ترمب والحلفاء والخيارات الثلاثة لإيقاف أنشطة إيران المقلقة

جميع الجهود التي بذلتها واشنطن لاحتواء طهران تكللت بالفشل الذريع

مبنى أبراج الخبر (شرق السعودية) الذي كانت تتمركز فيه القوات الأميركية وتم تفجيره بسيارة مفخخة.. وثبت أن إيران تقف خلف هذا الهجوم الإرهابي
مبنى أبراج الخبر (شرق السعودية) الذي كانت تتمركز فيه القوات الأميركية وتم تفجيره بسيارة مفخخة.. وثبت أن إيران تقف خلف هذا الهجوم الإرهابي
TT

ترمب والحلفاء والخيارات الثلاثة لإيقاف أنشطة إيران المقلقة

مبنى أبراج الخبر (شرق السعودية) الذي كانت تتمركز فيه القوات الأميركية وتم تفجيره بسيارة مفخخة.. وثبت أن إيران تقف خلف هذا الهجوم الإرهابي
مبنى أبراج الخبر (شرق السعودية) الذي كانت تتمركز فيه القوات الأميركية وتم تفجيره بسيارة مفخخة.. وثبت أن إيران تقف خلف هذا الهجوم الإرهابي

ما الذي يمكن فعله بشأن إيران؟ شغل هذا السؤال بال كل الإدارات الأميركية منذ عام 1979 عندما استولت مجموعة من طلاب الجامعات الإيرانية على مبنى السفارة الأميركية في طهران، واحتجزت الدبلوماسيين رهائن لمدة 444 يوماً. وعلى مدى العقود الأربعة التي أعقبت ذلك، أحلّت الجمهورية الإسلامية في إيران نفسها محل العدو الرئيسي للولايات المتحدة الأميركية، لا سيما بعد تفكك الاتحاد السوفياتي السابق. وخلال تلك الفترة الزمنية الممتدة عمدت إيران على احتجاز المزيد من الرهائن الأميركيين سواء داخل الأراضي الإيرانية أو في لبنان حيث النفوذ الإيراني الكبير عبر وكلائها المحليين هناك. وفي حقيقة الأمر، ومنذ عام 1979، لم يكد يمر يوم من الأيام من دون احتجاز إيران لرعية من الرعايا الأميركيين.
ووفقاً لما صرح به الجنرال ديفيد بترايوس، الرجل الذي تولى قيادة القوات الأميركية في العراق وأفغانستان، فإن إيران كانت المسؤول المباشر عن مقتل المئات من الجنود الأميركيين في الحروب منخفضة الكثافة في تلك البلدان.
وفي الوقت الذي استهدفت فيه إيران الولايات المتحدة الأميركية بصورة مباشرة، كانت إيران الثورية قد حاولت كذلك زعزعة استقرار أو الإطاحة بأنظمة الحكم في البلدان المتحالفة مع الولايات المتحدة فيما بات يُعرف إعلامياً باسم منطقة الشرق الأوسط الكبير، وهي قوس الأزمة الذي يمتد من المحيط الأطلسي غرباً، وحتى المحيط الهندي شرقاً.
وعلى رغم كثير من تقلبات المد والجزر وفترات التوتر الموجزة التي أخمدت نيرانها، لم يفقد سؤال «ما الذي يمكن فعله بشأن إيران؟» إلحاحه أو زخمه حتى الساعة.
وليس من المستغرب، رغم كل شيء، أن الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة السيد دونالد جيه ترمب تتولى هي الأخرى التصدي لمثل هذا السؤال الملحّ.
ورغم الجهود الشاقة والمضنية التي بذلتها الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ الرئيس جيمي كارتر، وحتى الرئيس باراك أوباما، فإنها قد أخفقت كلها في العثور على إجابة فعالة وشافية لهذا السؤال.
ومن أحد الأسباب وراء ذلك هو عدم تفهم وإدراك طبيعة المشهد السياسي الإيراني الجديد.
كما أنهم لم يدركوا أن إيران ما بعد عام 1979 (عام اندلاع الثورة)، باتت منقسمة بين واقعين متباينين: إيران الدولة القومية، وإيران الخمينية صاحبة الآيديولوجية التي تسعى لتعزيزها ونشرها بكل وسيلة ممكنة.
تعاملت السياسة الأميركية، كمثل ما تعاملت بقية بلدان العالم، مع أولئك الذين يزعمون تمثيل إيران كدولة قومية، من أصحاب الابتسامات الكبيرة والأحاديث الدمثة المهذبة باللغات الإنجليزية، وربما الفرنسية، الذين يتصرفون بوجه عام كمثل الموظفين العموميين العاديين في أي نظام حكم من الأنظمة المعروفة. ولقد استغرق الأمر أعواماً عديدة من السياسيين الغربيين لكي يدركوا أن الرجال أصحاب الابتسامات العريضة والأخلاق الرفيعة ليسوا أكثر من ممثلين موهوبين ومحترفين يقومون بأدوار محددة ومرسومة لهم بكل عناية من مستوى رئيس الجمهورية، أو وزير الخارجية أو السفراء الدبلوماسيين، وأن صُنّاع القرارات السياسية الحقيقية في إيران مختفون تماماً وراء جدران من الغموض لا يعلم بهم أحد.
ونظرا لسوء الفهم المشار إليه، لم تدرك الحكومات الغربية، بما فيها الولايات المتحدة الأميركية، أنه على الرغم من التنازلات الكثيرة المقدمة إلى إيران بصفتها دولة قومية، فإنها لم تُفلح في إخماد نيران العداوة الإيرانية كمحرك من أكبر محركي الآيديولوجية الثورية في المنطقة.
كتب الرئيس الأسبق جيمي كارتر خطابات التملق والثناء إلى آية الله روح الله الخميني، وأقام اتصالات المستوى الرفيع مع النظام الإيراني الجديد مع وعود أكيدة بمد جسور المساعدات الاقتصادية والعسكرية.
حتى إن الرئيس الراحل رونالد ريغان كسر قواعد القانون الأميركي المعمول بها مع تهريب الأسلحة إلى إيران عبر إسرائيل لمساعدة حكومة الملالي في قتالها ضد نظام صدام حسين في العراق. ولقد تقدم الرئيس الأسبق بيل كلينتون مرتين بالاعتذار إلى ملالي طهران عن كل المساوئ أو المصائب التي لحقت بإيران على أيدي الغرب. كما أنه رفع مجموعة كبيرة من العقوبات الاقتصادية التي فرضها الرئيس كارتر على إيران، في أعقاب حادثة الاستيلاء على السفارة الأميركية في طهران.
حتى الرئيس جورج دبليو بوش الذي بذل قصارى جهده، بما في ذلك نشر بيان «التسول» الشهير مستجديا الملالي لفتح قناة للحوار على أمل جلب إيران إلى داخل الخيمة العالمية. وفي العراق، عمل على مساعدة وكلاء إيران، إبراهيم الجعفري ونوري المالكي، في تأمين منصب رئيس وزراء البلاد على حساب حلفاء واشنطن الأساسيين في العراق.
وعندما يتعلق الأمر بالرئيس باراك أوباما، فقد شهد العالم الجهود الحثيثة من جانب الولايات المتحدة للمضي قدما على طريق إقناع الجمهورية الإسلامية في إيران بتغيير جوانب ما من سلوكياتها السياسية.
واليوم، فإن الآراء كلها تتفق على أن جميع هذه الجهود قد تكللت بالفشل الذريع.
وبالتالي، فإنه يتعين على إدارة الرئيس ترمب الاضطلاع بمعالجة المسألة الإيرانية على خلفية عقود ممتدة من الإخفاق والفشل.
وعندما يتعلق الأمر بالتعامل مع إيران، تملك إدارة الرئيس ترمب الكثير من المزايا التي افتقرت إليها الإدارات الأميركية السابقة.
إحدى هذه المزايا تتضمن بعض الشخصيات المعنية ذات المعرفة والدراية العميقة بالسياسات الإيرانية وخبرات الشأن الإيراني التي تعود إلى عقود ماضية. إذ بدأ نائب الرئيس مايك بنس التخصص في القضايا الإيرانية منذ أيامه الأولى كعضو في الكونغرس الأميركي. كما تراكم قدر معتبر من الخبرة والمعرفة بالسياسات الإيرانية لدى وزير الدفاع الجنرال جيمس ماتيس، المحارب الأسبق في العراق وأفغانستان، من عمله في الخطوط الأمامية، إن جاز التعبير. وكان الرئيس الجديد لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية مايك بومبيو، وعبر كثير من السنوات، الشخصية الرئيسية في مجلس النواب الأميركي المعني بالقضايا وثيقة الصلة بالشأن الإيراني. كما ينتمي مستشار الأمن القومي الأميركي الجنرال ماكماستر إلى حفنة صغيرة من القادة الأميركيين الذين درسوا وراقبوا الجمهورية الإسلامية في إيران لأكثر من عقدين من الزمان.
وعلى القدر ذاته من الأهمية يأتي قرار الإدارة الأميركية الجديد بإقصاء أصحاب المناصب السياسية المؤثرة من بقايا إدارة الرئيس أوباما السابقة ممن لا يزالون يحدوهم الأمل في تغيير الوضعية الإيرانية من «العدو» إلى «الصديق».
وقد أمضت الإدارة الأميركية الجديدة الشهور القليلة الماضية في محاولات صياغة المنهج المتماسك حيال المشكلة الإيرانية، مع تفادي أية خطوات متسرعة على هذا المسار. وهذا هو السبب في قرار الرئيس ترمب بتجديد رفع بعض العقوبات على إيران لمدة ثلاثة شهور أخرى. كما أنه كان السبب وراء تأجيل خطوة الكونغرس الأميركي في إعلان قوات الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية.
كما تدرك إدارة الرئيس ترمب كذلك أنه، وعبر إسقاط خيار الحرب الشاملة المستبعد في الوقت الراهن، لن يمكن لواشنطن بمفردها كسر الإرادة الإيرانية في المنطقة. دائما ما سعت الإدارات الأميركية السابقة للوصول إلى عقد صفقات حصرية مع الجانب الإيراني، الأمر الذي دائما ما أبقى حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط على الهامش. أما الرئيس ترمب، رغم ذلك، فهو يسعى وراء تكوين تحالف واسع النطاق مع كل من الحلفاء الأوروبيين والشرق أوسطيين، كما أنه لمح، باعتبار ظروف خاصة ومعينة، إلى إمكانية ضم روسيا إلى هذا التحالف المزمع.
ويحول هذا المنهج دون إيران وممارسة ألاعيبها المعتادة التي استمرأتها خلال العقود الماضية، من تأليب البلدان الأوروبية على الولايات المتحدة ومحاولات تقسيم القوى المستقرة في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك دول مجلس التعاون الخليجي، ضد بعضها البعض. ويستند تحليل واشنطن الجديد على الدفع بإيران كعدو وحيد يشكل تهديداً للنظام العالمي بأسره، ولا بد بالتالي أن تكون مدعاة لكل قلق لدى الجميع بمن فيهم روسيا، وتركيا، والاتحاد الأوروبي، والدول العربية، وإسرائيل.
ورغم كل ذلك، فإن ما لم يتضح بعد هو الغاية النهائية لدى الإدارة الأميركية الجديدة فيما يتعلق بإيران.
ويفتقر السؤال الحاسم ما إذا كانت الإدارة الأميركية تسعى إلى إحداث تغير في السلوكيات الإيرانية أم تغيير النظام الحاكم في طهران إلى إجابة شافية. وتأمل بعض العناصر قريبة الصلة بالإدارة الأميركية، التي تستوحي مواقفها أحياناً من وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر، في إجراء تغيير في السلوكيات الإيرانية بالدرجة التي تسمح لإيران بالتغلغل داخل النسيج الجديد للأمن الإقليمي والتعاون الذي أرست أسسه اتفاقات هلسنكي في سبعينات القرن الماضي أو حتى معاهدات ويستفاليا التي أبرمت قبل قرنين من الزمان.
ومع ذلك، فإن الرفض القاطع لاستراتيجية القبعات قد خرج بالفعل وبكل صرامة من مكان غير متوقع، ألا وهو «المرشد الأعلى» للجمهورية الإسلامية الإيرانية آية الله علي خامنئي.
فلقد صرح خامنئي في خطابه إلى الجيش الإيراني في جامعة الإمام الحسين خلال الأسبوع الماضي بأنه لن يسمح أبداً بإجراء أدنى قدر من التغيير في سلوكيات حكومته لأن ذلك قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تغيير النظام الحاكم في إيران بأسره.
وقال علي خامنئي مضيفا: «إن غايتنا تغيير العالم ولا يمكن أن نسمح للعالم بتغييرنا».
ولقد ذهب كبير خبراء الاستراتيجية الإيرانية في الحرس الثوري الإيراني الدكتور حسن عباسي، والمعروف إعلاميا باسم «كيسنجر الإسلام»، إلى ما هو أبعد من ذلك من خلال الإصرار على أن الغاية القصوى للثورة الخمينية في إيران هي تحويل الولايات المتحدة الأميركية إلى جمهورية إسلامية، وتحويل البيت الأبيض إلى «حسينية».
ووفقا للسرد الإيراني، مع استثناءات طفيفة، فإن جميع حكومات العالم اليوم هي حكومات غير شرعية ولا بد من الإطاحة بها عن طريق الأعمال الثورية. والتركيز العاجل لهذه السياسة، بطبيعة الحال، ينصب على الدول ذات السواد الأعظم من المسلمين. وتقع مسؤولية تصدير الثورة الإيرانية إلى تلك البلدان على عاتق أمانة الصحوة الإسلامية التي أنشأها الإمام الخميني وترأسها وزير الخارجية الإيراني الأسبق علي أكبر ولاياتي. أما وزارة الخارجية الإيرانية الرسمية، التي يرأسها في الوقت الراهن محمد جواد ظريف، فهي أبعد ما تكون حاليا عن القضايا المتعلقة بالدول ذات الأغلبية المسلمة.
والانقسام الحاد في الشخصية الذي تعاني منه إيران بات واضحا لكل مراقب للأحداث. فهناك في إيران منصب المرشد الأعلى إلى جانب منصب رئيس الجمهورية. وهناك مجلس رسمي للوزراء إلى جانب مجلس استشاري غير رسمي. وهناك برلمان قائم في إيران تحت اسم مجلس الشورى ولكن يمكن بكل سهولة إلغاء أي أو كل من التشريعات الصادرة عنه بفتاوى من مكتب المرشد الإيراني الأعلى.
كما أن هناك جيشاً تقليدياً في إيران من القوات البرية والبحرية والجوية إلى جانب جيش آخر موازٍ تحت اسم قوات الحرس الثوري الإيراني، بقوات برية وبحرية وجوية مماثلة. وهناك قوات الشرطة العادية إلى جانب قوات الباسيج الخاصة، أو الشرطة الثورية الإيرانية. وهناك أيضاً نظامان متوازيان للعدالة والقضاء في إيران: أحدهما تحت إدارة المحاكم الحكومية يشرف عليها قاضي العدل، ونظام آخر في المحاكم الإسلامية يترأسه القضاة الدينيون. وهناك كذلك نظامان أمنيان في البلاد يمكن لأحدهما إلقاء القبض على أعضاء وعملاء من النظام الآخر، نظام تحت قيادة وزارة الأمن والمعلومات والآخر تحت قيادة قوات الحرس الثوري الإيراني.
وللحكومة الرسمية الإيرانية سفارات وسفراء في 177 دولة حول العالم. وإلى جانب ذلك، للمرشد الأعلى سفاراته الخاصة ومبعوثوه الخواص. وفي الداخل الإيراني، تبرز ازدواجية السلطة في البلاد من خلال حكام المحافظات أو رؤساء المدن وغيرهم من رجال الدين الذين يمثلون «الزعيم» والمكلفين بمهام الإبقاء على جذوة نيران الثورة مشتعلة. كما أن لدى إيران نظامين اقتصاديين، أحدهما هو النظام الرسمي والمنظم على نحو شديد الغموض من واقع الخطط والميزانيات التي تضعها الحكومة الرسمية، وهو يمثل نحو نصف الناتج المحلي الإجمالي في البلاد. أما النصف الآخر فهو عالم السوق السوداء الخاضع لسيطرة الأجهزة العسكرية والأمنية. وهناك كثير من المؤسسات والشركات التي يترأسها الملالي إلى جانب الجمعيات الخيرية الوهمية التي تزعم كثير من الشخصيات أنهم من أصحاب المصالح فيها إلى جانب الأئمة. ويسيطر الحرس الثوري الإيراني على 25 رصيفا من أرصفة الموانئ الرئيسية في البلاد، التي يمكنهم من خلالها استيراد أو تصدير ما يشاءون من دون أية رقابة أو إشراف من أي هيئة حكومية رسمية. وبعض من المؤسسات الكبرى، بما في ذلك مؤسسة الإمام الرضا في مدينة مشهد، هي من بين التكتلات الاقتصادية العملاقة التي تدر عائدات بمليارات الدولارات سنويا. ولكن لا يعلم أحد كيفية إدارتها، كما أنها لا تسدد أي قدر من الضرائب المستحقة على أرباحها.
وفي كل حالة من الحالات، يكون العذر السائد هو «الثورة»، الذي يجسد واحدة من الإيرانيتين المعروفتين، والتي لا بد وأن تتمتع بالأولوية القصوى في كل منحى من مناحي الحياة على إيران «الدولة القومية». وغني عن القول، فإن مصالح الإيرانيتين، إيران الدولة القومية وإيران الثورة، دائما ما تتعارض. وخلال العقود الأربعة الماضية، كان الفوز دوما هو حليف إيران الثورة في كل مرة يثور نزاع أو تعارض بين مصالح الإيرانيتين. ولقد أوضح كل من الخميني وخامنئي الأمر بجلاء: أنه، كلما لزم الأمر، فإنهما مستعدان للتضحية بإيران بأسرها لقاء المحافظة على «نسختهما» المفضلة من الإسلام.
وهذا يعني أن ممارسة المزيد من الضغوط على إيران الدولة القومية لن يؤدي بالضرورة إلى إجبار إيران الثورة على تغيير سلوكياتها أو سياساتها المعتمدة. وفي حقيقة الأمر، لا يمكن لإيران في الوقت الراهن التعامل كدولة قومية لدرجة عدم السماح لها بمجرد استخدام النظم المصرفية العالمية لسداد رواتب موظفيها أو وكلائها في الخارج. وفي العام الماضي، اشتكى السفير الإيراني الجديد لدى المملكة المتحدة حميد بعيدي نزاد من أنه يضطر إلى سداد رواتب موظفي السفارة بالأموال النقدية المنقولة إلى مبنى السفارة في مطلع كل شهر.
وحتى الآن، وعبر الإدارات الأميركية المتعاقبة، ولدى أغلب الحكومات الأخرى، قد حاولت جميعها التعامل مع دولة إيران الرسمية ومساعدتها على استعادة وضعيتها من خلال أن تصبح دولة قومية عادية من جديد.
ولقد أخفقت كل هذه الجهود في جزء منها بسبب أن إيران الثورة كانت دائما ما تعتبر هذه المحاولات من قبيل المناورات الرامية إلى تغيير الطبيعة الثورية للسياسات الإيرانية القائمة. وفي ظل استمرار هذه الازدواجية، لن تتمكن إيران من تغيير سلوكياتها أو تبديل الجوانب الرئيسية من سياساتها على الصعيدين المحلي أو الدولي. وتلك الحفنة التي تمثل إيران الدولة القومية، على سبيل المثال منصب رئيس البلاد ومجلس وزرائه، قد يأملون وبكل أمانة في تغيير سلوكيات النظام. ولكنهم لن يستطيعون فعل ذلك في الواقع لأن كلا من الرئيسين محمد خاتمي وحسن روحاني قد اعترفا بكل صراحة بأنهما يفتقران إلى ممارسة السلطة الحقيقية في البلاد.
وإلى ذلك، فإن الخيارات المتاحة أمام الرئيس ترمب وحلفائه محدودة جدا.
فقد يقررون تجاهل إيران بشكل أساسي، وتركها لتحترق بنيرانها الذاتية حتى تنفجر تلقائيا إثر تناقضاتها الداخلية الفجة.
والخيار الآخر، قد يسعون إلى إبرام صفقة مباشرة مع أولئك الذين يمارسون السلطات الفعلية في إيران. وهذا يعني التجاهل التام لإيران الرسمية والتواصل بشكل مباشر مع المرشد الإيراني الأعلى وشبكات الأعمال الواسعة في مؤسساته العسكرية والأمنية التي تعمل من حوله وبأمره. وكان هذا هو الخيار المعتمد لدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي قام بزيارة طهران وقضى عدة ساعات في محادثات مع السيد علي خامنئي، متجاهلاً الرئيس حسن روحاني وحكومته تماما. وكانت النتيجة هي «التحالف الاستراتيجي» مع روسيا الذي أعلن عنه السيد علي خامنئي، مقوضا بذلك سنوات من الجهود المبذولة من جانب الشخصيات الموالية للرئيس باراك أوباما في حاشية الرئيس روحاني بغية استعادة العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة الأميركية.
وإبرام الصفقة المباشرة مع إيران الثورة قد يهدئ من مخاوف الإطاحة بها من قبل المتآمرين الدوليين. وقد يؤدي إلى إقناعها بالتلطيف من بعض سلوكياتها العدائية في المنطقة. ولكنها لن تحول دون إثارة عدم الاستقرار ورعاية الإرهاب، ولن تنجح أبدا في تحويل العدو إلى صديق. قد يتعين على العالم الخارجي تعلم كيفية التعايش مع الجمهورية الإسلامية على وضعها الحالي، وقبول غدراتها وفجراتها، والتعامل معها وكأنها مرض عضال يزيد من صعوبة الحياة غير أنه لا يقضي عليها بالكلية. ولا بد لسياسة كهذه أن يرافقها قدر معتبر من الاحتواء الفعلي، وضمان أن الملالي يدركون أن كل خطوة يخطونها لها عواقبها ولا بد.
أما الخيار الثالث، وهو أمر يتجاوز مستوى الخيارات الحرة، وهو المفضل لدى مختلف الإدارات الأميركية السابقة، من تغيير النظام الحاكم الرامي إلى مساعدة إيران على استيعاب تجربتها الثورية ومعاودة الظهور على المسرح العالمي كدولة قومية عادية. وحتى الآن، لم تفكر أي من الإدارات الأميركية المتعاقبة في هذا الخيار ولو من الناحية النظرية، على الرغم من أن بعضاً منها قد راقت لها تلك الفكرة. إذ إن خيار تغيير النظام الحاكم في إيران هو من الصعوبة بمكان على التنفيذ الفعلي، ولكن، إن نجحت المحاولة، فسوف يكون من أكثر الخيارات فعالية وكفاءة في الإطاحة بأهم مصدر من مصادر زعزعة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.
وباعتبار أنها الثورة التي تحاول جاهدة لأن تجعل بقية بلدان العالم على شاكلتها سوف تبقى إيران على الدوام هي التهديد الأول للجميع. ولكن باعتبار أنها الدولة القومية التي لا تملك أي سبب ملموس للصراع مع أي دولة أخرى، يمكن لإيران أن تتحول إلى قوة رائدة في تشييد بنية قوية وراسخة من السلام والاستقرار في هذا الجزء من العالم الذي مزقته الحروب المتتالية تمزيقا. عندما يجتمعون مع إيران على رأس جدول أعمالهم، فهل يملك الرئيس الأميركي وحلفاؤه الرئيسيون الرؤية الواضحة للنظر في واعتبار أمر آخر من مجرد الخيارات الحرة؟



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».