العلاقات الهندية الباكستانية ومناورات التجسس

«الجاسوسية المزدوجة» أثارت المزيد من التوتر بين البلدين النوويين

متظاهرون هنود يحتجون في مومباي على قرار المحكمة العسكرية الباكستانية بإعدام كولبوشان جادهاف (أ.ب)
متظاهرون هنود يحتجون في مومباي على قرار المحكمة العسكرية الباكستانية بإعدام كولبوشان جادهاف (أ.ب)
TT

العلاقات الهندية الباكستانية ومناورات التجسس

متظاهرون هنود يحتجون في مومباي على قرار المحكمة العسكرية الباكستانية بإعدام كولبوشان جادهاف (أ.ب)
متظاهرون هنود يحتجون في مومباي على قرار المحكمة العسكرية الباكستانية بإعدام كولبوشان جادهاف (أ.ب)

شهدت العلاقات بين الهند وباكستان توترات جديدة حيث دخل الخصمان الكبيران على خط الجاسوسية مؤخرا. ولقد أثار قرار المحكمة العسكرية الباكستانية بإعدام أحد المواطنين الهنود الخلافات من جديد في العلاقات بينهما. ولقد صدر الحكم بالإعدام على كولبوشان جادهاف، الضابط السابق في البحرية الهندية، بتهم التجسس والتخريب في بلوشستان وكراتشي.
ولقد أفرجت السلطات الباكستانية عن مقطع فيديو يظهر فيه جادهاف وهو يدلي باعترافات بأنه عميل في جناح البحث والتحليل التابع لجهاز الاستخبارات الهندي حول ارتكابه لأعمال الجاسوسية ضد الدولة الباكستانية. وعلاوة على ذلك، أظهرت الصورة المتداولة على نطاق واسع جواز السفر الخاص به، والذي يحمل اسما مستعارا هو حسين مبارك باتيل.
ولقد اعترفت الهند بأن جادهاف هو بالفعل مواطن هندي، وضابط بحري هندي متقاعد. ولقد أدانت الهند محاكمة جادهاف ووصفتها بالمهزلة، وأصرت على أنه قد تم اختطافه من إيران حيث كان في رحلة عمل هناك.
والتزمت الحكومة الهندية الصمت حيال متى ولماذا تحول كولبوشان جادهاف إلى حسين مبارك باتيل، الرجل المسلم الذي يحمل جواز السفر الهندي.
ولقد أثارت الهند الكثير من الضجيج والصراخ بمجرد ذيوع أنباء اعتقال جادهاف قبل عام من الآن. واستيقظت على نحو مفاجئ عندما أعلنت باكستان إصدار حكم الإعدام بحق جادهاف.
ولقد اتخذت الهند رد الفعل التي يمكن التنبؤ بها، حيث أصدرت مبادرة رسمية إلى الحكومة الباكستانية. وأشارت المبادرة، التي سلمها وزير الخارجية الهندي إس. جيشانكار إلى السفير الباكستاني لدى الهند، إلى أنه إذا تم تنفيذ حكم الإعدام «فإن حكومة وشعب الهند سوف يعتبران الأمر حالة قتل عمد».
ألقى الجانبان القبض على الكثير من الجواسيس والمخربين في الماضي، ولكن رد الفعل الهندي المتفجر والصارم هو الجديد هذه المرة. وحذرت وزيرة الشؤون الخارجية الهندية سوشما سواراج الحكومة الباكستانية من العواقب الوخيمة على العلاقات الثنائية بين البلدين في حالة المضي قدما في هذه المسألة.
ولقد وجهت الهند المزيد من الانتقادات إلى باكستان لمنع جادهاف من الاتصال القنصلي، والذي تقول نيودلهي إنه يعتبر انتهاكا لاتفاقية فيينا بشأن العلاقات القنصلية لعام 1963.
وقال وزير الداخلية الهندي راجنات سينغ إنه لن يتردد في اتخاذ الخطوات الصارمة لتأمين إطلاق سراح جادهاف. ومع ذلك، فإن الوزير الهندي لم يفصح في تصريحاته عما يعنيه بالخطوات الصارمة التي تفكر نيودلهي في اتخاذها.
* العين بالعين
في تحول مثير للأحداث، وإثر الفشل في إجبار الجانب الباكستاني على السماح بالاتصال القنصلي لجادهاف، ليس أمام الجانب الهندي من خيار سوى البحث عن مقايضة مناسبة. وكانت هناك تقارير إخبارية قد وردت في وسائل الإعلام الباكستانية حول أحد الضباط الباكستانيين السابقين (المقدم حبيب) المفقود في نيبال. وتزعم باكستان أنه ضابط متقاعد وذهب إلى نيبال بحثا عن وظيفة أفضل وربما استمالته الوكالات الهندية. وعلى الرغم من ذلك، ليس هناك تصريح رسمي من قبل نيودلهي بأن الضابط الباكستاني المفقود في حوزتها، وتربط وسائل الإعلام الهندية والباكستانية بين اختفاء المقدم حبيب وحكم الإعدام الصادر بحق الضابط الهندي المتقاعد. وربما يكون اختطاف المقدم حبيب المزعوم عملا من أعمال الانتقام على اعتقال جادهاف. ولكن السؤال حول استهداف هذا الضابط الباكستاني بالتحديد لا يزال من غير إجابة. فلقد تقاعد الضابط الباكستاني من الخدمة قبل ثلاثة أعوام وربما كان يحاول البحث عن وظيفة في إحدى الشركات الأمنية الخاصة – وهو أمر عادي بين الضباط المتقاعدين من الخدمة في الجيش.
ولقد أثارت لعبة الجاسوسية المزدوجة المزيد من المخاطر. حيث يعتقد الجانب الهندي أن باكستان قد أسرعت في الإعلان عن حكم الإعدام بحق جادهاف لتحفيز الهند على الإعلان عن عملياتها بشأن المقدم حبيب. في حين أن الجانب الباكستاني يعتقد أن الهند قد استبقت الإعلان الباكستاني ضد جادهاف من خلال الحصول على عنصر باكستاني تحاول التفاوض بشأنه مستقبلا مع الخصم.
يقول مورلي مينون، القائد المتقاعد لإحدى المجموعات الجوية الهندية، والمستشار الجوي الهندي الأسبق لدى المفوضية الهندية العليا في إسلام آباد، عن هذه الدراما التجسسية بين البلدين: «هناك شيء وحيد مؤكد، أن هذه الدراما سوف تجذب جمهورا محدودا للغاية. ولسوف يكون للمنظمات الدولية مثل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين دور محدود كذلك تلعبه في هذه القضية. وحكم الإعدام المعلن بحق كولبوشان جادهاف من غير المرجح تنفيذه. وأعتقد أنه في حالة تواجد المقدم حبيب لدى الجانب الهندي، فهي إذن المقايضة. وليس هناك ما يدعو الهند إلى إصدار أي إعلانات دولية بهذا الشأن، حيث إن الضلوع الباكستاني في الأنشطة المناهضة للحكومة الهندية معروف للقاصي والداني في جميع أنحاء العالم. ولسنا حتى في حاجة إلى تقديمه للمحاكمة باعتبارها قضية العين بالعين. وأنه يمكنه البقاء خلف القضبان إلى الأبد قيد المحاكمة التي لا تنتهي، أو حتى يدرك الجانب الباكستاني ويتقبل المبادلة المعروضة».
وعلى الرغم من ذلك، فهناك تطور آخر للقصة. فلقد نقلت وسائل الإعلام عن الدبلوماسي الألماني الكبير غونتر مولاك قوله: إن حركة طالبان الأفغانية هي التي اختطفت كولبوشان جادهاف. ولقد أفصح الدبلوماسي الألماني عن ملاحظته تلك في ندوة عقدت العام الماضي في مدينة كراتشي الباكستانية تحت عنوان «الأزمة في الشرق الأوسط – رؤية ألمانية»، بعد أسبوع واحد من إعلان باكستان إلقاء القبض على الضابط الهندي المتقاعد.
ونقلت إحدى القنوات الإعلامية عن الدبلوماسي الألماني قوله: «إن ذلك الشخص الذي يقولون إنه قيد المحاكمة لتهم تتعلق بالتجسس لصالح الهند قد ألقت حركة طالبان القبض عليه منذ سنوات، ولقد باعته الحركة المتمردة إلى إسلام آباد حاليا. ومع ذلك، فإن القضية تصب في صالح باكستان حيث أعلنت الهند أنه كان ضابطا سابقا في القوات البحرية الهندية».
وردا على استفسار من جانب صحيفة «تايمز أوف إنديا»، قال مولاك إن معلوماته تلك تستند إلى التكهنات الصادرة عن مصادر موثوق فيها. وأردف مولاك يقول: «حسنا، إنها تكهنات غير مؤكدة من مصادر موثوق فيها والتي لا يمكنني الإعلان عنها أو تأكيدها. فربما هي معلومات ليست صحيحة في نهاية الأمر».
ويترأس مولاك، الذي خدم في منصب السفير الألماني لدى الكثير من دول الشرق الأوسط، معهد المشرق الألماني في برلين.
* الغموض
ونقلت صحيفة «إنديان إكسبريس» عن بعض مسؤولي الاستخبارات رفيعي المستوى الذين قالوا إن كولبوشان جادهاف تواصل مع الاستخبارات الهندية مرات كثيرة بين عامي 2010 و2012 عارضا خدماته كعميل استخباراتي مستقل. ويذكر التقرير الإخباري برغم ذلك أن جهاز الاستخبارات الهندي رفض عرض كولبوشان جادهاف في كل مرة حيث اعتبره المسؤولون هناك يشكل الكثير من المخاطر.
ويزعم نفس التقرير الإخباري أيضا أن جادهاف كان يحمل الكثير من الهويات المزيفة كما يزعم الجانب الباكستاني. وذكر التقرير الإخباري يقول أيضا: «مارس جادهاف الأعمال التجارية في إيران مستخدما جواز سفر هنديا حصل عليه بشكل غير قانوني، حيث يعرفه تحت اسم حسين مبارك باتيل. وفي وقت لاحق من عام 2014. حصل جادهاف على جواز سفر ثان، ولكن هذه المرة يحمل عنوانا إلى شقة في مدينة ثين الهندية تعود ملكيتها إلى والدته آفانتي جادهاف».
ويقول تقرير إخباري آخر من صحيفة «سكرول» إن وظيفة جادهاف، على أرجح الأقوال، كانت تتعلق بجمع المعلومات الاستخبارية البحرية في مدينتي كراتشي وغوادار الأمر الذي نجح فيه من تشابهار. ويعول التقرير على حقيقة مفادها أن الجانب الباكستاني لم يقدم سوى ادعاءات عامة بشأن تورط جادهاف في بعض الأنشطة غير المحددة في إقليم بلوشستان، من دون ذكر التفاصيل بشأن أي حالات محددة. ولم يعد سرا الآن أنه للهند مصالح استراتيجية في منطقة تشابهار، وهي منطقة الموانئ في غوادار، وأنها كانت ضالعة في محادثات دبلوماسية من وراء الكواليس بهدف تأمين مصالحها في تلك المنطقة. وربما كان كولبوشان جادهاف مكلفا فقط لجمع بعض المعلومات الاستخبارية البحرية هناك.
ومن المنتظر أن يجتمع رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف مع نظيره الهندي ناريندرا مودي على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في مدينة آستانة عاصمة كازاخستان في يونيو (حزيران) المقبل.
* الانتقام الهندي
في هذه الأثناء، ردت الهند على الحكم الباكستاني بإيقاف إطلاق سراح 12 سجينا باكستانيا على أراضيها. والهند، في عمل انتقامي آخر، ألغت الحوار البحري الأمني مع باكستان والمقرر انعقاده في نيودلهي. كما تشير الدلائل الواردة عن الحكومة الهندية أنه سوف يكون هناك تخفيض كبير في عدد التأشيرات الممنوحة للزوار الباكستانيين إلى البلاد. وعلى مدى العام الماضي وحده، أدت التوترات المتصاعدة إلى قيود على دخول الفنانين، والممثلين، والموسيقيين عبر الحدود المشتركة بين البلدين.
وفي الوقت نفسه استبعدت الحكومة في إسلام آباد تنفيذ حكم الإعدام الفوري بحق كولبوشان جادهاف، وأضافت تقول: إنه له الحق في نقل حكم المحكمة العسكرية إلى محكمة الاستئناف ضد إدانته في غضون 40 يوما من صدور الحكم، متبوعا بتقديم التماس العفو من قائد الجيش ورئيس البلاد، وذلك وفقا لما ذكرته وكالة أنباء آسيا الدولية.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».