رينان بين الدين والفلسفة

دخل في جدال ساخن مع الأفغاني حول مدى توافق الإسلام مع العلم

إرنست رينان  -  صورة متخيلة لابن رشد
إرنست رينان - صورة متخيلة لابن رشد
TT

رينان بين الدين والفلسفة

إرنست رينان  -  صورة متخيلة لابن رشد
إرنست رينان - صورة متخيلة لابن رشد

كلنا يسمع باسم المفكر الفرنسي إرنست رينان دون أن نعرف من هو بالضبط. كل ما نعرفه عنه هو أنه اتهم الآيديولوجيا الإسلامية بالمسؤولية عن تخلف المسلمين ومعاداة العلم والفلسفة. واشتبك عندئذ مع جمال الدين الأفغاني في مناظرة عصماء حول الموضوع، كما هو معلوم للقاصي والداني. ربما هذا كل ما نعرفه عنه. عفوا نسيت: نعرف أيضا أنه كرس أطروحة دكتوراه شهيرة لفيلسوف العرب ابن رشد بعنوان: «ابن رشد والفلسفة الرشدية». هذا عموما كل ما نعرفه عنه. لكن ما أصله وفصله؟ ما منطلقاته الكبرى ومؤلفاته الأخرى؟ ثم بالأخص: كيف أصبح أحد أهم المفكرين الفرنسيين في القرن التاسع عشر؟ على هذه التساؤلات يمكن أن نجيب بما يلي: ولد إرنست رينان في منطقة البريتانيا الخضراء الجميلة الواقعة غرب فرنسا عام 1823، ومات في باريس عام 1892 عن عمر يقارب السبعين عاماً. وكان والده ملحدا تقريبا، في حين أن أمه كانت متدينة جدا. ولكن والده مات عندما كان عمره خمس سنوات فقط، فتسلمت رئاسة العائلة أخته الكبرى «هنرييت» التي كانت تكبره باثني عشر عاما. وستلعب هذه الأخت دورا كبيرا في حياته لاحقا. والواقع أنها هي التي توسطت له لكي يقبلوه في أفضل المدارس الدينية في العاصمة باريس. وكان من المقرر أن يتخرج كاهنا لولا أن «جرثومة» الفلسفة أصابته، وهو في الثامنة عشرة. فقد اطلع فجأة على فلسفة كانط وهيغل وهيردر، وعندئذ شعر بوجود تناقض حاد بين إيمانه الديني التقليدي الموروث، وبين الفلسفة العقلانية أو التنويرية. ولهذا السبب ترك مدرسة الرهبان عام 1895 وتراجع في آخر لحظة عن الانخراط في سلك الكهنوت المسيحي. وقرر التفرغ لدراسة الفلسفة والعلوم الدنيوية واللغوية والتاريخية البحتة. باختصار شديد: لقد انتصرت العلوم الفلسفية لديه على العلوم الدينية. وبالتالي، فهو لم يكن معاديا للأصولية الإسلامية فقط، وإنما لكل الأديان، بما فيها الدين المسيحي الذي تربى عليه.
أما من الناحية العملية، فقد نال شهادة التبريز في الفلسفة عام 1848، ثم دخل إلى الجامعة بعدئذ لكي يحضّر أطروحته الجامعية عن الفيلسوف العربي المسلم: ابن رشد كما ذكرنا. وهي الأطروحة الشهيرة التي طالما نوقشت لاحقا من قبل كبار المثقفين في أوروبا والعالم العربي. ولحسن الحظ، فإن هذا الكتاب طبع من جديد مؤخراً بإشراف البروفسور آلان دوليبيرا وتقديمه. وفي هذا الكتاب الشهير أثبت رينان أن ابن رشد كان ذا قدر عجيب. فعلى الرغم من أنه كان فيلسوفا عربيا مسلما فإن تأثيره على العالم الإسلامي كان يشبه الصفر، هذا في حين أن تأثيره في العالم الأوروبي المسيحي كان ضخما. فقد سيطر على الجامعات الأوروبية حتى نهاية القرن السادس عشر وبداية السابع عشر: أي حتى ظهور ديكارت والفلسفة الحديثة. ولكن ابن رشد في رأيه ظل شارحا لأرسطو لا مبدعا. إنه مجرد ناقل للفكر والفلسفة. والسبب هو أن العرق السامي لا يمتلك الروح الفلسفية كالعرق الأوروبي. وهو يقصد بالعرق السامي ليس فقط العرب، وإنما اليهود أيضا. هنا تكمن عنصرية رينان ونزعته الاستعلائية الفوقية. ولكن لا ينبغي أن نظلمه كثيرا. فقد كانت هذه النزعة عامة شاملة في عصره ولا تقتصر عليه. حتى ماركس وقع فيها. يقول رينان بالحرف الواحد: «أنا أول من يعترف بأننا لن نجد شيئا لكي نتعلمه من ابن رشد أو من العرب أو من العصور الوسطى بشكل عام». وهذا يعني أنه يدين الفلسفة المسيحية أيضا وليس فقط العربية. بمعنى أن الفلسفة الحديثة، أي فلسفة ديكارت وكانط وهيغل، تجاوزت كل ذلك بسنوات ضوئية في نظره. علاوة على ذلك، فإن مفكري القرن التاسع عشر في أوروبا كانوا يعتبرون فلسفة القرون الوسطى مجرد صورة شاحبة أو باهتة عن الفلسفة الإغريقية... لماذا؟ لأنها فلسفة لاهوتية إذا جاز التعبير: أي خاضعة للدين لا متحررة منه على عكس الفلسفة الحديثة.
في عام 1856 أصبح رينان عضوا في أكاديمية الآداب الجميلة، ثم تزوج في العام نفسه. وبعدئذ سافر إلى الشرق، إلى سوريا ولبنان وفلسطين، للبحث عن الآثار الخاصة بالمسيحية. ومعلوم أنه كان قد انخرط منذ ذلك الوقت في تأليف كتابه الشهير عن «حياة يسوع». ثم أصبح إرنست رينان أستاذا في أرقى جامعة فرنسية: الكوليج دوفرانس. لكنهم أوقفوا دروسه فوراً بعد إلقائه المحاضرة الأولى بسبب جرأتها في تناول الشؤون الدينية، ودراسة المسيحية دراسة علمية تاريخية. وهذا ما لا يمكن أن يسمح به رجال الدين. فثارت الأصولية المسيحية عليه عندئذ وهاجت وماجت، واتهمته بالتجديف والكفر، والاعتداء على المقدسات. وعندما نشر كتابه عن «حياة يسوع» عام 1863 أحدث فضيحة في الأوساط الشعبية المسيحية، وإن كان قد لاقى نجاحاً منقطع النظير في المكتبات. وقد انزعج البابا بيوس التاسع كثيراً عندما قرأ الكتاب، أو نقلوا له مقاطع منه. وغضب غضباً شديداً على رينان. نقول ذلك، وبخاصة أن هذا الأخير كان تلميذاً لرجال الدين، بل وكان متوقعاً أن يدخل سلك الكهنوت ويصبح راهباً، كما ذكرنا... فكيف انقلب من النقيض إلى النقيض؟ هذا ما لن يغفره له البابا ورجال الدين. وعندئذ هاجم البابا رينان ناعتاً إياه بأنه كافر أوروبي كبير. ولهذا السبب؛ فإن وزير التعليم الفرنسي أصدر قراراً بمنع رينان من التدريس في الجامعة لأجل غير مسمى. وفي عام 1865 قام إرنست رينان برحلة سياحية وعلمية إلى مصر وتركيا واليونان، ومعروف أنه كان منهمكاً في كتابة دراساته عن الأديان التوحيدية، أي اليهودية والمسيحية أساساً، ثم عن الفلسفة اليونانية التي كان معجباً بها أشد الإعجاب. وفي عام 1869 رشح نفسه للانتخابات النيابية، لكنه فشل فشلاً ذريعاً، ثم رشح نفسه عام 1878 للأكاديمية الفرنسية ونجح. والواقع أن إرنست رينان كان أحد أعمدة الفكر في فرنسا طيلة النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ومعلوم أن تلك الفترة شهدت أيضاً ظهور مفكرين كبار من أمثال عالم الاجتماع الشهير إميل دوركهايم، والفيلسوف الكبير أوغست كونت. هذا بالإضافة إلى آخرين كثيرين.
وقد اشتهر رينان بحبه العلم وثقته فيه إلى أقصى الحدود. وفي ذلك الوقت كان العلم في أوروبا قد حقق خطوات عملاقة إلى الأمام بعد أن ظهرت الاكتشافات الطبية والمخترعات التكنولوجية. ولهذا السبب تغلّب العلم الحديث على الدين المسيحي في صيغته الكهنوتية القديمة. وأخذ الناس يعلّقون عليه الآمال وينصرفون عن الدين شيئا فشيئاً. أخذوا يعتقدون بأن العلم هو الذي سيحل لهم مشكلاتهم ويؤمّن لهم الحياة الرغيدة على هذه الأرض. وهذا ما تحقق بالفعل في المجتمعات الأوروبية المتقدمة. ضمن هذه الظروف بالذات، أصدر رينان كتابه الشهير: «مستقبل العلم». لكن هل كان رينان مضاداً للدين إلى الحد الذي نتصوره؟
على هذا السؤال يمكن أن نجيب قائلين: لا... في الواقع أن علاقته بالدين المسيحي كانت معقدة. فمن جهة كان ينتقده لأنه مليء بالخرافات والأوهام والمعجزات التي تنتهك قوانين الطبيعة. ومن جهة أخرى كان يعترف بأهميته بصفته عاملا قويا لتوحيد الشعب. وبالتالي، فمن الخطر أن ندير ظهرنا له بشكل متسرع أو قبل الأوان. وقد لخص موقفه من الدين بعبارة شهيرة واردة في كتابه: مستقبل العلم. تقول هذه العبارة ما يلي: «عندما أكون في المدينة فإني أسخر من أولئك الذين يذهبون إلى الكنيسة لحضور القداس أي الصلاة المسيحية. وعندما أكون في الريف فإني أسخر من أولئك الذين لا يذهبون»!... وهذا يعني أن الفلسفة هي دين النخبة المثقفة، وأما المسيحية فهي دين عامة الشعب الذي لا يستطيع أن يفهم الفلسفة ولا النظريات العلمية.
كما ويعني ذلك أن العلم والتقدم الصناعي حلا محل الدين في المدن، لكنهما لم يحلا محله في الأرياف؛ لأنهما لم يصلا إليها بعد. ولكن على الرغم من إيمانه بالعلم فإن رينان كان يبدو أحيانا قلقاً على مستقبل البشرية. فكان يخشى أن تنقرض بسبب انعدام رطوبة القلب أو كرمه، تماماً مثلما تموت الصناعة بسبب نفاد الفحم المستخرج من باطن الأرض واستخدامه وقودا لها. وهذا تشبيه جميل في الواقع. فالحضارة الغربية وصلت إلى مرحلة من التقدم التكنولوجي لا مثيل لها في التاريخ. لكنها في الوقت ذاتها تشهد جفاف القلب وتصحر العواطف وتشيّؤ النزعة الإنسانية. وذلك على عكس شعوبنا العربية والإسلامية العاطفية جدا والطيبة والكريمة على فقرها. يكفي أن تنتقل بالطائرة من بلدان الغرب إلى بلدان العرب لكي تفهم ما أقول. وبالتالي، فإن نبوءة رينان تحققت جزئياً فيما بعد. ثم حصلت المناظرة الشهيرة بعدئذ بين رينان وجمال الدين الأفغاني حول مدى توافق الإسلام مع العلم أو تعارضه. ومعلوم أن رينان كان قد أكد التعارض لا التوافق، فرد عليه جمال الدين الأفغاني قائلاً بأن الإسلام لا يتعارض مع روح العلم على الإطلاق. على العكس، لقد شجع الإسلام على طلب العلم حتى ولو في الصين! وأكبر دليل على ذلك أن العلوم الفلكية والطبية والتجريبية ازدهرت في أرض الإسلام إبان العصر الذهبي قبل أن تنتقل إلى أوروبا... وبالتالي، فالحق ليس على الإسلام وإنما على المسلمين.



من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء
TT

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

تعيش المدن بأسمائها، أي بتفاصيلها؛ بأحيائها وشوارعها ومقاهيها، وأصداء من سكنوها أو مروا بها؛ أسماء تحافظ على نظارتها ولا تذوي، مهما تغيرت ملامح المدن وتبدلت عتباتها. لذا تعيش بعض الأحياء بتحولاتها، وكأنما هي أنوية مدن تحيا في أعطاف مدينة «أم». وحين تتبدل تقاسيم المدن أو تشيخ، وعندما يطرأ عليها غرباء، أو يمر بها غزاة عابرون، تفقد الكثير من معالمها ومفرداتها وسمات أهلها، تطفو تدريجياً على السطح كتل وامتدادات شائهة، وأحياناً تتحول إلى هياكل، لكنها تتشبث بتسمياتها وبألقابها وما يتعارف الناس به عليها. وحتى حين تسلب عناوينها الأولى، ولو لحين من الدهر، فإنها لا تلبث أن تستعيدها، في مقاطع أغنيات وأبيات شعر وصور أفلام قديمة، وفي ملامح أبطال يقتنصون تفاصيلها في فصول روايات خالدة.

من داخل حي «مونمارتر» (Montmartre)، حيث تمترس ثوار كمونة باريس، وطالب إميل زولا في «الأسبوع الدامي» بهدمه على رؤوس «المتمردين السفلة»، نشأت إحدى أكثر المعالم العمرانية احتضاناً للأساطير الباريسية، ذلك ما دعا الكاتب الفرنسي أوليفيي رونو Olivier Renault المختص في إعداد تصانيف عن الأحياء التاريخية لعاصمة الأنوار إلى إصدار كتاب بعنوان «مونمارتر: أمكنة الأساطير» (Montmartre: Les lieux de légende) (منشورات باريغرام، باريس، 2026)، لتأريخ محال ودور وأزقة وساحات وبارات ومطاعم ومراسم، سكنت مجازات الشعر والرواية ومشاهد المسرح والسينما ولوحات كبار الانطباعيين ممن صنعوا عنفوان الفن الحديث والمعاصر.

يتقدم الكتاب لقارئه بتواضع مخاتل، دونما ادعاءات معرفية كبرى، قصاراه سرد حكاية فضاء أليف وخالب للأذهان، فبدا مزيجاً من «سيرة الفضاء» و«المونوغرافيا الفنية» و«الدليل التاريخي المصور»، إلا أنه يفلح في تقديم قصة نشأة حي كان عبارة عن قرية تقع خارج حدود باريس الإدارية، تميزت بتلتها المطلة على المدينة، ومزارع الكروم، والطواحين، وبيوت العمال والمزارعين البسطاء. قبل أن تعيد مخططات «البارون هوسمان»، قائد ثورة التحديث العمراني في باريس، على عهد نابليون الثالث، إلحاق هضبة «مونمارتر» الواقعة في الحزام الهامشي، الآهل بالشطار والخارجين عن القانون، بباريس، لتصبح الدائرة الثامنة عشرة. وموطن المواقع التي صنعت قسطاً غير يسير من أسطورة باريس: «فيلا الفنون، وشارع هيجيسيب مورو، وشارع ليبيك، أمام محترف فان غوخ، ومحل كورتلين في شارع أورشامب، ومحترف براك في شارع سيمون ديرور. إننا لا نعرف دائماً أننا نمر أمام عناوين رسم فيها، أو كتب، أو غنى، أو أحبّ فيها كل من: بيكاسو، وبونار، وباسكين، وكاركو، وموديغلياني، وبروان، وماكس غاكوب، ومارسيل إيميه، وريفيردي، وسيلين» (ص 12).

وعبر فصلين كبيرين يحمل أولهما عنوان «جادة كليشي وروافده»، والثاني وسم «هضبة مونمارتر»، يقوم الكتاب باستنطاق الأمكنة عبر الحديث عن ساكنيها، من كُتَّاب ورسامين، وأناس عاشوا في الظل أيضاً: من مثل تجار الأصباغ الذين يصبح أحدهم فجأةً صاحب رواق فني، أو أصحاب المطاعم والحانات ممن يمحو بعضهم بكرم ديون عباقرة تضوروا جوعاً زمناً ما. وسرعان ما تتجلى مباحث الفصلين وفقراتهما المؤثثة باللوحات الفنية والصور الفوتوغرافية لأبنية وشخصيات وشوارع وحدائق من أزمنة شتى، حيزاً لاستحضار أسماء رمزية، قادت الكاتب تدريجياً إلى الحديث عن الحركات التي انتسبوا إليها، من الانطباعية، وجماعة الأنبياء، إلى التكعيبية والسوريالية والمستقبلية... علامات فارقة في تاريخ الفن وتاريخ باريس على حد سواء.

الشيء الأكيد أن سيرة «مونمارتر»، كما سعى لنسج معالمها أوليفيي رونو، تقصدت تجميع التراث المجازي والحسي للحيز المديني المؤلف بين السحر والقسوة، والوقوف عند عتبات تكون الأسطوريات الحية، من المفردات إلى الوصفات الحياتية، ومن الأطباق والروائح إلى الجدران المحيطة بمواطن السهر: «لم يكن الأمر مجرد أسطورة؛ فمن فان غوخ إلى أوتريلو، كان هذا الحي حقاً، وأكثر من أي حي آخر، معقل البوهيمية. وعلى هذه المرتفعات، التقى جيلان أو ثلاثة من الفنانين والكتاب الذين ملأوا الدنيا ضجيجاً. وفي هذه الكوكبة اللامعة، يرى البعض اليوم أن أعمالهم كانت لتدر عليهم الملايين، غير أن بداياتهم - وأحياناً نهاياتهم - كانت صعبة في الغالب، تغرق في العوز أو الفقر المدقع. وإذا كان ديغا أو بونار لم يعرفا الجوع قط، فإن آخرين، مثل ماكس غاكوب أو ريفيردي أو فان دونغن، قد ذاقوا مرارته حقاً في هذا الحي» (ص 13).

يستنطق الكتاب الأمكنة عبر الحديث عن ساكنيها من كُتَّاب ورسامين وأناس عاشوا في الظل أيضاً

إنها المنطلقات التي مكّنت مونمارتر، كما تؤكد محاور الكتاب، من أن ينتزع لقباً لا يخلو من حس غرائبي، هو «عاصمة باريس». الذي يحيل على ما اكتنزه المحيط العمراني من ملاذ حسي وذهني، حيث كان صخب المقاهي والملاهي الليلية يتصادى مع الاختراق التشكيلّي والموسيقي والمسرحي والشعري. بالقدر ذاته التي كان الحي فيه أيضاً ذاكرة كبرى للألم، أرخت لعذابات المرض والجوع والإدمان لعشرات الأسماء الشهيرة التي صنعت مجده، كانت إيجارات البيوت فيه منخفضة، واستطاع الفنانون المفلسون تحمل تكلفة محترف مختصر، في «باتو لافوار» مثلاً، أو في شارع «كورتو»، وتمكن الكتاب، ممن لا يملكون قوت يومهم، من العثور على غرف علوية ضيقة، أو زوايا صغيرة في الأفنية الخلفية للمنازل. وكان الحي أيضاً موطن النبيذ الرخيص، والطعام الذي قد يدفع حسابه الآخرون، وكان أصحاب المطاعم، من مثل «الأرنب» أو «الشاليه» يمنحون الفنانين من ذوي العوز المزمن (وهم الغالبية) وجبات مؤجلة الدفع دوماً.

تدريجياً يتحول الكتاب إلى شبه سيرة لحي في مواجهة بقية باريس، وفي مقابل حي بذاته هو «مونبارناس» فقد كان مونمارتر موطن الخلق والشطح التخييلي، في مواجهة العقلانية والسطوع البراغماتي لأحياء النخبة الأخرى، وظل كذلك حتى الحرب العالمية الأولى. وحين فرض «مونبارناس» نفسه مركزاً جديداً للإبداع التشكيلي والشعري والمسرحي والروائي... هجر الشعراء والفنانون تلّة مونمارتر تدريجياً، ولم يسلك الطريق المعاكس سوى قلة من السرياليين الذين كان معظمهم يمقتون الياقات البيضاء.

ليس من شك أن للمدن صلات رمزية بتحولات أسمائها، ليس فقط في ذاكرة الناس، وما تتوسله من تآويل حقيقية أو ملفقة، وإنما أساساً في لغة الأدب والفن، ومهما تعددت التحويرات والاختزالات لتلك الأسماء فإنها تبقى متصلة بالأصل الأوحد، الذي يعنيها في البدء والمنتهى. باريس هي جماع تفاصيل كبرى تمتد من «موبرناس» إلى «سان ميشيل» ومن «الحي اللاتيني» إلى «بير لاشيز»، ومن «الشانزيليزي» إلى «مونمارتر»...، وقد تتلاشى المدن وتبقى تسمياتها المعجونة بالنكهات والألوان والحرارة والماء والرقصات وطعم الكلام، في صدى الداخل العميق؛ إذ هي جزء من صناعة القدر الشقي أو السعيد الذي نسائله يومياً، لأجل ذلك فإن هذا النوع من السير بحق هو فن تحويل المجال إلى رواية، هو تشكيل نوعي لفتنة الذات الداخلية بمحيطها كما يدركها صاحبها، وكما يتمثلها زمنياً. ولن يستطيع السارد أن يترجم تفاصيل تكون الهوية الذاتية وتناميها المتشابك دونما إعادة تركيب وتوليف وتصرف في ملامح المدن التي استوعبت نزقها وتقلباتها، وبغير ما قيمة مضافة تجسر المسافة بين الذات ومنبتها. هكذا تروي سير الأحياء لعنات مسترسلة وبركات ضائعة، قد تقول ما كان، أو ما راود أحلام ساكنتها وصانعي فتنتها، وقد تُكتب مواساة للذات عن فقدان مراتع الطفولة واليفاعة، أو تطهراً من أحاسيس مرزئة تجاه أحداث التبست بأحياء عتيقة، وقد تستحضر كمجرد سعي لتمثّل الماضي، وإعادة رسم الأبواب والشرفات والمباني والوجوه بالأبيض والأسود.


اللعب على وتر الحدود روائيّاً

اللعب على وتر الحدود روائيّاً
TT

اللعب على وتر الحدود روائيّاً

اللعب على وتر الحدود روائيّاً

في رواية «شيء إلهي» يبدو فعل الابتكار مهيمناً بظلاله على عالم الرواية، التي يمهّد فيها الكاتب والروائي المصري محمد عبد النبي قارئه منذ بدايات السرد للعبور بين مستويات نفسية وفانتازية وجسدية معقدة تخص بطله «سلامة»، الذي تبدو أزمته الشخصية بوابة لكثير من التساؤلات حول الوحدة، والغرابة، والتسليم، وحدود الجسد والهوية، بل حدود ما يمكن للعقل نفسه أن يصدقه أو يحتمله.

تُحيل الرواية الصادرة عن دار «المحروسة» بالقاهرة، لبنية العالمين الاجتماعي والداخلي لـ«سلامة»، بوصفهما وجهين للاغتراب نفسه، فالعزلة النفسية التي يعيشها البطل الأربعيني الأعزب، الموظف في بنك حكومي، تجد طريقها إلى أسلوب حياته الصارم، بما في ذلك كراهيته للإجازات، وتجنبه المواصلات العامة، ونفوره من المقاهي والاختلاط بصوره كافة، ضمن محاولاته الدائمة للسيطرة على عالمه المحيط الذي يشعر داخله بالتهديد والارتباك، لتصبح حياته «يوماً وحيداً مُتكرراً منذ سنوات».

في المقابل، يسلط السرد الضوء على مدى استغراق «سلامة» في أحلام يقظته، وتأثره الكامل بشاشة «التلفزيون»؛ يستقي منها المعرفة والبهجة، حتى تصوراته الانهزامية عن الحب: «لم يرَ «سلامة» رجلاً فقيراً أسود يحب ويتزوج على شاشة التلفزيون»، وهي مرجعية يكشف السرد عن أن «سلامة» يتبناها بصورة لا واعية ضمن تسليمه الكامل بمرجعية «الشاشة»، على نحوٍ تُلخصّه العبارة الدالة: «كان يولّي وجهه للتلفزيون، وظهره إلى العالم».

أرضية نفسية

من هذا العالم المُشبّع بالخيالات البديلة، يبدأ السرد في زحزحة الواقع نفسه، فلا يندفع عبد النبي نحو «الغرائبي» قبل أن يهيئ له أرضيته النفسية، عبر شخصية اعتادت العيش بين الواقع وظلاله المتخيلة، وهكذا يفتح الباب أمام ظهور كائن غامض يُطلق عليه السرد اسم «شيء»، يُراقب «سلامة» ويحدِّثه ويناديه باسمه من داخل جسده، رغم تركيبته النافرة أصلاً من الآخر الغريب.

وتنهض هذه المفارقة على خلق مستويات متداخلة من الدهشة، إذ يمهد السرد تدريجياً لصوت أو «شيء» يسمعه «سلامة» من داخله، قبل أن يفجّر مفاجأة استشعاره لحالات تشبه «غثيان» الحمل، ليضع القارئ بدوره داخل منطقة ملتبسة تتداخل فيها حدود النفسي والبيولوجي، والواقعي والمتخيَّل: «استعاد رعبه كاملاً إزاء هذا الصوت الداخلي الأخرس الذي يُخبره بأن روحاً حيّة تسكن بداخله الآن، روحاً أخرى غير تلك التي خرج بها من بطن أمه».

غير أن الرواية لا تتعامل مع هذا الـ«شيء» بوصفه مفارقة غرائبية أو حدثاً فانتازياً، بقدر ما تجعله أداة لتفكيك الحدود المستقرة بين النفسي والبيولوجي والهُوية الجسدية، وبين ما ينتمي إلى الداخل وما يُفترض أنه يأتي من الخارج، بحيث يتحوّل الالتباس نفسه إلى أحد المحركات الأساسية للرواية.

خيال تعويضي

يُعزز عبد النبي من تأثير التاريخ الشخصي والعائلي لبطله «سلامة»، عبر استدعاء ذكرياته الممتدة مع التنمر عليه بوصفه «محدود القدرات العقلية»، وصولاً إلى دلالة اسمه نفسه، المستمد من أحد أبطال السيرة الهلالية، ليكشف السرد عن تعلّق والده الراحل بمِخيال تلك السيرة القائم على البطولة والفروسية، إلى الحد الذي يدفعه إلى إطلاق أسماء أبطالها على أبنائه كنوع من التقمص الوجداني والدرامي لعالمها والتيمّن ببطولاتها.

يبدو ثمة خيط خفي يربط الأب بابنه؛ فكلاهما يلجأ، بطريقته، إلى مِخيال بديل يعوّض تهميشه في الواقع، ولا يتوقف هذا الميل إلى تجاوز الواقع عند السيرة الشعبية أو أحلام اليقظة، بل يمتد إلى علاقة «سلامة» بالصورة الفوتوغرافية نفسها، بوصفها مساحة قابلة لإعادة التخييل، مما يكشف عن مهارات «سلامة» الاستثنائية في تسييل الحدود بين الواقع والصورة والذكرى، ليُعيد معايشة لحظات لم يعد الواقع قادراً على استعادتها.

بعد ظهور «شيء»، بما يفرضه من فانتازيا ومفارقات هزلية، ومساءلة الجسد نفسه، ومع تصاعد حضوره كشخصية تُقاسم «سلامة» البطولة، لا يعود السؤال متعلقاً بوجوده من عدمه، بقدر ما يصبح متعلقاً بطبيعة هذا الوجود نفسه؛ هل هو امتداد لوعي «سلامة» أم كيان مستقل عنه؟ لا سيما أن السرد لا يتوقف عند تقديمه بوصفه مجرد عرَض غرائبي، بل يدفع السرد باستمرار لمنح «شيء» ملامح شخصية روائية مُحكمة.

علاقة جنينية

كما يستثمر عبد النبي الآصرة البيولوجية بين الأم وجنينها في بناء عدد من المشاهد الهزلية والغرائبية التي تمنح «شيء» حضوراً متزايداً داخل الرواية، فالكائن لا يكتفي بمشاركة «سلامة» جسده، بل يبدو متأثراً بما يتناوله من طعام أو ما يستنشقه من دخان، كأن السرد يعيد تخيّل «العلاقة الجنينية» بكل ما تنطوي عليه من اعتماد وتشارك حسّي، وهي مشاهد تسهم في ترسيخ «شيء» بوصفه وجوداً حياً يتفاعل مع العالم. فلا يتعامل الكاتب معه بوصفه ظلاً لشخصية البطل، بل يعمل تدريجياً على منحه وجوده الخاص؛ فهو يمتلك مساراً للنمو، ووعياً يتسع بمرور الوقت، وقدرة على الحوار والتعليق وإبداء الرأي، بل تكوين علاقة خاصة بالعالم، وكما تشير الرواية إلى تطوره الجسدي عبر إحالات مرتبطة بعمر الجنين، فإنها تمنحه في الوقت نفسه معرفة وخبرة لا تتناسبان مع حداثة وجوده البيولوجي، بما يجعله يتجاوز موقع «المخلوق» أو «التابع» ليقترب من موقع الشريك السردي الكامل.

ويتمثل أحد أبرز تحديات السرد في بناء سياق لغوي يتجاوز ثنائية «المونولوغ» و«الديالوغ» معاً، ليؤسس علاقة لغوية ثالثة بين «سلامة» و«شيء» الذي يسكنه، يُطلِق عليها السرد أحياناً «التخاطر»، فيما تبدو أقرب إلى منطقة ذهنية مشتركة تتسع بتطوّر العلاقة بين الطرفين، وتكتسب تدريجياً ذاكرتها وقاموسها الخاص، كأن الرواية تجعل اللغة نفسها جزءاً من فعل الخلق، بحيث يتشكّل الكائن ولغته وعلاقته بالعالم بالتوازي، إلى أن يصبح «شيء» قطباً موازياً لـ«سلامة» داخل البنية السردية، فيتبادلان الحديث البدائي بدايةً من «صباح الخير» وصولاً إلى أسئلة وجودية معقدة مثل: «هل أنت سعيد يا سلامة».

تعزيزاً لهذا الحضور المُتنامي، يبدو «شيء» مطَّلعاً على أدق تفاصيل «سلامة» الداخلية؛ أحلامه، وهواجسه، وتطلعاته المكبوتة تجاه الأنثى والجنس، كما يمتلك معرفة تتجاوز خبرته المباشرة بالعالم، بما يمنحه حضوراً يتجاوز مجرد الكائن البيولوجي أو الصوت النفسي، ليقترب أحياناً من كيان ماورائي قادر على قراءة الداخل الإنساني.

يضاعف السرد من اتساع «شيء» ككيان روائي عبر الجمع بين الطابع الماورائي لحضوره، والإيحاء بقدرات عقلية ومعرفية تتجاوز شروط وجوده البيولوجي، ففي أحد المشاهد يُحدّث «شيء» صاحبه «سلامة» عن أنواع نادرة من الفراشات، في مفارقة لافتة بين «العقل المحدود» الذي ظلّ «سلامة» يُوصم به طوال حياته، ووعي يبدو أكثر اتساعاً وتعقيداً للكائن الذي يتخلّق من داخله.


وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»
TT

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

في روايته الجديدة «غرناطة... آخر الأيام»، يواصل الكاتب ‏والشاعر والروائي الفلسطيني وليد سيف مشروعه الإبداعي في ‌‏استعادة التاريخ العربي الإسلامي في الأندلس، مختتماً بها ‏رباعيته الأندلسية بعد أعماله «صقر قريش» بجزأيه، و«مواعيد ‌‏قرطبة»، و«خريف إشبيلية»، التي أنجز ثلاثة منها للشاشة ‏الصغيرة، مع المخرج السوري الراحل حاتم علي.

وتتناول الرواية الفصل الأخير من الوجود العربي الإسلامي في ‏الأندلس، من خلال استعادة السنوات الأخيرة من حكم بني ‏نصر ‏في غرناطة، وصولاً إلى سقوطها وتسليم مفاتيحها للقشتاليين، ‏في لحظة تاريخية أنهت ثمانية قرون من الحضور ‏العربي في ‏شبه الجزيرة الإيبيرية.

ويفتتح الكاتب روايته بمقطع يحمل مرارة المنفى وأفول السلطة، ‏يقول فيه على لسان بطله: «مواطئ أقدام العامة خيرٌ من ‏مجلس ‏السلطان»، في إشارة إلى التحول القاسي من سلطان كان يحكم ‏غرناطة إلى منفي يستأذن على أبواب السلاطين.

ويعيد وليد سيف في الرواية تقديم شخصية محمد بن علي بن سعد ‏النصري، المعروف بأبي عبد الله الصغير، بعيداً عن ‏الصورة ‏التقليدية التي اختزلته في رمز للهزيمة وضياع الأندلس، فالرواية ‏لا تنظر إلى السقوط بوصفه ثمرة قرار فردي، بل ‏نتيجة ‏تراكمات طويلة من الصراعات والانقسامات والتراجع السياسي.

ومن خلال صوت أبي عبد الله نفسه، يناقش الكاتب مفهوم ‏المسؤولية التاريخية، ويعيد مساءلة الروايات الشائعة التي علقت ‌‏بذاكرة سقوط غرناطة، ومنها المقولة المنسوبة إلى والدته عائشة ‏الحرة: «ابكِ كالنساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه كالرجال»، ‏إذ ‏ينفي بطل الرواية صحتها، مقدماً والدته بوصفها شخصية ‏سياسية ساندته في صراعاته ومحنته.

وتمنح الرواية شخصية أبي عبد الله بعداً إنسانياً مأساوياً، إذ ‏يظهر فيها وريثاً للهزائم لا للأمجاد، مطارداً بثقل الماضي ‌‏وبأصداء الثورات والانقسامات التي عصفت بالأندلس منذ ‏بدايات الفتح الإسلامي وحتى عصر ملوك الطوائف.

تزخر الرواية بالصراعات والمؤامرات داخل البيت الحاكم في ‏غرناطة، بين الآباء والأبناء والإخوة والأعمام، في مقابل ‌‏حضور قصص الحب والتضحية والنهايات التراجيدية التي تمنح ‏النص بعده الإنساني، يقدم من خلالها الكاتب مدينة غرناطة ‌‏عالماً كاملاً يتداعى سياسياً وأخلاقياً وإنسانياً.

كما تحضر المرأة بوصفها عنصراً محورياً في البناء الدرامي، ‏وفي مقدمة الشخصيات النسائية عائشة الحرة، إلى جانب ثريا ‌‏القشتالية، ومريمة زوجة أبي عبد الله، والملكة إيزابيلا التي ‏يقدمها العمل بوصفها صاحبة مشروع، هدفه توحيد إسبانيا تحت ‌‏سلطتها وطرد العرب واليهود منها. وفي مقابل ضَعْف السلطة وصراعاتها، تمنح الرواية مساحة ‏للمقاومة الشعبية التي يمثلها موسى الغساني وعلي العطار ‌‏وحامد الثغري، بوصفهم شخصيات حاولت إبطاء السقوط ‏والدفاع عن غرناطة في مواجهة واقع سياسي متصدع. ويبرز في الرواية أيضاً سؤال الحضارة والتحولات التاريخية، ‏إذ يستعيد الكاتب صورة الأندلس بوصفها منارة للعلم والثقافة، ‌‏في وقت كانت فيه الوفود الأوروبية تفد إلى قرطبة للتعلم، قبل ‏أن تتبدل موازين القوة لمصلحة الغرب مع تراجع العرب ‌‏وانقسامهم.

رواية «غرناطة.. آخر الأيام» صدرت عن «الأهلية للنشر والتوزيع» في الأردن، وتقع في 565 ‌‏صفحة من القطع المتوسط.