حصار «دواعش» سيناء

بعضهم فرَّ من رفح والشيخ زويّد إلى العريش

قوات من الجيش المصري أثناء مداهمة أوكار المتطرفين في جبل الحلال جنوب العريش
قوات من الجيش المصري أثناء مداهمة أوكار المتطرفين في جبل الحلال جنوب العريش
TT

حصار «دواعش» سيناء

قوات من الجيش المصري أثناء مداهمة أوكار المتطرفين في جبل الحلال جنوب العريش
قوات من الجيش المصري أثناء مداهمة أوكار المتطرفين في جبل الحلال جنوب العريش

بَعدَ نحو 3 سنواتٍ من محاولاتٍ محمومة لتأسيس «إمارةٍ» إسلامية في المنطقة الواقعة بين الحدود المصرية مع قطاع غزة، ومشارف مدينة العريش، عاصمة محافظة شمال سيناء، فشلَ المتطرفون في مُهمتهم. إذ تبعثرَ معظمهم تحت ضربات السلطات الأمنية المصرية. وفي حين فرَّ عدة مئات منهم إلى سوريا والعراق وليبيا، لجأ مئات آخرون إلى التحصّن في منطقة جبل الحَلال الوعرة، الواقعة على بُعدِ نحو 80 كيلومتراً إلى الجنوب من العريش.
هذا اللجوء، بالطبع، لم يبعث على الطمأنينة. وبناءً عليه، قرَّرت قوات الجيش التَّوجه إلى هذا الجبل المرتفع والواسع والوعر، خلال الشهور القليلة الماضية، لاستئناف العمل من أجل اجتثاث المسلحين من هناك. عملية صعبة من البحث. جَرتْ في سياقها مطاردة العناصر المتطرفة من كهف إلى كهف، ومن منحدر إلى منحدر، دمَّر الجنودُ المُتحمِّسون خلالها آليات وصادروا معدات مخصصة لأعمال إرهابية. وأخيراً وقع ما لم يكن في الحسبان. لقد انضمَت فلول المتشددين الفارِّين من المناطق الواقعة إلى الشرق من العريش وإلى جنوبها، أي من مدينتي رفح والشيخ زويّد وجبل الحَلال، إلى زملائهم داخل قلب المدينة. وعليه، ازدادتْ الأعمال البشعة داخل عاصمة المحافظة على يد التنظيم الذي يُعد فرعاً من فروع تنظيم داعش في المنطقة، إذ شن حملة لإثارة الرعب قتلَ خلالها مواطنين في البيوت وفي الشوارع، من بينهم مسيحيون. وفجَّر أبنية خاصة، بالديناميت، في وضح النهار.
تفيد تقارير أمنية، اطلعت «الشرق الأوسط» على جانب منها، بتعاون المتطرفين في شبه جزيرة سيناء المصرية، ومؤازرة بعضهم بعضاً بالأموال والسلاح عبر دول بالمنطقة. ومن بين هؤلاء مصريون كانوا يحاربون السلطات في سيناء تحت اسم «أنصار بيت المقدس» قبل تأسيسهم مراكز تدريب ودعم في معسكرات بكل من سوريا وليبيا. ويفيد سلامة سالم، النائب في البرلمان المصري عن شمال سيناء، «الشرق الأوسط» في لقاء معه، بأن «ما يحدث في سيناء ليس بمعزل عما يجري في العالم العربي». ويعتقد نواب آخرون أن «دواعش» يسعون من وراء البحر لتقديم العون للمتطرفين في العريش.
وفي منتدى في وسط القاهرة، كان عدد من نواب البرلمان يتابعون عبر شاشة التلفزيون تأكيدات الملوك والزعماء العرب، أثناء أعمال القمة العربية المنعقدة في الأردن، على ضرورة مكافحة الإرهاب بالمنطقة. وعلّق أحد النواب قائلاً: «الدول الكبرى تُساعد في محاربة (داعش) في العراق وسوريا وليبيا، لكنَّ مصر لم تتلق تعاوناً يُذكر... قتلَ الإرهابيون جنودنا ومواطنينا في سيناء، بينما العالم يكتَفي بالمشاهدة».
ومن جانبه، صرح رَحْمِي عبد ربه، النائبُ في البرلمان، عن محافظة شمال سيناء لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «يبدو أنَّه يُوجد دعمٌ خارجي كبيرٌ لتأجيج موضوع الإرهاب في سَيناء، وهو أمرٌ مؤكد بالنسبة لنا. إلا أن الأمور ستكون تحت السيطرة في النهاية، لأن القوات المسلحة لها دور كبير. وتسعى لبسط الأمن والاستقرار في سيناء، ثُمَّ تبدأ عملية التنمية التي ينتظرها الجميع».

كلمة السيسي في القمة
خلال كلمته في الجلسة الافتتاحية للقمة، قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إنَّه «على مدار السنوات الماضية، تركَّزت التحديات الجديدة التي عصفت بوطننا العربي في انتشار الإرهاب وتزايد خطورته، وفي إضعاف كيان الدَّولة الوطنية». وأضاف أن مواجهة الإرهاب «ليستْ بالأمر الهين، فَهُو كالمرض الخبيث يتغلغلُ في نسيج الدول والمجتمعات ويتخفى بجبن وخسَّة، لذلك فإن مواجهته يجب أن تكون شاملة».
وبالفعل، يعتقدُ كثيرٌ من المصريين أنَّ الإدارة الأميركية الجديدة، برئاسة دونالد ترمب، يُمْكِن أن تكون أكثر ميلاً لتعضيد السُّلطات في حربها ضد المتشددين، خصوصاً في سيناء، بعكس إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، التي لم تكُن على وفاق مع السيسي، وعرقلتْ لفترةٍ طويلةٍ تسليم مصر 10 هليكوبترات عسكرية كانت في حاجة ماسَّة إليها لمطاردة الإرهابيين في صحراء سيناء الشاسعة.
مع هذا، ورَغم كُلِّ شيء تمكنتْ القوات المصرية، طوال السنوات الثلاثة الأخيرة، من شَنِّ حملة كبيرة لبسط الأمن، فأغلقتْ أكثر من 95 في المائة من الأنفاق الواصلة بين سيناء وغزة، وتمركزتْ الدَّبابات والمُعدات العسكرية الثقيلة في رفح والشيخ زويّد والعريش، بينما كانت الطائرات تقصفُ من الجو سيارات المتطرفين في الوديان. ثم دخلت القوات، بعد طول ترقب، إلى جبل الحَلال. وقُتل خلال معارك السنوات الأخيرة مئات من الجنود والمدنيين. وهَجَرَ السكان معظم البلدات والقرى الواقعة قرب الشريط الحدودي مع غزة.
في المقابل، يَخْشَى أهالي العريش اليوم من سطوة المسلحين. ويقول أحمد الظَّمْلُوط، ‎رئيس مجلس الإدارة لمؤسسة سيناء للتنمية الاقتصادية، في حوار مع «الشرق الأوسط» إنه «توجد مخاوف من أنْ تنتقل تجربة الحرب التي كانت محصورة في رفح والشيخ زويّد إلى داخل العريش التي يقطنها نحو مائة ألف نسمة».

البعد الاقتصادي المعيشي
وأوضح قيادي محلي، بدوره، أنَّ «معظم عمليات العَناصر التكفيرية، في رفح والشيخ زويّد، أصبحت تدور خارج هاتين المدينتين الصغيرتين، أي في المناطق المحيطة بهما... منها قرى أبو رفاعي والجُورة والمَهْدِية والظهير وأبو العَرَاج والعكُور». وأردف: «بعض هؤلاء السكان رحلوا إلى العريش وإلى مُدنٍ مصرية أخرى، بعدما فقدوا المزارع التي تعدّ مصدر الدَّخل لهم. كانت المزرعةُ تدرُّ أرباحاً تبلغ في المتوسط نحو 500 ألف جنيه في السنة، واليوم كل هذا انتهى ولم تعد تعطي ولا جنيهاً واحداً».
أيضاً، تضرّر كثير من المرافق في بلدات وقرى شرق العريش، بما فيها المدارس جراء القذائف الطائشة. وهدّد المتطرفون معلمات المدارس اللائي يأتين من العريش للتدريس في رفح والشيخ زويّد بالقتل ما لم يمتثلن لتعليماتهم. ووفق القيادي المحلي: «الدراسة، في الوقت الراهن، غير منتظمة. الأولاد يدرسون في بعض أحواش البيوت. والكهرباء مقطوعة منذ أيام، بعد استهداف الكابل 66 المُغذِّي للشيخ زويّد ورفح وحتى رفح فلسطين».
وفِي العريش، يقول أحد وجهاء المدينة، شاكياً: «الناس تترك بيوتها في مناطق شاطئ البحر، لأن المتطرفين عادةً ما يضعون فيها عبوات ناسفة لاستهداف القوات... بعض السُّكان هنا، أي في شارع البحر وفي ضاحيتي الفواخرية والقاهرة، اضطروا لترك بيوتهم».

تصرفات المتطرفين
ويُعتقد أن عدد المتطرفين الذين يحملون السلاح، ويتمركزون في الوقت الراهن داخل العريش، يتراوح بين 200 إلى 300 عنصر، وهو أقل مما كان عليه قبل 3 سنوات، لكنَّ هذه المجموعة تتميز - على ما يبدو - بالقدرة على التوغل والانتشار والتخفي أيضاً، داخل أزقة المدينة وشوارعها. وكما يقول تاجر في المدينة: «فجأة يقتحم البيت 3 مسلحين أو 4 ويمكثون ساعة أو ساعتين داخل البيت، يهددون ويتوعدون، ويفعلون ما يحلو لهم، ثم يختفون».
ومِن المُلاحظ أنَّ غالبية السيارات المستخدمة في تنقلات العناصر التكفيرية داخل العريش، حالياً، سيارات صغيرة وخفيفة وسَريعة الحركة، كورية الصنع، بينما ما زالت كثير من القوات الأمنية تعتمد على آليات ثقيلة من تلك التي كانت تحارب بها المتطرفين أنفسهم في الصحراء المجاورة. ومنذ نحو أسبوع جاءتْ سيارةٌ كورية، ووقفتْ أمام عمارة في شارع أَسيُوط، بغرب العريش، ونزلَ منها 4 مسلَّحين، أمروا فوراً بإخلاء العمارة المكوّنة من 3 طوابق. كانَ عدد السكان نحو 20 فرداً. ثم بادرت المجموعة إلى تلغيم المبنى وتفجيره، وانصرفتْ. ووفق رواية شاهد عيان، «استغرق الأمر نحو ساعة... دخلوا وجمعوا الهواتف من السكان، ثم مدوا سلكاً طويلاً وأوصلوه بمتفجرات ونسفوا العمارة. السبب يرجع إلى اشتباه الإرهابيين في استخدام السلطات لسطح المبنى في بعض الأحيان لمراقبة المنطقة».
ثم هُناك أعمال تَصفيات جَسَدية وقعت أكثر من مرة داخل العريش على أيدي متطرفين. إنهم يقومون بعلمية تستغرق نحو 5 دقائق، ثم يختفون. وأدت مثل هذه الأعمال المروّعة إلى عرض كثير من العقارات للبيع في محاولة من ملاكها للنجاة بأنفسهم والإقامة في مدن أخرى. وهنا يشير الظَّمْلُوط إلى أنه «انخفض السعر إلى أكثر من نصف ثمنه الحقيقي في المناطق الملتهبة بالعريش. عمارة من 3 طوابق تشطيب فاخر كان سعرها لا يقل عن مليون ونصف المليون جنيه، أصبحت قيمتها لا تزيد على نحو 450 ألف جنيه». أما أَشرف أيُّوب، القيادِي في الحَركة الاشتراكية، والمُنسق الإعلامي للجنة الشعبية لشمال سيناء، فيشرح: «بغضّ النظر عن التفاصيل، كل المؤشرات هُنا تقول اتركوا العريش وارحلوا. لقد تم تهجير عدد كبير من المسيحيين من سيناء، وفي الوقت الراهن، تجري محاولات لِدفع ذوي الأصول الصعيدية للهجرة إلى محافظاتهم (في جنوب القاهرة)».

حركة معقدة
من جهة ثانية، وفقاً لمصدر أمني، فإنَّ عَناصر «داعش» فِي العريش تتحركُ بطريقةٍ معقدة، وتسعى للحصولِ علَى مددٍ مِنَ الأموال والأسلحة من فروع التنظيم في سوريا وليبيا. وهي تقومُ في الوقت نفسه بتجنيد شبان جدد حليقي الوجوه ويرتدون الجينز، لكي تسهل حركتهم داخل مدينة محاطة بقوات الجيش والشرطة. ولقد ازداد عدد العمليات في العريش، خلال الفترة الأخيرة، ومن مظاهر ذلك عمليات خطف مواطنين من بيوتهم للاشتباه في أنهم يتعاونون مع السلطات. وفي غضون أقل من ساعة، تمكنت مجموعة من العناصر الداعشية من تحطيم عدة كاميرات مراقبة خاصة بكلٍ من المحال التجارية وتلك التابعة لأجهزة الأمن، والمربوطة بغرفة مراقبة للمدينة. ويتحدث صاحب متجر في ضاحية الزُّهور عن تجربته، فيقول: «طَلبتْ السلطات أن نضع - نحن أصحاب المحال - كاميرات مراقبة لتسجيل كل ما يجري في الشارع. وقامتْ الشرطة بوضع كاميرات خاصة بها في مناطق حيوية أخرى. لكنَّ هذا أثار غضب المتطرفين، وحطموا تلك الموجودة بجوار استراحة كبار الزوار القريبة من ديوان المحافظة». وفي اليوم التالي، جرى تحطيم كاميرات أخرى في شارع القاهرة التجاري بالعريش. ويضيف أحد الشهود العيان: «يدخلُ الإرهابيون إلى الدُّكان وينبهون على الناس عدم العودة لوضع كاميرات، ويصادرون القُرص الصلب الذي تخزن عليه عملية التصوير. مُعظم الكاميرات التي تم استهدافها، تقع في نطاق حي القاهرة، وحي الزهور، وشارع 26 يوليو». السلطات تطلق على المتطرفين هنا اسم «التَّكْفِيريون». ويبدو أنها تتبع خطة محكمة للقضاء على هذه العناصر بأقل قدر من الخسائر، حتى لو استغرق الأمر وقتاً أطول مما هو متوقع لدى الرأي العام ولدى أبناء سيناء. ويقول مقدّم في الشرطة: «مثل هذه التنظيمات لا تبالي بأرواح المواطنين. ولِهَذا ننفذُ عمليةً صعبةً لاصطياد العناصر التكفيرية دون وُقُوع ضحايا أبرياء». ولكن حياة بَعض أهالِي العريش، باتت في الفترة الأخيرة، لا تطاق. ويوجد شعور بأن الحربَ الحالية بين السلطات والمتطرفين ستؤدي في نهاية المطاف إلى نزوح السكان بعيداً عن ديارهم. وحقاً، ظهرتْ دعاوى ترفع شعار «لا للتهجير» و«لن نترك سيناء». وفي هذا الصدد يعلّق الظَّمْلُوط: «البعض يعتقد أن المستهدفين هم المسيحيون في سيناء، لكنني أقول لك إن المتطرفين يقتلون الجميع ويدمرون مزارع الأهالي، المصدر الرئيسي للدخل والحياة، ويجبرونهم على الرحيل».

الأمن... والمسيحيون
من جانب آخر، أثَّرت القبضة الأمنية الشديدة على الحياة اليومية للمُواطنين، ويوضح النائب عبد ربه أن الجيش والشرطة «يقومان بجهود كبيرة جداً في سبيل توفير الأمن والاستقرار... وبعض العمليات التي تحدُث من المتطرفين هي عمليات بسيطة للغاية»، متوقعاً أنَّ تغدو الأمور مُستَقرة في الأيام المقبلة، لكنه مع ذلك لديه شكوى، إذ إن «السلطات تضطر لاتخاذ إجراءات احترازية، مثلاً كثرة الكمائن في المدينة، أدت للسيطرة، إلا أنها أدت أيضاً لاختناق بعض الناس مِن المرور وغيره، لكن الظروف ستكون أفضل وستُفتح الشوارع». وفي سياق ما تقدم، تجول القائد العام للقوات المسلحة، وزير الدفاع والإنتاج الحربي، الفريق أول صدقي صبحي، في شوارع العريش لبث الطمأنينة لدى المواطنين، وكان برفقته كبار القيادات الأمنية. وأكد أنه «لا تهاون في حماية أمن مصر القومي»، بيد أن قطاعاً من أبناء العريش لديهم مخاوف غير واضحة المعالم من المستقبل. ومن بين هؤلاء، أَشرف أيُّوب، الذي بسؤاله عن الأسباب التي تجعله يعتقد بوجود خطة لتهجير السكان، يجيب: «اسأل الحكومة، واسأل الذين تحاربهم... يوجد مخطط للتهجير، ولا نعرف من يقف وراءه وما هدفه».
ومعلوم، أنه جرى أخيراً تسلط الضوء من جانب وسائل الإعلام المحلية على عدة عشرات من المسيحيين الذين فروا من العريش في اتجاه مدينة الإسماعيلية على قناة السويس، بعدما تعمَّد المتطرفون الهجوم على بيوت عدد منهم في قلب العريش وقتلهم وحرق بعضهم والتمثيل بجثثهم. ويَعتقدُ الظَّمْلُوط، وقيادات محلية أخرى، أنَّ عدد أبناء سيناء، من المسلمين والمسيحيين، الذين قتلوا يبلغ المئات... «القذائف الطائشة كان لها دور كبير في القضاء على أسر بأكملها».
مع هذا، لا توجد إحصاءات رسمية عن عدد الضحايا المدنيين. ويقول سعيد، صاحب محل أدوات كهربائية في العريش: «من أين يأتي هؤلاء المتطرفون وإلى أين يذهبون؟ لا توجد إجابة واضحة. ثُمَّ كيف يتحركون بهذه الطريقة. لقد قاموا باختطاف لودر (غرّاف) من صاحبه في منطقة المَسَاعِيد... لم يعرف أحد أين ذهبوا به. مثل هذه الوقائع مخيفة. إذا كانت لديك القدرة على سرقة لودر بهذا الحجم والاختفاء به، فهذا يعني أنك قادر على القيام بأشياء أخرى مثل الاستيلاء على السيارات الخاصة وتهريب الأسلحة والمتفجرات وقتل الناس».
ويضيف قيادِي محلي في مدينة العريش: «بعض هؤلاء المتطرفين موجود داخل أماكن محيطة بوسط المدينة. هم جيل غير معلوم... بمعنى أنه ليس لدى معظمهم ملفات أَمْنِية سابقة. أعمار غالبيتهم تتراوح بين 18 سنة إلى 30 سنة. ويُعتقد أنَّ من بينهم أبناء لعائلاتٍ مِنَ العَريش ويصعب تمييزهم كعناصر منضوية في تنظيمات إرهابية... حتى أسرهم لا تعلم أنهم يعملون ضدَّ السلطات. فهم يرتدون الجينز وحليقو الذقن. وليس لهم تاريخ سياسي أو ديني. أما القيادات المعروفة منهم فلا تظهر كثيراً وتلجأ للاختباء».

تقييم السلطة للوضع
في هذه الأثناء، يبدو أن مصر حريصة على التَّخلص سريعاً من تبعات ما يُعرف بـ«ثورات الربيع العربي» التي ضربتْ المنطقة منذ عام 2011. إذ قال مُدير إدارة المخابرات الحربية والاستطلاع المصري، اللواء أركان حرب محمد فرج الشَّحات، في ندوة تثقيفية حول الموضوع عقدت في الشهر الماضي، إنَّه «رغم الظروف التي تمر بها المنطقة، تمكنت مصر من تحقيق نجاحات في مجال مُكافحة الإرهاب»، وشدد على حرص القوات المسلحة على محاربة الإرهاب مع الحفاظ على أرواح الأبرياء من أهالي سيناء.
وبالفعل، تَراجعَ عدد العَناصر «التكفيرية» إلى حدٍّ كبير، ولم يعُد بالإمكان استخدام المساجد في التحريض ضد الدولة، كما كان الحال في السابق. ووفق مسؤول محلي: «حالياً يلجأ فلول المتطرفين إلى إلقاء الدروس في المنازل لاستقطاب الشبان الجدد... إنهم يعقدون جلسات خاصة وسرية. ويستقطبون نوعاً معيناً من الشباب من مراحل عمرية صغيرة، بحيث يسهل تشكيلهم»، مشيراً إلى أن الدعم يصل للإرهابيين أيضاً من مناطق هشة كليبيا وسوريا، عبر الحدود البرية والموانئ البحرية.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.