جمال عبد الناصر بعيني زوجته

حياتها الأسرية معه وذكرياتها عنه خارج عالم السياسة

جمال عبد الناصر بعيني زوجته
TT

جمال عبد الناصر بعيني زوجته

جمال عبد الناصر بعيني زوجته

عبد الناصر زوجي
تأليف: تحية جمال عبد الناصر
الناشر: مطبعة الجامعة الأميركية في القاهرة
122 صفحة

لم يكن عبد الناصر أول من يقوم بانقلاب عسكري، ذلك التقليد العربي الشائن، فقد بدأها العسكر في سوريا قبله. كما لم تكن «العروبة» من بنات أفكاره فقد نشأ هذا المفهوم في مصر وسوريا في القرن التاسع عشر. وكان سجل عبد الناصر في كل المجالات السياسة الداخلية والخارجية دون المتوسط على أدنى تقدير.
وقد حظي عبد الناصر خلال حكمه بشعبية جارفة في مصر وبعض دول العالم العربي، فشهدت جنازته عام 1970 في القاهرة أضخم حشد رأيته في أي مكان خلال عقود من العمل الصحافي. وكان حزن قطاع كبير من المصريين لوفاته كبيرا. لكن هدف السيدة تحية عبد الناصر من كتابة كتابها «عبد الناصر زوجي» لم يكن تقييم سجل عبد الناصر. بل يهدف هذا الكتاب الرائع تصوير الديكتاتور زوجا وأبا وإنسانا.
شرعت السيدة تحية في كتابة هذا الكتاب عام 1973، بعد ثلاث سنوات من رحيل عبد الناصر. ولو كان تأليف كتاب رحلة، لصح هذا على كتابها، فقد بدأت من دون خارطة طريق واضحة، فقد أرادت فقط أن ترى إلى أين تأخذها ذكرياتها.
كانت هناك ثلاثة أسباب وراء عدم تحول الكتاب إلى دفاع عن مناقب عبد الناصر. أولها أن السيدة تحية تحدثت عن عبد الناصر بصفته زوجا، وهو ما يعني التركيز على السنوات التي سبقت سيطرته على مقاليد الحكم. في تلك السنوات الثماني، 1944 - 1952، كان لدى ناصر الوقت ليكون الزوج والأب، لكنه بعد ذلك انهمك في دوامة ابتعد بها عن تحية.
وثانيا لأن تحية كانت بعيدة تماما على المشهد السياسي لحياة زوجها ومن ثم فهي لا تمتلك ما يكفي من المعلومات لتقديم رأي معتبر.
وأخيرا، كان ناصر داهية سياسية، يغير السياسات وحتى الآيديولوجيات ليتناسب مع المناسبة، وبالتالي كان من الصعب سبر أغواره وتحليله. اعتنق العلمانية ولكن نظم أيضا منظمة المؤتمر الإسلامي وسافر إلى مكة للحج في أول فرصة. تخبرنا تحية بأن ناصر طوال حياته كان يحمل نسخة مصغرة أو اثنتين من القرآن الكريم في جيبه. بدأ عبد الناصر سياسيا مواليا للولايات المتحدة لكن تحول بعد ذلك إلى السوفيات في الوقت الذي ادعى أنه مؤيد لعدم الانحياز. فكان مؤيدا للقومية العربية في يوم، وفي يوم آخر كان حاملا للواء الاشتراكية.
تقدم قصة عبد الناصر نظرة ثاقبة على قدرة المجتمع المصري في ظل النظام الملكي على توفير فرص الترقي الاجتماعي عبر الجيش والنظام الإداري للدولة. وعلى الرغم من ثراء أسرة تحية ذات الأصول الإيرانية، كان ناصر من خلفية متواضعة. وتمكن جمال أن يتزوج تحية، لأن الجيش وفر له السبيل للصعود إلى الطبقة الوسطى. وقام الزوجان بكل ما كانت تفعله الطبقات الوسطى التي نشأت في مصر في ذلك الوقت، من شراء المنزل، وبناء أسرة والتمتع بقدر من المجتمع الاستهلاكي الوليد الذي تصوره هوليوود والأفلام المصرية التي حاولت السير على خطاها. كان الاثنان من هواة السينما، وقضوا كثيرا من الأمسيات في دور السينما. وبعد أن أصبح رئيسا، بنى ناصر قاعة سينما خاصة في قصر الرئاسة. وأعطى الألمان الشرقيون ناصر كاميرا تصوير استخدمها لصنع سلسلة من الأفلام المنزلية.
وبدأ عبد الناصر وأسرته في اختبار عادات المستهلكين الجدد، فكانوا يقضون إجازاتهم على شاطئ البحر ويحضرون عروض الأوبرا، كما حاولوا تعلم اللغة الإنجليزية وحلموا بالسفر إلى أوروبا. وقد كان امتلاك مركبة خاصة من أبرز الطموحات التي سعت عائلة عبد الناصر لتحقيقها، وهذا ما تحقق لهم عندما اشتروا سيارة من طراز أوستن سوداء اللون بريطانية الصنع (وقد بقيت هذه السيارة في حوزتهم لفترة طويلة بعد تولي عبد الناصر لمنصب رئيس الجمهورية!)
ويعج كتاب تحية عبد الناصر بكثير من القصص المدهشة، التي عند ربطها ببعضها تعكس لنا صورة عن مصر ما قبل الانقلاب العسكري كمجتمع ليبرالي إلى حد كبير، إذ تذكر تحية على سبيل المثال أن منزلها تحول إلى مخزن لإخفاء كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر التي كان عبد الناصر ورفاقه من الضباط، مثل عبد الحكيم عامر وصلاح سالم، يستولون عليها من الجيش خلال أنشطتهم السرية، وهذا ما يثير الدهشة، إذ كيف بقيت الحكومة المصرية على مدى سنوات لا تعرف شيئا عما سيحدث ولا متى سيحدث، تاركة العنان بكل بساطة لعبد الناصر ومكتفية بالتوبيخ الشفهي الذي تلقاه من رئيس الوزراء في ذلك الوقت إبراهيم عبد الهادي.
لقد بنيت أسطورة عبد الناصر جزئيا على الزعم القائل بأنه كان هناك تنظيم يعرف بـ«الضباط الأحرار» الذي أنشاه وتولى زعامته عبد الناصر، تلك الأسطورة التي روجها، حسب ما أوردته تحية في كتابها، قادة الانقلاب بعد استيلائهم على السلطة. وتصور تحية «عامر» في كتابها على أنه الصديق الصدوق، بل وكأنه أخ لعبد الناصر، لكنها توضح أن الضابط، الذي تقلد فيما بعد منصب المشير، لعب دورا صغيرا في الانقلاب ويدين بالمكانة التي وصل إليها لعبد الناصر. وتضيف أن عامر حاول القيام بانقلاب ضد عبد الناصر بعد هزيمة 1967، لكن الانقلاب فشل، فانتحر المشير.
وتبدو تحية في كتابها أقل ثناء على الجنرال محمد نجيب، الضابط الكبير الذي استغله عبد الناصر كواجهة في المراحل المبكرة من العملية العسكرية للاستيلاء على السلطة، فقد كانت نظرة عائلة عبد الناصر لنجيب على أنه فلاح «ذو بشرة داكنة اللون». وإذا جاز لنا أن نصدق كل ما أوردته تحية في كتابها، فينبغي أن نضع في الاعتبار ما ذكرته من أن محمد نجيب حاول القيام بانقلاب داخل الانقلاب لاغتيال عبد الناصر. كما تسرد تحية في كتابها حادثة تقول فيها بشكل ضمني إن محمد نجيب حاول قتل خالد، ابن عبد الناصر، بعد ولادته مباشرة عندما أرسل صندوقا من الشوكولاته إلى عنبر الولادة. وحتى عندما أصبح رئيسا لمصر، لم يكن لنجيب كيان يذكر، حتى أن عبد الناصر كان يكتب المراسيم (القرارات) الرسمية ويرسلها له ليوقعها من دون مناقشة، وبالتالي كان محتما أن تنتهي حياة نجيب في الإقامة الجبرية.
أما أنور السادات، خليفة عبد الناصر في منصب الرئاسة، فلم يحتل مكانا ذا بال في كتاب تحية التي وصفته بأنه كان «ذا بشرة داكنة جدا». وتزعم تحية أن السادات لم يكن له دور في خطة الانقلاب الرئيسية، كما أنه لم يعلم شيئا عن تلك الخطوة التي أقدم عليها عبد الناصر. لكن عبد الناصر اتصل بالسادات، في اللحظات الأخيرة، وطلب منه التوجه إلى مبنى الإذاعة المصرية لقراءة البيان لقائد الانقلاب. وفي إحدى المرات أبدت تحية لعبد الناصر ملاحظتها أن السادات «ذا بشرة داكنة جدا» فرد عبد الناصر: «لكنه زوجته جميلة جدا».
وحسب تحية، كان عبد الناصر يكتب المقالات الافتتاحية في جريدة الجمهورية اليومية لكنه يوقعها باسم أنور السادات، كما أنه كان يكتب المقال الافتتاحي الأسبوعي لجريدة الأهرام، كان يوقعها باسم محمد حسنين هيكل.
وتزعم الأسطورة الناصرية أن الكولونيل عبد الناصر حارب الإسرائيليين وجرح أثناء القتال فبقي يكرههم طيلة حياته. وتعرض تحية في كتابها صورة مختلفة عن حادثة الفالوجة، فتقول إن الإسرائيليين حاصروا عبد الناصر ومجموعته في الفالوجة فتدخلت منظمة الصليب الأحمر وأطلقت سراحهم، بيد أن عبد الناصر كان قد تعرض لإصابة طفيفة بسبب شظية أثناء محاولته الهروب في سيارته الـ«جيب». وخلال فترة الحصار نشأت علاقة صداقة بين عبد النصر وضابط إسرائيلي يدعى كوهين الذي سأل عبد الناصر عن طفله الجديد عندما تقابلا بعد الهزيمة التي تعرض لها العرب في 1967.
وعلى الرغم من أنه كان قارئا نهما للصحف والجرائد، لم يكن ناصر يهتم بقراءة الكتب. وتقول تحية إن الكتاب الوحيد الذي رأت زوجها يمسكه بيده كان كتيبا صغيرا عن «أبي ذر الغفاري»، أحد المسلمين الأوائل الذي يصفه عبد الناصر بأنه «مؤسس الاشتراكية الإسلامية».
وتذكر تحية في كتابها مشاهد تستدعي إلى الذاكرة سلسلة شرطة كيستون (أو كيستون كوبس) وهي مجموعة من الأفلام الكوميدية الصامتة من إنتاج شركة «كيستون» في بداية القرن العشرين. تروي تحية أحد تلك المشاهد فتقول إنه في أثناء زيارة دولة لعبد الناصر والأسرة والوفد المرافق له إلى يوغوسلافيا، عندما استولى الجيش العراقي على السلطة في بغداد عام 1958، أكد هيكل، الذي كان ضمن الوفد، أن أسطول الولايات المتحدة السادس كان يعد لاختطاف عبد الناصر أثناء عودته عن طريق البحر إلى الإسكندرية، وإزاء تلك الأنباء فقد تم وضع تحية وباقي الوفد تحت حماية الجيش اليوغوسلافي في أحد القصور في جزيرة بريوني، بينما اختفى عبد الناصر تماما. وبعد ذلك علموا أن مدمرة بحرية روسية قد نقلت عبد الناصر على وجه السرعة إلى الاتحاد السوفياتي، ثم عاد عبد الناصر عن طريق الجو من موسكو على متن طائرة حربية إلى القاهرة.
وبوصف أخاذ، تشير تحية في أحد أجزاء الكتاب إلى أن زوجها قد أصيب بمرض السكري بعد انهيار الوحدة بين مصر وسوريا على إثر الانقلاب الذي قاده البعثيون في دمشق. وتحتوي المواقف التي سردتها تحية في الكتاب على كثير من المشاهد المؤثرة، من بينها مشهد عودة عبد الناصر إلى المنزل بعد تقديم استقالته في أعقاب هزيمة يونيو (حزيران) 1967 على يد إسرائيل، حين ابتلع الديكتاتور المنكسر حبوبا منومة ثم لبس بيجامته وخلد إلى النوم. بالمناسبة كانت البيجامة من قماش ناعم مقلم، كما تخبرنا تحية.
بيد أن طريقة تحية عبد الناصر في سرد الأحداث مشوقة.



في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
TT

في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)

تتبع مجلة «القافلة» السعودية، التي تصدرها شركة أرامكو، في عددها الجديد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)، مسيرة الفكر الإنساني وتطوره من تاريخ «السُّلم»، العنصر المعماري ذي الدلالات والرموز الثقافية، وصولاً إلى تساؤلات العصر الحديث عن التنوع الثقافي وضمان عدالتها.

العدالة الثقافية

في قضية العدد، تتناول «القافلة» مفهوم «العدالة الثقافية» بوصفها أساساً لتطور المجتمع ولضمان وصول الثقافة إلى الجميع، بتتبع نشأة هذا المفهوم وتوسّعه عالميّاً مشمولاً بالتنوع والتمثيل الرقمي، وحقوق الثقافات المختلفة.

يرى الدكتور محمود الضبع أن القوة الناعمة ترتبط بالعدالة الثقافية، مؤكداً أن الثقافة موردٌ إنتاجي واستراتيجي يستلزم سياسات داعمة، في حين يتناول الدكتور عبد الواحد الحميد التحديات المرتبطة بالتفاوت الجغرافي والاجتماعي في المملكة، مبرزاً الحاجة إلى دعم موجّه يضمن شمول الثقافة للجميع.

الخوف من الكتب

في قسم «أدب وفنون»، تتتبّع ندى حطيط تاريخ الخوف من الكتب من حيث إنها «سمٌّ وترياق»، مُسلّطةً الضوء على قدرتها على تغيير الوعي، انطلاقاً من الفلسفة القديمة إلى الرقابة الحديثة. ويقرأ الدكتور سعيد يقطين تحولات مفهوم «الالتزام الأدبي» منتقداً استنساخ المفاهيم الغربية. كما يبرز الدكتور مسفر القحطاني أهمية تأسيس المعهد الملكي للإنثروبولوجيا الذي سيشكل نقلةً معرفية لدراسة الإنسان السعودي وفهم الهوية الثقافية بعمق، في حين يرصد الكاتب عبد الرحمن السليمان سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي، ويقدم الدكتور سعيد بنكراد رؤيته للثقافة، التي هي ترويض للطبيعة وبناء رمزي للإنسان؛ مُشكِّلةً بذلك الهوية والسلوك والمعنى.

يتناول العدد الجديد من «القافلة» سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي

الثقوب السوداء

في قسم «علوم»، يتناول الدكتور نضال قسوم تطوّر فهمنا للثقوب السوداء ابتداءً من مجرد طرحها فرضيةً فيزيائية إلى تصويرها المباشر منذ عام 2019م. ويناقش الدكتور عبد الهادي الهباد اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه، الحالة الناتجة عن تفاعل عوامل بيولوجية وبيئية متعددة، مؤكداً تأثير أنماط الحياة الرقمية الحديثة في تشكيل الانتباه. وفي زاوية «مجهر»، تتناول الدكتورة ندى الأحمدي ظاهرة انخفاض سن البلوغ لدى الفتيات عالميّاً.

أسرار الحدس

في قسم «آفاق»، تناقش الدكتورة سماهر الضامن «الحدس» بوصفه معرفةً لاواعية متجسدة، وتستعرض تحوّله في عصر التقنيات العصبية وما بعد الإنسانية. وتشرح آلاء الحاجي دور الفن في العلاج لتنظيم المشاعر حين تعجز اللغة عن التعبير عن الصدمات. كما يتناول ناصر الرباط الحديقة الإسلامية التي شكّلت استجابة بيئية للندرة، بينما يأخذنا أشرف فقيه في زاوية «عين وعدسة» إلى آيسلندا، الجزيرة البركانية التي تجمع بين الجليد والنار.

السُّلم... ارتقاء معماري

يختتم العدد بملف خاص عن «السُّلم»، يستعرض تاريخه بوصفه عنصراً معماريّاً تطور من أشكال طبيعية بدائية إلى رموز دينية واجتماعية وجمالية عبر العصور. كما يناقش دلالاته الثقافية والرمزية في اللغة، والفنون، والسينما، حيث تمثل الصعود والهبوط والتحولات النفسية والوجودية، مبرزاً دوره الحضري بوصفه فضاءً للتفاعل الاجتماعي والثقافي.

وفي قراءةٍ للمشهد الثقافي، يسلّط العدد 716 الضوء على إشكالية التلقي الفني وتحوّل العمل الفني إلى صناعةٍ خاضعة لذائقة الجمهور وفق تحليل الدكتور علي زعلة. كما يحتفي العدد بجماليات اللحظات العابرة، من خلال استعراض تجربة الفنان كميل حوّا في زاوية «ضوء»، ويتطرق كذلك لبرنامج «العلم + أدب» الرامي لإعادة صياغة المفاهيم العلمية ضمن قوالب إنسانية مؤثرة، ليضع بين يدي القارئ مزيجاً فريداً يوازن بين التأمل الفكري العميق ومتعة استكشاف الحياة وتنوعها.


نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
TT

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)

ازدهر النحت التصويري في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى، فاتّخذ طابعاً خاصاً يجمع بين التقاليد الهلنستية والطرز الفارسية في قوالب مبتكرة، شكّلت أسلوباً محلياً خاصاً، تجلّى في شواهد عدّة خرجت من مواقع أثرية، أبرزها تدمر، المدينة التي ازدهرت في تلك الأزمنة، وبدت فيها أشبه بميناء الصحراء، وبوابة المرور بين إمبراطوريتين عدوّتين تتقاسمان الشرق. ظلّ هذا التقليد الفني حياً في عهد الدولة الأموية، وأسبغ طابعه على الكثير من الحلل، زيّنت القصور التي شيّدها خلفاء هذه الدولة وسط صحاري بلاد الشام، ومنها قصر الحير الغربي الذي بناه هشام بن عبد الملك في عام 727، في ناحية من البادية السورية، تقع على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب غربي مدينة تدمر.

ذكر ياقوت الحموي تدمر في «معجم البلدان» خلال العهد الأخير من العصر العباسي، وكتب في تعريفه بها: «مدينة قديمة مشهورة في برية الشام»، «زعم قوم أنها مما بَنته الجن لسليمان - عليه السلام -، ونعم الشاهد على ذلك، قول الذبياني:

إلا سليمان إذ قال الإلهُ له

قُم في البرية فاحْدُدْها عن الفَنَد

وجَيش الجن إني قد أمرتُهُمُ

يَبنون تدمر بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ».

نقل ياقوت هذين البيتين، وأضاف معلّقاً: «وأهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل سليمان بن داود - عليه السلام - بأكثر مما بيننا وبين سليمان، ولكن الناس إذا رأوا بناءً عجيباً جهلوا بانيه أضافوه إلى سليمان وإلى الجن». والكلام هنا في الواقع يعود للجاحظ في «الحيوان»، ونصّه: «ولكنّكم إذا رأيتمْ بنياناً عجيباً، وجهلتم موضع الحِيلة فيه، أضفْتُموه إلى الجنّ، ولم تعانوه بالفكر».

ذكر القزويني كذلك هذه المدينة في «آثار البلاد وأخبار العباد»، وقال إن «أبنيتها من أعجب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام»، ونقل شعر النابغة الذبياني فيها، وأضاف: «وبها تصاوير كثيرة، منها صورة جاريتين من حجارة نمق الصانع في تصويرهما». يشير هذا الحديث بشكل جليّ إلى نحت حجري يمثّل امرأتين، «مرّ بهما أوس بن ثعلبة» الذي عاش في زمن معاوية، وقال في وصفهما:

فتاتَي أهل تدمر خبّراني

ألمّا تسأما طول المقام

قيامكما على غير الحشايا

على حبلٍ أصمّ من الرّخام

فكم قد مرّ من عدد اللّيالي

لعصركما وعام بعد عام

وإنّكما على مرّ اللّيالي

لأبقى من فروع ابني شمام».

في العصر الحديث، أعاد المختصون كتابة تاريخ تدمر، وحدّدوا موقعها في الحقبة الرومانية التي شهدت نموها وأفولها. افتتن علماء الآثار بمعالم هذه المدينة، وأخرجوا من الظلمة إلى النور قبورها الجماعية والفردية الكثيرة، وعمدوا إلى دراستها بشكل دقيق. جعلت تدمر من مقابرها هياكل تعلن حلول الحياة الأبدية، هذه الحياة «الأخرى» حيث تعيش النفس في عالم الخلود. تجلَّى هذا الطابع في عشرات التماثيل التي أُخرجت من أطلال تدمر، وأغلبها تماثيل جنائزية اعتمدت في الأصل كشواهد للقبور التي صُنعت لأجلها.

تمثّل هذه المجسّمات المنحوتة قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها. يغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر. نتلمّس هنا النسق الهلنستي السوري، حيث ينصهر النمط الروماني بطراز محليّ يُعيد قولبته بشكل جديد. تجمع الثياب بين التقاليد الرومانية والفارسية، وتزيّنها ثنايا وحلل تتحوّل إلى شبكات من الزخارف المتجانسة. في الألواح الفردية كما في الألواح الجماعية، تتعاقب القامات في توازٍ وتماثل، وتسود الوضعية المواجهة للوجه على التأليف. تتجلّى الصورة العائلية في مشهد يُعرف بـ«الوليمة الجنائزية»، وفيه يحضر الرجل ممدّداً، رافعاً بيده اليمنى كأساً، بينما تجلس امرأته من خلفه على اليسار، في قياس تناسبي رمزي يعتمد تصغير حجمها. تعود الوجوه إلى أناس رحلوا عن هذه الدنيا، لكن اللافت هنا غياب وجوه المسنّين، فالفن لا ينقل الواقع، بل يجرّده ويقدّسه.

تتضاءل قامة الجسد أمام اتساع كتلة الوجه. يخرج التصوير عن القواعد الكلاسيكية بتجسيمها الواقعي الفردي، ويتبنّى صيغة توحيدية جامعة. نرى امرأةً واحدة، رجلاً واحداً، وطفلاً واحداً. يتكرّر الوجه الواحد، ويرافقه اسم صاحبه مع كلمة «نفشة» الأرامية، التي معناها «نفس». الوجه هنا إشارة النفس والروح، ينتصب فوق القبر مجرّداً من ترابيّته، شاخص العينين، محدّقاً فيما يُرى وما لا يُقال.

تمثّل هذه المنحوتات قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها ويغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر

يبرز هذا النسق في الكثير من النقوش النحتية التي خرجت من قصر الحير الغربي، وأشهرها قطعتان عُرضتا في معارض عالمية خُصصت للميراث السوري. تعود هاتان القطعتان في الأصل إلى واجهة القصر، وتشكّلان عنصرين من عناصر حللها التصويرية. تتمثل أكبر هاتين القطعتين بنصب يبدو أشبه بتمثال وصل بشكل جزئي للأسف، ويصوّر قامة ممدّدة، تجاورها في الخلف قامة جالسة. يبلغ طول هذا النصب 86 سنتيمتراً، وعرضه 98 سنتيمتراً، ويتبنّى بشكل واضح نموذج «الوليمة الجنائزية». فقد الرجل الممدّد صدره ورأسه، وبقيت منه ساقاه الملتحفتان بثنايا ردائه الطويل، ويده اليسرى المستريحة على ركبته. كذلك، فقدت رفيقته رأسها، وظهرت قامتها بردائها التقليدي، مع حزام معقود تحت صدرها البارز.

تتمثّل القطعة الثانية بنصب أنثوي نصفي، يبلغ طوله 43 سنتيمتراً، وعرضه 38 سنتيمتراً، وفيه تحضر امرأة متوجة، تحمل بيدها اليسرى طيراً سقط رأسه، وتقبض بيدها اليمنى على طرف ضفيرة تنسدل من شعرها على طرف صدرها. الوجه تدمري بامتياز، وعيناه لوزتان كبيرتان، يتوسّط كلّ منهما ثقب دائري يمثّل البؤبؤ. خصل الشعر متجانسة في شقين عموديين، تكسوهما مساحات أفقية مرصوصة كأسنان المشط. يكلّل الرأس تاج دائري يحدّه شريط تعلوه مساحات بيضاوية، تفصل بينها في الوسط مساحة مثلّثة. تختفي الأذنان تحت خصل الشعر، ولا يظهر منهما إلا الطرف الأسفل، ومنه تتدلّى حلقة بيضاوية كبيرة. الثوب بسيط ومجرّد، ويحدّ أعلاه شريط يلتف حول الكتفين كعقد.

يحضر هذا النموذج في قطعة نحتية أخرى من القصر تمثّل قامة أنثوية نصفية ضاعت ملامح وجهها بشكل كامل للأسف. يظهر الصدر الناتئ هنا تحت رداء تزيّنه شبكة من الثنايا المتوجة هندسياً، في صياغة مبتكرة تُسبغ على هذا التأليف التقليدي طابعاً خاصاً. هنا وهناك، يحضر النسق التدمري بقوّة في قوالب مبتكرة، تشهد لاستمرارية الميراث الفني الأموي وتجدّده في ظلّ الحكم الأموي.


التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل
TT

التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل

كثيراً ما يُطرح السؤال: لماذا هيغل؟ لا بأس سأجيب إجابة غير مستعارة. نقرأ هيغل لأننا حين ننظر فيما كتب لا نجد فيلسوفاً منشغلاً بالمفاهيم المجردة وحدها، بل عقلاً حاول أن يفهم حركة الحضارات نفسها، وأن يقرأ التاريخ بوصفه مساراً يتكشف فيه الوعي الإنساني. هكذا ينبغي أن نفهم فلسفته، إنها تفلسف على الحضارات. ولأن مشروعه لا ينظر إلى الشعوب والأحداث بوصفها وقائع متفرقة، بل بوصفها تعبيرات عن روح العالم وهي تعيد فهم ذاتها عبر الزمان.

حين نقترب من مشروع هيغل، نكتشف أننا لا نقف أمام فيلسوف يشتغل داخل حدود النسق المجرد، بل أمام عقل جعل التاريخ الإنساني كله موضوعاً للتفكير. لم يكن همه أن يضع مفاهيم في فراغ، بل أن يقرأ العالم بوصفه نصاً عقلياً، وأن يرى في تاريخ الشعوب مساراً يتكشف فيه العقل ويتطوّر. من هنا نفهم أن التفلسف عنده لم يكن على الأفكار وحدها، بل على الحضارات بوصفها تجليات حية للفكر.

لكن هذا التعبير، «مساراً يتكشف فيه العقل»، يحتاج إلى توضيح. فالمقصود أن العقل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتجلى عبر التاريخ. الطفل يظن في البداية أن الحرية تعني أن يفعل ما يريد، ثم يكتشف أنها ترتبط بالنظام وبحقوق الآخرين. وما يحدث للفرد يحدث أيضاً للحضارات. ففي العصور القديمة كان الحاكم وحده يُنظر إليه بوصفه حراً، ثم توسع هذا التصور تدريجياً حتى صار العالم الحديث يتحدث عن حرية الإنسان من حيث المبدأ. هذا التدرج هو ما يعنيه هيغل بانكشاف العقل داخل التاريخ.

ومن هنا تصبح الحضارة وعياً يتحرك، لا مجرد واقع يتراكم. ليست الحضارة أبنية وتقنيات فقط، بل الطريقة التي تفهم بها روح العالم نفسها وهي تعيش الزمان. ما نراه من نظم ومؤسسات ليس إلا السطح، أما العمق فهو هذا الوعي الذي يتشكل ويتغير ويعيد تفسير ذاته. الحضارة ليست ما نملكه، وإنما ما نعيه. وليست ما نرثه. إنها ما نعيد صياغته باستمرار.

العالم عند هيغل ليس فوضى من الوقائع، بل بنية قابلة للفهم. ما يبدو عرضياً أو متناقضاً يمكن إدراجه داخل منطق أوسع. لذلك يصبح التاريخ أشبه بكتاب مكتوب بالأحداث والحضارات لا بالكلمات. مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل قراءة هذا الترابط الداخلي، أي بيان كيف تنتج مرحلة عن أخرى، وكيف تتطور أشكال وعينا عبر الزمان.

من هنا يتغير معنى الفلسفة نفسها. فهي لم تعد انسحاباً من العالم، بل وعي به. التاريخ لا يعود مادة خارجية، بل يصبح ميدان تحقق الفكر. والحضارة ليست إطاراً زمنياً فقط، إنما طريقة يعيش بها الإنسان حريته ويفهم بها ذاته. ولهذا تعامل هيغل مع الفكر والفن والدين والدولة بوصفها تعبيرات متعددة لروح واحدة تحاول أن تقول نفسها بأشكال مختلفة.

الحضارة في هذا التصور ليست خطاً مستقيماً، بل مسار يتعثر ويتقدم. كل مرحلة تاريخية هي إجابة مؤقتة عن سؤال دائم، من نحن؟ لكنها لا تلغي ما قبلها، بل تتجاوزه وهي تحمله داخلها. غير أن هذا التجاوز لا يحدث بهدوء، لأن روح الحضارة لا تتحرك إلا عبر التذبذب. كل شكل حضاري يحمل تناقضاً داخلياً، وهذا التناقض ليس عيباً. إنه القوة التي تدفعه إلى التحول.

لهذا يرى هيغل أن الحضارة التي تبحث عن الاستقرار الكامل وتخاف من التصدع تدخل غالباً في حالة جمود. فالوعي لا ينمو إلا حين يواجه حدوده. ومن هنا تأخذ لحظات الصراع معنى أكثر تعقيداً، إذ لا تكون مجرد انهيار، بل اختبار يكشف إن كانت الحضارة لا تزال حية وقادرة على الفعل.

وتصبح الدولة لحظة حاسمة في هذا المسار، لأنها الشكل الذي تحاول فيه روح العالم أن تنظّم نفسها عقلانياً. الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل تعبير عن فهم الحضارة للحرية، وعن قدرتها على التوازن بين الفرد والجماعة. الدولة الحية ليست التي تفرض النظام فقط، بل التي تعبّر عن وعي متجدد قادر على التكيف مع التحولات دون أن يفقد نفسه.

ومن هنا يعيد هيغل ترتيب علاقتنا بالحضارات. فهي ليست كيانات مغلقة، بل لحظات في مسار متصل. الحضارة اليونانية تمثل لحظة إدراك الإنسان ذاته داخل المدينة، والرومانية تجسد تجريد القانون، والعالم الحديث يكشف ذاتية الحرية وتنظيمها. ليست هذه مجرد أوصاف تاريخية، بل مراحل في وعي الروح بذاتها. لكن هذا التصور يقود أيضاً إلى مشكلة الحضارة التاريخية، حين يتحول الماضي إلى سلطة عليا. يعيش المجتمع داخل سردياته القديمة، ويقيس بها الحاضر، فينفصل تدريجياً عن الواقع. لا يرى نفسه كما هو، بل كما يحب أن يكون. يصنع بطولات وهمية، ويضخم صورته، لأنه يشعر في داخله بخلل لا يريد مواجهته.

وهذا الانفصال لا يظهر دائماً بصورة مباشرة، بل يتسلل إلى اللغة اليومية، وإلى طريقة تفسير الأحداث، وإلى الميل لتعليق الإخفاق على الخارج. الحضارة التاريخية تتحدث كثيراً عن الماضي، لأنها لا تملك ما تقوله عن الحاضر. تملك خطاباً واسعاً، لكنها تفقد القدرة على الفعل.

في المقابل، الحضارة الحية لا تنكر ماضيها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل معه بوصفه تجربة، لا معياراً نهائياً. وتنظر إلى المستقبل باعتباره إمكاناً مفتوحاً، لا تكراراً لما كان. ولهذا تكون أكثر قدرة على التغيير، لأنها لا تخاف من إعادة تعريف نفسها، ولا ترى في المراجعة ضعفاً، فهي شرط الاستمرار.

التفلسف على الحضارات في النهاية هو النظر إليها كحركة مستمرة لروح العالم. الحضارة ليست حقيقة جاهزة، بل مشروع مفتوح. وما بين أمة تخلق معنى جديداً، وأمة تكرر معنى قديماً، يتحدد موقع كل حضارة في التاريخ. هناك من يعيش الزمان بوصفه إمكاناً، وهناك من يعيشه بوصفه حنيناً. وبين الإمكان والحنين يتقرر مصير الحضارات.