«الكورونا».. تساؤلات علمية حول الفيروس الفريد من نوعه

د. إلهام قطان عالمة الفيروسات السعودية تحلل طبيعته ونشوءه

د. إلهام طلعت قطان
د. إلهام طلعت قطان
TT

«الكورونا».. تساؤلات علمية حول الفيروس الفريد من نوعه

د. إلهام طلعت قطان
د. إلهام طلعت قطان

«الكورونا»، العامل المسبب لمرض الالتهاب الرئوي الحاد المنتشر حاليا يمثل نوعا فريدا بين فيروسات الحمض النووي «رنا» (أو «آر إن إيه»، الحمض النووي الريبي) RNA. ومن خلال دراسات التطور الجيني، اتضح أنها تملك خاصية عكس الأنظمة الوراثية، ولها توزيع واسع النطاق على مستوى العائل بين الثدييات (اللبائن) ومنها الإنسان، وكذلك الطيور، وتسبب في المقام الأول أمراض الجهاز التنفسي والمعوي، وتكون العدوى إما حادة أو مستمرة.
ويعد الكورونا في الحيوانات من الفيروسات المتوطنة التي تصيب أجهزتها المعوية والتنفسية،. ولكن، كيف يتسنى لها أن تتحد مع الفيروس البشري؟ كيف ظهرت بشكلها «الجديد»؟ ما العوامل التي جعلتها قادرة على الانتشار بشكل فعال؟ كيف ظهرت فجأة في المجتمعات البشرية؟
هل الجمال أم الخفافيش هي العائل الوسيط لنقلها؟ أم هناك عوائل وسطية أخرى؟ هل هناك علاج لها؟ وما طرق الوقاية؟ توجهت «صحتك» بهذه الأسئلة وغيرها من الأسئلة الغامضة والمنتشرة بين الناس التي يسعى الجميع لمعرفة الإجابة عنها إلى الدكتورة إلهام طلعت قطان الأستاذة في الفيروسات الممرضة والعلوم الجزيئية بكلية العلوم الطبية التطبيقية وعضو مجلس إدارة مركز الجينات والأمراض الوراثية في جامعة طيبة بالمدينة المنورة، وعضو الجمعية الأميركية لأمراض الكبد وعضو هيئة تحرير مجلة «العلوم» الأوروبية.
وجاءت إجابتها كالتالي: «سأحاول وبشكل مبسط إلقاء الضوء، مع وضع التفسيرات العلمية والمنطقية المحتملة التي تفسر وتكشف الغموض، وإن كانت هناك بعض العبارات والمدلولات العلمية التي يتحتم إيرادها ولكنها قد تشكل عائقا في استيعاب هذا الموضوع الذي لا أنكر أنه من الصعوبة بمكان أن يكون مفهوما لجميع شرائح المجتمع».

* الفيروس التاجي
* في فبراير (شباط) عام 2003، قام الدكتور كارلو أوروباني، في مستشفى فيتنام، بإبلاغ منظمة الصحة العالمية عن انتشار فيروس يسبب متلازمة تنفسية حادة مع حالات وفاة. ولقد كان من الجيد آنذاك اكتشاف أن الفيروس المسبب لهذه المتلازمة يمكن عزله من الرئتين ومن البلغم أيضا، وباستخدام المجهر الإلكتروني مع الجهاز التضاعفي، جرى تعريفه على أنه «الفيروس التاجي».
وظهر أن الأمصال البشرية التي جرى جمعها واختبارها كانت لا تحتوي على الأجسام المضادة الموجهة ضد الفيروس، مما يدل على أن ذلك الفيروس هو تحور جديد للفيروس للتاجي على البشر. كما أن الانتقال إلى البشر عن طريق هذا النوع من خلال التحور من الحيوان أو عن طريق إعادة التركيب بين عدة فيروسات «كورونا» بشرية أو حيوانية يجعل ذلك الفيروس الناشئ شديد الخطورة، ويمتلك صفات تجمع بين الأنواع المتحور منها، إضافة إلى شراسة فتكه، ومن ثم فشل الجهاز المناعي في التعرف والقضاء عليه. وحينئذ، تكون هناك حاجة ضرورية ومهمة لإجراء دراسات على الأمصال البشرية والحيوانية وتحليلها التشجيري في كل منطقة تفشى فيها المرض ثم ربط الجميع تشجيريا لتأكيد ذلك الاستنتاج والطرح.

* فيروس جديد
* لقد جرت مقارنة جينات الفيروس الناشئ مع الجينات المماثلة من الفيروسات له والمعروفة من البشر والخنازير والأبقار والكلاب والقطط والفئران والجرذان والدجاج والخفافيش والجمال. واتضح أن لكل جين 70 في المائة أو أقل من الهوية الجينية مع المقابل له في نفس العائلة الواحدة. وهذه البيانات تظهر من ثم أن الفيروس المتحور الجديد كان متوطنا بالحيوانات أو نوعا من الطيور ومتعايشا معها منذ القدم، وقد جرى عزله وراثيا لفترة طويلة جدا بطريقة أو بأخرى ليظهر فجأة فيروس خبيث يصيب البشر. وهذا الانتقال إلى البشر يحدث مرة واحدة فقط بسبب وجود مزيج سيئ وليس عن طريق حدوث طفرات عشوائية، ومن ثم فإنه الآن يصيب كلا من البشر والمضيف الأصلي، مع فرضية أن الجمال هي السبب الرئيس في انتشاره وتفشيه في المملكة العربية السعودية، وهي فرضية لم يجر التأكد منها وإثباتها إلى الآن.

* حوار علمي
* هل جرى التحور بهذه الطريقة أو بالطريقة العكسية؟
- من المفيد معرفة أن التضاعف في الفيروسات التي يكون فيها الحامض النووي أو الجيني هو «آر إن إيه» RNA، تزداد فيه مسارات التغير والتحور، ومن ثم انتقال الفيروس بين الأنواع، مع القدرة على القفز إلى السلالات البشرية مرارا وتكرارا وإحداث فاشيات قاتلة.
* هل تشترك هذه السلالات في سلف نشوئي مشترك؟
الجواب لهذا السؤال يكون من خلال التحليل لنشوء تطور الجينوم والتمثيل للتشجر بين الأنواع المختلفة، حيث إن التسلسل الجيني والبروتيني داخل العينة الواحدة قد يوضح المجاميع المنفصلة والمرتبطة فيما يتعلق بالفيروس والمواقع الدقيقة التي تمثل التشابه والاختلاف ومن ثم توضح العلاقة بين الأنواع المترابطة وغير المترابطة به.

* فيروس «ميرس» والإبل
وأشير هنا إلى أنه عند ذكر متواليات الميرس - كورونا (MERS Corona Virus) لغالبية الحالات التي جرى عزلها من السعودية، فإن التحليلات تشير إلى أن معدل التطور الجزيئي الجيني يكون عبارة عن [1.48 × 10 إس - 3] التي جرى نشرها أخيرا (كوتين وآخرون 2014). ومن خلالها تبين أن هناك أكثر من 60 متوالية من الجينوم الفيروسي من المملكة (KSA) لها نفس نهج النشوء والتطور النظري والافتراضي وأن معدل التطور يكون بطيئا.. فإن إضافة التسلسل الجيني للفيروس إلى تحليل العينات من السلالات المستخلصة من البشر وتحليلها عبر سلالة الإبل ضمن الحالات المصابة أو المشتبه فيها للمجموعة الوبائية التي جرى عزلها ودراستها مع التسلسل الجيني للفيروس من الإبل المعزولة في مصر، أوضح أنها غير مرتبطة بأي حالات إصابة بشرية معروفة، على عكس التسلسل للفيروس من الهجن المعزولة من قطر. كما أن النسب للمجاميع المنفصلة من العينات التي جرت دراستها أخيرا في مارس (آذار) عام 2014 للحالات المصابة والمبلغ عنها والتي كانت على اتصال مع الإبل، لا تشير وبشكل جازم أو تضيف دليلا على دعم دور الإبل في نقل الميرس - كورونا من عدمه عبر شبه الجزيرة العربية. ومثلا، فإن هناك 94 من الحالات المصابة المؤكدة ليست لها صلة مسجلة بالحالات الأخرى التي قد تكون نتيجة إصابة أولية. وأن سبعا فقط من هذه الحالات ذكر تعرضها للإبل وهي نسبة تعد غير مؤثرة إذا ما قورنت بغيرها.
* إذا كانت الإبل ليست مصدر العدوى وكانت الصلة بالإبل عشوائية، فما مدى احتمال أن نرى سبعا من أصل 94 حالة لها صلة، فهل يكون لها تأثير وبائي أم لا؟
- إن التقارير تشير إلى وجود أكثر من مليون رأس من الإبل في شبه الجزيرة العربية، وإذا ما افترضنا جدلا أن كل واحد من الإبل يقابله واحد من الإنسان فإننا نتوقع أن لكل اثنين في المائة من البشر في المنطقة لديهم إبل. وهذا غير صحيح، ولكننا نستنتج منه أن سبعا من أصل 94 هم تحت التوزيع المحتمل غير المؤثر وغير المرجح في الواقع لإثبات الارتباط والصلة في انتقال العدوى. بالطبع، هناك فرضيات أخرى أكثر إقناعا، ولكن الأدلة قليلة والإثباتات أقل.
حسنا، إننا نتفق معا في أن بعض السكان لهم اتصال مباشر مع الإبل ومن ثم ومن العينات المعزولة منهم اتضح أنهم يحملون الأجسام المضادة لـ«ميرس - كورونا»، لكن العزل الجيني والبروتيني أشار إلى أنها ليست نفس الكورونا. على الرغم مما تسببت فيه من حالات الإصابة منذ ما يقرب من سنتين إلا أن هذا الفيروس بقي مقيدا جغرافيا بشبه الجزيرة العربية إذا ما قورن بغيره. ولا نغفل أن الدليل الواضح على انتقال هذه السلالات هي من إنسان إلى إنسان، ولكن هذه ليست مستدامة ومن المرجح لدي أن الإنسان قام بالفعل بنقلها إلى الإبل وتحورت وأصبح التكرار دوريا ومقيدا ثم حدثت معه قفزات متعددة ذات صلة من الخفافيش إلى الإبل أو العكس بالعكس. وبالنظر إلى نظرية النشوء والتطور الفيروسي، فإن الفيروس قد يكون استوطن شبه الجزيرة العربية واستقر بها لفترة زمنية نتيجة بوابات الحج والعمرة أو نتيجة لبوابات تجارة الحيوانات وتحديدا الإبل، ثم وبشكل ما نتيجة القفزات المتكررة بين السلالات والعوائل المختلفة تشكل وتحور بالشكل الذي معه نتج لنا الميرس الذي نعرفه الآن.

* ازدياد الإصابات
* لماذا لم تكن هناك زيادة في حالات الإصابات البشرية منذ أوائل عام 2012 ثم بدأت الحالات فجأة هذا العام وأدت إلى الهلع؟
- هذا هو السؤال الذي يطرح نفسه ويهمنا معرفة الإجابة عنه، هناك فرص في حدوث حالات العدوى الحيوانية المنشأ والنتيجة في التغيير، هي افتقار المراقبة والتشخيص والتغيير في تعرض البشر للفيروس والعدوى، ومن ثم فمن الممكن أن الحالات المصابة قد يجري لها تشخيص خاطئ على أنها أمراض أخرى ولا يجري التبليغ عنها.
* إذن، كيف يمكن تفسير هذه الحالات البشرية مع عدم وجود التعرض المباشر للحيوانات؟
- هناك عدد من الحالات المسجلة مع عدم التعرض للحيوانات (كالإبل)، هي بالتأكيد تعد جزءا من السلالات التي تنقل من الإنسان إلى الإنسان.

* علاج مؤثر
* هل هناك علاجات ناجحة ومؤثرة؟
- توجد أدوية مضادة للفيروس معتمدة وفعالة. ومع ذلك، فإن وزارة الصحة تعمم العلاج باستخدام الإنترفيرون الذي يعمل مضادا فيروسيا لمعظم حالات العدوى المصابة بفيروسات «آر إن إيه»، كذلك فإن الكثير من الشركات الطبية قد تضع أهدافا الآن لتطوير بعض العقاقير المضادة له. من المهم معرفة أنه من الناحية العلمية فإن عدوى فيروس الكورونا تبدأ بملازمة البروتين (S) الموجود على المغلف الفيروسي، حيث يتصل بالمستقبلات الخاصة على الغشاء الخليوي. وبفعل التغيرات والتحورات المختلفة، فإن هذا البروتين S يؤدي إلى الاندماج كخطوة أولى في الإصابة بالفيروس التاجي. وعندها، فإن عملية تثبيط العدوى يجب أن تجري من هذه المرحلة، وعليه فإن من المفيد أن يجري تطوير علاج يعمل على تثبيط هذا الارتباط ومن ثم منع الاندماج وعدم التمكن من دخول الخلية ومن ثم وأد الإصابة في مراحلها الأولى. لا بد أن نركز على العلاج بتكوين أو إنتاج لقاح ضد الإصابة والانتشار، حيث يمكن التلاعب بإنشاء الفيروس مختبريا كالفيروس الأساسي مع فقدانه القدرة على إحداث العدوى ومن ثم إمكانية إنتاج لقاح.
وربما تظل تساؤلات كثيرة أخرى تطرح نفسها، منها: لماذا خرج هذا الفيروس عن نطاق السيطرة الآن وفي هذا الوقت بالذات؟ ما موقف منظمة الصحة العالمية (WHO) في المراقبة والكشف عن الفيروس في بقية دول العالم؟ لماذا جرى العثور على فيروس «ميرس - كورونا» في الإبل مع بعض الحالات المتصلة بالبشر؟ لعلنا سنتعرف على إجاباتها في عدد قادم.
* لقاحات واعدة ضد «فيروس الشرق الأوسط»
* قالت الدكتورة إلهام قطان إن ما جاء في تصريح البروفسور وين ماراسكو لـ«الشرق الأوسط» يوم الأربعاء الماضي، يوحي بقرب إصدار بعض العقاقير والمثبطات وهي في مرحلة الاختبار لإفراز النشاط المضاد للفيروس.
ولحسن الحظ، فإن هذا اللقاح سيستخدم لفئات شديدة الخطورة من كبار وصغار السن والذين يعانون أمراضا تنفسية أو صدرية مزمنة أو من الذين يعانون أمراض القلب والفشل الكلوي والعاملين بالقطاعات الصحية من ممرضات وأطباء، وقد يكون فعالا أيضا في علاج بعض نزلات البرد التي لا تعرف أسبابها وبعض الالتهابات الرئوية الأخرى.



أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.


«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد
TT

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

يُعدّ مبنى الحياة والعقل الجديد بجامعة أكسفورد Life and Mind Building (LaMB)، الذي افتُتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مثالاً بارزاً على التصميم المبتكر الذي يدمج بين الهندسة المعمارية والاستدامة وعلم الأعصاب.

مبنى بتصميم رمزي

يضمّ هذا المختبر، الذي تبلغ مساحته 269000 قدم مربعة (24991 متراً مربعاً)، وهو الأكبر في الحرم الجامعي، قسمي علم النفس التجريبي وعلم الأحياء، ليُشكّل مركزاً للبحوث المتطورة في علوم الدماغ وعلم الحيوان وعلوم النبات. إلا أن تصميم المبنى يتضمن تفصيلاً خفياً مثيراً للاهتمام: فواجهته، المصنوعة من الخرسانة ذات السطح المتموج، تقدم في الواقع رموزاً لمسح دماغي لإحدى الباحثات من أكسفورد.

لا يقتصر هذا العنصر التصميمي على الجانب الجمالي فحسب، بل يخدم غرضاً رمزياً أعمق. فقد استُمدّ نسيج واجهة المبنى الخارجية من مسح دماغ «سيج بوتشر»، الطالبة في قسم علم النفس التجريبي، وهو المسح الذي أُجري في أثناء تخيّلها لمستقبل مبنى الحياة والعقل. وقد سُجّل نشاط دماغها في لحظة وجيزة، مدتها ثانيتان، ما أسفر عن نمط موجي جيبي فريد نُحت لاحقاً على ألواح حجرية. وتُرمز التموجات في خرسانة المبنى إلى الأفكار الإيجابية، وتُنشئ صلةً مباشرةً بين وظيفة المبنى ومجال علم الأعصاب.

أكّد المهندسون المعماريون في شركة «إن بي بي جيه»، المسؤولة عن تصميم المبنى، على أهمية الاستدامة، فاختاروا مواد متينة كالخرسانة والحجر والمعادن، قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن، وهو أمر بالغ الأهمية لجامعة عمرها قرابة ألف عام.

وكان الهدف هو إنشاء مبنى يُكمّل حرم جامعة أكسفورد التاريخي، مع تقديم تصميم عصري وجذاب بصرياً. ويعكس تضمين واجهة المبنى لصورة مسح الدماغ، إلى جانب المواد المتينة المستخدمة، هذا الالتزام بالخلود.

مختبرات مستدامة

وإلى جانب جاذبيته الجمالية، يُرسي المبنى معياراً جديداً لتصميم المختبرات المستدامة. فالمختبرات عادةً ما تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، مع متطلبات عالية للتحكم في المناخ للحفاظ على ظروف التجارب. ونظراً لأن المختبرات تستهلك ما يصل إلى عشرة أضعاف الطاقة التي يستهلكها مكتب عادي، فقد صُمم المبنى مع مراعاة هذا التحدي.

يتميز المبنى بنظام تغليف محكم الإغلاق يجمع بين ألواح خرسانية وعزل حراري ونوافذ ثلاثية الزجاج وتفاصيل دقيقة لتقليل فقدان الطاقة إلى أدنى حد. كما يساهم استخدام أنظمة تهوية متطورة وألواح شمسية وردهة مركزية لزيادة الإضاءة الطبيعية في خفض استهلاك الطاقة. ونتيجةً لهذه الابتكارات، ينبعث من المبنى نحو 40 في المائة أقل من انبعاثات الكربون مقارنةً بمبنى مختبر تقليدي من الحجم نفسه.

وبشكل عام، يُعدّ مبنى «لايف آند مايند» إنجازاً بارزاً في مجال العمارة المستدامة، إذ يرتقي بمستوى ما يمكن أن تحققه مرافق البحث الجامعية من حيث المسؤولية البيئية والقيمة الجمالية. ولا يقتصر دور «لايف آند مايند» على تلبية احتياجات الباحثين فحسب، بل يرسي أيضاً معياراً رفيعاً لمباني العلوم المستقبلية، سواء في أكسفورد أو على مستوى العالم، في ظل تزايد تركيز الجامعات على الاستدامة في مبانيها الجديدة.