«الخائفون» عند ديمة ونوس ينتهون إلى الجنون

سيرة «غير صريحة» للحياة العائلية لسعد الله ونوس

سوريا... جمهورية الخوف
سوريا... جمهورية الخوف
TT

«الخائفون» عند ديمة ونوس ينتهون إلى الجنون

سوريا... جمهورية الخوف
سوريا... جمهورية الخوف

عليك أن تنتظر حتى الثلث الأخير من رواية ديمة ونوس «الخائفون»، كي تتيقن أنك لست ضائعاً في التفاصيل، ولا تائها في الحكايات، وأنك أمام عمل يكاد يكون شبيهاً بسوريا في قلقها قبل اندلاع الثورة وتمزقها خلال الحرب، ومثلها في الارتباك والارتجاج قبل لملمة أشلاء القصة.
تداخل في الشخصيات لا بل في المهن أيضاً والأسماء. قصص يختلط فيها الواقعي الفج بما هو متخيل فنتازي، سفر في الأزمنة جيئة وذهاباً، انتقال في الأمكنة بين دمشق وحماة وبيروت والطرقات التي تربط بينها، وصولاً إلى ألمانيا. تقلب في الأمزجة وحضور لبيوت كثيرة، ربما في محاولة لتأطير الذاكرة وإعادة بنائها، في زمن التفتت.
الراوية سليمى هي العمود الفقري، وبلسانها الشخصي تقص حكايتها، التي تشبه في وجوه كثيرة منها حياة الكاتبة نفسها. هكذا تستعير ديمة ونوس من سيرتها الذاتية ما تشاء، خاصة تلك العلاقة الاستثنائية التي ربطتها بوالدها، مقابل نفور شديد من غالبية أفراد عائلته. دمج الروائي بالشخصي يحرر ونوس ويسمح لها في الوقت ذاته أن تبوح خلف ستر روائية متلونة.
تفتتح الرواية في عيادة الطبيب النفسي كميل الذي يستقبل مرضى يتزايدون بفعل تصاعد الألم والاختلالات لدى أناس خضعوا لأنواع مختلفة من القمع والعنف والكبت، حتى تحول مكتبه إلى ما يشبه مستشفى. في عيادته نماذج هي في مشاكلها، مرآة لمجتمع يتصدع. عند كميل الذي تداوم على زيارته ليساعدها على قراءة مخبوءاتها، تلتقي سليمى نسيم ذا العظام الناتئة الذي تحبه، وتعرف منه أنه كاتب، لتكتشف لاحقاً أنه في الأصل طبيب درس الاختصاص كي يرضي والدته، وبقي «غير موهوب وناقص الجرأة» في ممارسة مهنته. نعرف فيما بعد أيضاً أن سليمى رسامة، لكنها لم تعد تقوى على الرسم، وأخذت تنخرط في الكتابة. تكتشف تدريجياً حين يسلمها نسيم مخطوطة رواية يكتبها ولم تكتمل أن بطلته سلمى، لا تشبهها فقط في اسمها وإنما تكاد تكون هي. وتسأل نفسها إن كان نسيم يحبها فعلاً؟ وهل سرق قصتها منها وكتبها، أم ثمة امرأة أخرى بهذه المواصفات، تمر بظروف مشابهة. «لماذا كتبت عني، هل لأنك لم تعد قادراً على الكتابة؟ هل استعرتني لتهرب من قصتك؟».
في غمار الانتقال بين حياتين لسليمى وسلمى، تكمل إحداهما الأخرى وتساعدها على تعرية الذات، تأخذنا سليمى إلى قرية والدها، إلى عائلته العلوية التي تنظر إلى والدتها السنية بعين النبذ. يتجلى ذلك على لسان ابنة عمتها التي تقول لها عن أمها: «الرحم السني اللي حملك يبلاه بالسرطان» عندها «صرت أتضاءل، أرى نفسي أنكمش، وأتحول إلى بذرة في رحم أمي». لا تتوقف سليمى عن الربط بين ما تسمعه من عائلة والدها وما تعرفه عنها، وممارسات نظام بأكمله بشبيحته وفكره وسلوكياته: «صرت أفهم كيف يقتلون الناس ويعذبونهم، ويستلذون. إنهم لا يرون بين أيديهم المتوحشة أجساداً بل نطفاً قذرة يجب سحقها».
تصفية حساب أدبية مع العائلة أم النظام لا فرق. يكاد الاثنان يجسدان رؤية واحدة وذهنية متكاملة تفسر واحدتها الأخرى. سليمى تذهب في الزمن إلى طفولتها يوم كان لباسها أقرب إلى الأميرات في دمشق، لكنها حين تعود من ضيعة الأب ومن أحضان عائلته تصير تتحدث لهجة لا تليق ببنات وأبناء المدن الكبرى. «اللهجة الفلاحية» هذه تحمل دلالات كبرى لأنها «قادرة على تحويل رجل بسيط ومهمش إلى سلطة تتحدى سلطات شرطة السير والموظفين الحكوميين والمارة والباعة وكل فرد لا يتقنها. اللهجة كانت هوية. وليست أي هوية، إنها هوية السلطة المطلقة وهوية الظالم والمتجبر. هوية الرعب والهلع والمجهول. من يتحدثها بإتقان، يختصر وقتاً وجهداً وطاقة يتطلبها العيش في بلد كسوريا الأسد». هذا يأتي مقابل عائلة الأم الصغيرة التي تكاد تكون «عائلة افتراضية»، لكنها «حاضرة كالأساطير» في حياتها.
حياة سليمى معجونة بأحداث جسام. التمفصل بين الخاص والعام سمة الرواية. الأب طبيب من حماة تركها هرباً من مجازر 1982. الأم لا تسامح هذا الوالد الذي يعلق صورة القائد فوق رأسه خوفاً. صورة الأم المتمردة والهادئة التي ترعى زوجها المريض بالسرطان، تطغى على كل الرواية. الأخ فؤاد يختفي. الأب المصاب بالسرطان يموت تاركاً الحياة من بعده خواء لسليمى التي لا تزال في الرابعة عشرة. الحبيب نسيم بعد أن تقضي عائلته في حمص ويتهدم منزله، يذهب إلى ألمانيا في قوارب الموت برفقة أب مجنون مريض، ويبقى هناك تاركاً سليمى التي بدورها تتنقل بين بيروت ودمشق.
يكاد الجميع يسجن تقريباً، أو يموت في ظل نظام يبث الرعب في قلوب الناس. ومن لا يسجن فعلياً، يبقى سجين مخاوفه. إنهم أبطال «خائفون» أبداً من كل شيء، حتى من خوفهم.
هكذا يختفي الرجال تدريجياً «لا رجال في حياتي أبي مات باكراً، فؤاد اختفى، نسيم سافر، وها أنا أجلس وحيدة مع أمي، كما تجلس هي وحيدة مع أمها». لكن الأم فقدت رجالها هي الأخرى «هل تحتمل أمي كل هذا الفقدان؟ أخاها وزوجها وابنها وابنتها؟».
تترك سليمى البيت ذاهبة إلى بيروت للقاء سلمى بطلة نسيم، وغريمتها أو قرينتها، بعد أن مزقها الفضول. تعرف عنها أنها «تعمل في دار نشر لبنانية إلى جانب عملها في منظمة غير حكومية تعنى بأمور اللاجئين. ولم تعد تجرؤ على المجيء إلى دمشق لأنها مطلوبة لأحد الفروع الأمنية».
في بيروت، وبعد أن تضرب لها موعداً تذهب سليمى للقاء سلمى، في أحد مقاهي الأشرفية، لكنها تنظر إليها من بعيد وتنصرف. فهي ليست سوى لعبة روائية، خدعة لإضافة المزيد من التفكك إلى المشهد، المزيد من اللبس والضبابية في العلاقة مع الذات والآخر. فهذه المرأة لا تعرف إن كان نسيم يحبها أم أنها مجرد اختراع أدبي. لا نعرف أيضاً على وجه التحديد إن كانت سليمى تحب نسيم كما تقول طوال الرواية، أم أنها تتوهم هذه العاطفة. كل شيء في القصة قد يحمل المعنى وضده. «لم أعشق نسيم، بل رجلاً آخر تخيلته، رسمت ملامحه، نحت عضلاته وعظامه، نفخت فيه الروح، وألبسته لنسيم. أي أنني أصلاً لم أعشق رجلاً موجوداً إلا في خيالي». نسيم، إذن مجرد وهم، بدلاً عن ضائع. مشهد موت الأب يعود إلى ذاكرتها حين كان راقداً في المستشفى وإلى جانبه زوجته، تودعه. ذهب الأب الذي كان يرقبها عن كثب صارت هي تراقب نفسها عوضاً عنه، لتصل إلى حافة الجنون.
هذا الخلط في هوية الشخصيات وماهيتها هو جزء من اللعبة، يرتفع بالرواية حيناً، ويهبط بها حيناً آخر، خاصة حين يجد القارئ نفسه تعباً من ملاحقة تفاصيل تدخله في حيثيات كان يمكن الاستغناء عنها، والتواءات في القص كان بالإمكان تبسيطها. عليك أن تجمع الخيوط بين حياة سليمى ووالدها الطبيب المريض الذي يقضي باكراً، وقصة سلمى ووالدها الكاتب الذي يحمل الكثير أيضا من ملامح سعد الله ونوس، لتلج إلى مشهد شبه مكتمل. تقول سليمى: «إن كانت سلمى تلاحق والدها كالظل فأنا كان والدي هو ظلي يرافقني في البيت وبين غرفه الكثيرة، وكأننا في نزهة. يساعدني في إنجاز دروسي. يقلقه مرضي أو ارتفاع حرارتي. يحرص على عدم تفويت فرصة قراءة القصص قبل النوم».
ليس مهماً من يروي، وعلى لسان من تأتيك الحكاية وعبر أي شخصية، فكل الحكايات ستصب في النهاية في مكان واحد. ها أنت أمام عالم يكاد يشرّح ببطء في عيادة الطبيب النفسي كميل الذي يصبح هو أيضاً من المرضى ومعه الشبيحة الذين لا ينقطعون عن زيارته، لنصل إلى التساؤل التالي «هل فقدنا عقلنا جميعاً... ما يحدث أقوى منا كلنا، يفوق قدرتنا على التحمل، يتجاوز قدرة كل منا على حدة».
يعود الأب بقوة في آخر الرواية تستذكره ابنته وهي في بيروت تبحث عن قرينتها. «الآن أشتاق إليه أكثر من أي وقت مضى، كلما تذكرت نسيم أشتاق إليه أكثر! كلما حضر نسيم، ابتعد بابا أكثر.... لم يترك لي بابا عائلة قبل رحيله. كان هو العائلة بأكملها. رحل وترك لي أمه وبيت طفولته، والكثير الكثير من الكتب والأوراق ودفاتر مذكرات وصوراً وأقلاماً».
الأب لا يموت بل يغيب، أو يموت تكراراً ويبقى موجوداً، لكن حين تصل الابنة إلى الحدود السورية اللبنانية بعد خمسة عشر عاماً على وفاة والدها يسألها ضابط الأمن «أين والدك»؟ فتخبره أنه رحل، أنه مات. وتعرف من الضابط أنه مطلوب للمخابرات. إنهم لا يزالون يفتشون عنه. وتقول وكأنما فقدت كل أمل: «اليوم قبل قليل تحديداً، على الحدود السورية اللبنانية مات بابا».



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».