إدوار فيليب... قطعة الشطرنج الأبرز في لعبة ماكرون

رئيس وزراء فرنسا الجديد نسخة قريبة من صفات «سيد الإليزيه»

إدوار فيليب... قطعة الشطرنج الأبرز  في لعبة ماكرون
TT

إدوار فيليب... قطعة الشطرنج الأبرز في لعبة ماكرون

إدوار فيليب... قطعة الشطرنج الأبرز  في لعبة ماكرون

لم تكن تسمية إدوار فيليب، رئيس بلدية مدينة لو هافر الفرنسية، الواقعة في منطقة النورماندي والمطلة على بحر المانش، رئيسا للحكومة الأولى في عهد رئيس الجمهورية الفرنسي الجديد إيمانويل ماكرون مفاجأة. فهذا السياسي (47 سنة) الذي تخلى عن مقعده النيابي ليكرّس نفسه لخدمة مدينته التي تعد أول مرفأ للحاويات في فرنسا والثاني - بعد مرفأ مرسيليا - للحركة البحرية العامة، كان الرجل المناسب في المكان المناسب. ذلك أن ماكرون كان يبحث عن رئيس حكومة جديد وشاب لم تطحنه السياسة وتستهلكه الفضائح. وكان يريد خصوصاً رجلا من اليمين بحيث يكون بمثابة الرمز أو الترجمة لفلسفته السياسية ولحركته «إلى الأمام» التي أرادها تخطيا لليمين واليسار معا. والمعروف أن ماكرون بدأ حياته السياسية منتميا إلى الحزب الاشتراكي وكان مستشاراً اقتصاديا للرئيس فرنسوا هولاند ثم أمينا عاما مساعدا للقصر الرئاسي قبل أن يعنيه الرئيس الاشتراكي وزيرا للاقتصاد في حكومة مانويل فالس الاشتراكية. وبكلام آخر، لم يكن ماكرون في حاجة إلى شهادة «حسن سلوك» من اليسار؛ لأنه ترعرع في أحضانه. لكنه كان، في المقابل، في حاجة إلى شهادة من اليمين. واقتناص إدوار فيليب من حزب الجمهوريين اليميني يعد صيداً ثميناً بسبب شخصية هذا السياسي من جهة، وخصوصا بسبب التداعيات التي أحدثتها تسميته وتسمية وزيرين يمينيين آخرين - وزير الاقتصاد برونو لومير، ووزير المال جيرار دارمران - داخل اليمين، واحتمال تشققه عقب الانتخابات البرلمانية يومي 11 و18 يونيو (حزيران) المقبل.
كتب الكثير عن إدوار فيليب، لا، بل خُصص له فيلم وثائقي تحت عنوان: «إدوار، صديقي اليميني». فالرجل الذي لم يسبق له أن شغل منصبا وزاريا في الماضي، دخل السياسة باكرا من باب الحزب الاشتراكي عندما كان طالباً، فتقرّب من التيار الإصلاحي الذي كان يمثله يومذاك رئيس الحكومة الأسبق ميشال روكار. إلا أنه ابتعد شيئا فشيئاً عن الاشتراكيين واقترب من اليمين المعتدل، وأصبح من أشد مناصري رئيس الوزراء الأسبق آلان جوبيه.
والحقيقة، أن بين ماكرون وفيليب عدة نقاطا مشتركة: فكلاهما من منطقة النورماندي، الأول من مدينة أميان، والثاني من مدينة روان. وكلاهما سلك المسار الأكاديمي نفسه: معهد العلوم السياسية (سيانس بو) في باريس ثم المعهد الوطني العالي للإدارة (إينا) الذي يخرّج النخبة الإدارية والسياسية الفرنسية. وبين الرجلين «قرابة فكرية»؛ إذ يقول الثاني عن الأول إنه «يفكر مثله بنسبة 90 في المائة». وكلاهما يحب الرياضة نفسها: الملاكمة. فماكرون مارسها لفترة ثم توقف عنها... بينما كان فيليب يتدرّب، حتى تسميته رئيسا للحكومة، ثلاث مرات في الأسبوع.
يقوم التقليد في فرنسا على أن كل المتخرجين من «إينا» يدخلون بداية إلى الوظيفة الحكومية قبل أن يتوزّعوا بينها وبين القطاع الخاص. وهذا ما فعله ماكرون وما فعله كذلك فيليب. الأول، ذهب إلى بنك روتشيلد الشهير، حيث ربح الكثير من المال قبل أن يستدعيه هولاند ليعمل إلى جانبه. والثاني، استهوته مهنة المحاماة فانضم إلى مكتب جماعي يحمل اسم «دوبوفواز ــ بليمبتون إل إل بي». لكن السياسة كانت له بالمرصاد فولجها من الباب المحلي، أي في مدينته لوهافر ملتحقاً بفريق رئيس البلدية السابق أنطوان روفناخت الذي رعى أولى خطواته واحتضنه، لا، بل جعله وريثاً سياسيا له في مقعد رئاسة المجلس البلدي وفي المقعد النيابي.
* تلميذ جوبيه ومستشاره
بيد أن صعود نجم فيليب السياسي يدين به لرئيس الحكومة الأسبق آلان جوبيه الذي استدعاه في عام 2002 عند إطلاق حزب «الاتحاد من أجل حركة شعبية» وغرضه تجميع اليمين والوسط، وضمان فوز جاك شيراك برئاسة الجمهورية. إدوار فيليب شغل يومذاك منصب مدير الحزب. ومنذ تلك الفترة بقيت علاقته ممتازة مع جوبيه. وعندما عيّن جوبيه وزيرا للبيئة في عام 2007، كان فيليب أحد مستشاريه. وعندما قرّر جوبيه خوض غمار الانتخابات التمهيدية لحزب الجمهوريين بغرض تسميته مرشحا عنه للرئاسة طلب من إدوار فيليب أن يكون ناطقا باسمه.
ولاحقاً، شغل رئيس الحكومة الجديد مناصب محلية كثيرة في مدينته ومنطقته. وبما أنه كان مقرّباً من روفناخت، فإنه ورث عنه رئاسة بلدية لو هافر في عام 2010، وقبلها وصل إلى الندوة البرلمانية من خلال النائب عن الدائرة جان إيف بسولا، مساعدا برلمانيا له واحتل مقعده عقب وفاته في العام 2012. وفي الانتخابات التشريعية التي تلت، نجح فيليب في الاحتفاظ بمقعده النيابي. ومع أن حوليات البرلمان لا تدل على أنه كان فاعلاً في المناقشات أو تقديم مقترحات القوانين، إلا أنه كان من بين الأكثر فاعلية على الصعيد العملي من النواب.
عند تسلم إدوار فيليب مهام منصبه الجديد من سلفه رئيس الوزراء الاشتراكي برنار كازنوف، حرص فيليب على تأكيد أنه ينتمي إلى اليمين. وتدل عمليات التصويت التي شارك فيها خلال العهدة النيابية الأخيرة أنه صوّت مع اليمين بشكل مستمر، لا، بل إنه صوّت ضد مشروع قانون يحمل اسم الرئيس ماكرون عندما كان وزيرا للاقتصاد. وفي عام 2016، صوّت فيليب ضد القانون المُسمّى «قانون الخمري» – نسبة لوزيرة العمل السابقة المغربية الأصل مريم الخمري – رغم أنه يسير وفق فلسفة اليمين لجهة تخفيف أعباء أرباب العمل والقيود وتسهيل التسريح. والمفارقة، أن ماكرون عهد إلى فيليب وإلى وزير الاقتصاد برونو لو مير - وكلاهما من اليمين - بالتحضير لقانون جديد للعمل يكون أكثر جذرية في إصلاحاته مما يتضمنه «قانون الخمري» الذي أخذ عليه اليمين وقتها أنه «لا يذهب بعيداً» في الإصلاحات.
من ناحية أخرى، يؤخذ على رئيس الحكومة الجديد قربه من «اللوبي النووي» في فرنسا بسبب الوظائف التي شغلها سابقاً في شركة «أريفا» المتخصصة بالصناعة النووية. ففي عام 2007، التحق فيليب بالشركة المذكورة مديراً عاما للشؤون العامة. وعملياً، كانت مهمته متابعة النواب الداعمين للصناعة النووية والوقوف بوجه المناهضين لها والساعين لأن تتخلى فرنسا - التي تنتج أكثر من 70 في المائة من طاقتها الكهربائية من المفاعلات النووية – عن الطاقة النووية. وإلى تلك الفترة، بالذات، تعود سمعة فيليب بأنه معاد للسياسة البيئوية ــ الإيكولوجية. وفيما بعد عارض بصفته نائب قوانين التخفيف من الاعتماد على النووي مصدراً للطاقة. وكانت حجته الدائمة أنه بين المحافظة على البيئة والمحافظة على فرص العمل (في القطاع النووي) فإنه يختار الثانية.
ومن ثم، بسبب مواقفه هذه، تعرّض فيليب - ومعه ماكرون - لانتقادات حادة من البيئويين. والسؤال المطروح الآن على الساحة السياسية الفرنسية يتناول طريقة العمل الجماعي بين فيليب وبين وزير البيئة نيكولا هولو، المعروف منذ سنوات بدفاعه الشديد عن البيئة ودعواته للتخلّي التدريجي عن الطاقة النووية. وللعلم، يُعد اجتذاب هولو أحد النجاحات السياسية اللافتة لرئيس الجمهورية، لأنه سبق لهولو أن رفض عروضاً سابقة بتولي منصب وزاري رغم إصرار رئيسين للجمهورية هما نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند على تعيينه.
* موضوع الشفافية
ثمة مآخذ أخرى على إدوار فيليب؛ إذ إنه لم يجلّ في ممارسة الشفافية المالية المفروضة على كل نائب. فمن جهة، عارض مشروع القانون الخاص بالشفافية الذي طرحته الحكومة الاشتراكية بعد فضائح وزير المالية السابق جيروم كاهوزاك. ومن جهة أخرى، تلقى في عام 2014 «لوماً» من الهيئة المشرفة على شفافية بيانات النواب والوزراء المالية التي أصبحت بموجب القانون إلزامية. ويؤخذ عليه أنه رفض في بيانه تقدير قيمة ممتلكاته غير المنقولة بحجة أنه «لا يعرف» قيمتها. غير أنه حرص لاحقاً، قبل تسميته رئيسا للحكومة، على تسوية أوضاعه مع مصلحة الضرائب. وبعد ذلك، قدم فيليب استقالته من البرلمان بعد التصديق على قانون منع الوظائف التراكمية مفضلاً البقاء رئيساً لبلدية لو هافر على مواصلة شغله مقعدها النيابي. لكنه بات مضطرا للاستقالة من رئاسة البلدية بسب قرار اتخذه الرئيس ماكرون وهو يمنع الجمع بين منصب وزاري وآخر انتخابي (بلدي، نيابي أو إقليمي).
رغم هذه التحفظات، يُعد تعيين فيليب «ضربة معلم» ماكرونية. فالرجل القريب من آلان جوبيه كلّف بمهمة أساسية، هي ليست فقط رئاسة الحكومة، ولكن أيضا أن يكون رئيسا للأكثرية النيابية التي يسعى للظفر بها الرئيس الجديد من خلال الانتخابات البرلمانية المقبلة. وما يراهن عليه ماكرون الآن هو أن تكون استمالة ثلاثة ساسة من ساسة الصف الأول من معسكر اليمين عاملاً لتفكيك صفوف حزب الجمهوريين، وطريقاً لإعادة تركيب المشهد السياسي الفرنسي.
هذا، ومنذ ما قبل الانتخابات النيابية، طرحت عريضة من صفوف اليمين تدعو لـ«تلقف اليد الممدودة» من رئيس الجمهورية، بمعنى قبول التعاون معه عقب الانتخابات. ومن الذين يدفعون في هذا الاتجاه آلان جوبيه، تحديداً، الذي يرى أن فرنسا «لا يمكن أن تبقى في حرب أهلية سياسية دائمة»، وأنه إذا لم يحصل اليمين على الأكثرية المطلقة في البرلمان، فعليه عندها أن «يتعاون» مع رئيس الجمهورية «على القطعة» بمعنى بصدد كل مشروع قانون أو إصلاح على حدة.
* تجديد الطاقم السياسي
وحقاً، يأمل ماكرون الطامح لـ«تجديد» الطاقم السياسي الفرنسي أن تكون الانتخابات العامة (البرلمانية) المقبلة عاملاً مساعدا له على تحقيق هذا الهدف. وبعدما نسف رئيس الجمهورية الجديد اليسار الاشتراكي من الداخل بأن «امتص» ناخبيه في الرئاسيات، حيث حصل الحزب الاشتراكي على أقل من نسبة 7 في المائة من الأصوات في الدورة الانتخابية الأولى، فإنه يسعى الآن إلى تفجير اليمين أيضاً، وهذا ما أدركه قادة «الجمهوريين». وبالفعل، تفيد استطلاعات الرأي أن حزب «الجمهورية إلى الأمام»، وهو الاسم الجديد لحركة ماكرون «إلى الأمام»، سيحل في المرتبة الأولى في يونيو المقبل. لكن لا أحد يستطيع اليوم أن يجزم بحصوله على الأكثرية المطلقة في البرلمان.
في هذا السياق، يعتبر ماكرون أن وجود رئيس حكومة يميني إلى جانبه وتسليم الاقتصاد والمال لوزيرين يمينيين من شأنهما تأجيج أزمة الناخب اليميني الذي سيكون عليه الاختيار، إما التصويت لصالح مرشحي رئيس يقرن القول بالفعل (دفع اليمين واليسار والوسط إلى العمل معاً)... أو التقوقع في إطار حزبي ضيق أثبت انعدام فعاليته في الانتخابات الرئاسية. ويشار هنا إلى أن حركة «الجمهورية إلى الأمام» أحجمت عن تقديم مرشحين منافسين في عدد من الدوائر، حيث يتنافس مرشحون يمينيون أبدوا استعدادهم للانضمام إلى الأكثرية الرئاسية عقب الانتخابات.
هكذا تقترب فرنسا من استحقاق انتخابي إضافي بعد معركة الرئاسية لم يسبق أن شهدت مثلها الجمهورية الخامسة منذ تأسيسها في العام 1958. ولقد لعب إدوار فيليب دوراً مهماً فيها لأنه حجرا أساسيا من لعبة الشطرنج التي يجيدها ماكرون. ذلك؛ أنه يُراد له أن يكون تجسيداً للرغبة الرئاسية في تغيير الممارسة السياسية، وضخ دماء جديدة وتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة، وتمكين المجتمع المدني من الدخول إلى السلطة وتخطي الحواجز والخنادق القديمة.
لقد أراد ماكرون أن تكون حكومته على صورته ومثاله، وأن يكون رئيسها جديداً، لكن في الوقت عينه يتمتع بخبرة سياسية، وبالقدرة على قيادة فريق حكومي والإشراف على عمله اليومي بينما التوجيهات الكبرى تعود إليه. وغير مرة شدد الرئيس الجديد على رغبته بالعودة إلى المفهوم الكلاسيكي للرئاسة، حيث «الرئيس يرأس والحكومة تحكم»... بمعنى أن الأول لن يكون مضطراً إلى الغوص في التفاصيل والاهتمام باليوميات.
هل سيكون فيليب قادرا على «ملء مقعده» وأن يقوم بالدور المنوط به؟
السؤال مطروح... لكن الإجابة عليه صعبة، وهي متروكة للآتي من الأيام.



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.