بعد الولايات المتحدة... كابوس قرصنة الانتخابات يؤرق أوروبا

أصابع الاتهام توجه إلى روسيا... وألمانيا وبريطانيا تتأهبان

لندن وبرلين حددتا روسيا مصدراً لمعظم الهجمات (أ.ب)
لندن وبرلين حددتا روسيا مصدراً لمعظم الهجمات (أ.ب)
TT

بعد الولايات المتحدة... كابوس قرصنة الانتخابات يؤرق أوروبا

لندن وبرلين حددتا روسيا مصدراً لمعظم الهجمات (أ.ب)
لندن وبرلين حددتا روسيا مصدراً لمعظم الهجمات (أ.ب)

يصوِّت الفرنسيون اليوم (الأحد)، لانتخاب رئيس جديد للجمهورية خلفا للرئيس المنتهية ولايته فرنسوا هولاند، وذلك في الدورة الثانية التي يتنافس فيها مرشح الوسط إيمانويل ماكرون الأوفر حظا بحسب استطلاعات الرأي، ومرشحة الجبهة الوطنية اليمينية المتشددة مارين لوبان.
لكن قبل أقل من 48 ساعة من فتح مراكز الاقتراع أمام الناخبين، تعرضت حملة ماكرون المرشح لقرصنة رسائلها الإلكترونية، وتم نشر كمية كبيرة من الوثائق تقول الحملة إنها «خليط من أوراق حقيقية ومزيفة».
وفي محاولة منها للسيطرة على سير الانتخابات من دون تأثر بالتسريبات، حذرت السلطات الفرنسية وسائل الإعلام والجمهور من نشر وتداول أي تفاصيل بشأن القرصنة أو المعلومات المسربة، ومن يقع في ذلك يتعرض للمسائلة الجنائية.
وأعادت التسريبات إلى الأذهان ما حدث في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، والتي فاز بها الرئيس دونالد ترمب في مواجهة هيلاري كلينتون، حينما تم قرصنة الرسائل الإلكترونية للحزب الديمقراطي، وتردد أن قراصنة روس يقفون وراءها.
ومع ذلك لا تزال الجهة أو الأشخاص الذين قاموا بقرصنة حملة ماكرون غير معروفين، فلم تتهم الحملة جهة معينة، مشيرة إلى أن الاختراق يهدف إفساد وإضعاف الحملة والديمقراطية في فرنسا، بحسب موقع هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».
وأكد هولاند مساء أمس (السبت) أن عملية القرصنة هذه «لن تمر بلا رد». وأضاف: «كنا نعرف أن هناك مخاطر من هذا النوع خلال الحملة الرئاسية، بما أن هذا حدث في أماكن أخرى».
وأوصت الهيئة الوطنية لمراقبة الحملة الرئاسية وسائل الإعلام «بالبرهنة على روح المسؤولية وعدم تناقل مضمون هذه الوثائق حتى لا تضر بجدية الاقتراع».
وأضافت أن «نشر أو إعادة نشر مثل هذه البيانات التي تم الحصول عليها بشكل غير شرعي، والتي من المرجح أن تكون أضيفت إليها وثائق مزورة، يؤدي إلى التعرض للملاحقة القضائية».

معلومات حاول الإعلام طمسها

وفور نشرها على موقع «تويتر» للرسائل القصيرة، تناقل اليمين هذه الوثائق.
وصرح فلوريان فيليبو، نائب رئيسة حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف، عبر موقع «تويتر»، إلى أن التسريبات قد تتضمن معلومات حاولت وسائل الإعلام طمسها.
وأفاد موقع «ويكيليكس» الذي أعاد نشر التسريبات بأنه في المجمل «هناك آلاف الرسائل الإلكترونية والصور والوثائق المرتبطة بها، يعود آخرها إلى 24 أبريل (نيسان)» أي غداة الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية.
وأكد الموقع الذي أدرج رابطا يؤدي إلى هذه الوثائق، أنه لا يقف وراء هذه العملية التي باتت تحمل اسم «ماكرونليكس».
وأكد حزب ماكرون «إلى الأمام»، في بيان، أن الوثائق التي تمت قرصنتها رسائل إلكترونية «أو وثائق مالية» وكلها «شرعية» لكن أضيفت إليها «وثائق مزورة لإثارة الشكوك والتضليل».

مفاجأة جديدة

ورجحت استطلاعات الرأي الأخيرة قبل بدء الاقتراع، فوز ماكرون (39 عاما) المصرفي السابق ووزير الاقتصاد السابق في عهد الرئيس المنتهية ولايته فرنسوا هولاند، الذي جاء في الطليعة في الدورة الأولى من الانتخابات، ما بين 61.5 و63 في المائة من الأصوات، مقابل 37 إلى 38.5 في المائة لمنافسته البالغة من العمر 48 عاما.
لكن التصويت المفاجئ للبريطانيين على الخروج من الاتحاد الأوروبي والفوز الذي لم يكن مرجحا لدونالد ترمب في الولايات المتحدة، يدعوان إلى الحذر حيال استطلاعات الرأي التي تواجه صعوبة في تقدير التأثير المحتمل للامتناع عن التصويت أو «الأوراق البيضاء».
وفي إعلان دعائي، قارن ماكرون موقفه بما حدث لكلينتون في الانتخابات الأميركية التي كانت تشير استطلاعات الرأي إلى فوزها قبل الانتخابات، وقال: «الأسوأ ليس مستحيلا! صوّت!»، مخاطبا من يعتزمون مقاطعة الاقتراع، ومحذرا من إمكانية فوز لوبان وإن كانت مستبعدة.

تأهب في بريطانيا وألمانيا

إلى ذلك، بدأت كل من بريطانيا وألمانيا من الآن تعزيز أمنيهما الإلكتروني تحضيرا لانتخابات رئيسية في البلدين، حتى قبل الهجمة الإلكترونية التي استهدفت مرشح الرئاسة الفرنسي ماكرون، بعد أشهر من وقوع هيلاري كلينتون ضحية القرصنة المعلوماتية.
وعادت كلينتون مؤخرا للتأكيد على قناعتها بأن قيام روسيا بقرصنة بريد حملتها الإلكتروني، تسبب جزئيا في خسارتها للانتخابات الرئاسية العام الماضي لصالح دونالد ترمب.
وقالت المرشحة الديمقراطية السابقة خلال مناسبة خيرية الثلاثاء الماضي: «لو أن الانتخابات جرت في 27 أكتوبر (تشرين الأول) لكنت أنا رئيستكم».
وسعيا لتجنب ما حصل في الولايات المتحدة وفرنسا، تتخذ الأجهزة الاستخباراتية في بريطانيا وألمانيا إجراءات لمنع وقوع هجمات إلكترونية قبيل حملات انتخابية حامية في البلدين.
وفي الشهر الماضي، ذكر تقرير برلماني بريطاني أن دولا خارجية مثل روسيا والصين ربما تورطت في انهيار موقع تسجيل المصوتين قبل استفتاء «بريكست».
واضطرت الحكومة البريطانية حينها لتمديد الموعد النهائي للتسجيل للتصويت في الاستفتاء الأوروبي، بعد انهيار موقع التسجيل الحكومي في 7 يونيو (حزيران) 2016، وقبل 100 دقيقة من الموعد المحدد لإغلاقه.
ورغم أن الحادث لم يؤثر بشكل فعلي على نتيجة الاستفتاء، فإن اللجنة أكدت أهمية تعلم الدرس لعمليات التصويت في المستقبل، وأنها لا بد أن تمتد إلى ما بعد المسائل الفنية.

الأحزاب أهداف سهلة

يرى خبير الأمن الإلكتروني إيوان لوسن، أن الأحزاب السياسية تشكل أهدافا سهلة، كونها «لا تحظى غالبا بأمن إلكتروني قوي».
وقال لوكالة «برس أسوسييشن» الإخبارية، إنهم كونهم مجموعات «غير ربحية ولا يملكون كثيرا من المال لصرفه على المشكلة (...) فيمكننا منطقيا توقع حدوث سرقة وانتهاك للمعلومات».
وبعد يوم من إعلان رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي المفاجئ عن إجراء انتخابات عامة في الثامن من يونيو، أفاد مركز الأمن الإلكتروني الوطني في البلاد بأنه في «حالة تأهب».
ويعي البريطانيون المشكلة، حيث كانوا قد أحبطوا محاولة قراصنة روس للتدخل في انتخابات عام 2015، وفقا لرئيسة المركز كياران مارتن.
وإدراكا لحجم المسألة، عقد مركز الأمن الإلكتروني الوطني «ندوة تقنية» في مارس (آذار) 2017، دعا إليها الأحزاب السياسية الرئيسية في بريطانيا لتزويدها بخطوات عملية لتخفيض خطر حدوث هجمات من هذا النوع، وتقديم النصح بشأن كيفية إدارة هذه الحوادث.
واتخذت السلطات الألمانية خطوات مشابهة قبل الانتخابات العامة التي ستجري في سبتمبر (أيلول).
وفي مارس، حذرت آرني شوينبوم، رئيسة المكتب الفيدرالي الألماني لأمن المعلومات من أن الشبكات الحكومية تتعرض لهجمات «بشكل يومي».
وأما رئيس الاستخبارات المحلية، هانز - جورج ماسن، فأكد الثلاثاء أن ألمانيا تواجه «تجسسا إلكترونيا عدوانيا بشكل متزايد» فضلا عن هجمات أخرى متفرقة.
وفي أواخر مارس، أطلقت القوات الألمانية المسلحة قيادة جديدة تتمثل مهمتها في حماية أسس تكنولوجيا معلومات الجيش وأنظمة الأسلحة التي تستخدم الكومبيوتر، إضافة إلى مراقبة التهديدات عبر الإنترنت.
وبحسب وزارة الدفاع، تعرضت الأنظمة المعلوماتية للجيش الألماني لأكثر من 280 ألف هجوم خلال الأسابيع التسعة الأولى من هذا العام.

روسيا في مرمى الاتهام

وكما هو الحال في الولايات المتحدة، حددت كل من لندن وبرلين، روسيا مصدرا لمعظم الهجمات.
وقالت مديرة المركز البريطاني، مارتن، لصحيفة «صنداي تايمز» في فبراير (شباط)، إنه «خلال العامين الماضيين، حدث تغير كبير في العدوانية الروسية عبر الفضاء الإلكتروني».
وتصر موسكو على رفضها جميع الاتهامات بأن الدولة ترعى الهجمات الإلكترونية، حيث أكد بوتين: «نحن لا نتدخل أبدا بالحياة والعملية السياسية في الدول الأخرى».



«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».