مشروع مستوطنة في رام الله يثير إدانات ومطالبات بالتحرك

إسرائيل أعلنت المشروع الأول من نوعه خلال ربع قرن في «يوم الأرض» الفلسطيني ... والبيت الأبيض يرفض انتقاده

مواجهة بين جنديين إسرائيليين ومتظاهرين فلسطينيين ضد مصادرة الأراضي في الضفة أمس (أ.ف.ب)
مواجهة بين جنديين إسرائيليين ومتظاهرين فلسطينيين ضد مصادرة الأراضي في الضفة أمس (أ.ف.ب)
TT

مشروع مستوطنة في رام الله يثير إدانات ومطالبات بالتحرك

مواجهة بين جنديين إسرائيليين ومتظاهرين فلسطينيين ضد مصادرة الأراضي في الضفة أمس (أ.ف.ب)
مواجهة بين جنديين إسرائيليين ومتظاهرين فلسطينيين ضد مصادرة الأراضي في الضفة أمس (أ.ف.ب)

أثار قرار الحكومة الإسرائيلية بإقامة مستوطنة جديدة في الضفة الغربية هي الأولى خلال ربع قرن تقريباً، موجةَ سخط واستنكار فلسطينية ودولية. واعتبرته وزارة الخارجية الفلسطينية اختباراً لوعود الإدارة الأميركية للدول العربية بتحريك المسار السياسي.
وكان المجلس الوزاري المصغر لشؤون الأمن والسياسة في الحكومة الإسرائيلية التأم لبضع ساعات الليلة قبل الماضية مساء إحياء الفلسطينيين ذكرى «يوم الأرض»، وقرر بناء مستوطنة جديدة بدل بؤرة «عمونا» التي أخليت قبل شهرين، وطرح مناقصات لبناء 6 آلاف بيت استيطاني كان أعلن عنها قبل شهر لتوسيع المستوطنات القائمة في الضفة الغربية والقدس الشرقية، فيما قرر تجميد البناء في المستعمرات الواقعة خارج الكتل الاستيطانية.
وقال مكتب نتنياهو في بيان إن «هذه المستوطنة الجديدة ستبنى بالقرب من مستوطنة شيلو القريبة من موقع عمونا». ومستوطنة شيلو مبنية على أراضي قرى قريوت والمغير وجالود وترمسعيا وسنجل الفلسطينية الواقعة على الطريق بين مدينتي نابلس ورام الله. وستكون المستوطنة الجديدة الأولى التي تبنى بقرار حكومي منذ عام 1992، إذ إن إسرائيل عمدت في السنوات الماضية إلى توسيع المستوطنات القائمة.
وقالت الخارجية الفلسطينية في بيان، أمس، إن قرار الحكومة الإسرائيلية ببناء مستوطنة جديدة في منطقة رام الله تحت ذريعة وفائها لمستوطني بؤرة «عمونا» التي أزيلت بقرار قضائي أخيراً «يشكل إمعاناً في تقويض ما تبقى من حل الدولتين على الأرض، وتراكماً لعقبات كبيرة في وجه الجهد الدولي والأميركي المبذول لإحياء عملية السلام والمفاوضات».
ورأت أن القرار «اختبار حقيقي لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومصداقيتها ومدى جديتها في التعامل مع الملف الإسرائيلي - الفلسطيني، وقدرتها على إلزام إسرائيل بوقف بناء مزيد من الوحدات الاستيطانية، بما يساعد في خلق مناخات إيجابية لإطلاق مفاوضات جادة بين الجانبين».
وأضافت: «قبل أن يجف الحبر على ورق قرارات القمة العربية الأخيرة، يأتي (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتنياهو ليقول للعالم، وتحديداً للقادة العرب الذين لم يصل معظمهم بعد إلى بلاده عائداً من قمة البحر الميت، إنه لا يأبه بقراراتهم. وللدلالة على ذلك، فهو يعلن تحديه للقمة من قادة وقرارات عبر الإعلانات الاستيطانية التي تمس جوهر الموقف العربي، والرسائل التي سيحملها قادتها في لقاءاتهم المقبلة في واشنطن».
وأوضحت الوزارة أن «سلطات الاحتلال لم تعد تكتفي بمصادرة الأراضي المصنفة أراضي دولة، بل تقوم بالاستيلاء على الأراضي الفلسطينية الخاصة وتحويلها لأراضي دولة بهدف بناء مستوطنات جديدة أو توسيع مستوطنات قائمة، إذ إن أكثر من 48 في المائة من الأراضي المقامة عليها المستوطنات هي ملكيات خاصة للفلسطينيين».
وقال أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات، إن «الفلسطينيين لن يقبلوا أي معادلات تشرّع الوحدات الاستيطانية غير القانونية في فلسطين المحتلة»، مشدداً على أن «عدم شرعية الاستيطان بأشكاله كافة غير خاضع للنقاش أو المساومة»، محملاً نتنياهو وحكومته «المسؤولية الكاملة عن تبعات قراراته غير المسؤولة بتوسيع الاستيطان الاستعماري».
ورأت عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير حنان عشراوي أن القرار «يشير إلى أنه وبعد 41 عاماً، ما زالت سياسات إسرائيل القائمة على السرقة من دون تغيير، وأن رئيس الوزراء الإسرائيلي وحكومته الائتلافية العنصرية المتطرفة يواصلان نهجهما المتمثل بمواصلة الاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري والتطهير العرقي، في تحدٍ صارخ ومتعمد لحقوق الإنسان الفلسطيني واستقلاله وكرامته».
واعتبرت أن القرار يؤكد أن «إسرائيل أكثر التزاماً باسترضاء المستوطنين غير الشرعيين بدل الالتزام بمتطلبات الاستقرار والسلام العادل والشامل». وحذرت من أن «جهود إسرائيل الحثيثة لتوسيع مشروعها الاستيطاني الاستعماري بهدف محو فلسطين وفرض مشروع إسرائيل الكبرى، هي بمثابة رسالة صريحة إلى الحكومات في جميع أنحاء العالم، بأن عليها التدخل فوراً للجم إسرائيل واتخاذ تدابير ملموسة لإخضاعها للمساءلة والمحاسبة بتدابير عقابية فاعلة وجدية». ودعت الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس إلى «ضمان امتثال إسرائيل لقرارات مجلس الأمن، بما في ذلك قرار مجلس الأمن 2334 الذي يدين الاستيطان».
ولم يعلق البيت الأبيض على القرار علناً، لكن مسؤولاً في الرئاسة الأميركية رفض انتقاد القرار مباشرة، وقال لوكالة الصحافة الفرنسية إن مشروع الاستيطان في «عمونا» يعود إلى عهد إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، وأضاف: «يجب أن نلاحظ أن رئيس الوزراء الإسرائيلي قطع التزاماً لمستوطني عمونا قبل أن يعلن الرئيس ترمب توقعاته»، مشيراً إلى أن نتنياهو «لفت مراراً إلى عزمه على المضي قدماً في هذه الخطة».
ورأى أنه «إذا كان وجود المستوطنات ليس عائقاً أمام السلام بحد ذاته، فإن توسيعها العشوائي لا يساعد على دفع السلام قدماً»، وأضاف أن «الرئيس عبر علناً، وفي مجالسه الخاصة، عن قلقه بشأن المستوطنات». وأوضح أن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين أجروا خلال الأسابيع الماضية محادثات تركزت على سبل «تحسين الأجواء العامة لدفع فرص سلام حقيقي ودائم قدماً» بين إسرائيل والفلسطينيين، وتطرقوا إلى مسألة المستوطنات، وجرت حيالها محادثات «جدية وبناءة». وأضاف أن الحكومة الإسرائيلية «أعلنت بشكل واضح رغبتها في اعتماد سياسة في المستقبل تأخذ في الاعتبار اهتمامات الرئيس» ترمب.
وأدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، أمس، القرار الإسرائيلي، معرباً عن خيبة أمله وانزعاجه. وقال غوتيريس في بيان إنه «لا توجد خطة بديلة للإسرائيليين والفلسطينيين للعيش معاً في سلام وأمن»، مندداً بـ«جميع الأعمال الانفرادية التي تهدد السلم وتقوض حل الدولتين كهذا القرار». وشدد على أن «أنشطة الاستيطان غير قانونية بموجب القانون الدولي، وتشكل عقبة أمام السلام».
ونددت باريس بما اعتبرته «تطوراً مقلقاً للغاية يهدد بتصعيد التوتر على الأرض»، فيما أدانت برلين القرار، وأشارت إلى أنه «مخالف للقانون الدولي وعقبة أمام عملية السلام». وطالب متحدث باسم وزارة الخارجية الألمانية إسرائيل بالعودة إلى خيار الدولتين.
وفي إسرائيل، رحب المستوطنون بالقرار، وأصدر مجلس المستوطنات في الضفة الغربية بياناً، أمس، قال فيه إنه سيعمل بالتعاون مع الحكومة لمواصلة البناء. وأضاف أن «التفاهمات التي تم التوصل إليها بين حكومة إسرائيل والإدارة الأميركية تسمح بمواصلة البناء الاستيطاني في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)». وأضاف أن «الامتحان الحقيقي يتمثل بالأفعال على أرض الواقع، لذلك سنعمل مع الحكومة على تنفيذ المخططات والخطط الاستيطانية».
ورأى الحاخام المتطرف من حزب المستوطنين «البيت اليهودي» إيلي بن دهان الذي يشغل منصب نائب وزير الدفاع، أنه «يجب على إسرائيل أن تفرض سيادتها على الضفة الغربية برمتها». وأضاف أن «مسألة إلغاء تجميد البناء في المستوطنات أمر تافه وصغير، ويجب علينا أن نشرع فوراً في فرض سيادتنا على يهودا والسامرة، وحين تقوم دولة إسرائيل بذلك فإن العالم سيقبل به».
وأعرب عن قناعته بأن السفارة الأميركية ستنقل من تل أبيب إلى القدس، وفي لحظة انتقالها ستحذو سفارات أخرى حذوها.
وفي المقابل، قالت حركة «السلام الآن» الإسرائيلية المناهضة للاستيطان إن «موقع المستوطنة الجديدة استراتيجي يقع في عمق الضفة الغربية بهدف تفتيتها». وأضافت، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، أن «نتنياهو محتَجَز من قبل المستوطنين ويغلِّب بقاءه السياسي على مصلحة دولة إسرائيل». وأوضحت أن «بناء المستوطنة الجديدة يعني أن الحكومة الإسرائيلية تدفع الفلسطينيين والإسرائيليين باتجاه الفصل العنصري».
من جهته، قال كبير مراسلي صحيفة «يديعوت أحرونوت» رونين بيرغمان إن «نتنياهو الذي يواجه ادعاءات بالفساد انجرَّ إلى اليمين أكثر للحفاظ على ائتلاف حكومته». وأضاف أن «حزب البيت اليهودي الداعم للاستيطان، وهو جزء من الائتلاف الحكومي لنتنياهو، يملي عليه جدول أعمال الحكومة... نتنياهو لا يقرر جدول الأعمال، إنما يتتبعه».
ومنذ تنصيب ترمب، أعطت إسرائيل الضوء الأخضر لبناء أكثر من ستة آلاف وحدة استيطانية في القدس الشرقية والضفة الغربية المحتلتين. ويعيش نحو 400 ألف شخص في مستوطنات الضفة التي تقطع أوصال الأراضي الفلسطينية، وسط 2.6 مليون فلسطيني.



مصر لتقنين أوضاع المدارس السودانية بعد أزمات إغلاقها

وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)
وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)
TT

مصر لتقنين أوضاع المدارس السودانية بعد أزمات إغلاقها

وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)
وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)

أعلنت الحكومة المصرية، استعدادها لتقنين أوضاع المدارس السودانية على أراضيها، بعد أزمة إغلاقها منذ عدة أشهر، وسط شكاوى متكررة من الجالية السودانية بالقاهرة.

وأكد وزير التربية والتعليم المصري محمد عبد اللطيف، «استعداد بلاده لتقديم الدعم الكامل للسودان في عدد من المجالات التعليمية؛ من بينها تطوير المناهج، ونظم التقييم والامتحانات والتعليم الفني»، وشدد خلال استقباله نظيره السوداني التهامي الزين، الثلاثاء، على «حرص القاهرة على تعزيز أطر التعاون المشترك وتبادل الخبرات بما يخدم مصلحة الطلاب السودانيين».

وناقش وزيرا التعليم المصري والسوداني، «سبل تعزيز التعاون المشترك في تطوير المنظومة التعليمية وتبادل الخبرات، بما يسهم في الارتقاء بجودة التعليم»، حسب إفادة لوزارة التعليم المصرية.

وخلال اللقاء، أكد وزير التعليم المصري «استعداد بلاده لتقنين أوضاع المدارس السودانية في مصر، بما يعزز التعاون المشترك وتبادل الخبرات».

وفي يونيو (حزيران) من عام 2024، أغلقت السلطات المصرية المدارس السودانية العاملة في مصر، لحين توفر الاشتراطات القانونية لممارسة النشاط التعليمي، وشملت إجراءات الإغلاق مدرسة «الصداقة» التي دشنتها السفارة السودانية بالقاهرة في عام 2016، ومدارس خاصة، قبل أن تعلن السفارة السودانية، استئناف الدراسة في مدرسة «الصداقة» مرة أخرى، بداية من ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وطالبت السلطات المصرية وقتها، من أصحاب المدارس السودانية العاملة بمصر، الالتزام بثمانية شروط لتقنين أوضاع المدارس المغلقة، وتضمنت وفق إفادة للملحقية الثقافية بالسفارة السودانية، «موافقة من وزارتي التعليم والخارجية السودانية، وموافقة من الخارجية المصرية، وتوفير مقر للمدرسة في جميع الجوانب التعليمية مصحوباً برسم تخطيطي لهيكل المدرسة، وإرفاق البيانات الخاصة لمالك المدرسة، مع طلب من مالك المدرسة للمستشارية الثقافية بالسفارة السودانية، وملف كامل عن المراحل التعليمية وعدد الطلاب المنتظر تسجيلهم بالمدرسة».

وبسبب الحرب السودانية، فرّ نحو مليون و200 ألف سوداني، إلى مصر، حسب إحصائيات رسمية، إلى جانب آلاف آخرين من الذين يعيشون فيها منذ سنوات.

محادثات بين وزير التعليم المصري ونظيره السوداني بالقاهرة الثلاثاء (وزارة التعليم المصرية)

ويعد تقنين أوضاع المدارس السودانية، خطوة إيجابية سيستفيد منها كثير من الأسر المقيمة بمصر، وفق رئيس لجنة العلاقات الخارجية بـ«جمعية الصداقة السودانية - المصرية»، محمد جبارة، الذي قال إن «المحادثات بين وزيري التعليم المصري والسوداني، تعكس موافقة على استئناف الدراسة في بعض المدارس السودانية التي قننت أوضاعها، وفق مواصفات التعليم بمصر».

وفي وقت سابق، أعلنت السفارة السودانية، عن قيام «لجنة من وزارة التعليم المصرية بزيارة بعض المدارس السودانية المغلقة، لمراجعة البيئة المدرسية، والتأكد من توافر اشتراطات ممارسة النشاط التعليمي»، وشددت في إفادة لها لأصحاب المدارس على «الالتزام بتقديم كل المستندات الخاصة بممارسة النشاط التعليمي، وفق الضوابط المصرية».

ويرى جبارة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «عودة الدراسة بالمدارس السودانية ستعالج كثيراً من إشكاليات كانت تواجهها الأسر السودانية بمصر»، وقال إن «هناك عدداً من المدارس السودانية التي كانت عاملة في مصر، بدأت في العودة للسودان مرة أخرى، مع تزايد رحلات العودة الطوعية»، عاداً ذلك «سيعزز من فرص التعاون بين القاهرة والخرطوم في المجال التعليمي».

وخلال اللقاء، دعا وزير التعليم السوداني، إلى «تعزيز التعاون مع الجانب المصري في جهود إعمار وتطوير المؤسسات التعليمية في السودان»، وأكد أهمية «الاستفادة من التجربة المصرية الناجحة في التعليم، خاصة نموذج الشراكة مع الجانب الياباني»، حسب «التعليم المصرية».

ويأتي التعاون التعليمي بين مصر والسودان، بوصفه من أبرز ثمار الزيارات واللجان المشتركة بين البلدين، وفق مدير وحدة العلاقات الدولية بـ«المركز السوداني للفكر والدراسات الاستراتيجية»، مكي المغربي، الذي قال إن «ملف التعليم والمدارس السودانية، كان أحد الملفات التي جرت مناقشتها في زيارة رئيس وزراء السودان، كامل إدريس للقاهرة، نهاية شهر فبراير (شباط) الماضي».

ويرى المغربي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «استئناف الدراسة في المدارس السودانية لا يتعارض مع برامج العودة الطوعية التي تهتم بها الحكومة السودانية»، مشيراً إلى أن «هناك كثيراً من الأسر السودانية، ارتبطت بجدول دراسي لأبنائها داخل مصر، ومن ثمّ فإن استئناف الدراسة بالمدارس، سيعالج كثيراً من إشكاليات أعضاء الجالية».

واتفق وزيرا التعليم المصري والسوداني، على «تشكيل لجنة مشتركة من الوزارتين، تتولى مناقشة مختلف مجالات التعاون»، إلى جانب «وضع آليات تنفيذها بشكل عملي، ومتابعة وتقييم ما يتم إنجازه، بما يضمن سرعة البدء في التنفيذ وتحقيق النتائج المستهدفة»، حسب بيان وزارة التعليم المصرية.


تحركات مصرية لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران

لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)
لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)
TT

تحركات مصرية لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران

لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)
لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)

واصلت مصر تحركاتها المكثفة لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران، تزامناً مع حديث أميركي عن تلقي إيران نقاطاً للبحث عبر وسطاء. وأكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «القاهرة تسعى لتقريب وجهات النظر، والوصول إلى اتفاق عادل مستدام يراعي مصالح أطرافه، ويحفظ أمن الخليج».

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالات هاتفية، الاثنين، مع نظرائه في السعودية وسلطنة عمان والإمارات وتركيا وباكستان وفرنسا وقبرص، إضافة إلى ستيف ويتكوف المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط.

وصرح السفير تميم خلاف، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، في بيان صحافي، بأن «هذه الاتصالات المكثفة تأتي في إطار حرص مصر على مواصلة التنسيق والتشاور مع الأشقاء العرب، ومع الشركاء الإقليميين والدوليين إزاء التطورات الأمنية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وبحث سبل احتواء التصعيد العسكري الجاري»، مؤكداً أن من شأن هذا التصعيد واتساع نطاقه ورقعته «أن يجر الإقليم بأكمله إلى فوضى شاملة غير محسوبة العواقب تضر بالسلم والأمن الإقليميين والدوليين».

وأضاف خلاف أن «الاتصالات تناولت المفاوضات المحتملة بين الجانبين الإيراني والأميركي في ضوء مبادرة الرئيس دونالد ترمب الأخيرة، والجهود المبذولة من جانب عدد من الأطراف الإقليمية في المنطقة من بينها مصر، لدفع المسار الدبلوماسي والتفاوضي بوصفه السبيل الوحيد لتفادي الفوضى الشاملة في المنطقة». وقال إن «لغة الحوار هي الضمان الحقيقي لتجنيب المنطقة مخاطر اتساع رقعة الصراع، وصون مقدرات شعوبها».

وشدد وزير الخارجية المصري خلال اتصالاته مجدداً على «الإدانة الكاملة للاعتداءات الإيرانية التي تستهدف دول الخليج، وعدم تبريرها بأي ذرائع واهية، وضرورة وقفها بشكل فوري»، وأكد «أهمية تضافر جميع الجهود لخفض التصعيد، ودعم مصر الكامل وانخراطها الإيجابي مع جميع المبادرات والمساعي الهادفة لتحقيق التهدئة وإنهاء الحرب».

وفي سياق متصل، نقلت شبكة «سي بي إس» الأميركية عن مسؤول رفيع في «الخارجية الإيرانية» قولَهُ، إنّ بلاده تلقّت نقاطاً للتفاوض، من الولايات المتحدة عبرَ وسطاء، مشيراً إلى أنّ «هذه النقاط قيد الدراسة».

ووفق ما نشره موقع «أكسيوس» الأميركي، الاثنين، فإن «مصر وتركيا وباكستان نقلت رسائل متبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث أجرى مسؤولون من الدول الثلاث اتصالات منفصلة مع مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي».

وأوضح مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ضوء تصاعد خطورة الوضع الراهن على كل دول المنطقة والعالم وما تعرضت له سلاسل الإمداد العالمية تحركت عدة دول، ومن بينها مصر وباكستان وتركيا، من أجل وقف التصعيد وتجنيب المنطقة ويلات المزيد من التصادم والفعل ورد الفعل بضرب البنية التحتية».

وقال إن «مصر تستغل درجة المصداقية التي تتمتع بها لدى طهران وواشنطن في التحرك، ونقل رسائل مهمة تركز على الدعم الدبلوماسي والسياسي والمادي لدول الخليج باعتبار أمن الخليج جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، والتأكيد على ضرورة وقف التصعيد».

وأضاف حجازي أن مصر والوسطاء «نقلوا رسائل مهمة لمد جسور التفاهم بين طرفي النزاع، وخفض التصعيد، والتأكيد على أنه ما كان يجب الانخراط في هذه المواجهة التي أدت تفاقم الوضع، وقد تخلف إذا استمرّت، الكثير من الضغائن»، مشيراً إلى أن «مصر تسعى لتقديم مقترحات تراعي مصالح الجميع، وتسمح لكل طرف بالخروج من المعركة، وتجنب المزيد من الخسائر». وقال: «القاهرة تسعى لاتفاق عادل مستدام يراعي مصالح أطرافه، وينهي التصعيد الحالي، ويحمي أمن الخليج».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الباكستاني محمد إسحاق دار في باكستان (الخارجية المصرية)

وأجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي جولة خليجية ضمت السعودية وقطر والإمارات والبحرين أعقبت جولة خليجية مماثلة لوزير الخارجية بدر عبد العاطي، تم خلالها التأكيد على أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والعربي».

وكان الرئيس المصري قد أكد خلال اتصال هاتفي خلال الشهر الحالي مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، بحسب إفادة رسمية للرئاسة المصرية.

بدوره، أكد عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير رخا أحمد حسن، أن «مصر تلعب دوراً رئيسياً في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب كل من تركيا وباكستان»، مشيراً إلى أن «القاهرة تريد أولاً احتواء التصعيد وصولاً لوقف إطلاق النار».

وأضاف حسن لـ«الشرق الأوسط»، أن «هناك كثيراً من الشكوك لدى الطرفين، ومصر والوسطاء يحاولون بما لديهم من مصداقية لدى واشنطن وطهران، التوفيق بين وجهات النظر من أجل الوصول إلى اتفاق ينهي الحرب الحالية»، مشيراً في هذا الصدد، إلى اتصال السيسي وبزشكيان الذي أعربت فيه مصر عن استعدادها للوساطة.

ولم يستبعد حسن ألا تختلف «البنود المقترحة عن تلك التي سبق طرحها في المفاوضات التي جرت قبل الحرب بين الطرفين»، لكنه شكك في «جدية الطرح الأميركي الأخير في ظل استمرار الهجمات الإسرائيلية».

وقال: «الأيام ستكشف إلى أي مدي ستنجح الضغوط الدولية والوضع الاقتصادي العالمي المتأزم في إقناع ترمب وحليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوقف الحرب».

وتواصلت الغارات الأميركية والإسرائيلية على إيران والهجمات الصاروخية الإيرانية على إسرائيل، الثلاثاء، رغم إعلان الرئيس ترمب، الاثنين، عبر منصته «تروث سوشيال» أنه سينتظر 5 أيام أخرى قبل تنفيذ الضربات التي هدّد بشنّها على محطات كهرباء وبنى تحتية أخرى في إيران إن لم تفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، مشيراً إلى مفاوضات «جيدة جداً» مع مسؤول إيراني رفيع لم يسمه.

وأوضح ترمب، في تصريحات صحافية، أن الجانبين توصلا إلى نحو 15 نقطة اتفاق. وقال: «أعتقد أن هناك فرصة كبيرة جداً للتوصل إلى اتفاق».


اجتماع وزاري عربي مرتقب يناقش تداعيات الهجمات الإيرانية والتصعيد الإقليمي

اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)
اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)
TT

اجتماع وزاري عربي مرتقب يناقش تداعيات الهجمات الإيرانية والتصعيد الإقليمي

اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)
اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)

تترأس البحرين، يوم الأحد المقبل، اجتماع الدورة العادية الـ165 لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية. وقال مصدر دبلوماسي عربي لـ«الشرق الأوسط» إن «الاجتماع سيعقد عن بعد عبر الاتصال المرئي، وسيركز على بند واحد هو الاعتداءات الإيرانية على الأراضي العربية».

وأوضح المصدر، الذي رفض الكشف عن هويته، أن «الاجتماع سيبحث اتخاذ موقف عربي واحد إزاء الاعتداءات الإيرانية على الأراضي العربية على غرار الاجتماع الطارئ الذي عقده وزراء الخارجية العرب أخيراً، للسبب نفسه».

وكان وزراء الخارجية العرب أدانوا، في اجتماع طارئ يوم 8 مارس (آذار) الجاري، اعتداءات طهران على دول عربية، وأكدوا تأييد جميع الإجراءات التي تتخذها تلك الدول، بما في ذلك خيار الرد على الاعتداءات. ودعا الوزراء، في الاجتماع الذي عقد بتقنية الاتصال المرئي، طهران إلى الوقف الفوري للهجمات العسكرية العدوانية، ووقف جميع الأعمال المتعلقة بإغلاق مضيق هرمز.

وأشار الدبلوماسي العربي إلى أن «الاجتماع يأتي في سياق الاجتماعات الدورية لمجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري، وكان من المفترض أن يتضمن جدول أعماله عدداً من الموضوعات المتعلقة بالعمل العربي المشترك، لكن حساسية الظرف الراهن دفعت إلى تأجيل مناقشة كل الملفات والاقتصار على ملف الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية».

وقال إن «المناقشات التحضيرية بشأن الاجتماع خلصت إلى أن وجود أكثر من موضوع على جدول الأعمال سيسحب التركيز من الموضوع الرئيسي وهو اعتداءات إيران، لذا كان القرار بتأجيل الملفات الاعتيادية، والاكتفاء بملف واحد مركزي».

وكان من المنتظر أن يناقش الاجتماع التحضير للقمة العربية المقبلة.

وفي هذا الصدد، قال المصدر الدبلوماسي إن «من المفترض أن يتم خلال الاجتماع الاتفاق على موعد القمة المقبلة، لكن الظرف الراهن يجعل من الصعب الاتفاق على موعد محدد».

من اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في 8 مارس 2026 (الخارجية المصرية)

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالات هاتفية مع نظرائه في البحرين والأردن والعراق، تناولت التحضيرات الجارية لانعقاد الاجتماع.

وأكدت الوزارة في بيان «أهمية إطلاق موقف عربي موحد في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية المشتركة والتصعيد الخطير الذي تشهده المنطقة».

بدوره، عوّل المحلل السياسي الدكتور عبد المنعم سعيد على الاجتماع الوزاري «للوصول إلى رؤية عربية موحدة إزاء التعامل مع الوضع الراهن». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الوضع يتحرك ويتطور بصورة متسارعة... وفي ظل موقف أميركي مرتبك، من المهم عقد مشاورات عربية لتحديد الموقف تجاه الوضع الراهن».

واقترح سعيد «تشكيل مجموعة عمل عربية للتفكير فيما سيكون عليه الموقف مستقبلاً في مواجهة المشروعين الإيراني والإسرائيلي، اللذين يتصادمان على الأرض العربية». وقال إنه «يمكن عقد اتفاقات ثنائية في الإطار العربي لتعزيز التعاون في مواجهة أي عدوان».

وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير تميم خلاف، رجّح في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط» أن «تطرح القاهرة قضية الترتيبات الإقليمية الجديدة، في الاجتماع الوزاري العربي، ضمن التوجه المصري الهادف إلى احتواء التصعيد بالمنطقة». وقال إن هناك أولوية مصرية «لوضع تصور شامل لتلك الترتيبات لما بعد الحرب الإيرانية».

وسبق أن تحدث وزير الخارجية عبد العاطي عن «ضرورة بلورة مفهوم عملي للأمن الجماعي العربي والإقليمي، ووضع آليات تنفيذية له». وأشار خلال محادثات مع نظيره السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، في الرياض، منتصف الشهر الحالي، إلى أن «الشروع في وضع ترتيبات أمنية في الإطار الإقليمي سواء بالجامعة العربية، أو بالتعاون مع أطراف إقليمية غير عربية، ضرورة استراتيجية ملحة للتعامل مع التحديات غير المسبوقة التي تستهدف سيادة الدول العربية».