الفرنسيون يصوتون اليوم لانتخاب رئيس في ظل إجراءات أمنية مشددة

هولاند يؤكد أن قرصنة موقع ماكرون لن تمر «من دون رد»

جنود في الجيش الفرنسي يؤمنون برج إيفيل عشية الانتخابات الرئاسية (أ.ب) ... و رجل يعدّ مكتب اقتراع في مونتروي خارج باريس أمس (أ.ف.ب)
جنود في الجيش الفرنسي يؤمنون برج إيفيل عشية الانتخابات الرئاسية (أ.ب) ... و رجل يعدّ مكتب اقتراع في مونتروي خارج باريس أمس (أ.ف.ب)
TT

الفرنسيون يصوتون اليوم لانتخاب رئيس في ظل إجراءات أمنية مشددة

جنود في الجيش الفرنسي يؤمنون برج إيفيل عشية الانتخابات الرئاسية (أ.ب) ... و رجل يعدّ مكتب اقتراع في مونتروي خارج باريس أمس (أ.ف.ب)
جنود في الجيش الفرنسي يؤمنون برج إيفيل عشية الانتخابات الرئاسية (أ.ب) ... و رجل يعدّ مكتب اقتراع في مونتروي خارج باريس أمس (أ.ف.ب)

وسط إجراءات أمنية مشددة، يعود الناخبون الفرنسيون اليوم إلى صناديق الاقتراع في الجولة الثانية والحاسمة للانتخابات الرئاسية التي سيتمخض عنها اسم الرئيس المقبل لولاية من خمسة أعوام. وبما أن ولاية الرئيس الاشتراكي فرنسوا هولاند تنتهي في 14 الجاري، فإن الرئيس المقبل والمرجح بقوة أن يكون مرشح حركة «إلى الأمام» إيمانويل ماكرون قد يكون أصغر نزلاء قصر الإليزيه سنا منذ قيام الجمهورية الفرنسية قبل 170 عاما.
وحتى مساء أول من أمس (الجمعة)، كان مصير الحملة الرئاسية شبه محسوم بعد أن أجمعت استطلاعات الرأي أن ماكرون لم يحافظ فقط على تقدم مريح على منافسته مارين لوبان مرشحة الجبهة الوطنية، بل إنه حقق تقدما إضافيا عقب «المبارزة» التلفزيونية العنيفة التي تواجه فيها الطرفان ليل الأربعاء الماضي.
فضلا عن ذلك، فإن الاتهامات التي راجت على الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي وفحواها أن ماكرون يمارس التهرب الضريبي، ويملك حسابات مصرفية سرية «أوف شور» في جزر البهاماس، انطفأت بسرعة بعد النفي الشديد للأخير، وبعد أن انعدم وجود أي دليل مادي يدعم تلك الاتهامات.
بيد أن المفاجأة الكبرى جاءت قبل ثلاث ساعات فقط من بدء ما يسمى في فرنسا «الصمت الانتخابي» الذي يمنع المرشحين وأنصارهم والوسائل الإعلامية من إطلاق أي تصريح أو نشر أي خبر من شأنه التأثير على الناخبين الـ47 مليونا، فقد نشر الموقع «4Chan» مجهول الهوية كمّا هائلا من الصور والعقود والرسائل الإلكترونية الخاصة والمهنية لمسؤولين من حملة ماكرون، قدرتها صحيفة «لوموند» بـ15 غيغابايت. وسريعا، تم الترويج لهذه الوثائق التي سميت «ماكرون ليكس». وما ساعد على انتشارها أن شبكة «ويكيليكس» التي أسسها المواطن الأسترالي الموجود في سفارة الإكوادور بلندن، جوليان أسانج، قامت بدورها بإيجاد رابط بالموقع الذي نشرها أولا. لكن «ويكيليكس» عمدت بعد وقت قصير إلى إصدار بيان يفيد بأنها ليست الجهة التي سربت الوثائق المنشورة التي تغطي فترة زمنية تمتد حتى 24 أبريل (نيسان)، أي بعد الجولة الرئاسية الأولى، مضيفة أنها لا تتضمن أي معلومات من شأنها التأثير على نتيجة الانتخابات.
وتبين الاستقصاءات التي جرت في الساعات التي تلت خروج الوثائق أن موقعين أميركيين، أولهما يديره جاك بوزوبيتش، الذي كان من أشد أنصار دونالد ترمب خلال حملته الانتخابية، والثاني «ديزوبيدنت ميديا»، ويديره ويليام كراديتش الذي أطلق قصة حسابات «الأوف شور»، هما من روجا للوثائق المقرصنة قبل أن تشير إليهما شبكة «ويكيليكس». وبعدها، وصلت الوثائق إلى مواقع اليمين المتطرف الفرنسي الذي روج لها بالوسائل كافة. وكان فلوريان فيليبو، وهو المساعد الأول لمارين لوبان من الأوائل الذين غردوا بشأنها، متهما الصحافة الفرنسية بـ«التغطية» عليها.
بدوره، قال الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند أمس إن عملية القرصنة الواسعة لوثائق فريق حملة المرشح الوسطي لن تمر «من دون رد». وأكد: «كنا نعرف أن مثل هذه المخاطر قائمة أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية، بما أنها حدثت في أماكن أخرى فلن يمر أي شيء من دون رد».
وأضاف: «إذا حدث فعلا عدد من عمليات التطفل والتسجيل، فستكون هناك إجراءات» من دون مزيد من التوضيح. وتابع، إثر زيارة لمتحف في باريس برفقة العاهل المغربي الملك محمد السادس: «يجب إفساح المجال للتحقيقات لتتم».
السؤال الذي طرحه مسؤولو «إلى الأمام» يتناول هوية الجهة التي قامت بعملية القرصنة، وسطت على هذه الكمية الكبيرة من الوثائق والرسائل والمستندات والصور. إزاء هذه العملية التي يبدو بوضوح تام أن غرضها التأثير على مسار الانتخابات الرئاسية على غرار ما شهدته الولايات المتحدة الأميركية، وما عانت منه المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، سارعت حركة «إلى الأمام» إلى نشر بيان ليلي جاء فيه أن حركة «إلى الأمام» وقعت ضحية عملية قرصنة واسعة ومنسقة أدت إلى نشر وثائق داخلية متنوعة (رسائل إلكترونية ومستندات وبيانات حسابية وعقود). وأضاف البيان أن الوثائق المنشورة تم الحصول «قبل عدة أسابيع» عليها من خلال قرصنة البريد الإلكتروني الشخصي والمهني لمسؤولين كثيرين، منبهة من أن «الذين يتداولون هذه الوثائق يضيفون إلى الوثائق الأصلية أخرى مزورة لزرع الشك والتضليل». ويخلص البيان إلى القول إن هذه العملية التي جاءت قبل ساعات قليلة من انتهاء الحملة الرئاسية رسميا «غرضها الواضح زعزعة الانتخابات الرئاسية وضرب المصالح الحيوية للديمقراطية الفرنسية»، مشيرة إلى وجود تشابه بين ما حصل في فرنسا، وما سبق أن جرى في الولايات المتحدة الأميركية مع المرشحة كلينتون.
وكان واضحا من عملية القرصنة أن المستهدف هو ماكرون. وسبق له ولمسؤولين في حركته أن اتهموا روسيا في شهري فبراير (شباط) ومارس بالسعي للتأثير على نتائج الانتخابات باللجوء إلى القرصنة الإلكترونية. كذلك فعل وزير الخارجية جان مارك إيرولت. وأفادت تحقيقات قامت بها مؤسسة «تريند مايكرو» اليابانية المتخصصة لصالح «إلى الأمام»، بأن محاولات تصيد احتيالي (فيشنغ) قامت بها مجموعة روسية ما يذكر بالنتائج التي توصلت إليها المخابرات الأميركية حول مسؤولية روسيا في قرصنة وثائق حملة كلينتون.
وبحسب ما جاء في تقرير الشركة اليابانية بتاريخ 25 أبريل (نيسان)، فإن مجموعة تسمى «باون ستورم» أو «فانسي بير» معروف ارتباطها بالكرملين هي المسؤولة عن الهجوم الإلكتروني على حملة ماكرون. وليس سرا أن الكرملين سعى لمساعدة المرشحة لوبان، إذ إن الرئيس بوتين استقبلها شخصيا في قصر الكرملين بتاريخ 24 مارس (آذار) لمدة تزيد على الساعة. كذلك، فإنه معروف أن مصارف روسية مرتبطة بالكرملين قد قدمت قرضا من تسعة ملايين يورو إلى حزب الجبهة الوطنية من أجل حملاتها الانتخابية. في المقابل، فإن لوبان لا تخفي «إعجابها» ببوتين وتقديرها لسياسته وتنديدها بالعقوبات الأوروبية المفروضة عليه، كما أنها تؤيد السياسة الروسية في سوريا.
منذ ليل الجمعة - السبت، سارعت حركة «إلى الأمام» إلى تقديم دعوة قضائية مستعجلة. وصباح أمس، حذرت اللجنة الوطنية لمراقبة الحملة الرئاسية وسائل الإعلام من نشر مضمون هذه الوثائق التي جاءت من «هجوم معلوماتي»، مذكرة بأن «نشر أنباء كاذبة يمكن أن يخضع لحكم القانون». لكن التأكد من المسؤوليات، وفق خبراء في المعلوماتية يتطلب وقتا طويلا قبل كشف الجهة التي قامت بالقرصنة. وبالتالي، فإن ما يقال اليوم هو «تخمينات» تحتاج إلى تأكيد لن يأتي إلا لاحقا. لكن استعجال الأوساط المرتبطة بلوبان لنشر هذه الوثائق يبين بوضوح أنها تتوخى كسبا سياسيا عن طريق زرع الشكوك وتلطيخ سمعة ماكرون من أجل قطع طريق الإليزيه عليه، أو حرمانه من فوز واسع ومريح بالرئاسة. لكن قصر المدة الفاصلة بين النشر وموعد التصويت سيجعل تأثير الوثائق المنشورة محدودا، خصوصا إذا لم تكن تكشف النقاب عن أفعال مخالفة للقانون أو عن «فضائح». وتؤكد حركة ماكرون أن الوثائق المقرصنة «تكشف النقاب عن معطيات داخلية، لكنها ليست مصدر قلق بالنسبة إلينا».
بموازاة «ماكرون ليكس»، جاء توقيف عسكري سابق يظن أنه متطرف صباح أول من أمس (الجمعة) قريبا من قاعدة جوية عسكرية قريبا من مدينة إيفرو على بعد نحو مائة كيلومتر شمال غربي باريس، ليعيد إلى الواجهة التهديد الإرهابي الذي يطأ بثقله على فرنسا، وليذكر بما حصل قبل ثلاثة أيام فقط من الجولة الأولى، حيث قتل شرطي في جادة الشانزليزيه وجرح اثنان قبل أن يردى المهاجم قتيلا.
وما زالت مجموعة من التساؤلات تدور حول شخصية العسكري الذي كان يحاول الدخول إلى القاعدة الجوية، ويبدو أنه يعاني من مشكلات نفسية، وكان معروفا براديكاليته لدى المخابرات الداخلية، واسمه موجود على لائحة الأشخاص الذين يشكلون تهديدا أمنيا. وبالتالي فإنه كان خاضعا للمراقبة منذ عام 2014.
وبالنظر إلى هذا الوضع، ستقوم وزارة الداخلية والدفاع والأجهزة الأمنية المختلفة بنشر عشرات الآلاف من رجال الشرطة والدرك والجيش، 12 ألفا في باريس وحدها، لحماية مراكز الاقتراع وضمان أمن الأماكن الحساسة ومواقع تجمهر المواطنين والسياح، تلافيا لأي حادث أمني يمكن أن يعكر حسن سير العملية الانتخابية. وتجدر الإشارة إلى أن الانتخابات التشريعية ستجرى يومي 11 و18 يونيو (حزيران) من الشهر المقبل، مما سيعيد الملف الأمني إلى واجهة الاهتمامات الرسمية.



الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.


روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)

أكدت روسيا، الخميس، أن قواتها ستبقى في مالي، رافضة دعوة من المتمردين الطوارق لسحبها، بعدما شنّ الانفصاليون ومتطرفون أكبر هجمات منذ 15 عاماً ضد حكم المجلس العسكري.

وقال الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الذي تُعدّ بلاده داعماً رئيساً للحكومة المالية، إن وجود روسيا في مالي «مرتبط بالضرورة التي أعلنتها السلطات». وأضاف: «ستواصل روسيا مكافحة التطرف والإرهاب وغيرهما من المظاهر السلبية، بما في ذلك في مالي»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت وحدة «فيلق أفريقيا»، شبه العسكرية التابعة لموسكو، قد انسحبت نهاية الأسبوع الماضي من بلدة رئيسة في شمال البلاد، في أعقاب هجمات للمتمرّدين الطوارق استهدفت أيضاً العاصمة باماكو وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع.

وقال متحدث باسم متمرّدي الطوارق في «جبهة تحرير أزواد» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، خلال زيارة إلى باريس الأربعاء، إن «النظام سيسقط، عاجلاً أم آجلاً»، داعياً روسيا إلى الانسحاب من كامل البلاد.

وكان من المقرّر أن تُقيم مالي الخميس جنازة لوزير الدفاع ساديو كامارا، الذي يُنظر إليه على أنه مهندس تحوّل المجلس العسكري نحو روسيا.

ومنذ عام 2012، تواجه الدولة الواقعة في غرب أفريقيا أزمة أمنية متعددة الأوجه تغذّيها خصوصاً أعمال عنف تشنّها جماعات مرتبطة بتنظيمَي «القاعدة» و«داعش»، فضلاً عن عصابات إجرامية محلية ومجموعات تطالب بالانفصال.

وقد قطع المجلس العسكري الحاكم في مالي، على غرار نظيرَيه في النيجر وبوركينا فاسو، العلاقات مع القوة الاستعمارية السابقة فرنسا، متجهاً نحو تعزيز التقارب السياسي والعسكري مع موسكو.

ويخضع «فيلق أفريقيا» لإشراف وزارة الدفاع الروسية، وقد خلف مجموعة «فاغنر» شبه العسكرية الروسية التي انتشرت لسنوات في عدة دول أفريقية.

ولقي مؤسس فاغنر»، يفغيني بريغوجين، مصرعه في عام 2023 إثر تحطّم طائرة كان يستقلها في روسيا، وذلك بعد شهرين من قيادته تمرّداً عسكرياً في روسيا.