعلى من العناية والتصفيف اليومي للحصول على النتيجة نفسها، وهو ما يتعارض مع فكرة البساطة والعملية التي تقوم عليها هذه القَصَّة في الأساس.