أمير تاج السر: الشعر أكثر سطوة من الرواية في {اعتقال لحظات الربيع العربي}

مغامرة «اشتهاء» تفتح شهية الروائي السوداني لإعادة كتابة أعماله الأولى

أمير تاج السر
أمير تاج السر
TT

أمير تاج السر: الشعر أكثر سطوة من الرواية في {اعتقال لحظات الربيع العربي}

أمير تاج السر
أمير تاج السر

أمير تاج السر طبيب وروائي وشاعر سوداني بدا مشواره بـ«أحزان كبيرة» وهو عنوان أول دواوينه الشعرية ثم خاض غمار الكتابة الروائية فكتب الكثير من الأعمال كان أشهرها «صائد اليرقات» التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية لعام 2011 والتي ترجمت لكثير من اللغات.
وقد تميزت كتاباته بخصوصية المكان الجغرافي وتأثره بنشأته السودانية التي تجمع بين العروبة والطابع الأفريقي. وقد خاض مؤخرا مغامرة جديدة بإصدار رواية «اشتهاء» التي أعاد فيها كتابة أحد أعماله الأدبية الأولى التي كانت تحمل عنوان «صيد الحضرمية». وبهذه المناسبة، أجرينا الحوار التالي معه:

* بداية ما سر العلاقة بين الطب والأدب التي نراها متكررة في كثير من حالات الإبداع العربي؟
- بالتأكيد لا توجد علاقة مباشرة. ودائما ما أقول ردا على هذا السؤال، إن كثيرا من أصحاب المهن يكتبون مثل المهندسين والمحامين والمعلمين، لكن دائما التساؤل يحيط بالأطباء وحدهم، وأكيد لأن الطبيب يحتك بالإنسان أكثر، ويوصف دائما بالوقار. عموما مهنة الطب جيدة للكاتب رغم مشاقها، فهي تزوده بالتجارب اليومية، التي لا بد أن يجد فيها خامات لحكايات قد يكتبها، كما أنها تعلم الصبر، وهو شيء مطلوب بشدة لمن ابتلي بمسألة الكتابة هذه. وشخصيا استفدت كثيرا من مهنتي في اختراع عالمي الذي أكتبه، هناك سير روائية كتبتها من تجارب المهنة، وروايات استوحيت شخصياتها من شخصيات التقيتها في الواقع. تنقل الطبيب من مكان لمكان، أكسبني شيئا من التنوع، في البيئة التي أكتبها.
* بدأت بالشعر قبل أن تنتقل لدراسة الطب لتدخل بعد ذلك إلى عالم الرواية.. ما السبب وراء ذلك؟ هل الرواية هي نهاية المطاف؟
- بدأت بكتابة الشعر بالعامية منذ كنت طفلا، كتبت الأغاني لمطربين في السودان وأنا طالب في الإعدادي والثانوي، ثم تحولت للشعر بالفصحى في منتصف الثمانينات وأنا طالب بمصر. وفي عام 1988 وأنا بالسنة النهائية بالطب في مصر كتبت روايتي الأولى بعنوان: «كرمكول»، ونشرتها عند الراحل الشاعر كمال عبد الحليم، الذي كان يدير دار نشر «الغد»، وكانت دار نشر صغيرة لكنها مميزة، وقد انتشرت الرواية بسرعة وأصبح لها أصداء طيبة، وأظن أنها كانت الحافز لأن أحاول الكتابة فيما بعد، على الرغم من أنني انقطعت زمنا طويلا بسبب عودتي للسودان وانشغالي في العمل الطبي. وحين عدت للكتابة بعد ذلك، عدت برواية جديدة اسمها «سماء بلون الياقوت» وكان ذلك عام 1996، بعد أن استقر بي المقام في الدوحة، ونشرتها في دار «أزمنة» بالأردن. ثم انطلقت التجربة بعد ذلك لإتمام مشروعي المعروف الذي عملت فيه سنين طويلة، أما بخصوص أن الرواية هي نهاية المطاف بالنسبة لي أم لا، فهي بكل تأكيد نهاية المطاف، فلا يوجد مجال لمغامرة جديدة في أي إبداع، أنا عملت على الرواية وأصبح لي صوتي الخاص فيها، كما أصبح لي قراء كثيرون وبلغات كثيرة، لكني ما زلت أكتب الشعر داخل النصوص الروائية، وحين تقتضي الضرورة أن أفعل ذلك.
* هل يمكن أن نقول إن البعد المكاني لعب دورا في كتاباتك وفى تميزها وانتشارها؟
- تقصدين خصوصية المكان الجغرافي؟، نعم بكل تأكيد، فأنا رغم تنقلي لبلاد كثيرة، وحياتي في منطقة الخليج العربي لسنوات طويلة، هي سنوات النضج العمري والمعرفي، ما زلت أكتب عن البيئة السودانية، أي بيئتي التي ولدت فيها ونشأت فيها، وخبرتها جيدا. أعتقد أن السودان بتنوعه من ناحية الأعراق واللهجات، وكونه أفريقيا وعربيا في نفس الوقت، يمنح خامات جيدة للكتابة، كما أن المخزون الذي يلتقطه الكاتب من بيئته ويحتفظ به لاستدعائه عند الكتابة، في العادة يكون مخزونا كبيرا، ولا ينضب سريعا. بالتأكيد أستطيع أن أكتب عن مصر، وعن البيئة الخليجية، فقط لم يحن الوقت أو لم تأت فكرة جامحة تدفعني للكتابة دفعا، وأتمنى فعلا أن أكتب شيئا من ذلك.
* بمعنى آخر، هل يمكن القول إن الوضع السياسي المتأزم بالسودان قد أكسب أعمالك طابعا خاصا؟
- السياسة ليست هما كبيرا بالنسبة لي، أنا أكتب عن الإنسان في شتى حالاته، والمعاناة جزء من تلك الحالات، سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية. وإن كان ثمة نقد سياسي فلا أكتبه مباشرة، بحيث يكون جارحا وإنما أوحي إليه، السودان بلد متأزم منذ عرفناه وطنا واعتدنا على أزماته، لكننا نتفاعل مع تلك الأحزان التي نراها أحزانا كبرى مثل مسألة الانفصال إلى سودانين، وغيرها، وهكذا تأتي الرواية عندي حاملة لهم الإنسان وهم البيئة التي يعيش فيها. وأنا حقيقة أنحاز في كتاباتي بشدة للإنسان الطرفي والهامشي، ولذلك تجدين أحداث رواياتي دائما ما تدور في الأحياء الخلفية الشعبية، حاملا تطلعات وأحلاما معظمها مجهضة، ويتضح ذلك كثيرا في روايات مثل: «تعاطف»، و«العطر الفرنسي»، و«صائد اليرقات»، وغيرها، وحتى الروايات التاريخية التي كتبتها، كانت تهتم بمثل هذا الإنسان الهامشي، مثل: «مهر الصياح» و«رعشات الجنوب».
* إلى أي حد ألهم الربيع العربي الكتاب؟ هل هناك برأيك أعمال شعرية أو أدبية ارتقت فنيا لمستوى هذا الحدث؟
- الربيع العربي بلا شك، وبما أحدثه من انقلاب في موازين العمل السياسي، يعد من الأحداث الكبرى، أو التغيرات الكبرى التي لا بد أن تأتي بمبدعيها الذين يولدون بعدها، وهؤلاء أقدر على الكتابة من الأجيال التي عاشت تحت ظل الديكتاتوريات. هذا الموضوع سيستغرق زمنا طويلا، لكن قطعا سيكون ناضجا.
إنه حتما سيلقي بظلاله على الإبداع. لكني أرى أن ثمة تعجلا حدث، فما زالت نتائج الثورات غير واضحة، لذلك أعتقد أن التأني في كتابتها أفضل، كما أن الاعتقاد بأن كل من شارك في المظاهرات أو الإطاحة بتلك الأنظمة الديكتاتورية، قادر على الكتابة، خطأ كبير، وقد يؤدي لكتابة لا ترقى لمستوى الإبداع. حقيقة قرأت القليل من نتاج ما بعد الربيع العربي، خصوصا في الشعر، وكان جيدا إلى حد ما في معظمه، لكن بالنسبة للرواية، ليس كثيرا وربما بسبب أن الشعر أكثر سطوة في اعتقال اللحظات السريعة.
* فيم تختلف «صائد اليرقات» عن شقيقاتها؟ لماذا كانت الأوفر حظا منهن، فترجمت للغات كثيرة؟
- «صائد اليرقات» لا تختلف عن باقي الأعمال من ناحية الأسلوب لأن الكاتب واحد، هي فكرة مختلفة عن أي عمل آخر لي، وكل عمل يحمل فكرته، فقط كانت محظوظة لأنها دخلت في جائزة لها اهتمام إعلامي. وحقيقة لدي أعمال كثيرة أكثر أهمية مثل «مهر الصياح» وتوترات القبطي»، و«366»، و«رعشات الجنوب». لكن القارئ يحب الأعمال التي تسلط عليها الأضواء. عموما كانت فكرة «صائد اليرقات» جيدة، وكتابتها مرضية بالنسبة لي، وأذكر أنني كنت مستمتعا بكتابتها، أما ترجمة أي كتاب للغات عدة فيعتمد على رأي المترجم ودار النشر التي ستتولى إصداره وليس شرطا أن يكون كتابا مثيرا للاهتمام، كما أن هناك دائما طرقا خلفية تسلك من أجل ترجمة الكتب للغات أخرى.
* وماذا عن الجوائز.. عربيا على الأقل؟
- وجود الجوائز ظاهرة حميدة، وليست سيئة، ولو جرى العمل عليها بإخلاص ونزاهة بحيث تمنح لمن يستحق، سترتقي الكتابة قطعا وسيصل الأدب العربي إلى مستوى الاحترام مثل الآداب الأخرى، أنا من المشجعين على تعدد هذه الجوائز مع ضرورة أن تكون ذات مصداقية، وعملت محكما في بعضها وكانت تجربة جيدة، أما اختلاف مناخ الإبداع في بلادنا عن الغرب، فهذا طبيعي لأن الغرب يفوقنا في كل شيء منذ عهد، الآن لا بأس بمناخ الإبداع عندنا وأعتقد أن المستقبل أفضل للكتاب الجدد.
* لجوؤك لكتابة القصائد داخل بعض كتاباتك.. هل يكشف حنينا مستترا للشعر؟
- أبدا، ولكن لأن النص يقتضي ذلك، فلا يمكن أن أكتب عن مغن مثل أحمد ذهب في رواية «زحف النمل» ولا أكتب أغنياته، كما أن بعض اللقطات التراثية، كان يجب ترسيخها بالشعر، في روايات مثل «مهر الصياح» و« توترات القبطي» و«اشتهاء».
* من واقع إقامتك بمنطقة الخليج ما تقييمك لحركة الإبداع الروائي والشعري في بلدانها؟
- جيدة ومتقدمة ولا تقل عن مثيلاتها في البلاد العربية الأخرى. الآن يوجد مبدعون خليجيون معروفون ومتميزون، والأسماء كثيرة بلا شك.
* هل توافق على تصنيفك أدبيا ضمن الواقعية السحرية أم أنك تضع أعمالك في تصنيف آخر مختلف؟
- لا أعرف، أنا أكتب واقعا يأخذ من الأسطورة، ويبني واقعا موازيا، ولذلك يصنفونني من كتاب الواقعية السحرية، لكن قطعا تختلف عن الواقعية السحرية اللاتينية لأن لي طريقتي الخاصة في الكتابة.
* ما جديدك؟
- نشرت مؤخرا رواية هي «اشتهاء» عن دار «الساقي»، وهي مغامرة إعادة كتابة لرواية من بداياتي اسمها «صيد الحضرمية»، وأعتقد أن التجربة نجحت إلى حد ما، وربما أعيد كتابة عمل آخر من البدايات.



ثلاث قصائد

ثلاث قصائد
TT

ثلاث قصائد

ثلاث قصائد

دعاء

أعدني للكتاب

لاخضرار يدي

كلما لامست ورقة.

أعدني إلى الراقدين على الرفِ

علّي أتشربُ شيئا

من مدادٍ يسيلُ

حين يزحف ضوءُ

أو يبرق رعدُ.

أعدني لعيني

تسفح الضوءَ فوق الحروف

على المتنِ والهامشِ

أعدني لتلك السلاسل،

طينيةً، رمليةً، صخريةً،

ولا تغلق الحرفَ دوني.

أعدني لمكتبة النهرِ

أقرأ أسماءَ موتاهُ

مفروشة على الماء مثل النجوم،

لمكتبةِ الطيرِ

أقرأ ما حمل الريشُ

قدني إلى مدخل البرجِ

أبسطْ يديّ،

أعنْ قدميّ

لأصعد للبرجٍ حيث كتاب أبي...

 

أمام النهر

قلت: أمضي إلى النهرِ

علّيَ أنسى

شبح البيت، يطرق كل مساء

على الصدرِ...

علّ القواربَ تأخذني

إلى آخر النهرِ

حيث السماء

تتلألأ فوق المياه،

لذاك الضياءِ،

موسيقاه تعزف فوق الضفاف.

قمر جديد

سيهبط فوق الشجر

ويولد ليل جديد.

أتوحد والماءَ،

يصعد نحو السماء

قطرةً...قطرةً.....القوارب تمضي بدوني،

ربما إلى البحرِ،

وأنا أرقب النهرَ...

كان نهراً غريبا.

 

كأني بيت قديم

كأنّيَ بيتٌ قديم

أرمّم أحجارهُ

حجراً... حجراً

كلما مرّت الريحُ بين أركانهِ

وأسدّ الثقوب

ثم تنضح ماء

كلما استدرتُ

سئمتُ

-لا أبا لك-

وأنا أراني

أبدّل عضواً فعضوا

والذين أحبّ مضوا

كلٌ لبيت غريبِ

وقد كنتُ - أذكرُ- بيتاً

كلما بهمُ ضاق يتسعُ

ثمّ أني تعبتُ

من الحلمِ أن أبصر الحلمَ يوماً

ماشياً في الشوارعِ،

وهو يختالُ مرتدياً ثيابي،

يتقافز فوق النوافذ،

ناضحاً ما يشاء

من اللون فوق الرؤوس

فتقوم المدينة

من النوم بيضاء ما مسها ضررُ.

ثمّ أنيَ مني تعبتُ

ومن شبحي

وأنا أنتظر

وقت غارته الأبدية

عند منتصف الليلِ...

كلّ ليلِ.


على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
TT

على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)

شهد مسرح مكتبة قطر الوطنية تأويلات موسيقية لرواية «مائة عام من العزلة»، إحدى روائع الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، وذلك ضمن فعالية «حديث الكتاب».

الحفل الموسيقي شاركت فيه الفنانة الكولومبية، أوريانا دا مارته، التي استكشفت العلاقة بين الموسيقى والسرد القصصي من منظور رواية «مائة عام من العزلة»، بالتعاون مع سفارة كولومبيا في الدوحة، وحملت الأمسية عنوان «أصوات ماكوندو: تأويلات موسيقية لرواية (مائة عام من العزلة)»، بما يعكس التزام المكتبة بمد جسور الحوار الثقافي بين الأمم، وإبراز ثراء التراث العالمي وتنوعه.

وقدَّمت الجلسة لعشاق الأدب ومتذوقي الموسيقى منظوراً فنياً جديداً لرواية تُعَد من أهم الأعمال الأدبية وأكثرها تأثيراً في أميركا اللاتينية، حيث استلهمت أوريانا من ألبومها الموسيقي الفائز بجوائز «رحلة إلى ماكوندو» مقطوعات موسيقية أصلية بعثت روحاً جديدة في أفكار ومعاني الرواية، بما تحمله من ذاكرة وخيال وملامح من تجربة أميركا اللاتينية.

واصطحبت الفنانة الكولومبية جمهورها لتحلق بهم في أجواء بلدة «ماكوندو»، في تجسيد لروح الواقعية السحرية في أعمال ماركيز، وذلك عبر توليفة فريدة جمعت بين أصالة النقاش الأدبي والعزف الموسيقي الحي.

وفي هذا السياق، أكدت هيا عبدالله الشيب، اختصاصي أول برامج الكبار في مكتبة قطر الوطنية، أن تنظيم هذه الفعالية الثقافية يعكس الحرص على تجاوز الآفاق التقليدية للقراءة؛ إذ إنه بفضل المزج بين أدب غابرييل غارسيا ماركيز وإبداعات أوريانا دا مارته الموسيقية، حظي رواد الجلسة بفرصة استثنائية للتحاور مع التراث الأدبي العالمي، والاحتفاء بالتقاليد الفنية الغنية والعريقة لجمهورية كولومبيا.

من جانبه، أكد السيد كاميلو فيزكايا السكرتير الأول القائم بالأعمال في سفارة جمهورية كولومبيا لدى الدولة، أن كولومبيا وقطر تحرصان على تعميق أواصر الصداقة بينهما من خلال المبادرات والفعاليات الثقافية، وأنه على الرغم من تباعد المسافات الجغرافية بين البلدين، فإن مشاعر المودة والاحترام المتبادل تجمع بينهما؛ ما ينسج خيوطاً لصداقة متينة وعرى وثيقة لا تنفصم، فضلاً عن التقدير المشترك للتراث والإبداع والتبادل الثقافي.

وأوضح أن مثل هذه الفعاليات تقدم فرصة سانحة لتوطيد هذه الروابط، والاحتفاء بالقيم الإنسانية الغنية التي تجمع بين شعبي البلدين، عبر لغة الفن المشتركة.


«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
TT

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية على أوديسة هوميروس وآخرها فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة 2026»، أو لم يقرأه في أي فصل من فصولها، أو مع مثل ما يقع عليه بصره في الفصل الخامس والعشرين على سبيل المثال: «قررتُ أن أجعله يذوق طعم الانتظار؛ أما أنا فقد انتظرت انتظاراً طويلاً بما فيه الكفاية. وأيضاً لأنني أحتاج بعض الوقت كي أخفي مشاعري الحقيقية التي أثارها الشنق المحزن لخادماتي الشابات الاثنتي عشرة... لذا لما دلفت إلى القاعة ولمحته جالساً هناك، لم أنبس بكلمة. ولم يفوّت تيليماخوس الفرصة لتوبيخي لأنني لم أكترث لاستقبال أبيه بدفءٍ كاف... الأب والابن يتَّحدان ضدي... ديكان يسيطران على حظيرة دجاج».

مذبحة الخُطّاب والخادمات

تلك كانت بينيلوبي، دون أي شكل من أشكال التوسط السردي بينها والقارئ، تحكي عن مجيئها إلى القاعة بعد أن أيقظتها الخادمة العجوز يوريكليا، لتخبرها أن المتسول العجوز ذا الملبس البالي هو أوديسيوس، وأنه قضى على الخُطّاب كلهم، ولم يكتف بذلك؛ بل أمر تليماخوس بقتل خادماتها الاثنتي عشرة وأولهن المفضلة ميلانثو ذات الخدود الجميلة، وأنهما، الأب وابنه، ينتظرانها في القاعة بعد أن نظفتها الخادمات وأزلْنَ منها الجثث والدماء قبل أن يعلق تليماخوس أعناقهن بحبل المشنقة.

لكن ما لا تعرفه يوريكليا، ويتفوق عليها القارئ بمعرفته فيما يشكل مفارقة درامية (dramatic irony)، هو أن نظرات بينيلوبي انسربت خلال نسيج أسمال المتسول العجوز لتكتشف حقيقته وهويته. لكنها فضلت التظاهر بأنها لم تتعرف عليه: «حالما رأيت ذلك الصدر الذي كالبرميل، وتلك الساقين القصيرتين، راودني شك عميق، سرعان ما تحول إلى يقين عندما سمعت أنه كسر عنق متسوّلٍ عدواني... وأخفيت أنني عرفت مخافة أن يشكل اعترافي خطراً عليه». تخفي بينيلوبي الحقيقة عن أوديسيوس؛ لأنها لم ترد حرمانه من فرصة للافتخار بقدرته ومهارته على التنكر. فمن الحماقة دائماً، تقول: «أن تقف... امرأة بين رجلٍ وانعكاس ذكائه». ومن المؤكد أن يدرك القارئ أن بينيلوبي تتساوى مع زوجها وابنها في السيطرة على المشهد المسرود في الاقتباس في بداية المقالة. فإذا كان الأب والابن مسيطرين في الموقف الذي استرجعته من ذاكرتها من العالم التخييلي في «الأوديسة»، فإنها، وعلى النقيض منهما، تمسك بزمام الهيمنة على مستوى الخطاب لكونها الساردة والمبئرة في «البينيلوبياد»، أو بتعبير آخر، السارد الأول، ومن منظورها يرى ويسمع ويلمس القارئ كل الأحداث والأشياء والشخصيات الأخرى. وفي المشهد السابق، يظهر الأب وابنه صامتين؛ لأنها لم تمنحهما فرصة للكلام، حتى ولو عبَرها بوصفها وسيطاً. إنها تقدم تمثيلاً/صورة لهما، وهما مجردان من القدرة على تمثيل نفسيهما. وليس لديهما وسيلة لدفع تهمة اتحادهما ضدها. لقد فرضت عليهما حالة الخرس. وهذا ما يجعل تمثيلها لهما عرضة للشك في موثوقيته؛ إذ لا يتضمن المشهد ما يوحي باتحادهما أو تآمرهما عليها سوى وقوفهما بجانب بعض ينتظران قدومها لتشاهد المكان وقد خلا من الخُطّاب.

مارغريت أتوود

صوت الخادمات المقتولات

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية؛ الصوت الذي حُرِمْنَ منه عبر التاريخ في كل الحكايات التي نُسِجت وتمحورت حول أوديسيوس، الشفاهية منها والمكتوبة والمرئية والمسموعة، بيد أنه الصوت الواحد المعبر عن الكل، صوت الجوقة المستعار من المسرح الإغريقي. فالخطاب السردي في الرواية يتشكل من حكاية/مونولوغ بينيلوبي، ومن حكاية الخادمات مروية من وجهة نظرهن. تقول أتوود في تقديمها للرواية: «اخترت أن أُسند حكي القصة إلى بينيلوبي وإلى الخادمات الاثنتي عشرة اللاتي شُنِقن. وتشكل الخادمات جوقةً تُنشد وتغني، وتتمحور حول سؤالين لا بد أن يطرحا نفسيهما بعد أي قراءة متأنية لـ(الأوديسة): ما الذي أدى إلى شنق الخادمات؟ وما الذي كانت بينيلوبي تفعله حقاً؟ إن القصة كما رُويت في (الأوديسة) لا تبدو مقنعة؛ فهناك الكثير من التناقضات. لطالما ظلّت الخادمات المشنوقات يطاردْنَ مخيلتي؛ وفي «البينيلوبياد» تطارد بينيلوبي نفسها أيضاً».

الجوقة صوت يأتي من الهامش، ومن وظائفه تعرية التمييز الطبقي في عالم الأوديسة التخييلي، وفي عالم البينيلوبياد أيضاً؛ فالسبب الأول لقتلهن شنقاً هو نزعة بينيلوبي المكافيللية، فهن في نظرها لسْنَ سوى خادمات مستَعْبَدات تستغلهن وتستخدمهن في تحقيق غاياتها، بغض النظر عما قد يتعرضن له من ضرر وأذى. فمن أجل معرفة ما يدور بين الخُطَّاب وما يخططون له، تعترف بينيلوبي وهي تروي حكايتها من العالم السفلي بعد موتها بأنها شجعت خادماتها على الاختلاط بالخُطّاب، والتقرب منهم، والتودد إليهم ومغازلتهم: «لا بأس»، قلتُ لهن: «عليكن التظاهر بالوقوع في حب هؤلاء الرجال. فإذا ظنّوا أنكن قد انضممتن إلى صفّهم، فسوف يبوحون بأسرارهم، وسنعرف خططهم. إنها إحدى الطرق لخدمة سيِّدكن، سيكون مسروراً جداً منكن عندما يعود...».

المفارقة أن سيدهن العائد لم يُسَر بفعلهن، بل ساءه وأغضبه ما سمع عنهن، لذلك لم يتردد لحظة في التخلص منهن بالقتل، مساوياً بذلك بين من اغْتُصبن ومن وقعن في غرام بعض الخُطّاب فَأَسْلمْنَ أجسادهن إليهم. واللافت أنهن لم يقتلن بسبب الاغتصاب أو نومهن طواعية مع الخُطّاب، إنما لأنهن لم يستأذِنَّ من أوديسيوس نفسه. فوفقاً لقانون زيوس أو قانون زينيا (Xenia Law)، من طقوس الضيافة الترفيه عن الضيف، ومن أنواع الترفيه نوم الضيف مع إحدى الخادمات، خاصة في القصور والبيوت الكبيرة شرط موافقة المضيف. وهذا ما لم يحدث في حالة نوم الخادمات مع الخُطّاب الذين كانوا يعدون ضيوفاً رغم انتهاكهم آداب الضيافة وواجب احترام المضيف حتى في غيابه.

غلاف البينيلوبياد

باروديا ما بعد حداثية

«البينيلوبياد» إعادة كتابة نقدية مضادة لـ«الأوديسة»، باروديا (محاكاة) ما بعد حداثية معاصرة. تقلب فيها مارغريت أتوود نص هوميروس رأساً على عقب، تفككه وتعيد بناءه، مستعينة بمصادر أخرى للحكايات والأساطير اليونانية مثل كتاب «الأساطير الإغريقية» لــــــروبرت غريفز.

يتكئ مشروع أتوود، بشكل رئيس، على خلق بينيلوبي من جديد، عبر إحداث تغيير في بنية شخصيتها؛ وكذلك على إزاحة أوديسيوس من مركز المتن إلى الهامش، وموضعة بينيلوبي في المركز ساردة ومبئرة تحكي الحكاية من وجهة نظرها. إن بينيلوبي أتوود «الما بعد حداثية» ليست بينيلوبي هوميروس، فلم تعد بينيلوبي التي تمثل قيم الوفاء والإخلاص والصبر فقط. إنها بينيلوبي التي تضيق ذرعاً بقيود المرأة المثال والنموذج. وترفض صورتها المثالية، تلك العصا عابرة الأزمنة والأمكنة، التي تُضْربُ بها النساء لكي يقتدين بها. تقول متسائلة: «وماذا أصبحتُ بعدما ترسّخت النسخة الرسمية؟ أسطورةً وعظية. وعصاً تُستخدم لضرب النساء الأخريات. لماذا لم يكن بوسعهن أن يكنّ على القدر نفسه من المراعاة، والجدارة بالثقة، والقدرة على تحمّل كل شيء، كما كنتُ أنا؟».

بينيلوبي أتودد لا تتردد عن الكذب والخداع، وإظهار خلاف ما تبطن، ميكافيللية، تحقد على ابنة عمها هيلين وتغار منها. ولا تتورع، باعترافها، عن مغازلة بعض الخُطّاب، وتبادل الرسائل معهم، لغاية اتقاء شرهم، كما تقول، أو للحصول على الهدايا منهم تعويضاً عما يستهلكونه من أكل وشراب في قصر أوديسيوس كما تدعي. بعدما تتحرر من قالب الصورة المثالية، تصبح بينيلوبي على شبه كبير بأوديسيوس الذي تصفه بالكذاب والمحتال. وتمضي أتودد في تقويضها لنص هوميروس عبر احتجاج الجوقة ضد إعدامهن ظلماً وعدواناً، وتقويضهن حكاية بينيلوبي بمقاطعتها والتعليق عليها، وفضح أسرار بينيلوبي، وتسليط الضوء على ظاهرة الكيل بمكيالين في الأساطير البطولية الذكورية، بالإضافة إلى اتهام أوديسيوس بالنفاق والقسوة. بهذا تُشكل تدخلات الجوقة حكايةً مضادةً لـ«الأوديسة» ولحكاية بينيلوبي معاً.

الإزاحة في بناء شخصية بينيلوبي

يسبق إزاحة أوديسيوس من المركز إلى الهامش، حدوثُ انزياح في بناء شخصية بينيلوبي، عبر انزياحات الأبعاد الثلاثة لشخصيتها. كل شخصية تخييلية تتألف من ثلاثة أبعاد حسب عالم السرد البلاغي جيمس فيلان في كتابه «قراءة الناس، قراءة الحبكات، 1989»: البعد المحاكاتي (mimetic dimension) يعني الشخصية بوصفها صورة لشخص محتمل الوجود؛ البعد الموضوعاتي ( thematic dimension) تمثيل الشخصية لأفكار وقيم ومعتقدات معينة؛ البعد التأليفي/التركيبي (synthetic dimension ) يعني الشخصية بوصفها عنصراً مصنوعاً داخل بنية النص. ترتبط الأبعاد الثلاثة بحالة انسجام داخل الشخصية، مع تفاوت المساحة التي يشغلها كل بعدٍ من جنس أو نص سردي إلى آخر. في «الأوديسة» مثلاً يطغى البعد الموضوعاتي في شخصية بينيلوبي على البعدين المحاكاتي والتركيبي، بينما يتراجع أمام «المحاكاتي» في «البينيلوبياد» حيث تظهر بينيلوبي صورةً لشخص محتمل. ويكون التركيبي البُعد الأكثر بروزاً في الميتاتخييل / الميتاقص.

* كاتب وناقد سعودي

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية