التحالف الدولي يشارك في عمليات المعارضة السورية ضد «داعش» قرب الأراضي العراقية

باحث أردني: واشنطن تخوض معركة الحدود السورية الشرقية لقطع «طريق الحرير» الإيراني

التحالف الدولي يشارك في عمليات المعارضة السورية ضد «داعش» قرب الأراضي العراقية
TT

التحالف الدولي يشارك في عمليات المعارضة السورية ضد «داعش» قرب الأراضي العراقية

التحالف الدولي يشارك في عمليات المعارضة السورية ضد «داعش» قرب الأراضي العراقية

تضاعف الانخراط العسكري المباشر، الجوي والبري، لقوات التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، خلال الأيام الماضية على نحو فعال في المنطقة الشرقية من سوريا، في مسعى لتمكين القوات السورية المعارضة الحليفة له من التقدم داخل محافظة دير الزور، وتمثّل في تفعيل الغارات الجوية والعمليات الخاصة إلى جانب العمليات البرية المباغتة في المعارك ضد تنظيم داعش.
هذا التدخل تفعّل في لحظة سباق بين التحالف الدولي وقوات النظام السوري المدعومة بميليشياتها للوصول إلى منطقة الحدود السورية - العراقية، حيث يسير النظام في معركتين متوازيتين، الأولى عبر خط تدمر - السخنة - دير الزور، والثانية عبر القلمون الشرقي من جهة ظاظا والسبع بيار لإعادة فتح طريق دمشق - بغداد عبر معبر التنف الحدودي، وتأمين «خط الحرير الإيراني من طهران إلى دمشق»، وهي المنطقة نفسها قرب التنف التي ضاعف فيها التحالف عملياته، مما يهدد حكماً بتقدم النظام إليها.
وحلقت طائرات هليكوبتر تابعة للتحالف الدولي على علو منخفض قرب مدينة البوكمال (بمحافظة دير الزور ليل الثلاثاء - الأربعاء، بحسب ما نقل «المرصد السوري لحقوق الإنسان» عن مصادر موثوقة أكدت أن التحليق جرى في أجواء قرية السيال الواقعة في ريف المدينة، حيث ألقت هذه الطائرات قنابل ضوئية في سماء المنطقة التي توجد فيها شركة «الصفا»، المتخذة كمقر من قبل تنظيم داعش، وحصل تبادل لإطلاق النار بين عناصر كانوا على متن الهليكوبترات، وعناصر من التنظيم الموجودين في المقر، وعناصر آخرين كانوا يستقلون سيارتين بالقرب من الشركة، كما استهدفت الهليكوبترات سيارتي التنظيم، مما تسبب في تدميرهما.
الواقعة أكدها مصدر سوري معارض في المنطقة الشرقية لـ«الشرق الأوسط»، مشيراً إلى أنها «دليل على تفعيل قوات التحالف لعملياتها العسكرية في المنطقة»، لافتاً إلى أن العملية «جزء من سلسلة عمليات جوية وبرية ينفذها التحالف ضد (داعش)». وأوضح المصدر أن قوات أميركية وبريطانية ونرويجية موجودة من ضمن قوات التحالف الموجودة في قاعدة التنف العسكرية، «وتضطلع بدور عسكري استشاري وقتالي أيضاً»، مؤكداً أن «القوة البرية تشارك في العمليات البرية ضد (داعش)، وتنفذ عمليات خاصة ضد التنظيم، وتصد الثغرات على الجبهات في المعارك التي تنفذها قوات الجيش السوري الحر، قبل أن تعود إلى معسكر التنف»، لكنه أشار إلى أن قوات التحالف «تقاتل في الخطوط الثانية، وليس الخطوط الأولى، إلى جانب تقديم إحداثيات للضربات الجوية التي تنفذها طائرات التحالف في المنطقة».
وللعلم، تنتشر قوة عسكرية سورية معارضة مدعومة من قوات التحالف في المنطقة الممتدة من مدينة التنف الحدودية بين سوريا والعراق والأردن، إلى العمق غرباً حتى مسافة 150 كيلومتراً في بادية حميمة الواقعة شرق تدمر، كما تنتشر شمالاً إلى جنوب شرقي دير الزور قرب حدود منطقة البوكمال. لكن هذه القوة، التي تنفذ دوريات في البادية، غير قادرة على تغطية المنطقة الجغرافية الشاسعة، وتحتاج إلى عدد أكبر لتغطية انتشارها في المنطقة، كما قال قائد «جيش مغاوير الثورة» العقيد مهند الطلاع لـ«الشرق الأوسط»، نافياً في الوقت نفسه انعقاد اجتماع للفصائل السورية مع التحالف الدولي في العاصمة الأردنية عمّان، لتنسيق نقل مقاتلين من الشمال الشرقي لدير الزور باتجاه التنف.
وقال: «نقل المقاتلين هو فكرة مطروحة منذ فترة، لكنها لم تُترجم عملياً. نحن نحتاج إلى قوة مقاتلة أكبر تمكننا من طرد (داعش) من دير الزور». وتابع الطلاع: «نمتلك قوة عسكرية جيدة، لكن المساحات الجغرافية الواسعة تحتاج إلى عدد كبير بهدف تأمين الانتشار في المناطق التي تقدمنا إليها، وتصل إلى مسافة تبعد 150 كيلومتراً إلى العمق من مدينة التنف الحدودية مع الأردن وسوريا، كما بتنا قريبين من منطقة البوكمال شمالاً، فضلاً عن أن التقدم باتجاه الغرب وصل إلى ظاظا والسبع بيار التي دخل إليها النظام فجأة في أخيراً». ويسعى النظام من خلال هذا التقدم إلى ظاظا والسبع بيار الواقعتين في شمال شرقي القلمون الشرقي، إلى تسهيل عبوره إلى معبر التنف، مما يمكنه من إعادة فتح خط دمشق – بغداد، غير أن هذا التقدم قابله تقدم موازٍ للقوات السورية المدعومة من التحالف، وهو ما يشكل رادعاً لعدم احتكاك النظام معهم أو اقترابه مع قوات التحالف الأجنبية الموجودة في المنطقة، خلافاً لعمليات تقدمه على حساب قوات المعارضة التي تنتشر في القلمون الشرقي، وأبرزهم «أسود الشرقية»، ويقاتل «داعش» في المنطقة.
من جانب آخر، قال الباحث الاستراتيجي والخبير العسكري الأردني الدكتور فايز الدويري لـ«الشرق الأوسط» إن المنطقة التي يتسابق إليها النظام وحلفاؤه من جهة، والتحالف الدولي من جهة أخرى، هي منطقة شبه فراغ سكاني وشبه خالية من مفهوم السيطرة العسكرية، حيث كان تركيز الأطراف المتحاربة على المدن، وترك البادية، لكن الآن وبعد جولات آستانة وجنيف وتطورات الرقة وتدمر وخلط الأوراق الذي حصل، «ظهر شيء في الأفق هو مفهوم (طريق الحرير الإيراني) الذي يمتد من قُم إلى بغداد وشمال الموصل، وصولاً إلى الأراضي السورية»، لافتاً إلى أن مشروع «طريق الحرير الإيراني» كان مخططاً له أن يمر عبر منطقة الجزيرة وجنوب محافظة حلب، قبل أن يتمكن النظام من قلب المعادلة حول دمشق، مما دفعه للتفكير بفتح طريق دمشق بغداد عبر التنف، وهي أقرب من الخط الأول.
وقال الدويري: «هذا الاهتمام الإيراني ترجم على الأرض ببعدين؛ الأول تمثل في اندفاع الحشد الشعبي العراقي باتجاه البعاج والقيروان العراقيتين، والثاني باندفاع النظام مدعوماً بميليشيات مدعومة من إيران إلى السبع بيار وظاظا آملاً بالوصول إلى التنف»، رغم أن النظام يسير في معركة موازية أيضاً عبر تدمر - السخنة - دير الزور، لا يلتقي بزاويته مع الاتجاه الأول. وأردف الدويري شارحاً: «في ظل الواقع الحالي، تُطرح الأسئلة: أين سيذهب (داعش)، الجميع يفكر بتحقيق مكاسب. فالأميركيون يركزون على الرقة، ويضعون رؤية للسيطرة على مجرى الفرات الممتد من الطبقة في الشمال حتى مدينة الميادين والبوكمال في الشرق، لكنهم وجدوا في القسم الأول منها شريكاً مقاتلاً استراتيجياً هو ميليشيا قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بينما تغيب الجهة التي سيعتمد عليها الأميركيون لاستثمار جهدهم بالجزء الثاني في شرق سوريا، رغم أن هناك محاولات، ومن بينها القوات المدعومة من التحالف التي تقاتل الآن إلى جانبهم»، ثم لفت إلى أن تمديد واشنطن لدعم الأكراد من الشمال باتجاه دير الزور، في حال فشل الاعتماد على القوة الموجودة شرقاً «سيثير حساسيات إقليمية، لأنها مرتبطة بتوسع الكانتون الكردي من الشمال إلى الحدود العراقية وصولاً إلى الحدود مع الأردن».
وأضاف: «المعركة في دير الزور، هي معركة أميركية لقطع طريق الحرير الإيراني، ومن هنا تأتي أهميتها. لكن الأسئلة تتمثل في: هل يستطيع التحالف توجيه القوات السورية الحليفة بشكل صحيح ودعمها بالإسناد الناري الكافي والمستشارين؟ إذا استطاع، فإنه سيتمكن من قطع الطريق الإيراني». وإذ أشار إلى أن النظام وصل إلى منطقة السبع بيار من دون قتال، قال إن النظام سيتوقف عند تلك النقطة ولن يتقدم إلى التنف «منعاً لأي مواجهة مع القوات الأميركية والبريطانية الموجودة في المنطقة»، لكنه في الوقت نفسه «سيتريث ليرى في أي اتجاه سيحرك قواته بحسب متطلبات الموقف ومتغيراته».
* قوتان سوريتان ضد «داعش» في البادية
تنتشر قوتان سوريتان معارضتان ضد «داعش» في البادية السورية الجنوبية والشرقية؛ الأولى هي «مغاوير الثورة» وفصائل حليفة تحظى بدعم أميركي وتعمل تحت غطاء التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب. أما وجهتها، فهي مدينة دير الزور على طور الحدود الشرقية الممتدة من التنف على مثلث الحدود السورية - الأردنية - العراقية، وشمالاً باتجاه دير الزور. وتطورت من ميليشيا «جيش سوريا الجديد» التي أُعلن عنها في الصيف الماضي وتعرضت لانتكاسة إثر ضربة جوية يُعتقد أنها روسية استهدفت معسكراً لهم في المنطقة، إلى «جيش مغاوير الثورة»، ولم يسجل لها أي احتكاك مع قوات النظام. أما القوة الثانية، فهي «أسود الشرقية» المدعومة من غرفة «الموك»، ويقتصر دعم الغرفة لها على الدعم اللوجيستي والتسليحي، من غير مشاركة في القتال إلى جانبها. وتنتشر هذه القوة في بادية جنوب شرقي السويداء حتى القلمون الشرقي، واستطاعت أن تحرز تقدماً كبيراً منذ 18 مارس (آذار) الماضي على حساب «داعش». ويقول مسؤول المكتب الإعلامي لـ«أسود الشرقية» سعد الحاج لـ«الشرق الأوسط» إن المعركة الأولى التي حملت عنوان «أسرجنا الجياد» سيطرت على مناطق مهمة على طول الحدود مع الأردن في جنوب شرقي سوريا والغوطة الشرقية والقلمون الشرقي، بينها معقل «داعش» في بير قصب، وصولاً إلى عمق البادية الشرقية قرب معبر التنف والعليانية وسرية البحوث العلمية إلى الحدود الأردنية.
ولفت إلى أن المعارك تواصلت حتى الفترة الأخيرة، حيث توقفت عند منطقة المحسا القريبة من ريف حمص الشرقي، وهي منطقة جبلية تربط بين البادية والقلمون الشرقي، ولا يزال «داعش» يسيطر عليها، مشيراً إلى أن السيطرة على هذه المنطقة «كان سيسهم في فك الحصار عن الغوطة الشرقية».
هذه الخطة تعرضت لانتكاسة قبل أسبوع، بعد اجتماع «آستانة» والاتفاق على مناطق تخفيف التصعيد. ويقول الحاج إن النظام «سحب قوات من الشمال ووجهها باتجاه البادية حيث تمركزت في منطقة السين ونقاط عسكرية محيطة، قبل أن تصل تعزيزات أخرى مَكَّنَت النظام من التقدم إلى السبع بيار وظاظا في عمق البادية القريبة من مطار السين، كونها تسهل وصوله إلى التنف شرقاً، فضلاً عن أنها تؤهله إلى الوصول باتجاه حاجز المثلث شرقي مطار السين جنوباً، وحاجز البصيري في تدمر شمالاً». ويضيف الحاج: «سيطرة النظام على السبع بيار أربكت صفوفنا وفرضت علينا معركة مع النظام، علماً أنها كانت على مدى سنتين تحت سيطرة (داعش)».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.