«عسكرة» سوريا... حصيلتها «بعثنة» المجتمع و«لبرلة» الديكتاتورية

العائلة التي ليس لها أحد في سلك الجندية تموت جوعاً وقهراً

«عسكرة» سوريا... حصيلتها «بعثنة» المجتمع و«لبرلة» الديكتاتورية
TT

«عسكرة» سوريا... حصيلتها «بعثنة» المجتمع و«لبرلة» الديكتاتورية

«عسكرة» سوريا... حصيلتها «بعثنة» المجتمع و«لبرلة» الديكتاتورية

عند أي حاجز لقوات النظام في دمشق يزدحم الخط العسكري بالسيارات التي تمر سريعاً دون تفتيش وتدقيق في البطاقات الشخصية، فيما يبدو الخط المدني أقل ازدحاماً لولا توقفها والانتظار طويلاً في طوابير التفتيش والتفييش. هذا المشهد اليومي الاعتيادي خلال السنوات الست الأخيرة، يظهر مدى استفحال حالة العسكرة في المجتمع السوري، في ظل حرب داخلية بدأها النظام على معارضيه، قبل أن تتحول إلى حرب مفتوحة بمشاركة قوى دولية وميليشيات خارجية إلى جانب الأطراف السورية. ويتحدث معارض سوري، يعيش في ريف دمشق، عن «طغيان» ظاهرة العسكرة على جميع مناحي الحياة في سوريا، لا سيما في المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام، فيقول إن هناك كوات ومنافذ بيع في محطات الوقود والأفران والمؤسسات مخصصة للعسكريين إلى جانب كوات مخصصة للنساء وأخرى للرجال من المدنيين، ولأن الأفضلية للعسكر في كل شيء، يترك المدني ليأكله انتظار لساعات طويلة، بينما يحصل العسكري على حاجاته بسرعة. ويرى المعارض السوري الذي رفض الإفصاح عن اسمه أو استخدام اسم مستعار: «بما أن الأفضلية في كل الأمور للعسكري، في المشافي والمدارس والجامعات والوظائف وغيرها، فمن الطبيعي أن يتجه الفقراء إلى دفع أبنائهم للالتحاق بالجيش للحصول على تلك الامتيازات». ويتابع المعارض قوله: «في عقدي الثمانينات والتسعينات كانت الأفضلية لمنتسبي حزب البعث الحاكم، بالترافق مع عملية (تبعيث) الشعب من خلال تنسيب تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات بشكل شبه إلزامي، لم تواجه رفضاً اجتماعياً معلناً إما بسبب الخوف من اضطهاد النظام وإما خوفاً من التهميش وفقدان فرص العمل. في مرحلة كان من المتعارف عليه أن (أصغر مجند أو بعثي في الجيش بإمكانه التحكم بمصير أي مدني أعزل)». ويضيف المعارض: «اليوم تعاد التجربة ذاتها على نحو أكثر فجاجة، إذ تستغل حاجة الذين أفقرتهم وأضعفتهم الحرب لزجهم في الجيش، فالعائلة الفقيرة التي ليس من بين أفرادها عسكري تحتمي به، ويعينها على تلبية احتياجات العيش الأساسية، تموت من الجوع والقهر».
إنعام، أرملة سورية، عمرها 46 سنة، نزحت مع أولادها من المناطق المدمرة إلى أطراف دمشق، وهي ترتزق من العمل في توضيب الخضار، دفعت ابنها للتطوع في إحدى الميليشيات المقاتلة إلى جانب النظام، بهدف الحصول على موافقة أمنية لاستئجار غرفة تؤويها وأبنائها. إنعام تقول: «لولا ابني العسكري لكنت الآن أبيت في الحديقة العامة، فالموافقة الأمنية على استئجار غرفة سكنية منحت باسم ابني، ولو لم يكن عسكرياً لما حصلنا عليها، ولا على أي شيء آخر، بالأخص، عند اشتداد أزمات تأمين الغاز والمازوت والخبز والماء... إلخ». مع هذا، لا تخفي إنعام قلقها الدائم على حياة ابنها التي انقلبت رأساً على عقب منذ تطوعه، وحولته إلى شخص شرس وعدائي مع عائلته، لكن - حسب كلامها - «لا يوجد حل آخر، فإذا لم يتطوع كان سيُساق إلى الخدمة الإلزامية أو سينتسب إلى الجماعات المسلحة!».
من جهة أخرى، هناك لينا، التي بعد نيلها الشهادة الثانوية، تطوعت في إحدى الفرق النسائية التابعة لقوات النظام، مبررة ذلك بأنه «أفضل سبيل للعمل والحياة الكريمة» - كما تقول. إلا أن هذا القرار، الذي رفضه أهلها رفضاً قاطعاً، اتخذته أثناء تقدمها لامتحان الثانوية العامة على خلفية حادثة وقعت أمامها، إذ ضبط مراقب القاعة طالبة تتلقى الإجابات من خارج القاعة عبر تطبيق (واتساب)، فهدّدته الطالبة بقريبها العسكري ما لم يتركها وشأنها. ولدى إصرار المراقب على سحب الورقة وطردها من قاعة الامتحان، حضر العسكري إلى القاعة بسلاحه، وعندها اضطر المراقب للاعتذار طالباً الصفح والمغفرة. ولأن لينا ليس لديها أشقاء ذكور قررت هي حمل السلاح «لتأخذ حصتها من السلطة وتحصيل حقها بالعيش»، حسب تعبيرها، بدل «إضاعة الوقت بالدراسة والبحث عن فرص عمل تافهة»!!.

شراء الولاء
التوجه إلى حمل السلاح جاء ضمن سياق السياسة التي اتبعها النظام في شراء ولاءات الشباب العاطلين عن العمل، وتجنيدهم في ميليشياته، منذ اندلاع الثورة ضده عام 2011. إذ استخدم المال والأمن لجذب أكبر عدد من الشباب والشابات، وأغدق عليهم امتيازات خاصة كالسلاح والسيارات والأذون الأمنية عبر مؤسسات الأحزاب الموالية والمنظمات التابعة لها والأجهزة الأمنية وشبكاتها المتغلغلة في النسيج الاجتماعي السوري. وفي هذا السياق، مثال آخر يجسده مدرس ثانوي اشتكى صراحة من أنه عاجز عن توجيه أي ملاحظة لطلابه، لأن بينهم مجندين في الأجهزة الأمنية، فإذا تأخر أحدهم عن الحصة أو الامتحان فإنه - أي المدرس - لا يجرؤ على منع أحدهم من الدخول، وخصوصاً، إذا تذرع الطالب لتبرير غيابه بتكليفه بمهمة أمنية!

ميليشيات لكل المكونات
خلال 6 سنوات من الحرب يمكن القول إن المجتمع السوري بات «ثكنة عسكرية»، تضم العشرات من الجماعات المسلحة المعارضة ومقابلها العشرات موالية للنظام، تحض على الالتحاق بالأخيرة جهات «مدنية» منها مجموعات نسائية، كـ«مجموعة سيدات سورية الخير»، التي تقود حملات إعلانية إعلامية تدعو الشباب والشابات عبر ملصقات وإعلانات طرقية، إلى حمل السلاح، وتؤنب من يقف منهم على الحياد متفرجاً!!
ومعظم هذه الحملات نشطت بعد عام 2012 الذي شهد تنظيم وتجنيد أكثر من مائة ألف من المتطوعين ضمن ما سُمّي «قوات الدفاع الوطني» التي أشرف على تشكيلها وتنظيمها وتدريبها الحرس الثوري الإيراني، وأوكل مهمة قيادتها للسوريين. وتوالى عام 2013 ظهور الميليشيات الرديفة للقوات النظامية في مناطق سيطرة النظام، لتغطي أطياف المجتمع السوري السياسية والطائفية ومكوناته، بهدف استقطاب أكبر عدد ممن لا يمكن ضمهم إلى عديد القوات النظامية كاليافعين والكهول والنساء. من هذه الميليشيات «نسور الزوبعة» التي هي الجناح العسكري لـ«الحزب السوري القومي الاجتماعي»، و«كتائب البعث» المشكّلة من المنتسبين لحزب البعث، و«الحرس القومي العربي» التي تدّعي حمل الفكر الناصري القومي و«المقاومة السورية - كتائب تحرير إسكندرون» في الساحل، إلى جانب ميليشيات فلسطينية تتبع لفصائل فلسطينية موجودة في سوريا ومحسوبة على خط نظام بشار الأسد السياسي كـ«فتح - الانتفاضة» و«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة»، ومنها «لواء القدس» و«حركة فلسطين حرة».
كذلك ثمة ميليشيات شكلت على أساس طائفي شيعي، مثل لواء «الإمام الباقر» من شيعة عشيرة البقّارة بمحافظة حلب، و«الغالبون» و«جنود المهدي» و«قوات الرضا» وغيرها من الميليشيات التي نظمتها ورعتها إيران. أما الكتائب المسيحية والدرزية التي شجّع النظام على تشكيلها ورعاها، فأبرزها «كتائب سوتورو» في مناطق المسيحيين السريان بشمال شرقي سوريا، و«قوات الغضب» وتضم مسيحيين من محافظة حمص، و«كتائب الموحّدين» و«كتائب حماة الديار» تضم أتباع النظام من دروز الجنوب السوري.
هذه الميليشيات تقاتل إلى جانب تشكيلات عسكرية أخرى انبثقت عن قوات النظام وتحظى ببعض الاستقلالية عنها، أبرزها «قوات النمر» و«قوات الفهود»، وتشكيلات أخرى أسسها رجال أعمال داعمون للنظام، كـ«ميليشيات البستان» التابعة لـ«جمعية البستان للأعمال الخيرية» برئاسة رامي مخلوف (ابن خال بشار الأسد) و«صقور الصحراء» التي شكلها محمد جابر في محافظة اللاذقية من ضباط سابقين ومحاربين متطوّعين، و«لواء أسود الحسين» الذي شكله محمد توفيق الأسد، قريب رئيس النظام السوري، الذي قتل في مارس (آذار) 2015. وغيرها من ميليشيات يموّلها رجال أعمال من المستفيدين من النظام ورجاله.

«الفيلق الخامس»
ثم بعد التدخل الروسي العسكري أكتوبر (تشرين الأول) 2015، أشرفت موسكو على تشكيل ميليشيات جديدة، منها «الفيلق الخامس - اقتحام» لتجنيد الشباب، وأعلن عن تشكيله عام 2016، عبر حملة إعلانية واسعة شملت خطب الجمعة وبرامج التلفزيون والإذاعة ورسائل الهواتف الجوالة والصحف والإعلانات الطرقية. وراحت تزين للشباب الحياة العسكرية وتمجّد البطولة وفداء الوطن و«قائد الوطن»، مع إغراءات بالحصول على راتب 200 دولار، أي ضعفي ما يتقاضاه المتطوع في ميليشيا الدفاع الوطني (100 دولار). أو العسكري الإلزامي (50 دولاراً). وتركزت حملة الدعوة إلى الالتحاق بـ«الفيلق الخامس» على حملة الشهادات الجامعية العالية بمختلف الاختصاصات من الموظفين في الدولة. وخضع مَن كان منهم في سن المطلوبين لخدمة الاحتياط للتخيير بين السوق إلى الاحتياط أو التطوع في «الفيلق الخامس»، وهما خياران «أحلاهما مرّ»، حسب تعبير طبيب عسكري متقاعد جرى سوق ابنه المهندس إلى الاحتياط، وتابع: «اخترنا الاحتياط على أن نسعى عبر معارفنا ليخدم قرب مدينته، لأن الفيلق الخامس اقتحام لا يوحي اسمه بالخير أبداً».

تشكيلات نسائية
عملية «العسكرة» الحالية على قدم وساق لم تقتصر على الذكور، بل سعى النظام منذ عام 2012 إلى زج النساء (من عمر بين 18 و50 سنة) في أتون المعركة، فشُكّلت كتائب نسائية، أبرزها «لبؤات الدفاع الوطني» و«المغاوير النسائية». وخلال مارس 2017، خُرّجت الدفعة الأول دفعة من فصيل «خنساوات سوريا»، في قرية حامو قرب مدينة القامشلي بشمال شرقي سوريا بإشراف الأمين القطري في حزب البعث هلال هلال، المكلف من قبل النظام بإدارة ملف تجنيد النساء ضمن كتائب عسكرية.
نسرين (30 سنة) من الساحل، وتعمل ممرضة في دمشق، تفاخر أمام زملائها بأنها حملت السلاح للدفاع عن «بيتها وعائلتها ووطنها وقائدها». وتدّعي أن ليس أمامها أي خيار آخر بعد مقتل 3 من إخوتها الشباب على أيدي من تسميهم «الإرهابيين» و«مقتل أعداد كبيرة من أبناء قريتها الساحلية، ولم يعد هناك سوى النساء والعجائز والأطفال وهؤلاء بحاجة للحماية». وتشير إلى انعدام الأمان في القرى وانتشار عصابات السرقة والخطف في تلك المناطق نظراً لغياب الرجال في المعارك، «ظهرت عصابات متخصّصة في سرقة مؤن البيوت».
للعلم، حمل المرأة السلاح في سوريا ليس جديداً. إذ سبق للنساء أن أشركن بحمل السلاح على نحو محدود في «حرب تشرين» (أكتوبر) 1973 ضد إسرائيل، بعدما كانت معسكرات تدريب النساء تقتصر على الدفاع المدني والإسعاف خلال عقدي الخمسينات والستينات اللذين شهدا مواجهات مع إسرائيل. ولكن مع بداية الثمانينات التي شهدت مواجهات دامية بين نظام حافظ الأسد والإخوان المسلمين، ضُمّت النساء إلى صفوف الجيش والشرطة في كليات تدريب خاصة، بجانب تشكيلات مُسلحة تابعة لحزب البعث.

مسيرة العسكرة
مع هذا، فإن مظاهر «عسكرة» المجتمع التي يعمّمها ويعمقها النظام اليوم، بدأت مع بداية عهد حكم آل الأسد في السبعينات بعد إقرار الدستور بـ«قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي للدولة والمجتمع» التي أفرزت فكرة «الجيش العقائدي»، وشرّعت احتكار البعث للجيش، مع حظر نشاط الأحزاب والتيارات السياسية الأخرى في المدارس والجامعات والمؤسسة العسكرية. وضمن هذا السياق، جاء إدخال مادتي التربية العسكرية والثقافة القومية البعثية إلى مناهج التدريس الأساسي (ابتدائي - إعدادي - ثانوي). وخُصّص يوم دراسي أسبوعي لها شتاءً ومعسكرات تدريب صيفاً، يخضع لها الذكور والإناث في مراحل التعليم الأساسي وتقتصر على الذكور في مراحل التعليم الجامعي، وذلك بإشراف «منظمة الطلائع» للمرحلة الابتدائية ومنظمة «اتحاد شبيبة الثورة» للمرحلتين الإعدادية والثانوية، وفي المرحلة الجامعية تحت إشراف «اتحاد طلبة سورية».
ثم هناك دورات تدريب عسكرية أطلقها رفعت الأسد، شقيق حافظ الأسد، كدورات المظلية والصاعقة للمرحلتين الإعدادية والثانوية، التي نشطت في الثمانينات، لكنها لم تصمد طويلاً لنفي رفعت الأسد خارج البلاد بعد محاولته الانقلاب على شقيقه، وأيضاً لسوء الصيت الذي رافق خريجي دورات المظليين، لا سيما الفتيات اللاتي تورّطن في حملة شنها رفعت الأسد لنزع الحجاب عن رؤوس النساء في الشوارع والمدارس، وكانت من أبشع الأحداث الاستفزازية الراسخة في الذاكرة السورية.
وترافق إدخال مادة التدريب العسكري الجامعي خلال السبعينات مع دخول الآليات العسكرية الثقيلة إلى حرم الجامعات بغرض تدريب الطلاب الذكور، بالتوازي مع انتقال مركز صنع القرار من وزارة التعليم إلى مكتب التعليم العالي في القيادة القطرية لحزب البعث، وإبعاد الكادر التدريسي غير البعثي عن الجامعة.

البعث «العجوز»
خلال التسعينات، بعد سحقه الإخوان المسلمين داخل سوريا، توطّد حكم الأسد الأب، مدعوماً بقاعدة توازنات اقتصادية دمشقية، شكّلت مع كبار المسؤولين في النظام «درع حماية» للحكم. وبعدها دخلت البلاد مرحلة ركود عام، تغولت خلالها الأجهزة الأمنية وتغلغلت في كل مفاصل الحياة السورية لتصيبها بالفساد الكامل.
وفي غضون ذلك، أخذت تتكوّن طبقة جديدة من أبناء المسؤولين وشركائهم من رجال المال تحت السطح، وجدت فرصتها للصعود مع وصول الأسد الابن إلى السلطة بعد رحيل والده. هذه مثلت الرافع الأساسي للعهد الجديد الذي بدا خلاله إرث الأب ثقيلاً ومظاهر «العسكرة» العقائدية منّفرة. أيضاً راح حكم البعث العجوز يضغط على الطبقة الشابة الصاعدة، ليشكل عبئاً يصعب - إن لم يكن مستحيلاً - التخلص منه.
وجاءت حملة «التطوير والإصلاح» التي أطلقها الابن للحد من سلطة البعث «الاشتراكي»، والعمل على إحداث انقلاب اقتصادي على مرحلة التحول الاشتراكي التي استغرقت 4 عقود، والتوجه نحو ما اصطلح على تسميته بـ«اقتصاد السوق الاجتماعي المفتوح». وهو مصطلح وجد للاستهلاك السوري حصراً، جرى الترويج له كإجراء لا بد منه للانضمام إلى الشراكة الأوروبية التي تعني كذلك إنهاء مظاهر «العسكرة»، والتخلص من وزر التركة العقائدية. وهكذا تقرّر تغيير لون الزي المدرسي الذي كان كاكياً (مثل البزات العسكرية) في كل مراحل التعليم ما قبل الجامعي إلى أزرق ورمادي للذكور وأزرق ووردي للإناث. وعام 2003، إضافة لإلغاء مادة التربية العسكرية من المناهج المدرسية، ألغي التدريب العسكري في الجامعات.
ويروي أيمن ن. (47 سنة)، اللاجئ السوري في ألمانيا، ذكرياته في مدارس البعث، فيقول: «عندما لجأت إلى ألمانيا قبل 4 سنوات وتابعت كيف يتلقى الأولاد تعليمهم في المدارس، أدركت أنني لم أتلقَّ تعليمي في مدرسة مدنية، بل في ثكنة عسكرية. في المرحلة الابتدائية كنا نصطف صباحاً لتأدية تحية العلم وترديد الشعارات البعثية بشكل ببغائي. يقول المدرس: رفيقي الطليعي، كن مستعداً لبناء الوطن العربي الموحّد والدفاع عنه. فنجيب بصوت واحد: مستعدٌ دائماً. وفي الإعدادية والثانوية، كنا نردد ما هو أشنع في الاجتماع الصباحي... عهدنا: أن نتصدى للإمبريالية والصهيونية والرجعية. ونسحق، أداتهم المجرمة عصابة الإخوان المسلمين العميلة. وهذه العبارة كانت مكتوبة على لوحة ضخمة وتتصدر مدخل الجامعة تطالعنا طوال الوقت. الآن أحاول تذكر ماذا كانت تعني لي تلك الشعارات فلا أتذكر سوى أنها كانت كلمات وطلاسم وأن من المحرمات الخروج على النظام». وعن ذكرياته عن الجامعة والتدريب العسكري، يروي بحسرة: «لم تكن سوى علك صوف... علاك فارغ. حرمنا من الإحساس بوجودنا كطلبة يرغبون بالتعلم والمعرفة والارتقاء بمكانتهم في المجتمع كسائر البشر، كنا عساكر دون حرب».

«لبرلة» الديكتاتورية
بعد اندلاع الثورة ضد نظام الأسد في مارس 2011، عادت أصوات قدامى البعثيين لتعلو مطالبة بإعادة مادة التربية العسكرية إلى المدارس. ومنهم من رد أسباب خروج الشباب في مظاهرات مناهضة للنظام إلى «حالة التسيب» التي حصلت جراء إلغاء حصة التربية العسكرية، حتى أن مجلس محافظة دمشق طالب عام 2012 بإعادة مادة التربية العسكرية إلى المدارس بعد إلغائها بنحو 10 سنوات. كما اقترح فصل كل موظف ثبتت مشاركته في المظاهرات المناهضة للنظام باعتبارها أعمال «تخريب».
لم تسمع تلك الأصوات لأن حكم الأسد الابن، في مواجهة الثورة ضده، لم يعد بحاجة لغطاء البعث وحده ليأخذ شرعية البقاء. بل برزت حاجة لغطاء يمثل كل الأطياف والتيارات والأحزاب الأخرى إلى جانب الطوائف والقوميات والفئات. وبالتالي، انطلقت عقائد جديدة مغايرة لعقيدة البعث. عقائد لمحاربة «التطرف الإسلامي» والإرهاب، استلزمت إطلاق عملية عسكرة واسعة لا تقتصر على الأطفال والشباب في المؤسسات العلمية والعسكرية، بل تستهدف جميع المكوّنات دون استثناء. ولعل الملصق الذي نشرته إحدى تلك المجموعات وتظهر فيه خريطة سوريا تلبس اللباس العسكري القتالي (المموّه) وممهورة بشعار القوات المسلحة، تعبّر تماماً عن سوريا اليوم بعد 6 سنوات من حرب عبثية، قتلت وشردت نصف السوريين، وأفقرت 80 في المائة منهم، ودمّرت ثلثي المناطق المأهولة.
ويمكن القول إن «عسكرة» المجتمع السوري التي تعود بداياتها إلى مرحلة الانقلابات العسكرية، تكرّست بآخر انقلاب (يوم 8 مارس 1963) عندما استدعت اللجنة العسكرية للانقلاب قادة حزب البعث «للمشاركة معها»، وهو ما سهّل استيلاء قائد القوى الجوية (يومذاك) حافظ الأسد على الجيش والحزب بشكل نهائي في انقلاب 16 أكتوبر 1970.
أخيراً، لا بد اليوم من القول إن «العسكرة» تبلورت وباتت اليوم تعبر بفظاعة عن انفلات الديكتاتورية. إذ أصبح كل عسكري يحمل سلاحاً ليقمع الأدنى منه رتبة ويُرهب المدنيين. وبذا تمكنت الحرب من «لبرلة» الديكتاتورية وتعزيز حالة العداء للمجتمع المدني بتعبيراته السياسية والدينية والثقافية والإعلامية.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.