أحلام أكراد سوريا.. وهواجسهم

حققوا مكاسب عسكرية وعززوا وجودهم الجغرافي والسياسي.. لكن الهدف التالي يبدو غامضا

أحلام أكراد سوريا.. وهواجسهم
TT

أحلام أكراد سوريا.. وهواجسهم

أحلام أكراد سوريا.. وهواجسهم

وضعت المكاسب الحربية التي حققها الأكراد في شمال شرقي سوريا، وتعزيز وجودهم الجغرافي والسياسي في البلد الذي مزقته الحرب، القوى الإقليمية في مأزق حقيقي. واختلفت الرؤى حول تلك الخطوة بين مؤيد ومتحفظ ومعارض، حتى بين الأكراد أنفسهم الذين رآها بعضهم على أنها انجراف إلى محور إقليمي يدعم الأسد ولكنهم ينفون ذلك.
وعانى الأكراد من الاضطهاد في عهد الرئيس السوري بشار الأسد ومن قبله والده ويعتبر بعضهم الحرب الأهلية بمثابة فرصة للحصول على نوع من الحكم الذاتي يتمتع به أبناء عرقهم في العراق المجاور.
وتدخل القضية الكردية بسوريا حاليا إلى منعطف تاريخي مع قرب إعلان وشيك لتشكيل إدارة ذاتية (حكومة مؤقتة) بالمناطق الكردية المحررة من قبضة النظام السوري، لإدارة شؤون المنطقة، وهو ما يثير المخاوف أكثر. وتستعد أحزاب الهيئة الكردية العليا، وهي تحالف عريض من مجموعة أحزاب كردية، لتشكيل الإدارة الجديدة، وظلت تعقد اجتماعات متواصلة من أجل تحقيق هذا الهدف.
وتتكون الهيئة الكردية العليا من حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بقيادة صالح مسلم الذي يسيطر على مقاليد الأمور بالمنطقة، ويقود مجموعات مسلحة تحت اسم قوات الحماية الشعبية، وبين أحزاب تقليدية انضمت إلى المجلس الوطني الكردي ومجموعها 11 حزبا، انشقت عنه أربعة أحزاب وشكلت اتحادا سياسيا بقيادة رئيس الحزب الديمقراطي الكردي (البارتي) جناح عبد الحكيم بشار، الموالي للزعيم الكردي العراقي مسعود بارزاني.
ويؤكد الدكتور جعفر عكاش ممثل حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري لـ«الشرق الأوسط»، عزم الأكراد في تشكيل الإدارة الجديدة، ويقول في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، «نحن ماضون إلى مؤتمر السلام حول سوريا (جنيف2)، ولكن قبله سنعلن عن تشكيل الإدارة الذاتية بمناطقنا». وأشار إلى أن «الحزب ومجموعات أخرى من الأحزاب والفعاليات والمنظمات السياسية والشعبية والمهنية تجتمع منذ عدة أيام بمدينة القامشلي للتباحث حول وضع اللمسات الأخيرة لمشروع (الإدارة الذاتية) التي ستكون على شكل حكومة محلية ستتولى إدارة شؤون المناطق المحررة من قبضة النظام الحاكم بدمشق، وتضم الإدارة ممثلين عن جميع القوى السياسية والمكونات القومية والدينية مثل أحزاب المجلس الوطني والهيئة الكردية العليا وكذلك الفعاليات والتنسيقيات المحلية، إلى جانب ممثلين عن المكونات المسيحية والآشورية والسريانية والعرب أيضا، ومن خلال هذه الإدارة سيتم اختيار أعضاء الوفد الكردي الذي سيشارك بمؤتمر جنيف2».
ويؤكد عكاش أن مطالب الأكراد الأساسية تتركز في «تحقيق الديمقراطية وترسيخ الحقوق القومية المشروعة للكرد وتأكيد مبدأ الشراكة السياسية وحق ممارسة الثقافة الكردية ورفع الغبن الحاصل على هذا الشعب طوال السنوات الماضية، وإقرار مشاركتهم بإدارة الحكم في المستقبل وفقا لتمثيلهم الشعبي وحجمهم السكاني»، مشيرا إلى أن هذه المطالب ستكون أهم الأجندات أو المطالب التي سيبحثها الوفد الكردي مع الأطراف الدولية المشاركة في مؤتمر جنيف.
لكن الصدام بين الهيئة الكردية التي تضم معظم الأحزاب الكردية المنضوية تحت راية المجلسين الوطني الكردي السوري وشعب غرب كردستان، وبين حزب عبد الحكيم بشار الموالي لحزب بارزاني بإقليم كردستان، ما تزال مستمرة، وتقف عائقا أمام توحيد الجهود الكردية. يقول ممثل حزب الاتحاد الديمقراطي «الخلافات مستمرة، فهم لا يريدون العودة إلى البيت الكردي الموحد، بل إن لديهم رغبة حاليا بالمشاركة في مؤتمر جنيف بالانضمام إلى الائتلاف السوري وهم لا يريدون الذهاب معنا كفريق كردي واحد».
والأوضاع في المناطق الكردية بسوريا التي يعتبرها الأكراد الجزء الغربي من كردستان الكبرى، مرشحة لتطورات مذهلة في المستقبل القريب على أثر تداعيات الثورة السورية المندلعة منذ أكثر من سنتين والتي أحدثت تغييرا بطبيعة الخارطة السياسية المعروفة عن تلك المناطق وظهور قوة سياسية جديدة، كانت لفترة طويلة منزوية بعيدا عن الحراك السياسي هناك، ويقصد بها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الذي يعد حاليا جناحا سوريا لحزب العمال الكردستاني المعارض لتركيا.
ومع وقع تلك الأحداث تنامت قوة هذا الحزب بشكل غير متوقع، حتى سبق دوره السياسي وتأثيره على الشارع الكردي أكثر بكثير من دور معظم القوى السياسية التقليدية التي تأسست بهذا الجزء السوري منذ عشرات السنين.
ويتجه هذا الحزب حاليا وبخطى حثيثة نحو إعلان حكومة مؤقتة، قد تقود في النهاية حسب المراقبين إلى إنشاء أول دولة كردية مستقلة بجزء من كردستان، أو على أقل تقدير تأسيس كيان كردي شبه مستقل على غرار تجربة إقليم كردستان العراق، ما يرشح لحدوث تغيير كبير على الخارطة السياسية والوضع الإقليمي.
وتعني مكاسب الأكراد بالنسبة للرئيس السوري بشار الأسد انتزاع المزيد من الأراضي من قبضة مقاتلي المعارضة، ومن ناحية أخرى تأمل القوى الأجنبية الداعمة للمعارضة في أن يوجه الأكراد ضربة للمقاتلين المرتبطين بتنظيم القاعدة الذين ظل نفوذهم يتصاعد في شمال سوريا على مدى شهور.
ولا تقف المكاسب الحربية الكردية عند حد تهديد وحدة سوريا فحسب بل كذلك تزعزع استقرار الدول المجاورة التي تعاني من نفس الانقسامات العرقية والطائفية.
ويزيد عدد الأكراد على 40 مليون نسمة موزعين على أربع دول، وغالبا ما يوصفون بأنهم أكبر جماعة عرقية لا دولة لها. وتضم الأراضي التي يهيمنون عليها وتعرف باسم كردستان أجزاء من تركيا وإيران وسوريا والعراق.
وبدأت تركيا عمليات الحفر لوضع أساسات جدار على طول جزء من حدودها مع سوريا الشهر الماضي، وعزت ذلك إلى دواع أمنية ولكنه أثار احتجاجات من الأكراد الذين قالوا إنه يهدف إلى الحيلولة دون تقارب العلاقات عبر الحدود بين المنطقتين الكرديتين في البلدين.
ولا شك أن تعزيز موقف الأكراد في سوريا يضع تركيا في موقف صعب في الوقت الذي تحاول فيه تحقيق السلام على أرضها مع حزب العمال الكردستاني الذي قاتل من أجل الحصول على حكم ذاتي أكبر للأكراد في جنوب شرقي تركيا طوال ثلاثين عاما.
وتزداد هواجس دول الإقليم التي ترى في نجاح أي تجربة بحكم ذاتي لأكراد سوريا تهديدا لأمنها الإقليمي وخاصة تركيا، على اعتبار أن تكرار تجربة مشابهة لإقليم كردستان العراق، قد يغري الجزأين المتبقيين من كردستان (تركيا وإيران) على التحرك نحو هدف مماثل، ما ينعش الآمال باستقلال الدولة الكردية الموحدة.
ولذلك فإن الدور التركي حاليا يعتبر عامل حسم للوقوف بوجه السقف الأعلى للتطلعات الكردية وخاصة بالجانب السوري.
ومن هذا المنطلق فإن الكثير من المراقبين والمحللين السياسيين يعتبرون أن ما يجري حاليا من تطورات ميدانية ووجود نشاطات معادية من قبل جبهة النصرة ودولة العراق والشام الإسلامية، وخوضهما حربا ضروسا ضد المواطنين الكرد بالجزء السوري، إنما هو بدفع من تركيا. وفي هذا الإطار تعتقد معظم القيادات الكردية السورية، أن تركيا في وقت تسعى فيه لعزل أكرادها عن الأكراد السوريين ببناء جدار عازل، تدعم في جانب آخر جبهة النصرة بحربها المعلنة ضد الأكراد، بدليل أن قوات هذه الجبهة استخدمت المدرعات والأسلحة الثقيلة في معاركها ضدهم. وتتهم تلك القيادات تركيا بفتح معابرها الحدودية بوجه تدفق المقاتلين الإسلاميين المتشددين المقبلين من أفغانستان وباكستان وغيرهما من الدول العربية التي تنطلق من مدينتي غازي عينتاب وأنطاكيا نحو الأراضي الكردية بسوريا.
الحرب الدائرة حاليا وبضراوة بين المقاتلين الإسلاميين وقوات الحماية الشعبية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري، من شأنها أن تكشف عن ملامح المرحلة المقبلة خصوصا مع النجاحات التي حققتها قوات الحماية الشعبية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي بتحرير مساحة كبيرة من الأراضي الكردية من يد الجماعات الإسلامية المتطرفة (داعش والنصرة) وفشل هذين التنظيمين في إحكام سيطرتهما على المناطق التي تمكنا خلال الفترة الماضية من السيطرة عليها بسبب فقدانهما للحاضنة الشعبية، والتفاف المواطنين حول قوات الحماية الشعبية الكردية.
هذه الأحداث تكرس واقعا جديدا يصعب على بعض الأطراف الإقليمية والكردية استيعابها، وخاصة تركيا والأحزاب الكردية السورية الموالية لحزب بارزاني الذي يصطدم حاليا مع حزب الاتحاد الديمقراطي السوري على خلفية منع رئيس الحزب صالح مسلم من استخدام أراضي الإقليم معبرا له للسفر إلى الخارج.
وهناك جهود تبذل حاليا لإجراء مصالحة بين الحزبين من أجل توحيد الجهد الكردي في مؤتمر جنيف المقبل، ولكن المؤتمر القومي الكردي الذي كان يفترض انعقاده في 24 من الشهر الحالي والذي كان يتوقع أن يتولى مهمة المصالحة قد تأجل إلى إشعار آخر بسبب الصدام القائم بين قيادة الحزبين الكرديين.
وتبدو الخلافات عميقة بين حزب بارزاني وحزب الاتحاد الديمقراطي السوري، على الرغم من الموقف القوي الذي أبداه الزعيم الكردي العراقي مسعود بارزاني قبل عدة أشهر أثناء احتدام المواجهة بين حزب الاتحاد وجبهة النصرة واستعداده لتقديم كل أشكال الدعم لهذا الحزب لمواجهة الجماعات المتطرفة بالمناطق الكردية.
المتحدث الرسمي باسم المكتب السياسي لحزب بارزاني، جعفر إيمينكي أكد في تصريح سابق لـ« الشرق الأوسط» أن «قيادة إقليم كردستان لن تقبل تحت أي ظرف أن تعود جرائم الإبادة التي اقترفها النظام البعثي السابق بالعراق مرة أخرى وتهدد شعبنا بأي مكان كان، ولن نقبل مطلقا بالسكوت عن تحركات جهات أو منظمات إرهابية تحاول إبادة أو قتل أبناء شعبنا». ولخص إيمينكي نوعية الدعم الذي بإمكان قيادة كردستان أن تقدمه لأكراد سوريا قائلا «الدعم سيكون شاملا، بما فيه الدعم اللوجستي لمقاتلي حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (بي واي دي) وجميع الثوار الذين يدافعون عن أرض كردستان سوريا». لكن هذا الموقف المساند لحزب الاتحاد الديمقراطي الذي تحول اليوم إلى ما يشبه العداء السافر من خلال وضع القيود على تحركات رئيس هذا الحزب عبر إقليم كردستان العراق، لم يمنع قيادة الاتحاد الديمقراطي من المضي بمشروعه في إقامة الحكومة المحلية الذي يرى شيرزاد اليزيدي الناطق الرسمي باسم مجلس شعب غربي كردستان وهو الواجهة السياسية لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي أنه «أمر لا بد منه وأصبح في غاية الأهمية، حيث إن المواطنين في المناطق الكردية بحاجة ماسة إلى إدارة محلية تنظم شؤونهم وتؤسس لمرحلة جديدة من حياتهم السياسية». ويضيف «علينا أن ننظم شؤوننا الاقتصادية والإدارية بما يلبي طموحات شعبنا ويتناسب مع التضحيات التي قدمها، فلا يمكن أن ننتظر منة أو صدقة من الآخرين، علينا أن نبادر بتنظيم أنفسنا وننشئ كياننا الإداري الذاتي، وعندما تتحرر سوريا من النظام الحالي عندها سننضم إلى مجموع الشعب لاختيار شكل النظام الذي يناسب البلد ويتفق عليه جميع السوريين».
ويقول الناشط الكردي بيروز بيريك من مدينة القامشلي السورية «ما ترونه هو انقسام أوضح لشمال سوريا بين حزب الاتحاد الديمقراطي وقوات المعارضين الإسلاميين». وتقول التقارير الميدانية إن قوات حزب الاتحاد الديمقراطي سيطرت على أكثر من ثلثي الأراضي الكردية في سوريا ومعظمها في محافظة الحسكة بشمال البلاد حيث يشكل الأكراد 70 في المائة من سكان المحافظة والباقي من العرب. ويشير المراقبون إلى أن قوات الاتحاد قد تحاول السيطرة على بلدات شمالية يشكل فيها الأكراد أقلية مقارنة بالعرب مثل بلدتي جرابلس واعزاز الحدوديتين الاستراتيجيتين اللتين استخدمهما مقاتلو المعارضة كطرق لنقل الإمدادات من تركيا. ومن المرجح أن تثير مثل هذه الخطوة ردا عنيفا من مقاتلي المعارضة السورية. ويقول ريدور خليل المتحدث باسم الميليشيا الكردية المرتبطة بحزب الاتحاد الديمقراطي «لا أقول إننا سنفعل ذلك.. دعونا نأخذ الأمور في حينها. فلننتظر لنرى ما إذا كانت الجماعات المسلحة (مقاتلو المعارضة) ستضمن للأكراد حركة آمنة في تلك المنطقة أولا».
ويلتفت الأكراد الآن إلى مدينة تل أبيض التي تمثل طريقا مهما عبر الحدود مع تركيا يمكن استخدامه في نقل الإمدادات. ومدينة راس العين الحدودية التي سيطر عليها الأكراد بالفعل هذا الأسبوع لا تقل أهمية عن تل أبيض.
الحلم الكردي:
يقول شلال كدو القيادي بحزب اليسار الديمقراطي عضو المجلس الوطني الكردي «إن ما يشاع بأن الكرد يسعون إلى الانفصال عن سوريا وتقسيمها محض هراء، فهذه التهمة القديمة الجديدة - يستهدف مروجوها من وراء إطلاقها تأليب الرأي العام العربي على شعبنا الكردي وحقيقة طموحاته الهادفة إلى التعايش الأخوي بين مختلف المكونات السورية على أساس عقد اجتماعي يضمن حقوق الجميع في سوريا تعددية ديمقراطية برلمانية». وأضاف «لا يوجد فصيل سياسي كردي سوري واحد يطالب بالانفصال عن سوريا، بل إن الكرد عموما يفتخرون بانتمائهم الوطني رغم أن الآخرين يحاولون من الآن أن يبقوهم مواطنين من الدرجة الثانية في سوريا المستقبل، الأمر الذي يرفضه شعبنا جملة وتفصيلا».
ويقول كدو «إن تأسيس إدارة انتقالية تشاركية بين مختلف أطياف ومكونات إقليم كردستان سوريا في هذه المرحلة المصيرية أمر في غاية الأهمية، كون معظم المدن الكردية خارجة عن سيطرة النظام، وهناك فراغ إداري ومالي وأمني وقانوني كبير، ولا مناص من بذل الجهود لملء هذا الفراغ من خلال تشكيل إدارة انتقالية مشتركة، مهمتها وضع مسودة دستور والتحضير لانتخابات برلمانية نزيهة وشفافة تحت إشراف المنظمات الدولية، وبالتالي تأليف حكومة محلية لتسيير أمور سكان هذه المناطق البالغ عددهم زهاء أربعة ملايين نسمة، ويجب أن لا ننسى أن تشكيل هكذا إدارة يحتاج قبل كل شيء إلى تحقيق أقصى درجات التوافق الكردي الكردي بين المجلسين الكرديين».
من جهته يقول المنسق السياسي والإعلامي في الجيش السوري الحر، عضو الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، لؤي المقداد لـ«الشرق الأوسط» إن «الجيش الحر والمعارضة السورية ينظران إلى الأكراد على أنهم مكون أساسي من مكونات المجتمع السوري، وهم شركاؤنا في الوطن وفي المعاناة من نظام الأسد، الأب والابن، طيلة عقود». وأشار إلى «إننا نعلم جيدا كيف تعاطى النظام معهم، وكيف حرمهم من حقوقهم على مدى أعوام طويلة، ونحترم خصوصيتهم بشكل كامل».
ولفت المقداد إلى «وجود تشكيلات عسكرية، غالبيتها من الأكراد، على غرار (لواء الشهيد مشعل تمو) تقاتل في صفوف الجيش الحر»، مشيرا إلى «ارتكاب بعض التنظيمات الكردية المسلحة تجاوزات بحق مواطنيها نتيجة اتفاقها مع النظام السوري، على غرار ما قامت به تشكيلات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي لناحية قمعها المظاهرات الكردية التي خرجت في مناطقها».
وشدد المقداد على «إننا لا نقبل بسفك الدم الكردي، كما لا نقبل بسفك الدم العربي»، مؤكدا «الرفض المطلق لما ارتكبته جبهة النصرة وتنظيم دولة الإسلام في العراق والشام وبعض الكتائب غير المنضبطة بحق إخواننا الأكراد، وفي الوقت نفسه نناشد الإخوة الأكراد من مختلف الأطياف أن يستجيبوا لنداء الوطن ويغلبوا المصلحة العامة للقضية السورية على المصالح الضيقة والحسابات الآنية».
وآمل المقداد أن تكون المرحلة المقبلة، بعد توقيع اتفاق بين «الجيش الحر» و«الهيئة الكردية العليا»، مرحلة «وئام بين مكونات الشعب السوري وأن تكون البندقية موحدة وموجهة ضد نظام الأسد»، مؤكدا أن «الجيش الحر يتعامل مع سوريا ككتلة واحدة، ولا فرق لديه بين منطقة كردية أو علوية أو ساحلية، لأننا جميعا ثائرون على نظام واحد، من مختلف الأراضي السورية».
وقال المقداد «إننا حين ننظر إلى سوريا، فنحن ننظر إلى الدولة الديمقراطية التي يعيش فيها كل أبنائها بكامل حقوقهم وواجباتهم، ولا فرق بين سوري وآخر على أساس ديني أو قومي أو طائفي»، مشددا على أن سوريا هي «الوطن الأزلي لكل السوريين». وأكد رفض «انفصال أي فصيل أو مكون، سواء أكان كرديا أو علويا أو درزيا أو سنيا»، موضحا «إننا لن نقبل بتنظيمات عابرة للحدود ولا بتقسيم سوريا إلى كيانات عدة، لكننا في الوقت ذاته نصر على مسألة الحقوق والمساواة بين العرب والأكراد الذين يتمتعون بكامل خصوصيتهم القومية».
ويشير نواف خليل عضو الهيئة الإعلامية في الحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، إلى أن الأكراد في سوريا هم في رأس سلم المعارضة ضد النظام، وقال لـ«الشرق الأوسط» «نحن على تواصل مع المعارضة العسكرية المتمثلة بالجيش الحر ونقف مع كل مجموعة تقبل بوجودنا وحقوقنا، ولنا فيه لواء خاص يحمل اسم (لواء جبهة الأكراد)، وعلاقتنا جيدة مع عدد كبير من الفصائل، لكن نخوض معارك طاحنة ضد بعض المجموعات الإسلامية ولا سيما جبهة النصرة والدولة الإسلامية في الشام والعراق». ولفت خليل، إلى أنّ ما يعرف بـ«وحدات حماية الشعب» التابعة للحزب الديمقراطي الكردي خاضت معارك كثيرة إلى جانب الجيش الحر، ولا سيما في حلب وكان آخرها، اعتقال عدد من عناصر قوات النظام إثر معركة السيطرة على مطار منغ العسكري.
وأبدى خليل، استغرابه لما قال إنه تناقض في تصريحات المعارضة السورية، التي تدعم ما تقوم به جبهة النصرة حينا، وتتّهم النظام بدعمها حينا آخر، مضيفا «سبق لوحدات حماية الشعب وجبهة النصرة أن وقعا اتفاقا في فبراير (شباط) الماضي، ينص على عدم التعدي أو الدخول إلى المناطق الكردية إلا بالتنسيق مع هذه الوحدات، لكن لم يتم التقيد بهذا الاتفاق من قبل الإسلاميين».
وفي حين اعتبر الخليل أنّ الأكراد لم ولن يكونوا إلى جانب النظام السوري الذي عانوا من ظلمه أكثر من خمسين عاما، لفت إلى أنّ الهدف اليوم هو طرد الإسلاميين الذي اختاروا المنطقة والهدف الخطأ، مضيفا «نجحنا في طرد قوات النظام واليوم نعمل على طرد الإسلاميين، مع تأكيدنا على أننا ندافع عن أنفسنا ولا نهاجم أحدا». وفيما يتعلّق بالمعارضة السياسية، التي لا يزال الأتراك خارج ممثلها الأساسي، وهو الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، تمنى الخليل أنّ تعيد قوى المعارضة النظر في سياستها وتضع خارطة طريق جامعة للعمل مع كل الفرقاء للوصول إلى سوريا حرة ديمقراطية. ونفى الخليل أي «أهداف انفصالية» يسعى إليها أكراد سوريا، قائلا «مشروعنا اليوم هو الإدارة الذاتية لتأمين متطلبات شعبنا وليس الانفصال، وبعد سقوط النظام وإجراء الانتخابات لن يقبل الكردي إلا أن يكون كأي مواطن سوري مع تمسكنا بهويتنا القومية والحصول على حقوقنا».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.