الصين أكبر شريك تجاري لإسرائيل في آسيا

11 مليار دولار حجم التبادل بعد 25 سنة من العلاقات الدبلوماسية

رئيس الوزراء الصيني لي كه تشيانغ مع نظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال زيارة الأخير لبكين احتفالاً بـ25 سنة من العلاقات الدبلوماسية  (رويترز)
رئيس الوزراء الصيني لي كه تشيانغ مع نظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال زيارة الأخير لبكين احتفالاً بـ25 سنة من العلاقات الدبلوماسية (رويترز)
TT

الصين أكبر شريك تجاري لإسرائيل في آسيا

رئيس الوزراء الصيني لي كه تشيانغ مع نظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال زيارة الأخير لبكين احتفالاً بـ25 سنة من العلاقات الدبلوماسية  (رويترز)
رئيس الوزراء الصيني لي كه تشيانغ مع نظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال زيارة الأخير لبكين احتفالاً بـ25 سنة من العلاقات الدبلوماسية (رويترز)

اتفاق أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية أزاح كثيرا من العقبات التي تواجه إسرائيل دبلوماسيا وسياسيا في كثير من دول آسيا، خصوصا في البلدين العملاقين، الصين والهند. وانتعشت العلاقات التجارية بين الصين وإسرائيل منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1992. وخلال 25 سنة من تبادل السفراء أصبحت الصين أكبر شريك تجاري لإسرائيل في آسيا وثالث أكبر شريك تجارى في العالم، حيث يصل حجم التجارة معها إلى 11 مليار دولار.
واحتفالا بهذه المناسبة قام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بزيارة للصين في نهاية مارس (آذار) الماضي وتم التوقيع على 25 اتفاقية تجارية بقيمة ملياري دولار. نتنياهو اصطحب معه إلى بكين 90 رجل أعمال، وهو أكبر وفد اقتصادي إسرائيلي يزور الصين بحسب التلفزيون الصيني الرسمي، لتحسين وصول الشركات الإسرائيلية إلى الأسواق الصينية. ووقع نتنياهو ورئيس الوزراء الصيني لي كه تشيانغ أربع اتفاقيات للتعاون في مجالات تشمل العلوم والتكنولوجيا والموارد البشرية والنقل الجوى.
ونقلت الإذاعة الإسرائيلية عن نتنياهو قوله إن هذه الاتفاقيات دليل على تعزيز مكانة إسرائيل في العالم. وأضاف أن الزيارة أسهمت في توطيد العلاقات بين البلدين، خصوصا في المجال الاقتصادي، حيث خصصت الصين إسرائيل كشريكة لها في مجال الابتكارات التكنولوجية.
الرئيس الصيني شي جينبينغ صرح هو الآخر خلال لقائه مع نتنياهو أن «الصين وإسرائيل تتمتعان بمزايا تكميلية، وأن التعاون في مجال الابتكار سيحقق فوائد قوية للمواطنين في بلدينا» وفقا للتلفزيون الصيني. وأضاف أنه يتعين على البلدين التعاون في مجالات مثل الابتكارات التكنولوجية والزراعة والرعاية الصحية تحت مظلة مبادرة «حزام واحد وطريق واحد»، وهي مشروع الصين المفضل الذي يهدف إلى بناء شبكة للتجارة والبنى التحتية لربط الصين بشكل أفضل بأوروبا وجنوب شرقي آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا.
الوفد الإسرائيلي التقى الرؤساء التنفيذيين لكثير من الشركات الصينية الكبرى. وتبلغ استثمارات الصين في إسرائيل نحو ستة مليارات دولار، كما أن التقنية الإسرائيلية تستخدم بكثافة في مجالات كثيرة في ثاني اقتصاد في العالم.
ويقول المحللون إن إسرائيل ركزت في علاقتها بالصين على الجانب الاقتصادي لتجنب أي توتر في علاقتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. وقال بان غوانغ عميد مركز شنغهاي للدراسات اليهودية لوكالة الصحافة الفرنسية: «الاهتمامات المشتركة بين البلدين هي التجارة ومبادرة طريق الحرير والابتكار العلمي». وأضاف: «الجانبان يدركان الاختلافات بينهما حول عملية السلام في الشرق الأوسط، ولا يرغبان بالتأكيد على هذه الاختلافات».
الرئيس الصيني في خطاب أمام الجامعة العربية في يناير (كانون الثاني) 2016 عن دعمه لإقامة دولة فلسطينية تكون القدس الشرقية عاصمتها، وأشار إلى أن الصين «تتفهم التطلعات المشروعة لفلسطين للاندماج بالمجتمع الدولي».
لكن أشاد الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال لقاء نتنياهو بالتقدم الحاصل في العلاقات الثنائية بين البلدين منذ 25 عاما، مضيفا أن إقامة الشراكة ستعزز التعاون الابتكاري وتمنح مزيدا من النفع للشعبين، حسب ما ذكرته وكالة الأنباء الصينية. وخلال الزيارة، التقى نتنياهو أيضا برئيس مجلس الدولة الصيني لي كه تشيانغ، ورئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب تشانغ ده جيانغ، ونائبة رئيس مجلس الدولة الصيني ليو يان دونغ، كما شارك نتنياهو في الدورة الثالثة من اجتماعات لجنة الابتكارات الإسرائيلية - الصينية المشتركة.
اتفاقية التأشيرات التي وقعت في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2016 مكنت حملة جوازات السفر الإسرائيلية من استخراج تأشيرة دخول متعددة الزيارات إلى الصين لرجال الأعمال وسياح والأقارب الإسرائيليين، في إطار بذل الجهود لتوسيع نطاق النقل الجوي بين البلدين، وفتح طرق تجارية جديدة لتحقيق نمو كبير في عدد الزيارات لرجال الأعمال، وتسهيل تبادل الأفراد بين البلدين.
التبادل التكنولوجي منصة استراتيجية أساسية للتعاون بين البلدين من خلال لجنة الابتكارات الصينية - الإسرائيلية المشتركة، كما أشار الجانبان إلى ضرورة التعاون الثنائي واستكشاف نماذج جديدة لتعزيز الابتكار المدني والعمل على تعزيز التعاون بين المؤسسات البحثية والشركات في القطاع العام والخاص.
وفي لقاء بين الوفد الإسرائيلي بالرؤساء التنفيذيين لكثير من الشركات الصينية الكبرى، قال لي يان هونغ الرئيس التنفيذي لعملاقي الإنترنت «بايدو» و«علي بابا»، إن الصين لديها أكثر من 700 مليون مستخدم إنترنت، وشركة ذكاء اصطناعي عالمية، وهذه بحاجة إلى قاعدة بيانات ضخمة ودعم تقني، والصين لديها قاعدة بيانات ضخمة وإسرائيل لديها التكنولوجيا المناسبة، مما يوفر مساحة واسعة للتعاون بين الطرفين. وأضاف لي يان هونغ: «أعتقد أن الشركات الإسرائيلية يجب أن تكتشف السوق الصينية والتواصل مع شركاتها مثل بايدو، والنظر إلى كيفية مساعدتهم على توسيع أعمالهم في السوق الصينية»، مضيفا، الصين ستوفر منصة تجريبية واسعة وكثير من البيانات الأساسية، وأن شركات صينية كثيرة أخرى تسعى إلى التعاون مع الشركات الإسرائيلية بعقلية مفتوحة.
تشير الإحصاءات إلى أن إسرائيل تنفق أكثر من 4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وتحتل المرتبة الثالثة في العالم، من حيث عدد الشركات التكنولوجيا الفائقة المدرجة في بورصة ناسداك.
ووقعت منطقة قاو شين بتشينغدوا اتفاقية أربعة مشاريع مع إسرائيل في عام 2009 لإنشاء «واحة التكنولوجيا الصينية الإسرائيلية» رسميا. وقال أمين سر اللجنة البلدية في تشينغداو لي تشون، بعد زيارته إسرائيل في مارس 2013 إنه تأثر كثيرا بالعدد الكبير من المنجزات العلمية والتكنولوجية في إسرائيل. ويعلق لي آمالا كبيرة على هذا المشروع، وقال: «في ظل جهودنا المشتركة، سيصبح هذا المشروع نموذجا للبلدين للتعاون في مجال الابتكار العلمي والتكنولوجي، ويأمل الطرفان في اغتنام هذه الفرصة لمواصلة تعزيز الابتكار العلمي والتكنولوجي الثنائي التبادلات والتعاون في مجالات أوسع وعلى مستويات أعلى نحو تحقيق التنمية والفوز».
انتعش التبادل التكنولوجي والعلمي بين الصين وإسرائيل انتعاشا كبيرا خلال السنوات الأخيرة، ونظم في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2015، ندوة التبادل التكنولوجي بين الصين وإسرائيل في القدس. وقالت المستشارة التجارية في القنصلية الإسرائيلية في شنغهاي لقناة فونيكس، إن أكثر من 60 في المائة من مساحة إسرائيل صحراء، ولكن المحاصيل الزراعية الإسرائيلية رائدة على مستوى العالم، وإسرائيل لديها أعلى معدل استخدام وإعادة تدوير المياه في العالم، وهذا ينعكس على تطوير العلوم والتكنولوجيا الزراعية.
وتستخدم التقنية الإسرائيلية بكثافة في مجالات كثيرة في ثاني اقتصاد في العالم. وتسعى إسرائيل لمضاعفة صادراتها السنوية إلى 5 مليارات دولار خلال خمس سنوات. بالإضافة إلى ذلك، وسعت التبادلات مع الصين في مجالات الصناعة والزراعة وحماية البيئة والطاقة وتكنولوجيا المياه والصحة والتكنولوجيا، وأنشأت فريق عمل مشترك لتحقيق الهدف، ومن أجل تحسين العمليات التجارية في الصين وزيادة الاستثمارات المتبادلة. كما تم إنشاء اللجنة الوزارية الصينية الإسرائيلية المكلفة بالتعاون الاقتصادي، بعد زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للصين عام 2013، ووفقا للبيانات، زادت الصادرات الإسرائيلية إلى الصين بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، وارتفعت من 878 مليون دولار في عام 2009 إلى 2.47 مليار دولار في عام 2013.
كما بدأت إسرائيل بجلب أعداد كبيرة عمال البناء الصينيين إلى إسرائيل، من أجل تخفيف أزمة السكن المحلية. ووفقا لـتقرير نشرته «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية في يناير الماضي توصلت الحكومة الإسرائيلية ووزارة التجارة الصينية إلى اتفاق يقضي بانتقال نحو 6 آلاف عامل بناء صيني إلى إسرائيل في نهاية شهر فبراير (شباط) الماضي المقبل، وهي خطوة أولى من برنامج إعادة الأعمار الذي وقع عليه مجلس الوزراء الإسرائيلي في سبتمبر (أيلول) عام 2015 لإدخال 20 ألف عامل بناء صيني إلى إسرائيل. ووفقا لإحصاءات البنك المركزي الإسرائيلي الذي نشرته وكالة «أسوشييتد برس»، شهدت أسعار العقارات ارتفاعا كبيرا في إسرائيل منذ عام 2008، مما تسبب في تأثير كبير في تكلفة المعيشة المحلية تسببت في احتجاجات في عام 2011.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية قنغ شوانغ ردا على ما تردد حول موافقة الصين على إرسال الآلاف من عمال البناء إلى إسرائيل واحتمالات مشاركتهم في بناء المستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إنه منذ إقامة العلاقات الصينية الإسرائيلية، حقق التعاون بين البلدين نتائج إيجابية في مجالات كثيرة منها التجارة والتكنولوجيا والعلوم الإنسانية وغيرها من مجالات التعاون الأخرى. والصين مستعدة لمواصلة تعميق التعاون العملي مع إسرائيل في جميع المجالات لما فيه مصلحة للبدين والشعبين. كما أكد أن الصين على ثبات ووضوح موقفها حيال القضية الفلسطينية وتمسكها بمعارضة بناء المستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتأييدها لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 233 الذي تم اعتماده في أواخر شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
وحسب ما ذكرته الصحف الصينية المحلية، فإن الصين تأمل أن تلتزم السلطات الإسرائيلية بعدم توظيف العمالة الصينية في المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية.
وقد أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سابقا، أن إسرائيل ستستقدم 20 ألف عامل بناء صيني من أجل خفض أسعار المساكن، مضيفا أن وصول نحو 20 ألف عامل صيني في قطاع البناء لتسريع بناء المساكن خطوة ضرورية ومهمة لخفض أسعار العقارات. وترى وزارة المالية الإسرائيلية أن وتيرة عمل الصينيين في بناء المباني المرتفعة أسرع بـ50 في المائة من وتيرة الإسرائيليين والفلسطينيين والأجانب الآخرين.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».