100 يوم على رئاسة ترمب... عثرات داخلية وإنجازات خارجية

البيت الأبيض: أداؤه تفوق على كل الرؤساء السابقين منذ روزفلت

ترمب يلقي خطاباً بمناسبة ذكرى المحرقة في مقر الكونغرس أمس (أ.ف.ب)
ترمب يلقي خطاباً بمناسبة ذكرى المحرقة في مقر الكونغرس أمس (أ.ف.ب)
TT

100 يوم على رئاسة ترمب... عثرات داخلية وإنجازات خارجية

ترمب يلقي خطاباً بمناسبة ذكرى المحرقة في مقر الكونغرس أمس (أ.ف.ب)
ترمب يلقي خطاباً بمناسبة ذكرى المحرقة في مقر الكونغرس أمس (أ.ف.ب)

حفل برنامج الرئيس الأميركي، أمس، بأنشطة سياسية ذات تداعيات داخلية وخارجية تخللتها توترات ذات طابع تجاري مع الحكومة الكندية، وانتقادات لاذعة لوسائل الإعلام «الكاذبة»، وخطاب لإحياء ذكرى المحرقة.
وككل يوم، بدأ ترمب يومه الـ96 من نحو 1400 يوم يقضيها سيدا للبيت الأبيض بتلقي بيان استخباراتي يومي عند الساعة العاشرة، ثم توجه لإحياء ذكرى المحرقة في مقر الكونغرس الأميركي، ثم التقى بعد الظهر وزير المالية ستيفن منوشين لمناقشة الميزانية التي يفترض أن يصادق عليها الكونغرس الجمعة، ليلتقي بعد ذلك مستشار الأمن القومي هيربرت ماكماستر.
وينشر البيت الأبيض صباح كل يوم برنامج الرئيس الأميركي، باستثناء أيام الإجازة الأسبوعية التي قضى معظمها في أول مائة يوم بمنتجعه الخاص في مار - أ - لاغو، حيث التقى الرئيس الصيني شي جينبينغ وقبله رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي.
وككل رئيس أميركي، تتيح أول مائة يوم لسيد البيت الأبيض فرصة تشكيل وزاراته، وتحديد سياساته الداخلية تجاه القضايا المهمة المتعلقة بالاقتصاد وسياسات الهجرة ونظام الرعاية الصحية والأمن، والخارجية التي تعلقت بالنسبة لترمب بمدى التزام واشنطن السياسي والعسكري تجاه حلفائها التقليديين، والحرب في سوريا، والنزاع الفلسطيني - الإسرائيلي، والتهديد الكوري الشمالي، ومكافحة الإرهاب.
وتميزت الفترة الأولى من رئاسة ترمب باهتمام عالمي بالغ، ساهم فيه فضول لمعرفة ما إذا كان ترمب الرئيس مختلفا عن ترمب المرشح الرئاسي، وعما إذا كانت سياسته القائمة حول «أميركا أولا» ستؤثر على سياسة واشنطن الخارجية. ويبدو أن ترمب نجح في طمأنة حلفائه الغربيين والعرب حول التزام بلاده بدعم مصالحهم. وعلى مستوى السياسات الخارجية، لعل أبرز إنجازاته كانت التقرب من الصين وتشجيعها على إيجاد حل للأزمة الكورية الشمالية، والضغط على إيران بسلسلة عقوبات متوالية متعلقة بدعمها الإرهاب في المنطقة، وتكثيف انتقادات الاتفاق النووي والتلويح بإمكانية تعديله.
وفي حين لم يفوت منتقدو ترمب من الديمقراطيين وبعض الجمهوريين ومراقبين دوليين فرصة لانتقاد أدائه في أول مائة يوم من رئاسته، أرسل البيت الأبيض أمس بيانا يلخص «إنجازات الرئيس ترمب التاريخية».
واعتبر البيان أن الرئيس الأميركي أنجز خلال مائة يوم أكثر مما أنجزه أي رئيس أميركي منذ فرانكلين روزفلت، من حيث الأوامر التنفيذية التي أصدرها. ويوضح البيان أنه بحلول السبت، اليوم المائة من رئاسته، سيكون الرئيس الأميركي قد وقع 30 أمرا تنفيذيا، مشيرا إلى أن الرئيس باراك أوباما وقع 19 أمرا تنفيذيا فحسب خلال أول مائة يوم، فيما وقع الرئيس جورج بوش 11 أمرا فحسب.
أما فيما يتعلق بالتشريعات التي مرت بالكونغرس خلال هذه الفترة، فأوضح البيان أنه «رغم العرقلة التاريخية التي مارسها الديمقراطيون، نجح الرئيس ترمب في التعاون مع الكونغرس لتمرير أكبر عدد من التشريعات في أول مائة يوم منذ الرئيس هاري ترومان».
ولم يكتف الرئيس الأميركي ببيان البيت الأبيض للتعليق على إنجازاته في أول مائة يوم، بل غرّد ليقول إنه «مهما أنجزت خلال المائة يوم - المعيار الغبي -، (وقد أنجزت كثيرا)، سيقتلها الإعلام». وفي مقابل استخفافه الواضح بهذا الجدول الزمني، ينظم الرئيس الأميركي احتفالا كبيرا السبت المقبل، يشمل احتفالا في البيت الأبيض متبوعا بتجمع شعبي تحت شعار «أميركا أولا».
وإن كانت وسائل الإعلام الأميركية جميعها مهتمة بتقييم أداء رئيس أميركي «استثنائي»، فإنهم منقسمون حول شعار المرحلة. ففي حين ركّزت صحف مثل «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» في تغطياتها على نكسات البيت الأبيض أمام القضاء بعد تعليق مرسومي سفر أصدرهما في حق 7 دول ذات غالبية إسلامية أولا، ثم اقتصر على 6 منها، ومع الكونغرس على خلفية إلغاء «أوباماكير»، عددت صحف أخرى إنجازاته، خاصة في الشرق الأوسط، التي شملت تدخله لدى الحكومة المصرية لإطلاق سراح آية حجازي، والهجوم الذي شنه على قاعدة الشعيرات التابعة للنظام السوري بعد استخدام الكيماوي ضد مدنيي بلدة خان شيخون، وموقفه المتشدد تجاه إيران الرامي لتضييق تدخلاتها في المنطقة و«دعمها الإرهاب»، كما أكد وزير الدفاع جيمس ماتيس.
وإن كان مختلف المراقبين يتفقون على شيء، فهو أن الرئيس أدرك حجم المهمة الموكلة إليه بعد توليه الرئاسة، وهو ما أكده ترمب بنفسه عندما قال إن أسلوبه المتغير ناجح. وأوضح: «أنا أتغير وأنا مرن، أنا فخور بمرونتي»، وذلك قبل لحظات من منحه الإذن بشن ضربات ضد نظام بشار الأسد.
وأدلى الرئيس بتصريحات في سياق مشابه قبل ذلك، بعد تعثر جهوده لإلغاء واستبدال برنامج «أوباماكير» للرعاية الصحية. وقال آنذاك: «لم يكن أحد يعلم أن الرعاية الصحية بهذا التعقيد». كما تكرر الموقف ذاته تجاه التهديد الكوري الشمالي هذه المرة، وقال بعد محادثات مع الرئيس الصيني حول القضية: «بعد الاستماع لمدة 10 دقائق، أدركت أن الأمر ليس سهلا».
تجدر الإشارة إلى أن ترمب ليس الأول الذي يدرك مدى تعقيد مسؤولية أعلى منصب سياسي في العالم، إذ إن الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش، صرح مؤخرا وفق وكالة الصحافة الفرنسية: «شيء ما في وظيفة الرئيس يواجهه كل من يتولى هذا المنصب؛ أنت تفكر بطريقة معينة وقت دخولك إلى هناك، وبعد ذلك تدرك أن ضغوط الوظيفة وواقع العالم مختلف عما كنت تعتقد».
ولا تزال أمام الرئيس ترمب عقبة يسعى لتجاوزها قبل حلول السبت المقبل، وهي الحصول على مصادقة الكونغرس لتبني الموازنة قبل منتصف ليل الثامن والعشرين من أبريل (نيسان). وبعد هذا التاريخ سيتوقف تمويل الدولة الفيدرالية الأميركية. ولا يمكن للإدارات في الولايات المتحدة أن تعمل بشكل قانوني إذا لم يصوت الكونغرس، الذي هو صاحب القرار في تخصيص الأموال، لمنحها القروض لمزاولة أنشطتها. العام الماضي، عندما كان باراك أوباما لا يزال رئيسا، حدد البرلمانيون هذا التاريخ بدلا من تمويل السنة المالية 2017 بكاملها، حتى 30 سبتمبر (أيلول)، لاستيعاب أولويات دونالد ترمب خلال العام، كما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية.
وبين هذه الأولويات، تشييد جدار لمنع تسلل المهاجرين على الحدود مع المكسيك. وطلب الرئيس الجمهوري 1.4 مليار دولار لإطلاق هذا المشروع، لكن المعارضة الديمقراطية تؤكد أنها ستضع عراقيل، وهي قادرة على ذلك، في حال خصصت أموال لهذا المشروع في قانون الموازنة الجديد. وإن نجح المعترضون في ذلك، فقد تتسبب هذه العرقلة في شل الإدارات كما حصل في أكتوبر (تشرين الأول) 2013، عندما اضطر مئات آلاف الموظفين لملازمة منازلهم لأكثر من أسبوعين، باستثناء أجهزة الأمن الأساسية.
وستنشر «الشرق الأوسط» خلال الأيام المقبلة سلسلة قصص تلخص أداء الرئيس الأميركي في أول مائة يوم من الرئاسة، وفي مقدمتها مساعيه لإعادة رسم سياسات واشنطن في منطقة الشرق الأوسط.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.