ليبيا: إنهاء الدبيبة التعاقد مع «أركنو» النفطية... خطوة لم تهدئ مناوئيه

واشنطن تشدد على وضع «ميزانية موحدة» لحماية الدينار

الدبيبة مجتمعاً برئيس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان في 25 ديسمبر الماضي (مكتب الدبيبة)
الدبيبة مجتمعاً برئيس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان في 25 ديسمبر الماضي (مكتب الدبيبة)
TT

ليبيا: إنهاء الدبيبة التعاقد مع «أركنو» النفطية... خطوة لم تهدئ مناوئيه

الدبيبة مجتمعاً برئيس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان في 25 ديسمبر الماضي (مكتب الدبيبة)
الدبيبة مجتمعاً برئيس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان في 25 ديسمبر الماضي (مكتب الدبيبة)

وسط لغط مجتمعي، وجَّه عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، بإنهاء ما سماها «اتفاقية التطوير» مع شركة «أركنو» الخاصة للنفط، وذلك على خلفية تقرير مسرّب للجنة الخبراء الأممية، تحدث عن «وقائع فساد» طالت مسؤولين سابقين وحاليين وقيادات عسكرية بارزة، وزعماء كتائب مسلحة.

وقال فريق الخبراء في تقريرهم الأخير بشأن الوضع في ليبيا، الذي يغطي المدة الممتدة ما بين أكتوبر (تشرين الأول) 2024 – فبراير (شباط) 2026، إن «(أركنو) عملت على تحويل 3 مليارات دولار على الأقل من العائدات النفطية إلى حسابات بنكية خارج ليبيا ما بين يناير (كانون الثاني) 2024 – ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025».

إبراهيم الدبيبة «يسار» في لقاء مع القائم بالأعمال الأميركي جيريمي برنت في سبتمبر 2025 (السفارة الأميركية)

وبحسب التقرير، فإن «أركنو»، التي تأسست عام 2023 بوصفها شركة خاصة، تخضع لسيطرة غير مباشرة من جانب صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وتواجه اتهامات بـ«تهريب النفط». وسبق أن استقصت وكالة «رويترز» بشأن الشركة، وخلصت إلى أن بعض إيرادات النفط «تتحول بعيداً عن مصرف ليبيا المركزي»، استناداً إلى وثائق شحن وبيانات لمجموعة بورصات لندن وشركة «كبلر».

وأوصى فريق الخبراء في تقريره المسرّب، الأسبوع الماضي، بوقف أي تعاقدات مع «أركنو»، وحظر أي مدفوعات خارج الحسابات الرسمية للمؤسسة الوطنية للنفط في مصرف ليبيا الخارجي، مشدداً على أن المؤسسة هي المصدر والمسوق الحصري لخام النفط الليبي.

وأمام تصاعد موجة الغضب الشعبي، وتصاعد حالة من اللغط، سارع الدبيبة إلى مخاطبة رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط بوقف ما سماه «اتفاقية التطوير الموقعة بين شركة الخليج العربي للنفط و(أركنو)»، وأرجع ذلك «لما أثير من حملة واسعة، رافقها رفض شعبي للاتفاقية؛ ومع عدم تمكن المؤسسة من بناء قناعة عامة لدى الشعب بدفاعها عن سلامة الإجراءات المتخذة، وجدوى هذه الاتفاقية من عدمها».

ولم يهدئ الإجراء الذي اتخذه الدبيبة مناوئيه، الذين عدوه «مراوغة» لن تفضي إلى شيء، و«ستظل شركة (أركنو) تمارس مهامها سراً، كما كان منذ إنشائها قبل نحو 3 أعوام».

وأبقى الدبيبة على حالة اللغط المجتمعي متصاعدة، وذلك بعدم إقراره نصاً في رسالته إلى رئيس مؤسسة النفط على إنهاء العمل مع «أركنو»، وهو ما يراه حسن الصغير، وكيل وزارة الخارجية السابق، «رسالة إنشائية لا تحمل قراراً صريحاً بإنهاء عمل الشركة»، لافتاً إلى أن الدبيبة ألقى الكرة والخصومات في ملعب النائب العام.

غير أن الدبيبة دافع عن نفسه، وقال إن الأمر «تم استغلاله عبر دس الإشاعات، وتضخيم الأرقام وتوظيفها من بعض الأطراف، مستفيدة من الجدل القائم، وعجز مؤسسة النفط عن تقديم دفاع كافٍ، الأمر الذي أدى إلى صرف الانتباه عن الأسباب الحقيقية للأزمة الاقتصادية»، لافتاً إلى «تنامي الدَّين العام الناتج عن الإنفاق الموازي المنفلت، والذي تجاوز 300 مليار دينار خارج إطار الميزانية العامة للدولة وقدراتها». (الدولار يساوي 6.39 دينار في السوق الرسمية)، وقرابة 10 دنانير في السوق الموازية.

وأضاف الدبيبة أنه «انطلاقاً من مسؤوليتنا في احترام رأي مواطنينا، واتقاء الشبهات التي قد تنشأ في مثل هذه الترتيبات، وصون سمعة مؤسساتها السيادية من أي تأويل أو لبس، نوجهكم بإنهاء اتفاقية التطوير المشار إليها؛ وذلك وفقاً للإجراءات والشروط القانونية والتعاقدية، التي تضمن عدم الإضرار بمصالح الدولة الليبية، مع اتخاذ ما يلزم حيال وضع الشريك في إطار هذه الإجراءات».

النائب العام الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

وانتهى الدبيبة إلى مطالبة مكتب النائب العام بتوجيه الأجهزة الرقابية والمحاسبية بمراجعة عقود المؤسسة كافة، ذات الصلة بالترتيبات التطويرية، واتخاذ ما يلزم حيالها وفقاً للقانون.

وهذه ليست المرة الأولى التي يرد فيها ذكر اسم صدام حفتر في تقرير أممي، إذ سبق أن ورد ضمن تقرير أممي في فبراير 2025، في إطار اتهامات ضمنية بـ«تهريب» النفط عبر نفوذ غير مباشر من خلال «أركنو».

ولم يطمئن قرار الدبيبة بعض مناوئيه، الذين قللوا من الإجراء الذي اتخذه؛ حيث قال أسامة الشحومي، المحلل السياسي الليبي، إن الدبيبة «يتعرض لضغط شعبي، ويحاول تخفيف ذلك بكلام إعلامي؛ رغم أنه هو المسؤول الأول عن فتح الباب للقطاع الخاص المحلي في قطاع النفط، بصفته رئيس المجلس الأعلى لشؤون الطاقة».

ويرى الشحومي أن «ما يحدث مجرد مناورة لامتصاص الضغط الشعبي، من الجهات التي وافقت منذ البداية على تدشين الشركة، وتحاول اليوم التنصل».

وبخصوص الحديث الدائر بشأن سعي مصر لاستيراد مليون برميل نفط من ليبيا في الشهر، قال مصدر بالمؤسسة الوطنية إن الأمر «لا يزال قيد التباحث»، لكنه أشار إلى مذكرة تفاهم بين البلدين للتعاون في مجالات النفط والغاز والتعدين، سبق أن تم توقيعها بحضور الدبيبة، ووزير النفط بحكومة «الوحدة»، خليفة عبد الصادق، والوزير المصري كريم بدوي بطرابلس في 24 يناير الماضي.

إبراهيم الدبيبة «يسار» في لقاء مع القائم بالأعمال الأميركي جيريمي برنت في سبتمبر 2025 (السفارة الأميركية)

في سياق قريب، أكد المستشار الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، على أهمية وضع اللمسات النهائية على ميزانية موحدة لعام 2026؛ لتعزيز الاستقرار المالي في ليبيا، والحفاظ على قيمة الدينار والقوة الشرائية للشعب الليبي.

وقال بولس عبر حسابه على منصة «إكس» إنه خلال مكالمة «مثمرة» بالأمس مع بالقاسم حفتر، المدير العام لصندوق ليبيا للتنمية وإعادة الإعمار: «شددنا، بمشاركة القائم بالأعمال جيريمي برنت، على تمكين تنفيذ مشاريع التنمية في جميع أنحاء ليبيا»، كما أعرب عن «تقديرنا للعمل الحيوي، الذي يقوم به صندوق ليبيا للتنمية وإعادة الإعمار».


مقالات ذات صلة

«الوطني الليبي» يشن عملية عسكرية ضد متمردي الجنوب

شمال افريقيا رئيس أركان الجيش الوطني خالد حفتر في اجتماع مع القادة العسكريين والأمنيين في الجنوب الليبي أبريل الماضي (رئاسة الأركان)

«الوطني الليبي» يشن عملية عسكرية ضد متمردي الجنوب

شهد الجنوب الليبي تصعيداً ميدانياً جديداً، بعدما أطلق «الجيش الوطني» الليبي عملية عسكرية واسعة لتعقب مجموعات مسلحة متمردة يقودها محمد وردقو.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع لجنة «4 + 4» الليبية في تونس الثلاثاء (البعثة الأممية)

«ملفات معلقة» ترجئ اتفاقاً يمهد للانتخابات الليبية المرتقبة

أبقى تأجيل توقيع اتفاق نهائي بين الأفرقاء السياسيين الليبيين الباب مفتوحاً أمام جولة جديدة من التفاوض بعدما انتهى اجتماع رعته الأمم المتحدة في تونس الثلاثاء

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا موسى الكوني في لقاء مع وفد حزب تجمع الوحدة الوطنية الاثنين (الصفحة الرسمية للكوني)

أزمة تعيينات المخابرات الليبية تهدد اجتماعاً مرتقباً لـ«الرئاسي»

صعّد عضو المجلس الرئاسي الليبي موسى الكوني خلافه مع رئيس المجلس محمد المنفي بشأن إدارة جهاز المخابرات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى في لقاء مع اللجنة المالية بالبرلمان الليبي (صفحة المصرف المركزي)

ليبيا لمواجهة تهديدات سيبرانية تستهدف القطاع المصرفي

تحتاط ليبيا من تهديدات سيبرانية قد تستهدف قطاعها المصرفي بعد نحو شهر ونصف الشهر من تعرض منظومة مصرف ليبيا المركزي لاختراق إلكتروني

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا صدام حفتر خلال لقاء مع قادة عسكريين وأمنيين ليبيين في الجنوب الليبي الاثنين (الجيش الوطني الليبي)

هجوم «أرنديغا» يثير تساؤلات حول قدرات متمردي الجنوب الليبي

أعاد الهجوم الذي شنه متمردون على موقع تابع لـ«الجيش الوطني» في بوابة «أرنديغا» تساؤلات إلى واجهة المشهد الأمني في الجنوب الليبي بشأن الحجم الحقيقي لهذه المجموعة

علاء حموده (القاهرة)

رئيس الوزراء الفرنسي يصل المغرب في زيارة لتعزيز الشراكة بين البلدين

رئيس الوزراء المغربي عزيز أخنوش يستقبل نظيره الفرنسي سيباستيان ليكورنولدى وصوله إلى مطار الرباط  (ا.ف.ب)
رئيس الوزراء المغربي عزيز أخنوش يستقبل نظيره الفرنسي سيباستيان ليكورنولدى وصوله إلى مطار الرباط (ا.ف.ب)
TT

رئيس الوزراء الفرنسي يصل المغرب في زيارة لتعزيز الشراكة بين البلدين

رئيس الوزراء المغربي عزيز أخنوش يستقبل نظيره الفرنسي سيباستيان ليكورنولدى وصوله إلى مطار الرباط  (ا.ف.ب)
رئيس الوزراء المغربي عزيز أخنوش يستقبل نظيره الفرنسي سيباستيان ليكورنولدى وصوله إلى مطار الرباط (ا.ف.ب)

وصل رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو إلى الرباط، ليل الأربعاء، لمناسبة انعقاد اجتماع وزاري رفيع المستوى يهدف إلى تعزيز الشراكة بين البلدين، قبل زيارة مرتقبة للملك محمد السادس لباريس.

وجاء لوكورنو برفقة 12 وزيرا من بينهم وزير الخارجية جان نويل بارو، ووزير الداخلية لوران نونيز، واستقبلهم في مطار الرباط سلا رئيس الوزراء المغربي عزيز أخنوش وعدد من أعضاء حكومته.

وسيجتمع الطرفان الخميس في إطار الدورة الخامسة عشرة للاجتماع بين حكومتي البلدين، وهو الأول من نوعه منذ العام 2019.

وأفاد بيان لرئاسة الوزراء المغربية الأربعاء بأن ذلك يأتي «تكريسا للشراكة الاستثنائية الوطيدة التي تجمع المغرب وفرنسا، بقيادة قائدي البلدين».

ويرتقب أن تتوج هذه القمة بتوقيع حوالى 15 اتفاق تعاون في مجالات الاقتصاد والأمن والدفاع والهجرة، وفق ما أفاد مصدر دبلوماسي.

وأشار المصدر إلى أن هذه الاتفاقات تتضمن مشاريع في قطاعات الطيران المدني والدفاع والنقل السككي والمياه والكهرباء والتعاون الثقافي.

وسجّلت العلاقات بين فرنسا والمغرب تحسنا ملحوظا، منذ اعتراف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالسيادة المغربية على منطقة الصحراء الغربية المتنازع عليها في صيف 2024.

وكان ماكرون استُقبل بحفاوة بالغة في الرباط خلال زيارة رسمية استمرت ثلاثة أيام في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، أنهت ثلاث سنوات من التوترات التي غذّتها خصوصا شبهات بالتجسس وأزمة تأشيرات. واختُتمت هذه الزيارة بتوقيع عدد كبير من الاتفاقات.

والثلاثاء جدد الملك محمد السادس في برقية تهنئة للرئيس إيمانويل ماكرون لمناسبة العيد الوطني لبلاده، تأكيد «حرص المملكة المغربية على مواصلة العمل مع فرنسا بنفس روح الصداقة والثقة والالتزام، والارتقاء بشراكتهما الاستثنائية المعززة إلى مرتبة مثالية».

ومنذ اعتراف الولايات المتحدة بسيادته على الصحراء الغربية أواخر العام 2020، راهن المغرب على انتزاع موقف مماثل من فرنسا حليفته التقليدية والعضو الدائم في مجلس الأمن، في مقابل تعزيز التعاون الاقتصادي معها.

ويرتقب أن يقوم العاهل المغربي بزيارة دولة لفرنسا من أجل توقيع «معاهدة مغربية فرنسية»، وفق ما أعلن وزيرا خارجية البلدين في مايو (أيار) في الرباط، من دون تحديد موعد هذه الزيارة.

وتراهن فرنسا على تقوية علاقاتها مع المغرب، لا سيما في ما يخص الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل الإفريقي، بعدما تخلت عن سعيها للحفاظ على التوازن التقليدي في علاقتها المغاربية بين الرباط والجزائر.


50 قتيلاً ومفقوداً في انقلاب قارب مهاجرين قبالة سواحل ليبيا

مهاجرون على متن قارب مطاطي لدى وصول خفر السواحل الليبي لإنقاذهم في البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا (رويترز - أرشيفية)
مهاجرون على متن قارب مطاطي لدى وصول خفر السواحل الليبي لإنقاذهم في البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا (رويترز - أرشيفية)
TT

50 قتيلاً ومفقوداً في انقلاب قارب مهاجرين قبالة سواحل ليبيا

مهاجرون على متن قارب مطاطي لدى وصول خفر السواحل الليبي لإنقاذهم في البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا (رويترز - أرشيفية)
مهاجرون على متن قارب مطاطي لدى وصول خفر السواحل الليبي لإنقاذهم في البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا (رويترز - أرشيفية)

انقلب قارب يحمل نحو 60 مهاجراً، بينهم نساء وأطفال، وكان متجهاً إلى الشواطئ الأوروبية، قبالة سواحل شرق ليبيا في أحدث مأساة بحرية. وقالت السلطات إن ما لا يقل عن 50 شخصاً ماتوا أو فُقدوا، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ووقع الحادث يوم الثلاثاء بالقرب من جزيرة البردعة قبالة مدينة طبرق الساحلية، وفقاً لسلطات خفر السواحل في شرق ليبيا، وتمكن 10 ناجين من السباحة إلى الجزيرة لإنقاذ أنفسهم. وقال خفر السواحل إن البحث عن آخرين مستمر.

وهذه أحدث مأساة تقع قبالة سواحل ليبيا، وهي إحدى نقاط الانطلاق الرئيسية للمهاجرين الذين يحاولون عبور البحر المتوسط والوصول إلى الشواطئ الأوروبية من أجل حياة أفضل هناك. وفي الشهر الماضي أدى غرق سفينة قبالة سواحل شرق ليبيا إلى مقتل أو فقدان 51 مهاجراً.

وقالت المنظمة الدولية للهجرة إنه تم تسجيل مقتل أو فقدان أكثر من 800 مهاجر في طريق وسط البحر المتوسط في الفترة من أول يناير (كانون الثاني) وحتى 16 مايو (أيار) من هذا العام. وأضافت أن العام الماضي شهد مقتل أو فقدان أكثر من 1300 مهاجر على هذا الطريق.


«الجنائية الدولية» تراجع اتهامات لأحد المتهمين بجرائم في دارفور

عبد الله بندة خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية يونيو 2010 (موقع المحكمة)
عبد الله بندة خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية يونيو 2010 (موقع المحكمة)
TT

«الجنائية الدولية» تراجع اتهامات لأحد المتهمين بجرائم في دارفور

عبد الله بندة خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية يونيو 2010 (موقع المحكمة)
عبد الله بندة خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية يونيو 2010 (موقع المحكمة)

تعقد المحكمة الجنائية الدولية في 21 يوليو (تموز) الحالي جلسة علنية للنظر في طلب قدمه مكتب المدعي العام لسحب الاتهامات الموجهة إلى المواطن السوداني عبد الله بندة أبكر نورين، أحد المتهمين بارتكاب جرائم حرب في إقليم دارفور، في خطوة قد تنهي إحدى أقدم القضايا المنظورة أمام المحكمة.

وقالت المحكمة، في بيان نشرته على موقعها الإلكتروني، إن الدائرة الابتدائية الرابعة ستعقد الجلسة عند الساعة الثانية والنصف بعد الظهر بتوقيت لاهاي، للاستماع إلى ملاحظات الادعاء والدفاع والمشاركين بشأن طلب سحب الاتهامات، على أن تُبث الجلسة عبر الموقع الإلكتروني للمحكمة.

وتتعلق القضية بالهجوم الذي وقع في 29 سبتمبر (أيلول) 2007 على موقع قوة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي (أميد) في بلدة حسكنيتة بولاية شمال دارفور، وأسفر عن مقتل 12 من أفراد القوة، وإصابة ثمانية آخرين بجروح خطيرة. وكان بندة قد مثل طوعاً أمام المحكمة في يونيو (حزيران) 2010، قبل أن تؤكد الدائرة التمهيدية الأولى التهم الموجهة إليه في 7 مارس (آذار) 2011 وتحيله إلى المحاكمة، ثم تغيب عن جلسات المحكمة، فأصدرت الدائرة الابتدائية الرابعة مذكرة توقيف بحقه في 11 سبتمبر 2014، وظلت القضية معلقة لعدم مثوله أمام المحكمة التي لا تجري محاكمة غيابية.

الادعاء يطلب إسقاط التهم

وأعلن مكتب المدعي العام، الثلاثاء، أنه طلب الإذن بسحب ثلاث تهم بارتكاب جرائم حرب ضد عبد الله بندة، وأنه خلص إلى أن الأدلة لم تعد توفر «أسباباً جوهرية» للاعتقاد بمسؤوليته الجنائية عن الجرائم المنسوبة إليه. وقال مكتب المدعي العام إنه تقدم بطلب سحب الاتهامات في 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وظل سرياً؛ تنفيذاً لأوامر الدائرة، قبل أن ترفع السرية عن الوثائق ويعلن عنه هذا الأسبوع.

أرجع قراره إلى التدهور الكبير الذي أصاب الأدلة بمرور الزمن، واستنفاد جميع مسارات التحقيق، وتعذر الوصول إلى عدد من الشهود أو امتناعهم عن التعاون، إلى جانب وجود مشكلات تتعلق بمصداقية بعض الشهود الرئيسيين، وظهور أدلة جديدة تصبّ في مصلحة المتهم. وأضاف: «مرور أكثر من عقد على تأكيد التهم، ووصول التحقيقات إلى مراحلها النهائية، يجعلان من غير المرجح أن تؤدي أي تحريات إضافية إلى تغيير هذا التقييم».

وأرجع مكتب المدعي العام قراره إلى ما أسماه «تقييم موضوعي للأدلة»، والتزاماً بعد المضي إلى المحاكمة إلا عندما تتوافر أدلة كافية، مشيراً إلى أن سحب التهم – حال موافقة المحكمة عليه - سينهي قضية بندة، من دون أن يمنع الادعاء من إعادة توجيه الاتهامات مستقبلاً إذا ظهرت أدلة جديدة.

وقالت نائبة المدعي العام، نزهة خان، إن مكتبها يدرك أثر القرار على الضحايا الذين انتظروا العدالة لسنوات، بيد أنه ملتزم بضمان عدم إحالة أي قضية للمحاكمة إلا إذا استند إلى أدلة كافية.

نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهة خان (أ.ف.ب)

وتابعت: «طلب سحب التهم يخص بندة وحده، ولا يؤثر على القضايا الأخرى المتعلقة بجرائم دارفور، أو على التحقيقات التي يجريها مكتب الادعاء بشأن الجرائم المرتكبة خلال الحرب الحالية في السودان».

ويأتي طلب سحب التهم في حين لا يزال بندة حاضراً على الساحة العسكرية في السودان، فبعد اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في 15 أبريل (نيسان) 2023، انضم إلى القوة المشتركة التابعة للحركات المسلحة الموقّعة على اتفاق جوبا، والمتحالفة حالياً مع الجيش. وذكرت صحيفة «سودان تربيون» أنه وصل إلى مدينة الفاشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 على رأس قوة عسكرية، وأعلن انضمامه للقتال إلى جانب الجيش، قبل أن يشارك لاحقاً في العمليات العسكرية التي خاضتها القوة المشتركة في إقليم دارفور. وحسب الصحيفة، فإن بندة تعرض لإصابات بالغة خلال هجوم شنته «قوات الدعم السريع» على منطقة المالحة بشمال دارفور في مارس 2025، ونُقل إلى مصر لتلقي العلاج، ثم عاد بعدها إلى أم درمان.

ويجئ طلب سحب التهم في ظل التعقيدات التي واجهت أحد أقدم ملفات المحكمة الجنائية الدولية بشأن دارفور، في وقت يواصل فيه مكتب المدعي العام تحقيقاته في الجرائم المرتكبة بإقليم دارفور، منذ اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع».

وأحال مجلس الأمن الدولي قضية دارفور للمحكمة الجنائية الدولية في 2005، بموجب القرار 1593، لتصبح أول قضية تحال إلى المحكمة بقرار من المجلس. وتبعاً لذلك؛ أصدرت المحكمة مذكرات توقيف بحق عدد من المسؤولين السودانيين، بينهم الرئيس السابق عمر حسن أحمد البشير، الذي صدرت بحقه مذكرتا توقيف، الأولى في 4 مارس 2009 بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، والأخرى في 12 يوليو 2010 بتهمة الإبادة الجماعية. وأصدرت المحكمة كذلك أوامر قبض بحق وزير الدولة بوزارة الداخلية أحمد محمد هارون وقتها في أبريل 2007، ووزير الدفاع الأسبق عبد الرحيم محمد حسين في الأول من مارس 2012، إضافة إلى عبد الله بندة.

ورفضت حكومة الرئيس عمر البشير طوال فترة حكمها الاعتراف باختصاص المحكمة أو تسليم أي من المطلوبين، رغم مطالبة مجلس الأمن الدولي والمحكمة الجنائية الدولية بذلك بصورة متكررة.

وبعد سقوط نظام البشير في 11 أبريل 2019، أعلنت الحكومة الانتقالية استعدادها للتعاون مع المحكمة، ونص اتفاق جوبا للسلام الموقّع في أكتوبر 2020 على التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، كما وافق مجلس الوزراء في أغسطس (آب) 2021 على مشروع قانون للانضمام إلى نظام روما الأساسي، وأعلن مسؤولون التزامهم بتسليم المطلوبين، لكن تلك التعهدات لم تنفذ حتى انقلاب 25 أكتوبر 2021.

علي كوشيب خلال جلسة النطق بالحكم حيث أدين بجرائم حرب في دارفور 9 ديسمبر (أ.ف.ب)

ولا يزال مصير تنفيذ أوامر القبض الصادرة بحقهم المطلوبين من الجنائية الدولية معلقاً، وتخفي السلطات مكان وجودهم، علماً أن البشير يقيم في مكان ما بشمال البلاد.

ويعد علي محمد علي عبد الرحمن، المعروف باسم «علي كوشيب»، أول وآخر متهم في قضية دارفور مثل أمام المحكمة الجنائية الدولية، فقد سلم الرجل نفسه للمحكمة في يونيو 2020، وأدانته الدائرة الابتدائية الأولى في 6 أكتوبر 2025 بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، وحكمت عليه في 9 ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالسجن لمدة عشرين عاماً.

وتعدّ إدانة كوشيب أول إدانة تصدرها المحكمة في قضايا دارفور منذ إحالة الملف إليها قبل أكثر من عشرين عاماً، ويظل الحكم الصادر بحقه قابلاً للاستئناف. أما بحر إدريس أبو قردة، الذي شغل منصب وزير الصحة بعد توقيعه اتفاقية سلام مع حكومة البشير، فقد مثُل طوعاً أمام المحكمة عام 2009 في القضية نفسها المتعلقة بهجوم حسكنيتة، ورفضت الدائرة التمهيدية اعتماد التهم بحقه، لتنتهي الإجراءات القضائية في مواجهته دون إحالته إلى المحاكمة.