أمير تاج السر: الشعر أكثر سطوة من الرواية في {اعتقال لحظات الربيع العربي}

مغامرة «اشتهاء» تفتح شهية الروائي السوداني لإعادة كتابة أعماله الأولى

أمير تاج السر
أمير تاج السر
TT

أمير تاج السر: الشعر أكثر سطوة من الرواية في {اعتقال لحظات الربيع العربي}

أمير تاج السر
أمير تاج السر

أمير تاج السر طبيب وروائي وشاعر سوداني بدا مشواره بـ«أحزان كبيرة» وهو عنوان أول دواوينه الشعرية ثم خاض غمار الكتابة الروائية فكتب الكثير من الأعمال كان أشهرها «صائد اليرقات» التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية لعام 2011 والتي ترجمت لكثير من اللغات.
وقد تميزت كتاباته بخصوصية المكان الجغرافي وتأثره بنشأته السودانية التي تجمع بين العروبة والطابع الأفريقي. وقد خاض مؤخرا مغامرة جديدة بإصدار رواية «اشتهاء» التي أعاد فيها كتابة أحد أعماله الأدبية الأولى التي كانت تحمل عنوان «صيد الحضرمية». وبهذه المناسبة، أجرينا الحوار التالي معه:

* بداية ما سر العلاقة بين الطب والأدب التي نراها متكررة في كثير من حالات الإبداع العربي؟
- بالتأكيد لا توجد علاقة مباشرة. ودائما ما أقول ردا على هذا السؤال، إن كثيرا من أصحاب المهن يكتبون مثل المهندسين والمحامين والمعلمين، لكن دائما التساؤل يحيط بالأطباء وحدهم، وأكيد لأن الطبيب يحتك بالإنسان أكثر، ويوصف دائما بالوقار. عموما مهنة الطب جيدة للكاتب رغم مشاقها، فهي تزوده بالتجارب اليومية، التي لا بد أن يجد فيها خامات لحكايات قد يكتبها، كما أنها تعلم الصبر، وهو شيء مطلوب بشدة لمن ابتلي بمسألة الكتابة هذه. وشخصيا استفدت كثيرا من مهنتي في اختراع عالمي الذي أكتبه، هناك سير روائية كتبتها من تجارب المهنة، وروايات استوحيت شخصياتها من شخصيات التقيتها في الواقع. تنقل الطبيب من مكان لمكان، أكسبني شيئا من التنوع، في البيئة التي أكتبها.
* بدأت بالشعر قبل أن تنتقل لدراسة الطب لتدخل بعد ذلك إلى عالم الرواية.. ما السبب وراء ذلك؟ هل الرواية هي نهاية المطاف؟
- بدأت بكتابة الشعر بالعامية منذ كنت طفلا، كتبت الأغاني لمطربين في السودان وأنا طالب في الإعدادي والثانوي، ثم تحولت للشعر بالفصحى في منتصف الثمانينات وأنا طالب بمصر. وفي عام 1988 وأنا بالسنة النهائية بالطب في مصر كتبت روايتي الأولى بعنوان: «كرمكول»، ونشرتها عند الراحل الشاعر كمال عبد الحليم، الذي كان يدير دار نشر «الغد»، وكانت دار نشر صغيرة لكنها مميزة، وقد انتشرت الرواية بسرعة وأصبح لها أصداء طيبة، وأظن أنها كانت الحافز لأن أحاول الكتابة فيما بعد، على الرغم من أنني انقطعت زمنا طويلا بسبب عودتي للسودان وانشغالي في العمل الطبي. وحين عدت للكتابة بعد ذلك، عدت برواية جديدة اسمها «سماء بلون الياقوت» وكان ذلك عام 1996، بعد أن استقر بي المقام في الدوحة، ونشرتها في دار «أزمنة» بالأردن. ثم انطلقت التجربة بعد ذلك لإتمام مشروعي المعروف الذي عملت فيه سنين طويلة، أما بخصوص أن الرواية هي نهاية المطاف بالنسبة لي أم لا، فهي بكل تأكيد نهاية المطاف، فلا يوجد مجال لمغامرة جديدة في أي إبداع، أنا عملت على الرواية وأصبح لي صوتي الخاص فيها، كما أصبح لي قراء كثيرون وبلغات كثيرة، لكني ما زلت أكتب الشعر داخل النصوص الروائية، وحين تقتضي الضرورة أن أفعل ذلك.
* هل يمكن أن نقول إن البعد المكاني لعب دورا في كتاباتك وفى تميزها وانتشارها؟
- تقصدين خصوصية المكان الجغرافي؟، نعم بكل تأكيد، فأنا رغم تنقلي لبلاد كثيرة، وحياتي في منطقة الخليج العربي لسنوات طويلة، هي سنوات النضج العمري والمعرفي، ما زلت أكتب عن البيئة السودانية، أي بيئتي التي ولدت فيها ونشأت فيها، وخبرتها جيدا. أعتقد أن السودان بتنوعه من ناحية الأعراق واللهجات، وكونه أفريقيا وعربيا في نفس الوقت، يمنح خامات جيدة للكتابة، كما أن المخزون الذي يلتقطه الكاتب من بيئته ويحتفظ به لاستدعائه عند الكتابة، في العادة يكون مخزونا كبيرا، ولا ينضب سريعا. بالتأكيد أستطيع أن أكتب عن مصر، وعن البيئة الخليجية، فقط لم يحن الوقت أو لم تأت فكرة جامحة تدفعني للكتابة دفعا، وأتمنى فعلا أن أكتب شيئا من ذلك.
* بمعنى آخر، هل يمكن القول إن الوضع السياسي المتأزم بالسودان قد أكسب أعمالك طابعا خاصا؟
- السياسة ليست هما كبيرا بالنسبة لي، أنا أكتب عن الإنسان في شتى حالاته، والمعاناة جزء من تلك الحالات، سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية. وإن كان ثمة نقد سياسي فلا أكتبه مباشرة، بحيث يكون جارحا وإنما أوحي إليه، السودان بلد متأزم منذ عرفناه وطنا واعتدنا على أزماته، لكننا نتفاعل مع تلك الأحزان التي نراها أحزانا كبرى مثل مسألة الانفصال إلى سودانين، وغيرها، وهكذا تأتي الرواية عندي حاملة لهم الإنسان وهم البيئة التي يعيش فيها. وأنا حقيقة أنحاز في كتاباتي بشدة للإنسان الطرفي والهامشي، ولذلك تجدين أحداث رواياتي دائما ما تدور في الأحياء الخلفية الشعبية، حاملا تطلعات وأحلاما معظمها مجهضة، ويتضح ذلك كثيرا في روايات مثل: «تعاطف»، و«العطر الفرنسي»، و«صائد اليرقات»، وغيرها، وحتى الروايات التاريخية التي كتبتها، كانت تهتم بمثل هذا الإنسان الهامشي، مثل: «مهر الصياح» و«رعشات الجنوب».
* إلى أي حد ألهم الربيع العربي الكتاب؟ هل هناك برأيك أعمال شعرية أو أدبية ارتقت فنيا لمستوى هذا الحدث؟
- الربيع العربي بلا شك، وبما أحدثه من انقلاب في موازين العمل السياسي، يعد من الأحداث الكبرى، أو التغيرات الكبرى التي لا بد أن تأتي بمبدعيها الذين يولدون بعدها، وهؤلاء أقدر على الكتابة من الأجيال التي عاشت تحت ظل الديكتاتوريات. هذا الموضوع سيستغرق زمنا طويلا، لكن قطعا سيكون ناضجا.
إنه حتما سيلقي بظلاله على الإبداع. لكني أرى أن ثمة تعجلا حدث، فما زالت نتائج الثورات غير واضحة، لذلك أعتقد أن التأني في كتابتها أفضل، كما أن الاعتقاد بأن كل من شارك في المظاهرات أو الإطاحة بتلك الأنظمة الديكتاتورية، قادر على الكتابة، خطأ كبير، وقد يؤدي لكتابة لا ترقى لمستوى الإبداع. حقيقة قرأت القليل من نتاج ما بعد الربيع العربي، خصوصا في الشعر، وكان جيدا إلى حد ما في معظمه، لكن بالنسبة للرواية، ليس كثيرا وربما بسبب أن الشعر أكثر سطوة في اعتقال اللحظات السريعة.
* فيم تختلف «صائد اليرقات» عن شقيقاتها؟ لماذا كانت الأوفر حظا منهن، فترجمت للغات كثيرة؟
- «صائد اليرقات» لا تختلف عن باقي الأعمال من ناحية الأسلوب لأن الكاتب واحد، هي فكرة مختلفة عن أي عمل آخر لي، وكل عمل يحمل فكرته، فقط كانت محظوظة لأنها دخلت في جائزة لها اهتمام إعلامي. وحقيقة لدي أعمال كثيرة أكثر أهمية مثل «مهر الصياح» وتوترات القبطي»، و«366»، و«رعشات الجنوب». لكن القارئ يحب الأعمال التي تسلط عليها الأضواء. عموما كانت فكرة «صائد اليرقات» جيدة، وكتابتها مرضية بالنسبة لي، وأذكر أنني كنت مستمتعا بكتابتها، أما ترجمة أي كتاب للغات عدة فيعتمد على رأي المترجم ودار النشر التي ستتولى إصداره وليس شرطا أن يكون كتابا مثيرا للاهتمام، كما أن هناك دائما طرقا خلفية تسلك من أجل ترجمة الكتب للغات أخرى.
* وماذا عن الجوائز.. عربيا على الأقل؟
- وجود الجوائز ظاهرة حميدة، وليست سيئة، ولو جرى العمل عليها بإخلاص ونزاهة بحيث تمنح لمن يستحق، سترتقي الكتابة قطعا وسيصل الأدب العربي إلى مستوى الاحترام مثل الآداب الأخرى، أنا من المشجعين على تعدد هذه الجوائز مع ضرورة أن تكون ذات مصداقية، وعملت محكما في بعضها وكانت تجربة جيدة، أما اختلاف مناخ الإبداع في بلادنا عن الغرب، فهذا طبيعي لأن الغرب يفوقنا في كل شيء منذ عهد، الآن لا بأس بمناخ الإبداع عندنا وأعتقد أن المستقبل أفضل للكتاب الجدد.
* لجوؤك لكتابة القصائد داخل بعض كتاباتك.. هل يكشف حنينا مستترا للشعر؟
- أبدا، ولكن لأن النص يقتضي ذلك، فلا يمكن أن أكتب عن مغن مثل أحمد ذهب في رواية «زحف النمل» ولا أكتب أغنياته، كما أن بعض اللقطات التراثية، كان يجب ترسيخها بالشعر، في روايات مثل «مهر الصياح» و« توترات القبطي» و«اشتهاء».
* من واقع إقامتك بمنطقة الخليج ما تقييمك لحركة الإبداع الروائي والشعري في بلدانها؟
- جيدة ومتقدمة ولا تقل عن مثيلاتها في البلاد العربية الأخرى. الآن يوجد مبدعون خليجيون معروفون ومتميزون، والأسماء كثيرة بلا شك.
* هل توافق على تصنيفك أدبيا ضمن الواقعية السحرية أم أنك تضع أعمالك في تصنيف آخر مختلف؟
- لا أعرف، أنا أكتب واقعا يأخذ من الأسطورة، ويبني واقعا موازيا، ولذلك يصنفونني من كتاب الواقعية السحرية، لكن قطعا تختلف عن الواقعية السحرية اللاتينية لأن لي طريقتي الخاصة في الكتابة.
* ما جديدك؟
- نشرت مؤخرا رواية هي «اشتهاء» عن دار «الساقي»، وهي مغامرة إعادة كتابة لرواية من بداياتي اسمها «صيد الحضرمية»، وأعتقد أن التجربة نجحت إلى حد ما، وربما أعيد كتابة عمل آخر من البدايات.



«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف
TT

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

بعد قراءة صفحات قليلة من رواية الكاتبة اللبنانية نجوى بركات «غيبة مي» (دار الآداب، بيروت 2025) تدرك أنها رواية معنية بالشيخوخة وتداعياتها. خصوصاً الشيخوخة المقترنة بالوحدة، بالعيش المنفرد. نحن هنا في حضرة سيدة لبنانية ثمانينية تُدعى مي، تعيش بمفردها في طابق علوي من بناية سكنية مترفة في بيروت. تصحبنا نجوى بركات في جولة طويلة داخل أيام مي وروتينها المتكرر، ليس ذلك فحسب، إنما تجول بنا أيضاً في تلافيف ذهنها المتراوح بين الصحوة المرهفة وعوارض التآكل تحت وطأة ألزهايمر وما يصاحبه من المظاهر التدريجية للخرف وفقدان الذاكرة. المائة وخمس وعشرون صفحة الأولى من الرواية، أي نحو نصفها، مكرّسة للرصد المجهري لمعنى أن تكون امرأة عجوزاً وحيدة في المرحلة الأخيرة من عمرها، أو بالأحرى في نهاية المرحلة الأخيرة، المرحلة التي يتآكل فيها الجسد ويفقد قدرته على الاستقلال عن الآخرين والاعتماد على الذات، ويصبح محتاجاً للعون في أخص الخصوصيات مثل الاستحمام وتجفيف الجسد بعده وقضاء الحاجة وتمشيط الشعر وإعداد الطعام.. إلخ إلخ. كل ما نؤديه بغير تفكير ولا نتصور أن نشرك فيه أحداً طوال العمر يصبح جهداً فوق العادة ولا تجدي معه المكابرة. لكنه ليس الجسد فقط بل يفاقم من تداعيه التداعي الذهني أيضاً. يصبح العالم كله موضع ريبة. تسيطر علينا الأوهام والخيالات والمخاوف والتوجُّسات. نفقد الثقة حتى بمن نحن في أمسِّ الحاجة لعونهم.

تنفق نجوى بركات 125 صفحة في تصوير هذه المرحلة من الحياة في هذه الحالة الفردية، وتنغمس في أدق التفاصيل، سواء في الوصف الخارجي أو في تسجيل التداعيات الذهنية للشخصية. وما لم يكن القارئ مثابراً، منتبهاً لما تحاول الكاتبة فعله فقد يدركه السأم وينبذ الكتاب. أما أنا الذي عاين ناساً مروا بهذه المعاناة وعاشوا فيها سنوات قبل أن يوافيهم المخلِّص الأكبر، كما شاهدت العديد من الأفلام السينمائية الممتازة التي تناولت هذه الظاهرة المرضية ورصدت تطوراتها في تصوير واقعي تنفطر له القلوب (انظر مثلاً الفيلم الفرنسي Amour (الحب) 2012 للمخرج النمساوي مايكل هانيكه)، فقد كنت واعياً بما تحاول الكاتبة أن فعله، الذي لا يتحقق إلا بالقذف بنا بلا رحمة في أتون التحلل المتسارع لشخصيتها جسدياً وذهنياً، والذي لا يتحقق إدراكه إلا بالمكوث الطويل عند تفاصيل الحياة اليومية التي لا تستحق عادة الذكر أو الوصف إلا لأنها في الشيخوخة المريضة تصبح نضالاً بطولياً من أجل التمسك بأهداب الوعي والوجود الجسدي معاً.

لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لهذا الموضوع بهذه الكفاءة. من هنا كان إعجابي بالنص يزداد كلما أوغل في التفاصيل بإمعان «ناتورالي» أو طبيعي لا يتحرج من شيء ولا يتقزز من شيء كما عهدنا قديماً في أوصاف المدرسة الناتورالية وعَلَمها الأكبر، إميل زولا. في هذا النصف من الرواية لا يبدو أن جنس الشخصية ذو بال. هي امرأة اسمها «مي» لكن كان يمكن أن تكون رجلاً. أعني أن الوهن الجسمي والانحلال العقلي في الشيخوخة المتقدمة ليسا حكراً على جنس دون آخر، وعلى كل ما بين الجنسين من فوارق قد تبرز أو تتوارى في مراحل العمر المختلفة، ففي هذه المرحلة تتلاشى فوارق الذكورة والأنوثة ويتوحد طريق التحلل نحو النهاية. لكن الكاتبة امرأة ولعل المشاهدات الحياتية التي استقت منها الكاتبة خبرتها بالتجربة كانت ذات مصادر أنثوية، فمن الطبيعي أن يكون تجسيد الخبرة عن طريق شخصية مؤنثة.

إلا أن آخر ما كنت أتوقعه أن تتحول الرواية فجأة «وبقدرة قادر» إلى رواية نسوية، فننسى كل ما سبق لكي تجرّنا الكاتبة على غير إرادتنا في اتجاه آخر تماماً في القسم التالي من الكتاب، المعنون «هي»، الذي يستغرق 65 صفحة من الرواية. وليست «هي» إلا ميّ في شبابها، حين كانت ممثلة وكاتبة مسرحية واعدة. كنا في القسم الأول والأكبر من الرواية نتلقى نتفاً في السرد عن طفولة مي وعلاقتها بأبيها وأمها.. إلخ من ضمن تداعيات الأفكار في مونولوغها الداخلي الممتد والمتأرجح بين الذكرى والنسيان واختلاط الملفات. هذا القسم الثاني ينسى مي ويقطع الصلة بـ125 صفحة السابقة ويحكي لنا عن «هي» الشابة وكأنها شخص غير العجوز التي عاشرناها فيما سبق من الكتاب. وأعترف أني لم أفهم الحكمة من هذه البنية. إلا أن ما يثير الحفيظة النقدية فعلاً هو ما أسلفت من أن الرواية تنقلب فجأة وبدون تمهيد ولا ضرورة إلى رواية «نسوية» بالمعنى الآيديولوجي المألوف فهي قصة حب تعيسة بين مي في شبابها ورجل تجتمع فيه كل موبقات الشخصية الذكورية المجسدة لآفات المجتمع البطريركي المضطهد للنساء عقيدياً وممارساتياً. مي هي المرأة الموهوبة الذكية الجميلة المتفوقة التي لسوء حظها أو بفعل من عمى الحب تقع في براثن رجل مخاتل حسود قليل الموهبة والطموح سكيّر مقامر عنيف مستغل لها سارق لمالها بل ومقامر بجسدها حين ينفد ماله على مائدة القمار، وإن كان هذا لا يكفي فهو مجبر لها على إجهاض حمل كانت متمسكة به، وإذ ترفض أن يصحبها إلى طبيب ليجهضها، فإنه يتكفل بالمطلوب بضربها وركلها بوحشية حتى يسقط الجنين وتتعرض حياتها للخطر.

هذه قصة معروفة ومتكررة بلا حصر في الروايات النسوية وغير النسوية وفي الأفلام الميلودرامية.. إلخ. هل كنا حقاً في حاجة إلى أن تُعاد على مسامعنا على امتداد 65 صفحة وحيث تُصور الشخصية الذكورية تصويراً مسطحاً هي شر خالص بلا أي درجة من الرمادية، على نحو ما تمليه الآيديولوجية المبسطة التي تعتقد أن لا سبيل لتحرير المرأة وتعرية الظلم المجتمعي لها ونشره على الملأ إلا بتصوير الذكور في صورة شيطانية خالصة. لا أدري كيف وقعت نجوى بركات في هذا الفخ الواضح المكشوف؟ أكانت حقاً في حاجة لتلك الكتابة النمطية الساذجة بعد أن أبدعت في النصف الأول من الرواية في موضوع إنساني عام قلَّ من كتب عنه وصوَّره ذلك التصوير الدقيق غير المهادن كما فعلت هي. ومما يزيد الطين بلة أنه لا صلة حيوية بين الجزأين بمعنى أن معاناة «مي» مع ذلك الرجل المتوحش ليست هي ما وصل بها إلى الشيخوخة والوهن الجسدي والخرف العقلي، فتلك نهاية نصل إليها جميعاً على نحو أو آخر، سواء عشنا حياة جميلة أو تعيسة، والحقيقة أن مي كانت تجاوزت تجربة شبابها المؤلمة وتزوجت من رجل طيب يحبها وأنجبت منه توأماً وعادت إلى العمل والنجاح المهني. ومن هنا غياب الصلة العضوية بين الكتابة العفوية الإنسانية الكريمة في النصف الأول من الرواية، والانقلاب المؤدلج الساذج في القسم الثاني. تنتهي الرواية بمشهد يستدعى إلى الذاكرة عن طريق تناصٍّ لا أشك أنه مقصود – يستدعى المشهد الختامي لمسرحية تنيسي ويليامز الشهيرة «عربة اسمها الرغبة» (1947) حيث يسلم حارس العمارة مي إلى الطبيب ومعاونيه الذين جاءوا ليصحبوا مي إلى بيت للمسنين بتعليمات من ابنيها اللذين يعيشان في أميركا. لا تعود مي تعرف الحارس ومثل «بلانش ديبوا» في المسرحية تقبل مساعدته قائلة إنها «لطالما اعتمدت على لطف الغرباء». هكذا تفضي الشيخوخة بنا إلى حال من «الغربة» عن أنفسنا وعن الآخرين والعالم أجمع.

«غيبة مي» رواية أفلتت من يد الكاتبة على نحو مؤسف. كان بإمكانها أن تكون رواية أصيلة متميزة في موضوعها وفاتحة لباب جديد في الكتابة عن الشيخوخة، فإذا بها تنعطف لغير ما سبب في «سكة الندامة» التي انتهت بها رواية نسوية عقيدية ساذجة. من كان يريد أن يحظى من الرواية بأفضل ما فيها فليتوقف عن القراءة عند الصفحة 126، حيث كان يجب على الروائية أن تتوقف عن الكتابة. لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لموضوع الشيخوخة بهذه الكفاءة حتى الصفحة 126 حيث كان يجب أن تتوقف


حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام
TT

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

صدر حديثاً عن دار «المحرر»، في القاهرة، كتاب «أيام الغضب والحب»، للروائية المصرية نهى محمود، وهو كتاب سردي لا ينتمي إلى أي من الأنواع الأدبية المعروفة، بل نصوص مفتوحة، تقف على التخوم بين السرد واليوميات والتأمل؛ لذا آثرت المؤلفة أن تضع على الغلاف أسفل العنوان كلمة «نصوص»، تحاشياً لحصر الكتاب في لون أدبي بعينه.

يتكون الكتاب من خمسة عشر فصلاً قصيراً، تحمل عناوين دالة مثل «الكثير من الحزن والإندومي»، و«الرايات الخضراء في قلبي»، و«الحب والغضب مشعلاً الحرائق الرائعة»، و«عن الأشياء المحببة البغيضة»، ينفتح فيها السرد على مشاعر متناقضة، بين الحب والغضب والفقد والأمومة والعزلة، عبر لغة تلامس تخوم الشعرية، دون أن تفقد طاقاتها السردية والحكائية، مع مراوحات بين تأمل الذات وتأمل العالم من حولها، والوقوف على الحدود الفاصلة بين متناقضات شتى، كما تشير في أحد العناوين بشكل مباشر «هناك في البين بين». فهذه البينية تنتظم الكتاب كله، من حيث البناء الجمالي والشكلي للنصوص، وأيضاً من حيث الموضوعات والقضايا المسرود عنها داخل هذه الوحدات السردية.

في فصول الكتاب، تحضر تفاصيل حياتية مثل علاقة الكاتبة بابنتها، أو بأمها، كما أن ثمة حضوراً واضحاً لأفلام سينمائية مصرية وعالمية، كما تبرز أصناف متعددة من الطعام، وربط الكاتبة بين حالاتها وعلاقة ذلك ببعض الأفلام والأطعمة، فتنتقل من الذاتي إلى الموضوعي، وينفتح اليومي والعادي على الوجودي والنفسي، مثلما تقول في أحد المواضع «مررت طوال الشهور السابقة بحالة من التجمد، ليست مثل تلك التي تصل لها الأطعمة المجمدة في الفريزر».

ونهى محمود كاتبة وصحافية مصرية. صدرت لها روايات «راكوشا» و«الحكي فوق مكعبات الرخام» و«هلاوس» و«سيرة توفيق الشهير بـ توتو»، وكتب سردية منها «بنت من ورق» و«كراكيب نهي»، والمجموعتان القصصيتان «الجالسون في الشرفة حتى تجيء زينب» و«السير في طرق ممتدة وبعيدة».

من أجواء الكتاب نقرأ: «تحتاج مشاعر غامضة مثل الحب والغضب إلى وعي جمعي، بشر يكتبون عنها كثيراً، ويتكلمون في حلقات حميمية أو جلسات علنية تذاع عبر وسائل التواصل وغيرها، ليشعر البشر كيف أن غيرهم أيضاً يشعر بما يملأ قلوبهم، وأن الأمر لا يخص واحداً سيئ الحظ، وإنما لعنة جماعية تصيب الجميع.

أحياناً أو طوال الوقت، أضيّع سنوات من عمري... أخبط رأسي في الباب المغلق ذاته، ولا تجيء على خاطري أي فكرة أخرى سوى الاستمرار في الطرق، حتى يمر عابر بالصدفة، ويشير لي إلى مقبض الباب، أنظر نحو المقبض بدهشة، أديره وأخرج».


باحثون سعوديون يبحثون في الطائف العلاقة بين «الثقافة والسياحة»

الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
TT

باحثون سعوديون يبحثون في الطائف العلاقة بين «الثقافة والسياحة»

الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)

يلتقي جمعٌ من المثقفين والأكاديميين السعوديين، في ندوة تبحث في العلاقة بين الثقافة والسياحة، تستضيفها محافظة الطائف (غرب السعودية)، أشهر الوجهات السياحية في المملكة، والمسجلة ضمن المدن المبدعة في الأدب في منظمة «اليونيسكو».

وتحمل الندوة عنوان: «الثقافة والسياحة... القيم المشتركة»، وتنظمها مؤسسة «أدب» الثقافية، ومركز عبد الله بن إدريس الثقافي، حيث تأتي في إطار تعزيز التكامل بين القطاعين الثقافي والسياحي، وإبراز الدور الذي تؤديه الثقافة في دعم التنمية السياحية، واستثمار المقومات الحضارية والتراثية التي تزخر بها البلاد، انسجاماً مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وتتناول أوراق العمل التي يشارك فيها نخبة من الباحثين السعوديين؛ العلاقة بين الثقافة والسياحة من جوانبها الفكرية والتنموية والاقتصادية والاجتماعية، بما يسهم في إثراء الحوار الوطني وتبادل الخبرات. ويتضمن برنامج الندوة ثلاث جلسات علمية وحواراً ثقافياً مفتوحاً مع الخبراء المشاركين.

وتحمل الجلسة الأولى، عنوان: «الثقافة والسياحة.. القيم المشتركة بين الثقافة والسياحة (المفاهيم والمرتكزات)»، ويديرها عطاء الله الجعيد، ويشارك فيها الدكتور سعود الصاعدي بورقة عنوانها: «جدلية السياحة والثقافة بين المعالم والمفاهيم نحو نموذج مشترك»، والدكتور عبد الله المطيري، بورقة عنوانها: «هبة الأرض: تأملات أولية في السياحة»، والدكتور محمد اللويش، بورقة عنوانها: «حديث المكان: بناء الهوية الثقافية وتشكيل الوعي السياحي»، والدكتور ماهر الشبل بورقة بعنوان: «من الرحلة إلى الفكرة».

أما الجلسة الثانية فتحمل عنوان: «الثقافة وصناعة التجربة السياحية من الموروث إلى الجاذبية»، وتديرها الدكتورة مستورة العرابي. ويشارك فيها الدكتور إبراهيم البعيز بورقة بعنوان: «دور الإعلام في تجسير العلاقة بين الثقافة والسياحة»، والدكتور صالح زمانان بورقة بعنوان: «المسرح والفنون الأدائية في التنمية السياحية: مقاربة ثقافية في السياق السعودي»، والدكتورة رانية العرضاوي، بورقة بعنوان: «الرحلة السياحية الثقافية: هوية المكان وصناعة الذاكرة الجاذبة».

أما الجلسة الثالثة فتحمل عنوان: «الهوية الثقافية وصورة المكان في الوعي السياحي»، ويدبرها الدكتور أحمد الهلالي، ويشارك فيها: سليمان الناصر، بورقة بعنوان: «من الجغرافيا إلى المعنى: القيم التي تسمو بالسفر»، والدكتورة نورة القحطاني، بورقة بعنوان: «الهوية الثقافية وصناعة صورة المكان: مقاربة من منظور الدراسات الثقافية على التجربة السعودية»، وسلطان البازعي، بورقة بعنوان: «الثقافة... عنصر جذب سياحي»، والدكتور ياسر المطرفي، بورقة بعنوان: «الحج مختبراً ثقافياً: مشروع مقترح في ضوء نموذج الأبعاد الثقافية».