توقيع مذكرة «مناطق تخفيف التوتر» في سوريا رغم التباينات بين الدول الضامنة

الفصائل تحذّر من التقسيم... وواشنطن قلقة من اعتبار إيران ضامناً

وفد المعارضة المسلحة إلى «آستانة» في مؤتمر صحافي أمس أعلن فيه رفضه وجود إيران بين الدول الضامنة (أ.ف.ب)
وفد المعارضة المسلحة إلى «آستانة» في مؤتمر صحافي أمس أعلن فيه رفضه وجود إيران بين الدول الضامنة (أ.ف.ب)
TT

توقيع مذكرة «مناطق تخفيف التوتر» في سوريا رغم التباينات بين الدول الضامنة

وفد المعارضة المسلحة إلى «آستانة» في مؤتمر صحافي أمس أعلن فيه رفضه وجود إيران بين الدول الضامنة (أ.ف.ب)
وفد المعارضة المسلحة إلى «آستانة» في مؤتمر صحافي أمس أعلن فيه رفضه وجود إيران بين الدول الضامنة (أ.ف.ب)

اتفق ممثلو الدول الضامنة للهدنة في سوريا على مذكرة خاصة بإنشاء مناطق لوقف التصعيد في اختتام الجولة الرابعة من مؤتمر آستانة. وفي حين أعلن النظام السوري تأييده له اعترضت عليه المعارضة رافضة تقسيم سوريا إضافة إلى تشديدها على أهمية أن تكون قوّة الفصل التي يفترض أن تنتشر في المناطق بين المعارضة والنظام، من دول محايدة وعدم إشراك إيران كدولة ضامنة أو عبر قوات تابعة لها في هذه المهمة.
وأوضح وزير الخارجية الكازاخستاني خيرت عبد الرحمنوف أن المشاركين في مفاوضات آستانة قاموا خلال الاجتماعات التي استغرقت يومين، بمتابعة تنفيذ الاتفاقات الخاصة بنظام وقف إطلاق النار ووقف العمليات القتالية في سوريا، ووافقوا في نهاية المطاف على توقيع المذكرة الخاصة بإنشاء مناطق وقف التصعيد في سوريا. وأكّد أن عملية آستانة تستهدف دعم العملية السياسية التي تجري في جنيف، معلنا أن المشاركين في المفاوضات اتفقوا على إجراء اللقاء القادم في منتصف يوليو (تموز) المقبل، وعلى إجراء مشاورات تمهيدية على مستوى الخبراء في أنقرة قبل أسبوعين من انطلاق الجولة الخامسة من اللقاء.
وفي أول رد فعل من الخارجية الأميركية، التي حضر ممثلها بصفة مراقب في لقاء آستانة الأخير، عبر بيان رسمي صادر عن الوزارة، أمس، عن شعورها بالقلق من اتفاق آستانة: «بما في ذلك مشاركة إيران كدولة ضامنة». وتوقع البيان من روسيا أن تضمن التزام النظام السوري بوقف الهجمات على المدنيين.
وبعد مرور أسبوعين من التوقيع على الوثيقة، ستشكل الدول الضامنة فريق عمل معنيا بوقف التصعيد على مستوى المفوضين لترسيم حدود مناطق وقف التصعيد والمناطق الآمنة وتسوية المشاكل العملية والفنية المتعلقة بتنفيذ المذكرة.
وأكد المبعوث الرئاسي الخاص إلى سوريا ألكسندر لافرينتيف، رئيس الوفد الروسي، أن «روسيا تخطط للمضي في العمل بنشاط مع طهران وأنقرة، ونبذل كل جهدنا حالياً لتطوير الاتصالات مع الزملاء الأميركيين»، مشددا على العمل مع قوى إقليمية كبرى، مثل المملكة العربية السعودية، ومصر، مضيفا: «ونأمل بخطوات من جانب قطر في حل أزمة معقدة مثل الأزمة السورية».
ورغم التوقيع على المذكرة، فقد برزت بوضوح تباينات بين الدول الضامنة، حول بعض المسائل. إذ قال نائب وزير الخارجية الإيراني حسين جابري أنصاري، رئيس وفد بلاده إلى مفاوضات آستانة، إن «المذكرة ستؤدي إلى تغيرات جذرية في سوريا، في حال تنفيذها بالشكل الصحيح»، وقال إن المناطق الآمنة ستشمل القنيطرة ودرعا والغوطة وحمص وإدلب. بينما قالت وزارة الخارجية التركية إن تلك المناطق ستشمل كل محافظة إدلب، وأجزاء من محافظات حلب واللاذقية وحمص. وفي وقت سابق قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إن مناطق التهدئة ستشمل محافظة إدلب وخمس مناطق أخرى في سوريا.
وقال مصدر مطلع من العاصمة الكازاخية لـ«الشرق الأوسط»، إن وفود روسيا وتركيا وإيران عقدت أكثر من جلسة مشاورات على مدار اليومين الماضيين، بحثت خلالها المناطق التي سيشملها الاتفاق، والمبادئ الرئيسية لاقتراح المناطق الآمنة، وأدخلت عليها بعض التعديلات، بينما أحالت البت في معظم التفاصيل التنفيذية إلى لقاءات على مستوى الخبراء المفوضين، يتوقع أن تنطلق خلال أسبوع، وأوضح المصدر أن «الدول الضامنة لم تتمكن خلال اجتماعات آستانة من التوافق نهائياً على آليات ضمان الأمن في تلك المناطق، ولا على طبيعة وصلاحيات القوى التي ستلعب دور (قوات فصل) التي يفترض أن تنتشر بين الأطراف السورية المتنازعة، وهل ستقوم بالمراقبة وتسجيل الخروقات أم تسجيلها والتعامل ميدانيا معها»، منوهاً إلى أنه «ما زال هناك الكثير من المسائل المعقدة التي لن يكون من السهل على الدول الضامنة التفاهم بشأنها في وقت قريب».
ووصف رئيس الوفد الروسي ألكسندر لافرينتيف، توقيع المذكرة بـ«الخطوة غاية في الأهمية وستساهم في التسوية السياسية للأزمة السورية»، لافتاً إلى أن روسيا تقدمت بهذا الاقتراح لأنها ترى أنه «سيساعد على الفصل بين المعارضة والإرهابيين»، ولفت إلى أن المقاتلات الروسية لن تقصف تلك المناطق «لكن فقط بحال أن الفصائل في تلك المناطق لن تقوم بأي جهود لزعزعة الوضع في مناطق أخرى من البلاد». وأعرب عن استعداد روسيا إرسال قوات إلى «الحزام الأمني» حول تلك المناطق للمشاركة بمهام مراقبة الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار. وأشار بهذا الخصوص إلى أن الدول الضامنة اتفقت على «إمكانية مشاركة، بما في ذلك دول أخرى، في المراقبة، لكن فقط على أساس الإجماع، أي يجب أن يتم اتخاذ القرار بموافقة روسيا وتركيا وإيران» حول السماح بمشاركة أي دولة في عمليات المراقبة. لجنة عمل في غضون خمسة أيام
وذكرت صحيفة «كوميرسانت» أنها حصلت على نسختين من الاقتراح الروسي حول «مناطق تخفيف حدة التوتر»، واحدة باللغة العربية وأخرى بالإنجليزية. وبناء عليه تقول الصحيفة إن «الاقتراح ينص على احتمال نشر وحدات عسكرية من دول أجنبية على خطوط الفصل حول تلك المناطق التي يُقترح إقامتها في محافظة إدلب، وشمال حمص، وفي الغوطة الشرقية وجنوب سوريا. ويجب على الدول الضامنة أن تحدد بصورة نهائية إحداثيات تلك المناطق بحلول يوم 22 مايو (أيار)، ولهذا الغرض سيتم تشكيل لجنة عمل في غضون خمسة أيام بعد توقيع مذكرة إنشاء مناطق تخفيف حدة التوتر. وينص الاقتراح كذلك على حظر استخدام أي نوع من أنواع الأسلحة داخل مناطق التهدئة»، و«يأمل واضعو المذكرة بأن يسمح إنشاء تلك المناطق باستئناف مؤسسات السلطة عملها هناك، وخلق ظروف مناسبة لعودة اللاجئين». ولم يستبعد فيكتور أوزيروف رئيس لجنة المجلس الفيدرالي لشؤون الدفاع والأمن احتمال نشر قوات روسية في المناطق الآمنة، وقال في تصريحات أمس، إن تلك القوات يمكنها أن تقوم بدوريات مع الشرطة السورية في الشوارع لضمان الأمن.
ولم تقدم الدول الضامنة خلال لقاءات «آستانة4» اقتراحات قالت إنها قد أعدتها خلال مشاورات في طهران الشهر الماضي، وتتعلق بتدابير تعزيز الثقة، ومنها وثيقة حول تبادل الأسرى، وإجراءات أخرى لتثبيت وقف إطلاق النار. وتجدر الإشارة إلى أن الدول الضامنة كانت قد شكلت بعد لقاء آستانة الأول نهاية يناير (كانون الثاني) مطلع العام الجاري، لجاناً للعمل على وضع آليات لتثبيت اتفاق وقف الأعمال القتالية، ومراقبة الالتزام بالاتفاق، وهي القضايا الرئيسية التي تم تنظيم مفاوضات آستانة لبحثها، إلا أنها لم تقدم حتى الآن أي اقتراحات حول تلك الآليات.
في هذا الشأن قال ألكسندر لافرينتيف، في تصريحاته من آستانة أمس، إن وفود الدول الضامنة تواصل عملها بعد الجلسة الختامية لـ«آستانة-4»، ولم يستبعد أن تتمكن من تبني وثيقة أخرى «حول تشكيل لجنة عمل لتبادل الأسرى بين الأطراف السورية المتنازعة»، وأعرب عن أسفه لعدم تمكنه من عقد لقاء مع وفد المعارضة: «على الرغم من أن هناك ما يجب بحثه معهم» حسب قوله.
من جهته، وصف مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، المذكرة، بأنها «خطوة في الاتجاه الصحيح لتثبيت وقف إطلاق النار» مؤكدا دعم الأمم المتحدة لها.
وأعلنت الخارجية التركية أمس ترحيب تركيا بتوقيع مذكرة «مناطق تخفيف التوتر في سوريا» التي تنص على وقف استخدام جميع الأسلحة بما فيها الجوية بين الأطراف المتصارعة وضمان إيصال المساعدات الإنسانية والعاجلة إليها.
وقالت الخارجية التركية في بيان أمس إن الاتفاق الذي تم التوصل إليه في ختام اجتماعات آستانة أمس في كازاخستان لإقامة مناطق آمنة (مناطق تخفيف التوتر) داخل سوريا سيشمل كل إدلب وكذلك أجزاء من حلب واللاذقية وحمص.
وأضافت أن الاتفاق سيحظر استخدام جميع الأسلحة في تلك المناطق وسيسمح بإدخال المساعدات الإنسانية إليها.
وكانت تركيا وروسيا وإيران، وقعت مذكرة تفاهم لإنشاء مناطق آمنة (مناطق خفض التوتر).
ووقع عن الجانب التركي نائب وكيل وزارة الخارجية التركية سادات أونال، فيما وقع عن الجانب الروسي رئيس الوفد ممثل الرئيس الروسي الخاص في سوريا أليكساندر لافرينتيف، ووقع عن الجانب الإيراني نائب وزير الخارجية حسين جابري أنصاري.
في السياق، اعتبر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خطة موسكو لإقامة «مناطق تخفيف التوتر» في سوريا ستساهم في حل النزاع المستمر منذ ستة أعوام بنسبة 50 في المائة. وقال في تصريحات لصحافيين أتراك على طائرته أثناء عودته من سوتشي الليلة قبل الماضية، نشرت أمس، إن الخطة الروسية تنطوي على «مفهوم جديد» يختلف عن مقترحات أنقرة السابقة لإقامة مناطق آمنة. ولفت إردوغان إلى أن تركيا تدخلت عبر رئيس مخابراتها هاكان فيدان لحل مشكلة تعليق المعارضة السورية مشاركتها في اجتماع آستانة-4. الأربعاء قائلا: «تدخل هاكان (هاكان فيدان رئيس المخابرات التركية) فورا، وناقش مع فصائل المعارضة التي وافقت مجددا على المشاركة في المحادثات ولذا، استمرت مفاوضات آستانة».
هذا وأبدى النظام السوري دعمه للخطة بحسب ما ذكرت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا»، وشكر رئيس وفد النظام السوري إلى آستانة، بشار الجعفري: «جهود كازاخستان وروسيا وإيران في هذا الإنجاز المهم الذي سيساعد في فتح الباب أمام الحل السياسي» للأزمة في سوريا ودعا روسيا وإيران، وفقا لما نقلته عنه «سانا»، إلى «بحث تفاصيل المذكرة الروسية مع دمشق في أسرع وقت ممكن».



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.